تفسير سورة النساء - 40
عدد الزيارات 2702

عناصر المادة :
تفسير الآية (148)
تفسير الآية (149)
تفسير الآيتين (150-151)
تفسير الآية (152)

التزم فيه على نفسه أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧].
ثم قال: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: ١٤٧]، مَا يَفْعَلُ(ما) هنا استفهامية، يعني: أي شيء يفعله الله بعذابكم، إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْأي أنكم إذا شكرتم الله عز وجل على نعمه وقمتم بطاعته وآمنتم فإن الله لن يعذبكم؛ لأنكم لا تستحقون العذاب حسب وعده، فأي شيء يفعله الله بكم إذا قمتم بشكره والإيمان به.
وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًاكان الله شاكرًا، شاكرًا لمن؟ لمن يستحق الشكر من عباده القائمين بأمره، كما قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، عَلِيمًاأي عليمًا بمن يستحق الشكر من عباده، وهم الذين قاموا بطاعته.
في هذه الآية من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى غني عن عذاب الخلق إذا قاموا بالشكر والإيمان.
ومن فوائدها: أن من لم يشكر الله أو لم يؤمن به فإنه عرضة للانتقام والعذاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى نفى العذاب لمن شكر وآمن، وهذا يدل على أن من لم يشكر ويؤمن فإنه معرَّض للعقاب، وهذا هو الواقع، قال الله تبارك وتعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: الشاكر، والعليم.
فإذا قال قائل: كيف يشكر اللهُ عبادَه؟
قلنا: بأن يثيبهم على ما عملوا أكثر مما عملوا، هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠].
ثم قال الله تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَنقف على هذا.
طالب: جزاكم الله خيرًا، في قول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [النساء: ١٦٥] قال بعض الناس: إن الحجة هنا هي الحجة في أمور التكليف والعبادات الشرعية، أما الحجة في أمور التوحيد فهي قائمة بمقتضى آية الميثاق، فمن خالف أمور التوحيد فهو كافر مخلَّد في النار حتى ولو لم تصله دعوة الرسل، فما قولكم؟
الشيخ: هذا غير صحيح، نقول: من خص هذا؟ وآية الميثاق لا يعني أن الإنسان يعاقَب في أمر لا يدري عنه ولا يعلمه، هو ما فطره الله في النفوس، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
الطالب: قالوا يا شيخ: إن في الآية قال الله تعالى: أَنْ تَقُولُوافي سورة الأعراف، أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ [المائدة: ١٩].
الشيخ: لا.
الطالب: نسيتها.
الشيخ: ساعدوه.
الطلبة: تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ.
الشيخ: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، هذا كقوله: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون [الزخرف: ٢٢]، والآية الثانية: وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون [الزخرف: ٢٣]، ولا بد من أن يكون هناك علم، وإلا كيف يعبد الإنسان ربه وهو لا يدري؟
طالب: شيخ، ذكرنا أنه ببعثة الرسل تكون الحجة لله على المؤمنين.
الشيخ: على العباد.
طالب: شيخ: قلتم: المؤمنين.
الشيخ: لا، على العباد.
طالب: هل التجارة مع الكفار وكذلك إذا (...) وكذلك أمور البيع (...) هذا يكون من أولياء الكفار؟
الشيخ: معاملة الكفار بالاتجار ليست ولاية، الولاية: المناصرة والاعتماد عليهم، وكونه يخشى من معرّتهم، وأما الاتجار فلا بأس، لكن لا شك أن الإنسان إذا دار الأمر بين أن يتاجر مع كافر أو مع مؤمن لا شك أن اتجاره مع المؤمن أولى.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، في بعض البلاد التي يتواجد فيها الكفار ويعملون هناك تجد مع الوقت يصبح المسلم لا يبغضهم، وقد مع العادة يذهب ما في قلبه من بغض الكفار، وقد يصادقهم، فهل هذا داخل في أنه يواليهم؟
الشيخ: إي نعم، لا شك أن هذا عنده خلل في الدين؛ لأن هذا نوع من الولاء، الواجب أن أعاملهم لمصلحتي أنا، لا لمصلحتهم هم، وأن أعاملهم بمعاملة دون أن يصل أثرها إلى القلب، وإلا من المعلوم أن الإنسان إذا أحسن إليه أحد سيحبه، لو أن طبيبًا مثلًا من الكفار عجز الأطباء المسلمون عن معالجة هذا المريض، وهذا الطبيب الكافر عالجه، فبرئ بإذن الله، لا شك أنه سيقع في قلبه المحبة لهذا الرجل، لكن ليست محبة تصل إلى محبة الدين، إنما هي محبة طبيعية أن الإنسان يحب من أحسن إليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥] أن المنافقين أشد كفرًا من بعض الكفار الأصليين؟
الشيخ: إي نعم، لا شك، والمنافق أشد؛ لأن المنافق جامع بين الأمرين، بين الكفر والخداع؛ ولهذا قال الله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤]، فحصر العداوة فيهم؛ لما يحصل فيهم من المفاسد العظيمة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الإنسان يجد حرجًا في التسليم على بعض الكفار..
الشيخ: حرجًا؟
الطالب: مثلًا عندما نرى الإنسان مر على أناس من النصارى من أهل البلد عندنا عمال أو كذا فيشير عليهم فقط، هل هذا جائز؟
الشيخ: لا، لا يشير عليهم، لكن هل هو يتيقن أن هؤلاء كفار؟
الطالب: نعم، لا يصلون جانبك، بعضهم لا يصلون (...) وقت الصلاة يخرجون فينتظرون؟
الشيخ: إذن لا يسلموا عليهم.
الطالب: شيخ، حتى لو من باب الدعوة (...) كذا..
الشيخ: باب الدعوة شيء آخر، لكن هذا الذي مر في الطريق هل هو سيقف يدعوهم؟
الطالب: لا يعني..
الشيخ: من باب التأليف يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: حتى من باب التأليف، أما الرسول قال: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» .
طالب: حتى الإشارة يا شيخ (...)؟
الشيخ: هم يعدونها تحية، لعلهم يرون أن الإشارة أعظم من السلام، لكن كما يوجد في بعض الناس يكون في دائرة رئيسها غير مسلم، فهنا إذا دخل لا بد أن يسلم؛ لأنه مضطر لهذا، ربما لو لم يسلم لامتلأ قلب هذا الكافر عليه غيظًا وعطّل مسيرته، فمثل هذا يقول مثلًا: صباح الخير، صباح الخير لمن؟
طالب: للمسلمين.
الشيخ: لا، لنفسه وللمسلمين، يعني ما قصد صباح الخير لك، وهو ربما يفهم أنه له، وهذا من باب التورية الجائزة.
طالب: عفوًا يا شيخ، لو أقمت كيف أفعل معهم؟
الشيخ: مع من؟
الطالب: مع هؤلاء (...) كل يوم ويبتسم في وجهي؟
الشيخ: إذا ابتسموا ابتسم لكن لا تبدأهم.
الطالب: شيخ، بارك الله فيك، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، هذا يا شيخ مضى في الدرس السابق، الآن ليس لنا هذا، فإن ظهر النفاق نقتل، (...) لماذا؟
الشيخ: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم داعٍ يدعو الناس إلى دين الله، فإذا كان داعيًا يدعو الناس إلى دين الله ويحثهم على الدخول فيه ثم صار يقتل أصحابه نفر الناس.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أبدًا، ما هو بصحيح، أولًا أن الأمة الإسلامية كما ترى الآن متوزعة، كل واحد أمير على بلد، والثاني أن الناس ما يشعرون؛ لأن ولاية هؤلاء الأمراء كولاية الرسول.

***

تفسير الآية (148)
00:10:21

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٤٨ - ١٥٢].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، لا يخفى أن هذه الجملة جملة خبرية منفية، لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ، والجهر بالسوء معناه أن يقول: فلان ظلمني، فلان أخذ حقي، وفلان جحده، وما أشبه ذلك، فالله لا يحب هذا إلا من ظُلِم بأخذ حقه أو العدوان عليه، فإن محبة الله لا تنتفي في حقه، مثال المظلوم: لو أن إنسانًا آذاه جاره فصار يتكلم عند الحاكم أو عند الأمير أو عند من يستطيع أن يزيل مظلِمته ويجهر بهذا السوء، وليس المراد بالجهر أن يصوّت بين الناس، المراد أن يبيّنه لغيره، فإن هذا مظلوم، فله أن يقول ذلك، ومن هذا قصة الجار الذي كان يؤذي جاره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج متاعه عن بيته، فيمر الناس به فيقولون: ما هذا؟ فيقول: آذاني جاري ، فصار في هذا فضيحة للجار بالقول أو الفعل؟ بالفعل.
ومن الجهر بالسوء ممن ظُلِم أن يسبك إنسان أمامك ويقول: أنت بخيل، أنت جبان، أنت سفيه، وما أشبه ذلك، فلك أن ترد عليه بمثل ما وصفك به من العيب، فتقول: السفيه أنت، الجبان أنت، البخيل أنت، كما قال، بدون زيادة؛ لقول الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم [البقرة: ١٩٤]، ولقوله: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه [النحل: ١٢٦]، ولقوله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤١، ٤٢]، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» .
كل هذه النصوص تدل على أنه يجوز الجهر بالقول ممن كان أيش؟ مظلومًا.
ومن ذلك ما يفضيه الإنسان إلى صديقه ورفيقه في شكاية الحال، كما لو كان إنسان ظلمه شخص وجاء إلى صديقه يتحدث ويقول: فلان فعل بي كذا، فعل بي كذا، فعل بي كذا.
ومن ذلك أيضًا الزوجة تشكو ما يحصل من زوجها إلى أخواتها، إلى أمها، وما أشبه ذلك؛ لأن كل هؤلاء أيش؟ مظلومون، وقد استثنى الله تعالى من ظُلِم.
ومن ذلك إذا قال: لعنك الله، فقل: لعنك الله أنت؛ لأن هذا اعتداء بمثل ما اعتدى عليك.
وعلى هذا نقول: إن الجهر بالسوء من القول إذا كان من مظلوم فإن محبة الله لا تنتفي عنه، وهذا من نعمة الله عز وجل ورفع الحرج عن الأمة؛ لأنه لو كان الله لا يحب الجهر بالسوء من القول حتى من المظلوم صار في هذا حرج؛ لأن المظلوم يكاد يتشقق صدره حتى يتحدث عما في صدره من الظُّلامة فيخف عليه الأمر.
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا، سَمِيعًالأقوالكم، عَلِيمًابما في قلوبكم، يعني: فاحذروه، احذروا أن تقولوا ما لا يرضاه، احذروا أن تُخفوا في صدوركم ما لا يرضاه.
في هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، أي أن الله يحب، ووجه الدلالة أننا استدللنا على الإثبات من النفي، كيف نستدل على الإثبات بالنفي؟ لأن هذا النفي خُصّ بحال معينة، فيكون دليلًا على أن ما سوى ذلك تثبت به المحبة، والمحبة -محبة الله عز وجل للعبد- هي غاية ما يتمناه الإنسان، وأكمل مراتب الإنسان، ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، ولم يكن الجواب على ما يُتوقع من أن يقال: فاتبعوني تصدقوا في دعواكم، قال: اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وهذا هو الغاية، ومحبة الله عز وجل تُنال بهذا الشرط، وهو شرط يسير لمن يسره الله عليه -نسأل الله أن ييسره لنا ولكم- وهو أيش؟ اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهرًا وباطنًا، في العقيدة والقول والفعل، إذا حققت ذلك فإن محبة الله سوف تنالها.
أنكر قوم محبة الله كالأشاعرة -نسأل الله أن يعفو عن الأموات منهم وأن يهدي الأحياء- أنكروا المحبة، وقالوا: إن الله لا يحب، لكن إنكارهم إياها ليس إنكار جحود؛ إذ لو كان إنكار جحود لكفروا؛ لأنه تكذيب لما أثبته الله لنفسه، لكنه إنكار تأويل، قصدوا به تنزيه الله لكن ضلوا، قالوا: إن المحبة لا تقع إلا بين متجانسين، والله عز وجل مباين للخلق، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، إذن ما معنى المحبة التي جاءت في الكتاب والسنة؟ قالوا: إن المحبة هي الإحسان، ففسروها بأمر بائن منفصل عن الله، أو هي إرادة الإحسان؛ لأن الإرادة عندهم ثابتة لله عز وجل.
فيقال لهم: هل الإحسان إلا ثمرة المحبة؟ وهل إرادة الإحسان إلا ثمرة المحبة؟ لأن الله لا يُحسن إلى من لا يحب إلا على سبيل الاستدراج، ولهذا إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معاصيه فاعلم أن ذلك استدراج، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢].
إذن عقيدتنا أن الله عز وجل يحب، وأنه يُحَب جل وعلا، وأن محبته أعلى المراتب وأفضل المنازل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن الإسلام، وأن الإسلام يدعو إلى التغاضي وعدم الجهر بالسوء، وألا تفضح أحدًا بسوء، ولهذا كانت الغيبة من كبائر الذنوب، وهي: ذكرك أخاك بما يكره.
ومن فوائد هذه الآية: عدالة الإسلام، وجه ذلك أنه رُخِّص للمظلوم أن يجهر بالقول لكن بحسب مظلمته، لا يزيد، فإن زاد فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدين الإسلامي لا يكبت النفوس، بل يوسع لها، ويشرح الصدور، ويدخل السرور، ولهذا نُهِي الإنسان أن يتعرض لما فيه الغم والهم والوساوس والأوهام، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي يشك هل خرج منه ريح أو لا، قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» . والمعنى: حتى يتيقن يقينًا مثل الشمس، أما مجرد التخيل أنه خرج من بطنه شيء أو من دبره شيء أو من قُبله شيء فهذا يجب أن يُطرح، لماذا؟ لئلا يقع الإنسان في تذبذب وتردد.
الدين الإسلامي يريد منك أن تكون دائمًا في سرور، دائمًا مبسوطًا. وجه ذلك من هذه الآية أنه رُخِّص للمظلوم أيش؟ أن يجهر بالسوء بقدر مظلِمته؛ لأن ذلك تنفيس عن نفسه بلا شك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل، وهما: السميع والعليم، أما السميع فقال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: سمع بمعنى إدراك المسموع، وسمع بمعنى الاستجابة، والسمع الذي بمعنى إدراك المسموع يتنوع أيضًا، تارة يُراد به بيان إحاطة الله تعالى بكل مسموع، وتارة يراد به التأييد والنصر، وتارة يراد به التهديد، على حسب ما تقتضيه الحال والسياق، فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١]، وهذه المرأة كانت في حجرة النبي عليه الصلاة والسلام في الأرض، والرب عز وجل في السماء فوق عرشه، وتقول عائشة: الحمد لله الذي وسِع سمعه الأصوات، لقد كنت في الحجرة وإنه ليخفى عليّ بعض حديثها، والله عز وجل يقول: سمع قول التي تجادل، ويسمع تحاوركما . هذا سمع يراد به أيش؟ بيان إحاطة الله بكل مسموع.
وتارة يراد به التأييد والنصر، مثل قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، يعني فأؤيدكما وأنصركما، وقد يراد بذلك في هذه الآية التهديد أيضًا، تهديد من؟ تهديد فرعون.
وأما الذي للتهديد فمثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١]، من هؤلاء، من هم؟ اليهود، قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، قال الله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق [آل عمران: ١٨١]، هذا لا شك أن المقصود به التهديد.
وكذلك قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]، فهو مسموع مكتوب، وستكون القراءة متى؟ يوم القيامة، وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٣، ١٤]، قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك . خذ هذا الكتاب اقرأه حاسب نفسك.
القسم الثاني من أقسام السمع أيش؟ سمع الاستجابة، أن الله يستجيب، وذلك فيما إذا أضيف إلى الدعاء أو نحو ذلك، مثل قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، أي: لمجيبه، وليس مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن الله يسمع دعاءه فقط؛ لأن سماع الدعاء لا شك أنه كمال، وأن الله تعالى مدرك لكل مسموع، لكن المقصود من دعاء الداعي أيش؟ الاستجابة، فيكون معنى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] أي: لمستجيب الدعاء، قالوا: ومن ذلك قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، وهذا حق، ويؤيد ذلك أنه عُدِّيَ باللام: سمع الله لمن حمده، ولو كان المراد إدراك الحمد أو إدراك قول الحامد لقال: سمع الله من حمده.
أما العليم فهذه أوسع شيء، علم الله تعالى محيط بكل شيء جل وعلا، محيط بالظاهر والباطن، بالماضي والمستقبل، بالواجب والممكن والمستحيل، ولهذا لا شيء أعم من العلم فيما يحضرني الآن، العلم شامل جدًّا، فهو يتعلق بالماضي والمستقبل، ومن ذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام حين سأله فرعون: مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه: ٥١]؟ قال: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢] سبحانه وتعالى، لَا يَضِلُّجهلًا، وَلَا يَنْسَىذكرًا، بل هو جل وعلا عالم بكل شيء، ولا ينسى الماضي، بينما العالم سوى الله أهل للنسيان.
كذلك علم الله عز وجل محيط بالظاهر والباطن، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، ولا شيء أخفى من هذا، ما توسوس به نفسك وتحدثك به نفسك فالله تعالى يعلم به، وأما الظاهر فظاهر علم الله به، وكذلك أيضًا علم الله محيط بالواجب والممكن والمستحيل، أما المستحيل فكقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، هذا خبر عن علم ولّا عن غير علم؟ عن علم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون في السماوات والأرض آلهة سوى الله، مستحيل غاية الاستحالة، فهذا خبر عن مستحيل صادر عن علم، أما العلم بالواجب فعلمه تعالى بنفسه وبما له من الأسماء والصفات، فإن هذا من العلم بالواجب، وهو أعلم بنفسه من غيره.
وأما تعلقه بالممكن فعلمه بما يحدث في الكون، كل ما يحدث في الكون من غير ما يتعلق بالله عز وجل فهو أيش؟ ممكن؛ لأن الكون كله حادث بعد أن لم يكن «كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ» ، وفي لفظ: «وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ» ، فكل الكون حادث، كل الكون قابل للزوال؛ لأن كل حادث قابل للزوال، بدليل عدمه قبل وجوده.
وكلمة (قابل) ليس معناها أن كل موجود فانٍ، لكنه قابل للفناء، وإنما قلنا ذلك لئلا يرد علينا الروح، الروح مخلوقة بعد العدم لكنها باقية لا تفنى، الوِلْدان والحور في الجنة مخلوقة، ولكنها لا تفنى، تبقى أبد الآبدين، الجنة أيضًا مخلوقة وتبقى أيش؟ أبد الآبدين، النار مخلوقة وتبقى أبد الآبدين، ولهذا نقول: كل موجود قابل أيش؟ للزوال، لا أنه زائل؛ لأن من المخلوقات لا يزول، لكن كونه حادثًا بعد أن لم يكن دليل على أنه من أقسام الممكن القابل للعدم والوجود. ووجه ذلك أنه لو لم يكن قابلًا للوجود لم يوجد، ولو لم يكن قابلًا للعدم لم يُعدم أولًا.
المهم أن علم الله تعالى محيط بكل شيء. ويا إخواني، إيماننا بعلم الله ليس أن نؤمن بهذه الصفة العظيمة الواسعة الشاملة، لكن المهم أن نحذر من أن يعلم في قلوبنا ما لا يرضاه عنا، أو أن يعلم من أفعالنا ما لا يرضاه عنا، أو من أقوالنا ما لا يرضاه عنا، أو مما نترك ما لا يرضاه عنا، هذا هو المهم.
ولهذا يجب أن يركز طالب العلم على الفوائد المسلكية التي تُستفاد من أسماء الله وصفاته، لا على أقسامها وتقسيمها وعمومها وشمولها، لا، أهم شيء أن تعدل من منهجك ومسلكك، ولهذا قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠] اعبدوه بها، أن تعبدوه بمقتضى هذه الأسماء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، ومن إحصائها التعبد لله بمقتضاها وفقني الله وإياكم لذلك.
طالب: إذا قال قائل: إن علم الله سبحانه وتعالى بالأشياء التي تحدث في الأرض لا يكون ممكنًا؛ لأنه جل وعلا لما علم أن الشيء سيصير صار هذا الشيء واجبًا؟
الشيخ: لا، غلط، هذا غلط؛ لأنه واجب الوقوع بإخبار الله، لكن أصله ممكن.
طالب: إذا قال رجل كريم لرجل: أنت بخيل، فكيف يجيبه الثاني وهو كريم؟
الشيخ: نعم، وهو كريم القائل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم في هذه الحال يقول: حسبك الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل؛ لأنه إن قال: أنت بخيل، صار كاذبًا، لكن لعله يجد صفة تقابل البخل.
الطالب: وليقل بها؟ إذا كان جبانًا، هل يقول..
الشيخ: إي نعم، هذا الذي أريد أن أقول، أقول: لعله يجد صفة أخرى تكون مكافئة للبخل؛ لأن الجبان بخيل بالنفس، وعدم الإنفاق بخل بالمال.
الطالب: هذا ليس اعتداء بالمثل؟
الشيخ: لا، مثله، المقصود صفة ذم تقابل هذا، لكن لو قال: أنت مبتدع، ما صار مثله.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ما ضابط الأعمال التي يجوز القصاص فيها دائمًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني أحيانًا يقول مثلًا: لعنة الله، فنقول: لعنة الله. لكن لو أنه مثلًا لاقى به (...) ما (...).
الشيخ: لا، هذا أصلًا محرم بذاته، وما ذكرناه محرم؛ لكونه عدوانًا على غيره، يعني مثلًا كوني أقول: لعنه الله، أو أصفه بالبخل أو ما أشبه ذلك، إنما حرم لأنه عدوان على الغير، فإذا كان عدوانًا على الغير ثم هو انتهك حرمتي فلي أن أنتهك حرمته، أما ما كان محرمًا بحق الله فلا يمكن أن تقابله.
طالب: الحرق بالنار يا شيخ؟
الشيخ: من أتى هذه يحرّق، يعني لو أن إنسانًا قتل شخصًا بالنار قتلناه بها.
طالب: شيخ، لا نستطع أن نميز بين الأعمال التي تكون من حق الله وبين..؟
الشيخ: لا، هذه مكافأة، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم [البقرة: ١٩٤]. ولهذا رضّ النبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهوديّ بين حجرَيْن .
طالب: لو أن أحدًا سب آخر بأبيه، هل يردها ولو بأبيه؟
الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم في جملة ما عدّ من الكبائر: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» ، فظاهر هذا الحديث أنه لا بأس إذا سبّ أبي، وأبي خالٍ من هذه المسبة، أنا أسب أباه؛ لأن المقصود إهانة هذا الرجل، ما هو إهانة الأب، إهانة الرجل.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، الاستثناء إذا جاء بعد النهي يفيد الإثبات، مثلًا: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ، إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨] يعنى يحب من؟ يحب الجهر..
الشيخ: لا، لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فمن ظُلم فإنها لا نقول: إنها تنتفي عنه المحبة..
الطالب: فهل يحب؟
الشيخ: لا، قد تكون يحب وقد لا يحب، ولهذا نقول: من ظُلِم فله أن يفعل، فينتفي عنه انتفاء المحبة، وقد يكون من ظُلِم الأفضل له أن يعفو ويصفح.
الطالب: لهذا جاء (...) وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل: ١٢٦].
الشيخ: إي نعم، هو هذا، أنه ليس معناه أن من ظُلِم أن الله يحب أن يجهر، لا، من ظُلِم فإنه ينتفي عنه انتفاء المحبة، واضح؟
طالب: أحسن الله إليك، رجل مبتدع داع إلى البدعة، هل يجوز لك أن تذكره هو وبدعته عند الناس؟
الشيخ: إي نعم، تحذّر منه نصحًا لله ورسوله.
(...) ظاهر الحديث أن من هم بحسنة ومن هم بسيئة أنهم يعلمون ذلك، لكن بعلم الله عز وجل.
طالب: كيف (...).
الشيخ: يعني يعلمون بعلم الله، بمعنى أن الله يعلمهم بهذا.
طالب: شيخ، بارك الله فيك يا شيخ، بعض أهل العلم المشهود لهم بالعلم يقول: إنه لا يُعَدّ الشخص مبتدعًا إلا إذا أقيمت عليه الحجة، أما قبل أن تقام الحجة فإنه ولو وقع في البدعة فإنا لا نسميه مبتدعًا؟
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما ذكرت لك، ألا يتبع هذا المنهج.. يعني منهج الأشاعرة بدعتهم ليست في الصفات فقط، في الصفات، في أفعال العباد، في القدر، في الإيمان، لكن لو أخطأ رجل في مسألة ما هذا لا يعد مبتدعًا، ما يقال: أشعري مثلًا، وضربت لكم مثلًا بالمذاهب الفقهية.
طالب: بارك الله فيك، كيف يثني الله سبحانه وتعالى على العافين عن الناس، وهنا في الآية الأخرى يخاطب المؤمنين بأنه يعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليه، كيف (...)؟
الشيخ: لأن العفو مقيد، ليس كل عفو محبوبًا إلى الله، قيد الله العفو بقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ [الشورى: ٤٠]، فإذا لم يكن بالعفو إصلاح لا تعفُ.
الطالب: يعني الآن إذا سبني، هل الأفضل أن أسكت أم..؟
الشيخ: إذا ظننت أن سكوتك يؤدي إلى عدوان الرجل واستعلائه عليك وعلى غيرك فسبّه منين ما سبك، وإذا ظننت أن سكوتك لا يحصل به هذه المفسدة وربما تزول به مفسدة المشاجرة التي قد تؤدي إلى عداوة وبغضاء وربما إلى قتال فاعفُ.
الطالب: إذن المسألة مسألة مصالح ومفاسد؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحيانًا قد يريد الإنسان أن ينصح أخاه بالخير، ولكن هو نفسه يعني غير مطبق لهذا الخير فيحجم، ويقول: أنا أخشى أن أقع في الوعيد بأني في الذي تندلق أقتابه في النار فيدور حولها كما يدور الحمار على الرحى ؟
الشيخ: هل قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا ليصد الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ليحذرهم من كونهم يأمرون ولا يفعلون؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، إذن مر ثم خجِّل نفسك، قل: كيف تأمرين الناس بهذا الشيء وأنت لا تفعلين؟ وكذلك العكس في النهي، لا تظن أن الرسول قال هذا لأجل أن يحذرنا من أن نأمر الناس ولا نفعل، إنما يحذرنا من أن نأمر بالخير ثم نستمر في تركه.
طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ، شيخ، هل القول يشمل فعل (...)؟
الشيخ: لا بس هذا هو الغالب (...) جهلكم بالقول.

***

طالب: وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا[النساء: ١٥٠ - ١٥٢].

تفسير الآية (149)
00:41:08

الشيخ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، قوله تعالى: إِنْ تُبْدُواهذه هي الجملة الشرطية، وجواب الشرط قيل: إنه محذوف، وقيل إنه قوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، وإن هذه الجملة وإن كان ظاهر الحال أنها لا رابطة بينها وبين الشرط لكنها تدل عليه، وسنتكلم إن شاء الله على هذا.
قال: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ، تُبْدُواأي: تظهروا، ومن أين عرفنا أن الإبداء بمعنى الإظهار؟ من ذكر مقابله، وهو قوله: أَوْ تُخْفُوهُ.
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، أنه ربما يخفى عليك معنى بعض الكلمات فانظر إلى ما يقابلها، فقوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١] لو أن أحدًا سألك: ما معنى (ثبات)؟ لعرفت معناها من ذكر معادلها؛ وهو قوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا، فيكون معنى (ثبات) أي: فرادى.
إذن تظهروا خيرًا أو تخفوه فلم تعدموا أجره، فسوف تؤجَرون عليه؛ لأن الخير مطلوب ونافع، سواء كان مُبْدًى أو مُخْفى، في مقابل ذلك أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، تَعْفُواالعفو هو الإبراء من التبعة، فالمعنى: تَعْفُوا عَنْ سُوءٍأي: تبرئوا من أساء إليكم من تبعة سوئه.
وقوله: عَنْ سُوءٍأي: عما يسوء من قول أو فعل، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًاأي أنه ذو عفو مع القدرة على الانتقام ممن أساء، فإذا كان الله تعالى عافيًا عمن أساء مع القدرة فأنتم ممن باب أولى أن تعفوا؛ لأنكم ليس لديكم من القدرة على الانتصار للنفس والانتقام من المجرم كالذي عند الله عز وجل.
يقول تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ.
نستفيد من هذا فوائد:
أولًا من الفوائد: أن الخير خير، سواء أُبدي أو أُخفي، فإن قيل: أيما أفضل: الإبداء أو الإخفاء؟ فقد يقول قائل: الإخفاء أفضل، وقد يعارَض قولُه بكون الله تعالى بدأ بالإظهار؛ قال: إِنْ تُبْدُوا، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم. ولكن الذي يظهر أن ذلك راجع إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإظهار أظهر، مثل أن يكون رجلًا ذا أسوة إذا أظهر ما عنده من الخير تأسى به الناس وفعلوا فعله، فهذا طيب، سواء كان ذلك على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يتصدق على شخص معين حتى يراه الناس أنه يتصدق عليه فيقتدوا به؛ لأن كثيرًا من الناس الآن لا يتصدق على أحد إلا إذا علم أن الجهة الفلانية تصدقت عليه؛ كجمعية البر الخيرية مثلًا. إذن نقول: الإبداء والإخفاء يرجع إلى المصلحة، فإن لم تظهر المصلحة الراجحة في الإبداء فالإخفاء أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» .
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحسان إلى الغير إما بإعطاء الخير ظاهرًا أو خفيًّا، وإما بدفع السوء، وذلك بالعفو عنه؛ لقوله: أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، فالعفو عن السوء خير، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، فيستفاد من ذلك فضيلة العفو عن السوء، ولكن هل نقول: إن العفو أفضل مطلقًا، أو تبع المصلحة؟ الثاني، تبع المصلحة.
ولهذا قيّد الله العفو في مكان آخر بقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، فإذا كان في العفو إصلاح فهو أفضل، وإن كان في العفو إفساد فالانتصار أفضل، فمثلًا لو كان هذا الرجل شريرًا لو عفونا عنه لازداد في شره واعتدائه على الناس، فهنا الانتصار أفضل؛ أولًا: لإعطاء النفس حظها؛ لأن النفس تحب أن تنتصر لا شك، وثانيًا: لكف شره عن الناس، فيكون هنا الانتصار أفضل، وأما إذا تساوى الأمران فلا شك أن العفو أفضل؛ أولًا: لما فيه من الإحسان إلى المسيء، وثانيًا: لأن الله تعالى يحب العافين عن الناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنك إن عفوت عن الخلق عفوًا في محله فأبشر بعفو الله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًايعني فمتى عفوتم عفا الله عنكم، وهذا له شواهد كثيرة في الشريعة؛ منها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» ، ومنها: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ» ومنها: الجزاء من جنس العمل، والشواهد لهذا كثيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله سبحانه وتعالى بالعفو عن حقه، حتى إنه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئًا مجانًا؛ لأن الله قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، حتى وإن عظمت الذنوب فإن الله تعالى يغفرها إن شاء فضلًا منه.
ومنها: أن عفو الله تعالى أكمل أنواع العفو؛ لأنه عفو مع القدرة؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا، ويتولد من الجمع بين العفو والقدرة يتولد أيضًا صفة كمال، وهو أن الله سبحانه وتعالى عافٍ مع القدرة على الانتقام، وهذا هو العفو الحقيقي، أما العفو مع العجز عن الانتقام فليس بعفو، لو أن أحدًا اعتدى عليك وهو أقوى منك بدنًا وأضخم منك جسمًا، فكّرت قلت: إن أخذت بحقي فأخشى أن يزيد بالضرب والعدوان، لكن يا فلان الله يسامحك، أيش هذا العفو؟ عفو مع العجز، عفو مع العجز، فإن كان فيه احتمال أن يأخذ بحقه فله أجر بقدر هذا الاحتمال، وإن لم يكن فيه احتمال فليس له أجر، اللهم إلا أن يكون بإدخال السرور على المعتدي فيما لو ارتدع عن العدوان وفكّر فإذا هو يشعر بأن المعتدى عليه كان قد سامحه فيطمئن قلبه، فهنا قد يؤجر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: العفو -بتشديد الواو- والقدير، فيدلان على إثبات صفة العفو والقدرة؛ لأن القاعدة في باب الأسماء والصفات أن كل اسم متضمن لصفة ولا عكس.

***

تفسير الآيتين (150-151)
00:50:35

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، وَرُسُلِهِكذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل.
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِلم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، وَيُرِيدُونَأي: بهممهم، أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِفيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم.
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًاأي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ [الكهف: ١٠٤، ١٠٥].
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟
طالب: خبر.
الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا.
الطالب: ضمير فصل.
الشيخ: ضمير فصل.
فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟
قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب.
الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء:
أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس.
على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء..
طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه.
الشيخ: تمام بارك الله فيك.
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا، حَقًّاهذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، أثبت الله لهم أنهم الكفار حقًّا، فتأتي (حقًّا) مؤكِّدة لمضمون الجملة؛ وذلك لأن أحقية هؤلاء للكفر مفهومة من قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، فإذا جاءت (حقًّا) صارت مؤكدة لمضمون الجملة، وصار عاملها محذوفًا وجوبًا، عامل هذا مصدر لمعنى محذوف وجوبًا، فلا يصح أن يقال: أولئك هم الكافرون أُحِق ذلك حقًّا، لا يصح؛ وذلك لأنها مؤكِّدة لمضمون الجملة، فكانت مضمون الجملة كأنها الفعل المحذوف، ولا يُجمع بين هذا وهذا، ولهذا ذكر ابن مالك وغيره من العلماء أن المصدر المؤكَّد بمضمون جملة قبله يجب حذف عامله.
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا، أَعْتَدْنَاأي: هيّأنا، فهي بمعنى أعددنا، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، وهنا قال: أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ، وفي هذه السياق أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَخروج عن مقتضى السياق؛ إذ مقتضى السياق أن يقال: أعتدنا لهم، أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا لهم؛ لأنه متى أمكن الإتيان بالضمير فإنه لا يؤتى بغيره، فإنّ ذِكْر الضمير أوضح في الجملة وأخصر، لكن هنا عُدِل عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالظاهر المطابق لوصفه، فما هي البلاغة في هذا؟
البلاغة أن هذا إظهار في مقام الإضمار، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد؛ منها: قصد التعميم، ومنها: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي كان من مقتضى السياق أن يؤتى بضمير، كلام عربي ولّا عجمي، لا، إذن نبطي!! فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟
طالب: إرادة العموم.
الشيخ: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: أعتدنا لهم عذابًا مهينًا، صار هذا خاصًّا بهم، لكن أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَكل كافر سواء هؤلاء أو غيرهم.
الفائدة الثانية: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي لولا هذا الظاهر لكان أيش؟ موجودًا، فأين مرجع الضمير لو كان هناك ضمير؟ هؤلاء الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ومثل ذلك قوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، لم يقل: عدو له، الذي هو مقتضى السياق لهاتين الفائدتين هما: إرادة العموم والحكم على هؤلاء بالوصف الذي هو الكفر، وفي الآية هذه عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. الفائدة الثالثة وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات.
طالب: قلنا: مراعاة فواصل الآيات، أين مراعاة فواصل الآيات؟
الشيخ: في قوله في آية البقرة.
طالب: جملة جواب الشرط فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًاقلنا: إن فيها إشكالًا سوف تتعرضون لحله؟
الشيخ: نعم، هذه قيل: إن جواب الشرط محذوف، إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنكم مجازون على ذلك، وقيل: إن الجواب يغني عن هذا، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًاوهو الأحسن؛ لأنه ما دام الحكم معلومًا فلا حاجة للتقدير.
طالب: (...).
الشيخ: يعني الرجوع عن إقراره، هذه إن شاء الله تعالى إذا صرت قاضيًا وأشكلت عليك فلا بأس أن تسأل عنها العلماء، ممكن تكون قاضيًا الآن، أقول: إذا كنت قاضيًا ووردت عليك هذه المسألة وأشكلت عليك فاسأل العلماء، هذه المسألة (...).

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٥٠- ١٥٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع؛ لقوله: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلبة الهوى على كثير من الناس؛ لأن هؤلاء الذين يفرقون بين الله ورسله، أو يؤمنون ببعض الرسل دون بعض، لا يحملهم على ذلك إلا الهوى، فاليهود يقولون: لا نؤمن بغير موسى، والنصارى يقولون: لا نؤمن بغير عيسى، من مجرد الهوى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، مع أن نوحًا كان أول الرسل، ومع ذلك جعل تكذيب قومه له تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن التكفير بالرسول كأنه تكفير بالجنس، أي بجنس الرسالة، وإلا فما الفرق بين محمد وعيسى وموسى وإدريس ونوح، وما أشبه ذلك؟
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المفرّقين يقولون: إننا نتخذ بين ذلك سبيلًا، يعني: لنرضي هؤلاء وهؤلاء، وهذا لا ينجيهم من عذاب الله ولا ينجيهم من الكفر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم تلك الطريقة، أي الإيمان بالبعض دون بعض، وأن هذا منهج قبيح.
فيتفرع على هذا: ذم أهل الكلام الذين أرادوا أن يجمعوا بين الدليل السمعي والعقلي في صفات الله، وقالوا: إننا أخذنا بهذا وهذا من أجل التوفيق بين الأدلة، وهم خالفوا الأدلة كلها، هم أرادوا الجمع بين دليل السمع والعقل، ولكنهم في الحقيقة خالفوا السمع والعقل كما هو معروف من مناظرتهم والرد عليهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد الكفار بالعذاب المهين.
ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما فرّقوا بين الرسل استكبارًا وهوى، فأُعِدّ لهم العذاب الذي يهينهم ويخذلهم، ولهذا قال: أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا.
ومن فوائدها: أن الإظهار في موضع الإضمار لا يعد تطويلًا بلا فائدة، وجه ذلك أن الضمير أخصر من أيش؟ من الظاهر، فلا يقول القائل: إن الإتيان بالظاهر في موضع الضمير تطويل وزيادة بلا فائدة، فنقول: بل هو فائدة، وقد ذكرنا فيما سبق أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ قصد العموم، وتطبيق الوصف على أولئك الذين يعود الضمير عليهم لو كان موجودًا، فيه فائدة ثالثة لكن نحن قلنا: من فوائد، لكن فيه فائدة ثالثة وهي بيان عِلية الحكم، فمثلًا: أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًالو قال: أعتدنا لهم، لم يتبين لنا لماذا أُعِد لهم هذا العذاب، لكن إذا قال: لِلْكَافِرِينَكأن هذا الوصف يفيد العلية، أي أن العلة في إعداد العذاب المهين لهم هو الكفر.
تفسير الآية (152)
01:10:19

ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.
لما ذكر الله عز وجل حال الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ذكر حال الذين يجمعون بالإيمان بين الجميع، والقرآن هكذا، إذا ذكر حالًا ذكر ما يضاده؛ إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنَّى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا، ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يُتلى أو يُسمع، ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله عز وجل بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلّب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلّب جانب الخوف لحصل عليه القنوط من رحمة الله واليأس.
يقول عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، والإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل كذلك، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسخت جميع الشرائع، لكنّا نؤمن بأن شرائعهم من عند الله عز وجل.
وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْفي أصل الإيمان، لا في العمل، في أصل الإيمان، نؤمن بالجميع، وأنهم حق كلهم، رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله تبارك وتعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨].
ووجه ذلك أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار عز وجل، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوال الناس، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل شرعة ومنهاجًا، حتى الشريعة الإسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم ولا زكاة ولا حج، ثم فرضت الصلاة والصوم والحج والزكاة؛ لأن الله عز وجل يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس.
وقوله: وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْيعني في أصل الإيمان، يقولون: إيماننا بمحمد وإيماننا بنوح على حد سواء، بمعنى أننا نؤمن بأن الرسولين الكريمين وكذلك من بينهما من الرسل كلهم على حق ومن عند الله، وهذا في أصل الإيمان كما قلت لكم، أما في الشرائع فتختلف.
أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ، أُولَئِكَأتى باسم الإشارة هنا تعظيمًا لهم، وجاءت بصيغة البعيد لعلوّ منزلتهم.
وقوله: سَوْفَ يُؤْتِيهِمْسوف والسين تتناوبان على الفعل المضارع كثيرًا، لكن هناك بينهما فرق؛ السين للتحقيق والتقريب، و(سوف) للتحقيق مع البعد، فهذا الفرق بينهما، كلاهما يدل على التحقيق، لكن السين للقريب و(سوف) للبعيد.
فهل إيتاء أجورهم كان بعيدًا؟
الجواب: هو بعيد قريب؛ أما من جهة امتداده وأن الله تعالى يجازيهم شيئًا فشيئًا ثم يأتي الجزاء الأوفى يوم القيامة فهو لا شك أنه بعيد، وأما كون كل آتٍ قريب فهو قريب كما قال تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧].
وقوله: سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ، أي: ثواب أعمالهم، وسمى الله ثواب الأعمال أجورًا تكرمًا منه وفضلًا عز وجل، كأنه استأجر هؤلاء على عمل عملوه ثم أعطاهم أجرهم، كالإنسان يستأجر أناسًا ليبنوا له بناءً، فإذا بنوه أعطاهم أجورهم، وهذا يعني أن الله عز وجل التزم وألزم نفسه سبحانه وتعالى بأن يثيب هؤلاء، ولا مانع من أن يكون الله تعالى ألزم نفسه بما شاء، كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] وقد قال الأول:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــــعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهْوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ

هذا قاله الأول، ولكن ابن القيم رحمه الله قيّد هذا فقال:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ

فجعل عليه حقًّا واجبًا لكن هو الذي أوجبه.
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلرَّحْمَـــــــــــــــــــــــــــنِ

أو قال: لِلْمَنَّانِ.
فالحاصل أن الله تعالى سمى الثواب أجرًا تكرُّمًا منه وفضلًا، كأن العاملين لأنفسهم عاملون له إذا انتهى عملهم أوفاهم أجورهم.
وقوله: سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْلم يبين هنا مقدار الأجر، لكنه بيّنه في مواضع كثيرة في القرآن، وكذلك في السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، لما كان هؤلاء المؤمنون بالله ورسله والذين لم يفرقوا بين أحد منهم، لما كانوا قد يخطئون ختم الله هذه الآية بقوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا، ولما كان هذا الإيمان المطابق من فضله ورحمته أردف المغفرة بأيش؟ بالرحمة، فهؤلاء لا بد أن يقصّروا، ولا أحد إلا يقصّر، فختم الآية بالمغفرة، ثم هذا الإيمان الذي حصل لهم ليس بكسب أيديهم، ولا من عمل أيديهم، ولكنه من رحمة الله عز وجل، فلذلك ناسب أن تُختم الآية بالغفور الرحيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة، أولًا: أن القرآن الكريم مثانٍ، إذا ذكر شيئًا ذكر ضده؛ للوجوه التي ذكرناها في الشرح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه لا بد أن نؤمن بالله وجميع الرسل، ولكن كيف الإيمان وبمن نؤمن؟ أما الإيمان فكيفيته أن نؤمن بأصل الرسالة، وأنهم رسل حق من عند الله عز وجل، وأما الشرائع فأيش؟ فتختلف، لكل منهم شرعة ومنهاج، أما من نؤمن به فيجب علينا أن نؤمن بكل من ذكر الله في القرآن باسمه وعينه؛ لأنهم عُيِّنُوا لنا، وما لم يعيّن فنؤمن به إجمالًا؛ لأننا نؤمن أن من الرسل من لم يقصصهم الله علينا، فنؤمن بهم إجمالًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن نفرق بين أحد منهم، وذلك في أصل الإيمان، طيب هل نفرق بينهم في الفضل ونقول: هذا الرسول أفضل من هذا الرسول؟ نعم يجب علينا أن نفضل بينهم؛ لأن الله أخبر ذلك في كتابه، فقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، وعلى هذا ما سبب التفضيل؟ وهل هو توقيفي أو نظري عقلي؟ سبب التفضيل ما حباهم الله به من المناقب والفضائل وكثرة الأتباع وما أشبه ذلك، أما هل هو توقيفي أو عقلي نظري فنقول: هو توقيفي، لكننا إذا علمنا أن الله فضّل هذا الرسول على ذاك إما أن نعلم السبب ويتضح، وإما ألا نعلم.
ولهذا قال العلماء: إن أولي العزم من الرسل خمسة، أولهم محمد صلى الله عليه وسلم، وفضّله الله على غيره لما له من المناقب العظيمة التي لم يدركها أحد، والفضائل التي خصه الله بها، والأتباع الذين لا يوجد مثلهم في جميع أتباع الرسل، بل هم ضعفَا أتباع الرسل كلهم؛ لأن الرسول أخبر بأن الجنة اثنتا عشرة صفًّا، ثمانية من هذه الأمة ، وهذا يعني أن هذه الأمة تعدل جميع الأمم وتزيد، وتزيد أيش؟ الضِّعف. ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذان الرسولان الكريمان هما خليلَا الرحمن، ولم تثبت الخُّلة فيما نعلم لأحد سواهما. ثم موسى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كابَد من المشقة مع فرعون ومع بني إسرائيل ما لم يتبين لنا في رسول سواه.
بقي عندنا عيسى ونوح، أيهما أفضل؟ منهم من قال: إن نوحًا أفضل؛ لأن نوحًا عليه الصلاة والسلام بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وحصل منهم من السخرية به والاستهزاء به ما هو معلوم في القرآن والسنة، وعيسى كابد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم أشد الناس عتوًّا وطغيانًا، كما يظهر ذلك فيمن تدبر القرآن والسُّنّة، فحصل عنده المشقة إلى حد أن بني إسرائيل جعلوا أمه زانية، وجعلوا عيسى ولد زنا -والعياذ بالله- قاتلهم الله، فحصل له عليه الصلاة والسلام من المضائق، وحصل له من المناقب والكرامات ما لم نعلم أنه حصل لنوح.
ولو قال قائل: إما أن نجعلهما على حد سواء، وإما أن نتوقف، لكان هذا خيرًا؛ لأنه ليس هناك أشياء تميز تمامًا أيهما أفضل.
المهم أن إيماننا بالرسل يدخل فيه الإيمان بما حباهم الله تعالى به من الفضائل، وأن نفضل بعضهم على بعض، وهذا لا يضر، ولكن إذا أدى هذا التفضيل إلى خصومة ونزاع واحتقار رسولنا إذا فضلناه على رسول الآخرين فإنه يجب التوقف والسكوت، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» ، مع أن يونس عليه الصلاة والسلام خرج مغاضبًا لقومه قبل أن يؤذَن له بالخروج، ولهذا نجوا لما آمنوا حين جاءهم العذاب؛ لأن نبيهم لم يبقَ فيهم، فأنجاهم الله.
فالمهم أنه لو قُدِّر أننا نريد أن نفاضل بين محمد وموسى وعندنا يهود، ولو فضلنا محمدًا لذهبوا يفضّلون موسى ويحتقرون محمدًا، فحينئذ يجب الكفّ.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٥٣- ١٥٥].

الشيخ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [النساء: ١٥٢] من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله وعد هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم؛ وعدهم الأجور أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ.
ومن فوائدها: تمام منة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث سمى الثواب أجرًا، ومن المعلوم أن الأجر ثابت لزومًا للمستأجر، ومن الذي أوجب هذا الأجر؟ أوجبه الله تعالى على نفسه، وهذا يدل على تمام فضل الله عز وجل ومنته، أما كيف هذه الأجور فإن الله تعالى بيّنه في كتابه وكذلك السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويختلف الأجر باختلاف الأشخاص واختلاف النيات واختلاف المتابع.
أما اختلافه باختلاف الأشخاص فكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ، هذا لأنهم أصحابه، فهذا باعتبار الأشخاص.
وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أيام الصبر أن للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة ، الواحد عن خمسين من الصحابة، والمراد أن ما يلحقه من المشقة في العمل يقابل خمسين مرة من أعمال الصحابة؛ لأن الصحابة كلهم مؤمنون، كلهم مستقيمون، لكن أيام الصبر كل الناس على خلاف هذا الرجل الذي قام بطاعة الله فهو غريب بينهم، ومن المعلوم أنه إذا كان غريبًا بينهم فسوف تشق عليه العبادة، فمن أجل ذلك صار للعامل فيهن أجر خمسين واحدًا من الصحابة، وهذا لا يعني الفضل المطلق على الصحابة؛ لأن هؤلاء فاقوا الصحابة في المشقة فقط، في مشقة العمل عليهم، أما الفضل المطلق فهو للصحابة.
ويكون أيضًا بحسب الإخلاص، يكون بحسب الإخلاص أي الأجر، فمن كان أخلص لله كان أكثر ثوابًا، حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول صلى الله عليه وسلم أتبع كان أجره أكثر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات.