تفسير سورة النساء - 41
عدد الزيارات 2799

عناصر المادة :
تفسير الآية (153)
تفسير الآيتين (154-155)
تفسير الآيات (156-158)

حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول صلى الله عليه وسلم أَتْبَعَ كان أجرُه أكثرَ؛ حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور، الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات؛ لأن المغفرة تتعلق بالذنب ، والرحمة تتعلق بحصول المطلوب من الثواب والأجور.

تفسير الآية (153)
00:00:52

ثم قال الله عز وجل: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَوفي قراءة: {أَنْ تُنْزِلَ} [النساء: ١٥٣]. ومعناهما واحد.
والخطاب في قوله: يَسْأَلُكَللرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من الخطابات الموجَّهة إليه على وجه الخصوص، يَسْأَلُكَفلا يتناول أمته.
والخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يدل الدليل على أنه له وللأمة فهذا واضح يكون له وللأمة، وإما أن يدل الدليل على أنه خاصٌّ به فهذا أيضًا واضح على أنه خاص به، وإما أن لا يكون هناك قرينة تدل على هذا ولا على هذا فالأصل أنه له وأمته تبع له.
فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢] هنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولهذا قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْولم يقل: لك.
ويَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١]، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ [الطلاق: ١] هذا يدل على أنه له وللأمة.
ومثل هذه الآية يَسْأَلُكَله، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] له، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ [الأحزاب: ٤٥] له، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] له.
يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِمَن أهل الكتاب؟ هم اليهود والنصارى، لكن اليهود في المدينة أكثر من النصارى بكثير، يوجد نصارى لا شك لكن اليهود أكثر، وسبب كثرتهم في المدينة أنهم قرؤوا في التوراة أنه يبعث نبيٌّ هو خاتم الأنبياء، وشريعته أكمل الشرائع، وأن مُهاجَرَهُ المدينةُ، فجاؤوا من فلسطين؛ لأن بني إسرائيل كان محلهم فلسطين، فجاؤوا من فلسطين إلى المدينة ينتظرون بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: ٨٩] يقولون للمشركين: سيبعث نبيٌّ ونكون أتباعًا له ونغلبهم فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩]؛ فهذا هو السبب أنه وجد ثلاث قبائل من اليهود في المدينة.
فأهل الكتاب هنا من حيث الأصل يشمل اليهود والنصارى، لكن أكثر ما يكون في المدينة هم اليهود.
أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِوهذا السؤال هل هو للتحدي أو لإقامة البينة كما يدعون أنه ليس برسول؛ لأن الكتب السابقة كانت تُنَزَّل من السماء لا سيما التوراة؛ لأن الله كتب لموسى في الألواح من كل شيء وأنزلها عليه؟
فكأنهم يقولون: إما أن تأتي بكتاب من السماء فنصدِّقك، وإما أن تكون كموسى ينزل عليك كتاب من السماء فتكون نبيًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا.
أما قريش فقالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: ٨] فقال الله تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام: ٨] أي: بصورة الرجل، لأنه لا يمكن أن يكون ملك بصورة الملائكة ثم يخاطب البشر، لو أن الله أرسل ملكًا إلى البشر لجعله بصورة البشر.
أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَيعني: فلا تعجب، لا تعجب أن يسألوك أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَوعلى هذا فتكون فقد جملة معطوفة على مقدر دل عليه أيش؟ السياق، المعنى إذا سألوا هذا فلا تستغرب ولا تستكبر هذا السؤال؛ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك.
ما الذي سألوه؟ قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةًوالعياذ بالله، وهؤلاء هم القوم السبعون الذين اختارهم موسى، اختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاته فجاؤوا لميقات الله وسمعوا الله عز وجل يكلم موسى، سمعوه بآذانهم يكلم موسى ومع ذلك لم يصدقوا قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةًيعني: وإلَّا فلست بصادق، وهذا الذي نسمع ليس كلام الله.
ماذا حصل لهم؟ أخذتهم الصاعقة، ماتوا في آن واحد فأخذتهم الصاعقة، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن يُحْيِيَهم، وقَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [الأعراف: ١٥٥] فأحياهم الله ثم صاروا في بني إسرائيل.
الحاصل أن هؤلاء قالوا قولًا أعظم مما طلبوا من الرسول، قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةًيعني: نشوف بأعيننا، وهذا شيء مستحيل، مَن هم الذين يرون الله تعالى في الدنيا؟ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما يرون الله في الدنيا، كيف هؤلاء القوم العتاة المعاندين، فيقول عز وجل: فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْأي أنهم صعقوا فهلكوا.
بِظُلْمِهِمْأي: بسبب ظلمهم، فالباء هنا للسببية، فما هو الظلم؟ أنهم اعتدوا في الدعاء قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةًوهذا عدوان عظيم لا بالنسبة لموسى ولا بالنسبة للرب عز وجل فإن مثل هذا لا يمكن أبدًا، ومن دعا بما لا يمكن فقد اعتدى في الدعاء؛ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْما هو الظلم المراد هنا؟ قولهم أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً.
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَفيه محذوف، المفعول الثاني محذوف؛ أي: إلهًا، يعني: ثم هذا الترتيب ذكر، يعني أضف إلى هذا الأمر المنكر منكرًا آخر وهو اتخاذهم العجل إلهًا.
ما هذا العجل هل هو عجل حيوان؟ لا، عجل جماد، استعاروا حليًا ثم صنعوه على هيكل ثور عجل، وجعلوا داخله مجوفًا، وجعلوا له ثقبًا في رأسه وفتحة في دبره، فيوجهونه إلى الريح مستدبرًا إياها فتدخل الريح في هذا المجوف من ثقب واسع وتخرج من ثقب ضيق وبطبيعة الحال سوف يكون لها صوت، له خوار كخوار الثور وقوم العجل هؤلاء ثيران، قال لهم السامري: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه: ٨٨]؛ يعني: أن موسى ضل وضاع عن الإله؛ لأنه كان قد واعد ربه ثلاثين ليلة فأتمها الله عشرًا حتى صارت أربعين. قال: موسى ضاع، يدور على الإله، وهذا الإله، فاتخذوا هذا العجل الذي صنعوه بأيديهم اتخذوه إلهًا يعبدون، ونصحهم هارون وقال: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: ٩٠] فماذا كان الجواب؟
قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١] ونعرف أن موسى لم يضل إلهه وأن له إلهًا سوى هذا، وبقوا على عبادة العجل، وهذا أيضًا منكر عظيم حيث جعلوا مع الله إلهًا آخر صنعوه بأيديهم ثم صاروا كالصبيان، تدخل الريح مع الدبر وتخرج من الفم، ويظنون أن هذا خواره. طيب، وإذا كان خواره، إله يخور؟ أيش الفائدة منه؟ لكن هذا يدل على سفاهة عقولهم، وأنهم على حد كبير من السفه.
ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَيعني إلهًا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُالْبَيِّنَاتُيعني: الآيات البينات.
والْبَيِّنَاتُيعني: الظاهرة التي ليس فيها إشكال؛ لأن موسى آتاه الله تسع آيات بينات، تسع آيات واضحة جلية يغني عنها آية واحدة، كان يلقي عصاه وهي عصًا معه جماد، عصا يَهُشُّ بها على غنمه ويتوكأ عليها وله فيها مآرب كالدفاع عن نفسه وما أشبه ذلك، فإذا ألقاها انقلبت في الحال ثعبانًا مبينًا، حية عظيمة، هذه من أعظم الآيات، ثم هي ليست حيةً وهميةً تخيُّليِّةً كما هو في صنيع السحرة بل هي حية حقيقية تتحرك وتأكل وتبلع بإذن الله عز وجل، ملؤوا الدنيا -أعني السحرة- ملؤوا الدنيا حبالًا وعصيًا، وصار يخيل إلى موسى أنها تسعى حتى أوجس في نفسه خيفة، فألقى هذه العصا وبدأت تلتهم هذه الحبال والعصي، وسبحان الله يعني بلحظة تذوب هذه الحبال والعصي ثم تبتلع أُخَر في لحظة يعني خلاف المعتاد، المعتاد أن الطعام يدخل الجوف ويبقى مدة ويتحول إلى دم ثم يخرج الفضلات، لكن هذه بإذن الله تبلع، والظاهر -والله أعلم- إنه يخرج على طول منصهرًا خالصًا، وهذا من آيات الله عز وجل، ومع ذلك جاءتهم البينات وشاهدوها ولكنهم اتخذوا العجل إلهًا.
فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَنعم الرب ربنا عز وجل عفا الله عنهم، عفا الله عنهم؛ لأنهم أُمِرُوا بالتوبة ولكنها توبة شديدة، مَنَّ الله علينا -معشر هذه الأمة الإسلامية المحمدية- برفعها؛ أمروا أن يقتلوا أنفسهم، يقتلوا أنفسهم ما هو معناه أن كل واحد يقتل نفسه، لا، يقتل بعضهم بعضها.
لكن الأمة الواحدة كأنها نفس واحدة، أُلْقِيَت عليهم الظلمة وأخذوا الخناجر والسكاكين، وجعل الواحد منهم يقتل من واله، ولو كان أباه أو أمه، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إلى الله وامتثال الأمر؛ لأن كون الإنسان يؤمر بأن يقتل قومه هذه من أشد ما يكون على النفوس.
فلما انقادوا وذلوا إلى هذا النوع من التوبة رفع الله عنهم ذلك وعفا عنهم.
فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ١٥٣] أعطيناه سلطانًا مبينًا، السلطان في كل موضع بحسبه؛ فسلطان الأنبياء هي آياتهم؛ لأنها حجة قوية يتسلطون بها على من أنكر.
فهذا السلطان الذي أوتي موسى، الحجج والبراهين الدالة حتى إن الله سبحانه وتعالى كتب لهم في التوراة من كل شيء مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥]، والعموم هنا لكل شيء أي: يحتاجه بنو إسرائيل كما في قوله: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية: ١٦] أي: على عالم زمانهم ليسوا على كل العالمين حتى الأمة هذه.
فقوله في التوراة تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٤] مما يحتاجه بنو إسرائيل في عهدهم، لكن هذا الكتاب المبين الذي قال الله فيه: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] هذا يعم كل شيء؛ لأنه كتاب للأمة إلى يوم القيامة فلا بد أن يكون قد أتى بما تحتاجه الأمة إلى يوم القيامة.
وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ١٥٣] وقوله: مُبِينًامِن (أبان)، ولكن هل هو (أبان) اللازم أو (أبان) المتعدي أم صالح لهما؟
طلبة: (...).
الشيخ: الثالث، إي، طيب؛ لأن كلمة (أبان) رباعية تكون لازمة كما يقال: أبان الصبح، هذه لازمة يعني بان، وتكون متعدية كما تقول: أبان لي هذا الرجل ما أشكل علي، هذه متعدية ولَّا لازمة؟
طلبة: متعدية.
الشيخ: متعدية، فهل هذا السلطان الذي أوتيه موسى هل هو مبين مظهر للحق أو هو بين بنفسه؟ قلنا: كلاهما، وهذا مبنيٌّ على القول الراجح وهو جواز استعمال المشترك في معنيين، أتعرفون المشترك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما تعدد معناه واتحد لفظه، ألم نبين مرة من المرات أن أقسامها -الألفاظ مع معانيها- أربعة، المشترك الآن هو ما تعدد معناه دون لفظه؛ لفظ واحد يصلح للمعنيين فأكثر مثل كلمة العين؛ العين تكون للعين الباصرة، وتكون للذهب يُسَمَّى عينًا، وتكون للشمس تسمى عينًا، وتكون للماء الجاري يُسَمَّى عينًا، هذا المشترك.
فهل يمكن أن يستعمل المشترك في جميع المعاني التي يصلح لها؟ نقول يمكن، لكن لا بد من قرينة ولا بد من أن لا يتنافى المعنيان؛ فقول الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [التكوير: ١٧] قال العلماء: عَسْعَسَكلمة تصلح للإقبال والإدبار، أي: إذا أقبل أو إذا أدبر، هل يصح أن نقول: إن عَسْعَسَهنا بمعنى أقبل وأدبر؟
طالب: لا.
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، يصح، يصح؛ لأنه لا يتنافيان، يقسم الله تعالى بالليل حين إقباله وذلك عند غروب الشمس، ويقسم بالليل حين إدباره وذلك عند طلوع الفجر أو طلوع الشمس.
إذن مُبِينًاهنا نقول: ما دامت صالحة للمتعدي واللازم فهي من المشترك، ويجوز أن نستعملها في المعنيين لعدم التنافي بينها.
نعود إلى الفوائد، نقول: في هذه الآية دليل على تعنت بني إسرائيل، أو بعبارة أصح على تعنت أهل الكتاب، وإنما قلت: (أصح)؛ لأن هذا هو اللفظ المطابق للقرآن، وكلما أمكن أن تأتي باللفظ الذي هو لفظ القرآن والمطابق له فهو أولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: دفاع الله تعالى عن الرسول عليه الصلاة السلام، لأنه سلّاه بقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَوإلا فمن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلب منه أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء وهم أهل كتاب ولم يفعل من المعلوم أن هذا سيكون في قلبه حرج منه؛ لأن أهل الكتاب معروفون عند الجاهليين بأيش؟ بالعلم مما في أيديهم من الكتب، فإذا قالوا: أنزل علينا كتابًا من السماء، ولكنه لم يفعل لا بد أن يكون في قلبه شيء وأنه سوف يلحقه من الغم والهم ما يلحقه فدافع الله عنه وقال لا تتعجب لا تستكبر هذا السؤال فقد سألوا موسى أكبر منه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل كما آذوا موسى آذوا محمدًا عليه الصلاة والسلام؛ يعني أهل الكتاب، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب: ٦٩] وأهل الكتاب آذوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، هَمُّوا بقتله كما في قصة بني النضير، وكذلك قتلوه في الواقع، أهدوا إليه في خيبر شاة فيها سم ولَاكَها ولكنه لَفَظَها إلا أنها أثرت في لهاته عليه الصلاة والسلام، أثرت فيها ألمًا حتى قال في مرضه: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» ولهذا ذهب بعض التابعين وأظنه الزهري إلى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من النبيين الذين قتلتهم بنو إسرائيل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن سؤال الإنسان أن يرى الله جهرة من أكبر العدوان؛ لقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وهل يؤخذ منه أنه يمتنع في الدنيا أن يرى أحد ربه؟
نعم، الظاهر أنه يؤخذ منه؛ لأن الله قال: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَلأنه لو كان يمكن لكان سؤالهم ليس بذاك الشنيع، لكنه لا يمكن، لا يمكن أن يُرَى الله في الدنيا؛ ويدل لهذا أن موسى صلى الله عليه وسلم قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] لكن قوله: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَليس كقول هؤلاء: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةًبينهما فرق؛ سألوا موسى الرؤية شوقًا إلى الله عز وجل ومحبة لرؤيته -اللهم لا تحرمنا إياها- شوقا إلى الله ومحبة لرؤيته، لكن بنو إسرائيل قالوا ذلك تحدِّيًا وعنادًا واستكبارًا؛ قال الله له: لَنْ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] لا يمكن.
ثم ضرب الله له مثلًا فقال: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ [الأعراف: ١٤٣] على ما هو عليه فَسَوْفَ تَرَانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣] ماذا صار؟ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: ١٤٣] اندك مرة، صار كالرمل، ولم يهرب كما يتوقع الناس اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] يعني وإن هرب فلن تراني؟ لا، كأن الجبل ما تمالك نفسه حتى انهد ولم يتمكن من الهرب، فجعله دكًا.
لما رأى موسى ما رأى هذا الأمر العظيم خر موسى صعقًا، أغمي عليه فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣] يعني: لم أسأل هذا إنكارًا أو جحدًا فأنا أول المؤمنين لكن أتوب إليك مما سألت؛ لأن هذا السؤال لا يجوز، ومحمد صلى الله عليه وسلم هل رأى الله؟
طالب: على قول.
طالب آخر: لا.
الشيخ: لا، لم ير الله على كل الأقوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: هل رأيت ربك؟ قال: «رَأَيْتُ نُورًا» وفي رواية قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» يعني كيف أراه مع هذه الأنوار الحُجُب؟ حُجُب عظيمة من الأنوار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ -أي بهائه وعظمته- مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» والمعنى: لأحرقت سبحات وجه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء، فما هذه العظمة، كيف يمكن لأحد في الدنيا أن يرى الله؟ لا يمكن.
فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ير ربه على كل الأقوال؛ أولًا من قوله هو نفسه قال: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» وقال في لفظ آخر: «رَأَيْتُ نُورًا» يعني نورًا حجب الرؤية.
عائشة أنكرت ذلك وقالت: من زعم أن محمد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية هذا دليل.
ابن عباس يقول شيخ الإسلام: إنه لم يقل: إن محمدًا رأى ربه بعينه، ما قال هذا حتى نقول: إن قوله معارض لقول عائشة، وإنما الرؤية التي أثبت ابن عباس هي رؤية القلب التي قويت حتى صار كالمشاهد، وهذا الأقرب من ابن عباس؛ لأن ابن عباس أفقه من أن يظن أن محمدًا يرى الله عز وجل في الدنيا، والخلاصة أن هذه الآية فيها إشارة إلى أنه لا يمكن رؤية الله في الدنيا والآية الأخرى التي في سورة الأعراف صريحة.
طالب: شيخ، ألم يره في المنام فإن يعني (...) الرؤيا مطلقة؟
الشيخ: لا لا، في اليقظة، ننفيها الآن، نقول لكم: في اليقظة.
طالب: بارك الله فيكم، ذكر بعض أهل العلم أن المؤمن ممكن أن يرى ربه بقدر إيمانه.
الشيخ: في المنام؟
الطالب: نعم، الرؤيا ليس في المنام، وإنما رؤية يقظة بقدر الإيمان؟
الشيخ: أبدًا.
الطالب: أي بقلبه (...)؟
الشيخ: هذه ما تُسَمَّى رؤية عين، إحنا كلامنا على رؤية العين، وإلا فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» وحقيقة أن الإنسان أحيانًا يصل إلى درجة كأنما يشاهد الله عز وجل، لكن ليس هذا مرادنا، مرادنا أنه رؤية بالعين يقظة، هذا لا يمكن.
طالب: كيف تسمي هذه رؤية، يا شيخ؟
الشيخ: كما ذكرت لكن آنفًا أنه من قوة اليقين كأنه يشاهد، فهي رؤية من حيث اليقين؛ لأن الإنسان إذا رأى شيئًا تيقن، فإذا رآه بقلبه ووصل إلى هذا الحد صار كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» .
طالب: ما اتضح لي الوجهان في قوله: أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ [النساء: ١٥٣].
الشيخ: إحنا قلنا: يحتمل أنهم قالوا ذلك تحدِّيًا، كما قال المشركون: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: ٨]، لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢] تحدٍّ، ليس قصدهم أن يقيسوا رسالته برسالة موسى، بمعنى أنه في تلك الحال ليس على بالهم أن يكون كتابه كالتوراة، ويحتمل أن المعنى: أَنْزِل علينا كتابًا كما أُنْزِلَ على موسى حتى نعرِفَ أنك نبي.
طالب: شيخ، ما تقول في قول بعض العلماء؛ يقولون: أخذ السامري التراب من أثر الرسول، ثم إذا صلح العجل يحط في فمه هذا التراب صار في هذا الوقت وقت الخوار صار حيًّا؟
الشيخ: لا، أما أخذه هذا فنعم؛ لأن الله قال عنه: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [طه: ٩٦]وأما أنه يجعله في فمه ثم يخور فلا.
الطالب: صار في هذا الوقت حيًّا.
الشيخ: لا لا، الصحيح ما ذكرنا أولًا.
طالب: شيخ، (...) في المنام.
الشيخ: (...) شيخ الإسلام؟
طالب: شيخ الإسلام؟
الشيخ: نعم، هذا مشهور عن شيخ الإسلام رحمه الله أنه يقول: إن المؤمن يرى الله عز وجل في المنام يراه بقدر عمله وإيمانه به وإتباعه للرسول، لكن في نفسي من هذا شيء، ويمكن أن يقال: إن الله يُري هذا الإنسان يُريه ملكًا أو ما أشبه ذلك على قدر اتباعه وتمسُّكه، ويُذْكَر أن الإمام أحمد أيضًا رأى ربه، فالله أعلم.
طالب: شيخ، بالنسبة لأقوال ابن القيم هل هو الأقرب للصواب؟
الشيخ: أيهم؟
طالب: (...).
الشيخ: ما هو ابن القيم، إحنا قلنا: بعض التابعين وأظنه الزهري.
طالب: هل هو الأقرب إلى الصواب؟
الشيخ: أما ظاهرًا فلم يتبين، لكن ما دام قال: «مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» يشير إلى هذا، لكن هو ما هو ظاهر أخذوا السكين أو الرمح فقتلوه.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- هل يؤخذ من الآية تحريم الاعتداء في الدعاء، وأنه يُعَد من كبائر الذنوب؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هل يعد الإعتداء في الدعاء...؟
الشيخ: الاعتداء في الدعاء -بارك الله فيك- أن يسأل الإنسان ما لا يمكن، وهو على حسب المسؤول، قد يكون من كبائر الذنوب وقد يكون من صغائرها، حسب المسؤول.

***

طالب: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء: ١٥٤ - ١٥٦].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وهي قوله تعالى: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا.
أولًا: أخبرناكم القراءة فقالوا: أَرِنَا اللَّهَأن فيها قراءة أخرى وهي أَرْنَا اللَّهَيعني بسكون الراء؛ لأن هذه أخف على اللسان وإلا فالمعنى واحد.
فمن فوائدها: تعنُّت بني إسرائيل وعنادهم؛ حيث كانوا يسمعون كلام الله، ولكنهم قالوا لنبيهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنب كلما عظم كان أسرع للعقوبة؛ لقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب؛ ولهذا أخذتهم الصاعقة في الحال فماتوا جميعًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث أهلكهم جميعًا وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، عند قيام الساعة ينفخ في الصور فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله بلحظة واحدة، وينفخ فيه فيقوم الناس من قبورهم بلحظة واحدة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن لها أثرًا في حصول المسببات؛ لقوله: بِظُلْمِهِمْفإن الباء للسببية، وهذه المسألة ذكر بعض العلماء أن عليها من كتاب الله ألف دليل على إثبات الأسباب وتعليل الأحكام وبيان الحِكم.
ومن فوائدها: أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا؛ لقوله: بِظُلْمِهِمْوليس أخذ الله إياهم مجرد مشيئة، ولكن لأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم كما قال تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سفه بني إسرائيل، وأنهم مع عنادهم واستكبارهم أهل سفه، وذلك بعبادتهم العجل واتخاذهم إياه إلهًا؛ لقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ.
ومن فوائدها: أنهم اتخذوا ذلك عن علم، فليس لهم عذر؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُومعلوم أن المذنب بعد العلم أشد من المذنب عن غير علم، بل إن المذنب عن غير علم لا أثر لذنبه على القول الراجح مطلقًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاءت به الرسل فهو حجة ظاهرة لا تخفى إلا على من أعمى الله قلبه؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شمول عَفْو الله؛ حيث قال: فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ.
ومن فوائدها: عظمة الرب عز وجل؛ وذلك بعود الضمير إلى الله تعالى بصيغة الجمع؛ فإن قوله: فَعَفَوْنَالا شك أنها للتعظيم وليست للتعدد كما زعم النصراني الخبيث، فإن النصراني يقول: الآلهة متعددة، وهذا موجود في القرآن: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى [يس: ١٢] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩] وما أشبه ذلك.
فيقال له: إن هذا للتعظيم، وأنت من الذين في قلوبهم زيغ تتبع المتشابه، وإلا فعندك آيات محكمات ظاهرات وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، ولكن هذا الذي في قلبه زيغ هو الذي يتبع المتشابه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أعطى موسى حُجُجًا بينةً لا تخفى على أحد؛ لقوله: وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ١٥٣]، هذا هو ظاهر الآية، وإن كان بعضهم قال: تَسَلُّطًا على بني إسرائيل. لكن الصواب ما ذكرنا سُلْطَانًا مُبِينًاأي: بالحجج البينة الظاهرة، وقد مر علينا أن الله أتاه تسع آيات بينات.
ثم قال جل وعلا: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ.
طالب: شيخ، مناسبة ختم الآية: وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًامع ما قبلها؟
الشيخ: مناسبتها ظاهرة؛ أن عبادة هؤلاء للعجل لم تكن عن خفاء، بل هي عن آيات بينات كقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
طالب: لو كان هكذا كان اكتفى بها؟
الشيخ: ما يوجد تكرار المعاني؟ كثير من القرآن مكرر في المعاني لتأكيدها.
طالب: ذكرت تسع آيات بينات لموسى وما ذكرت (...) وما ذكرت العصا؟
الشيخ: كيف؟ في القرآن، صريحة في القرآن وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١]
الطالب: منهم؟
الشيخ: يعني ما هي؟
الطالب: أي نعم.
الشيخ: اقرأ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ [الأعراف: ١٣٣]، اقرأها.
الطالب: لا أحفظ.
الشيخ: سبحان الله.
طالب: قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ [الأعراف: ١٣٣].
الشيخ: هذه خمسة، بعدها؟ العصا، واليد، كم هذه؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة، بعده وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ١٣٠] كم هذه؟
طلبة: تسعة.
طالب: ثمانية.
الشيخ: تسعة.
طلبة: والبحر يا شيخ.
الشيخ: لا، هذه الذي ذكره آيات صريحة، هذه الآيات سلطان بَيِّن حجة لكن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَيعني أيش؟ الغرق، فأغرق الثمار قبل أن تخرج، وَالْجَرَادَالجرادُ أَكَلَها بعد أن خرجت، وَالْقُمَّلَأفسدها بعد أن خُزنَت. كذا؟
وَالضَّفَادِعَأفسدت الماء.
وَالدَّمَالصحيح أنه النزيف يخرج به أي بهذا النزيف فائدة الغذاء.
فانظر الآن سلسلة من حين ما بذروا إلى أن وصل إلى غذاء الجسم وهو الدم، وكلهم ابتلوا به، والعياذ بالله، الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
طالب: أثابكم الله يا شيخ، قول الله عز وجل: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُهل يؤخذ من هذا -حفظكم الله- العذر بالجهل مطلقًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: حتى عباد القبور الذين..
الشيخ: نعم، حتى عباد القبور، الصحيح أنه لا فرق وأن الدين كله واحد.
يقول الله عز وجل: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْرَفَعْنَاالضمير يعود للرب عز وجل لكنه جاء بصيغة الجمع تعظيمًا.
فَوْقَهُمُأي: فوق بني إسرائيل.
و(الطور): الجبل المعروف وهو جبل عظيم كبير رفعه الله تعالى حينما تقاعسوا عن تنفيذ الأوامر، فصار الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة حتى ظنوا أنه واقع عليهم، وقيل لهم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة: ٦٣] فآمنوا إيمانَ إكراهٍ في الحقيقة؛ لأنهم هُدِّدُوا بماذا؟
طالب: بالقتل.
الشيخ: بالموت والهلاك، فإيمانهم إيمانَ اضطرارٍ -والعياذ بالله- ولهذا لما سجدوا قال المفسرون: لما سجدوا كانوا هكذا ينظرون إلى الجبل مائلًا. وإلى الآن يقولون: إن اليهود يسجدون على طرف الجباه، ما هو باستقامة، على طرف الجباه كأنما ينظرون إلى شيء يخافون أن يقع عليهم.
وقوله: بِمِيثَاقِهِمْ(...).

***

تفسير الآيتين (154-155)
00:41:29
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) [النساء: ١٥٥ - ١٥٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَقال الله تعالى: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًارَفَعْنَا فَوْقَهُمُأي: فوق رؤوسهم الطُّورَالجبل المعروف اجتثه الله عز وجل حتى صار فوق رؤوسهم من أجل أن يأخذوا الكتاب بقوة أي يعملوا بالتوراة بقوة.
وقوله: بِمِيثَاقِهِمْأي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد.
وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًاأي: باب بيت المقدس.
ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًاأي: ساجدين لله عز وجل شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية وأن يقاتلوا أهلها، ولكنهم قالوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة: ٢٢] والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أَذِنَ الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًاأي: حال كونكم سُجَّدًا؛ أي: ساجدين لله عز وجل.
وهل المراد بالسجود حقيقته؟ أو المراد بالسجود الذل والخضوع كقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد: ١٥]؟
الظاهر الأول؛ وذلك لأنهم دخلوا على أَسْتَاهِهِمْ، وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء: ١٥٤]، ولكنهم لم يفعلوا، ماذا صنعوا؟ دخلوا على أَسْتَاهِهِم، والإِسْتُ هي الدبر، المعنى أنهم دخلوا يزحفون -والعياذ بالله- استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على أقفائهم؛ على القفا. وقيل لهم: قولوا حطة. ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة. بل قالوا: حنطة. يعني كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم.
وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِوفي قراءة: {لَا تَعَدَّوْا فِي السَّبْتِ} والتَّعَدِّي والعَدْوُ بمعنى واحد، لكن اختلاف لفظي، المعنى: لا تَعْدُوا في السبت بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحان، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا يعني شارعة طافية، على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود كما هو معروف من سيرتهم أهل طمع وجشع فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شُرَّعًا، وفي غير يوم السبت ما يأتي شيء؟ فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شَبَكًا يوم الجمعة فيأتي الحيتان وتتساقط فيها ثم يأتوا يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة لأنهم ما تَعَدَّوْا في السبت، لكن المقصود منه الانتهاك حرمة الصيد في يوم السبت؛ ولهذا قيل لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وهم بفعلهم هذا يشبه أن يكون حلالًا لأنهم لم يصيدوا مباشرة يوم السبت.
هل لما قيل لهم: لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِهل هم امتثلوا؟ لا، بل اعتدوا يوم السبت على وجه الحيلة والمكر والخداع، ومن استحل المحرم بالحيلة فهو أعظم إثمًا ممن استحله بصراحة، لأنه إذا استحله بالحيلة جمع بين مفسدتين: المفسدة الأولى استحلال المحرم، والمفسدة الثانية الخداع والتحيل على رب العالمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ولهذا كان الذين يَتَحَيَّلون على الربا أعظم إثمًا من الذين يأتون الربا على وجه صريح؛ لأن المُتَحَيِّلِين يخادعون الله فيجمعون بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع، ولأن المتحيلين يرون أنهم على صواب فلا يكادون ينزعون عنه، والذي يأتي الشيء صريحًا يعرف أنه أخطأ فربما تلومه نفسه في يوم من الأيام حتى ينزجر.
وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: ١٥٤] أي: عهدًا قويًا على أن يقوموا بما أمروا به، ولكنهم لم يقوموا بذلك، نقضوا العهد ولم يبالوا وكفروا بنعمة الله؛ ولهذا قال: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًاإلى آخره،.
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْالفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة إعرابًا ولكنها زائدة معنى؛ لأن كل حرف زائد إعرابًا فإنه يفيد التوكيد، والتوكيد لا شك أنه زيادة في المعنى، وعلى هذا فنعرب (ما) زائدة، و(نقض) إسم مجرور بالباء لأنه لو حذفت (ما) صار التركيب فبنقضهم ميثاقهم.
أين متعلق الجار والمجرور بِمَانَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ؟
الكلام -كلام الله- يفسِّر بعضه بعضًا في سورة المائدة فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: ١٣]؛ وعلى هذا فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في القرآن الكريم نفسه.
وقوله فَبِمَا نَقْضِهِمْأي: فبنقضهم ميثاقهم، وما نقض الميثاق؟
نقض الميثاق هو المخالفة فيه، أن يكون بينك وبين آخر عهد ثم تخالف، هذا هو نقض الميثاق.
هؤلاء خالفوا ما أُمِرُوا به ولم يقوموا به فنقضوا الميثاق، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِالكونية أو الشرعية؟ الظاهر العموم؛ يعني: وبكفرهم بآيات الله، حين كفروا بموسى واقترحوا عليه، وقالوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] ، إلى غير ذلك مما يُعْرف من سيرة القوم الأمة الغَضَبِيَّة، ومن أراد أن يعرف شيئًا من سيرتهم فليَعُد إلى كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله، فإنه بَيَّن مَعَايِبَهم ومخازيهم، العياذ بالله.
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّقَتْلِهِمُفيها ثلاث قراءات: {قَتْلِهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} أي بضم الهاء والميم، القراءة الثانية: كسر الهاء وضم الميم قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، القراءة الثالثة: كسر الهاء والميم أي {وَقَتْلِهِمِ الْأَنْبِيَاءَ} كلها قراءات سبعية يجوز للقارئ أن يقرأ بها.
ولكن إنما يحسن ذلك لطالب العلم، أما العاميُّ فلا تُسْمعوه قراءة غير التي في مصحفه؛ لأنك لو أسمعته قراءة أخرى لهان القرآنُ في قلبه أو لغلَّطَك وقال: إن هذا يتخبط بكتاب الله عز وجل، كما أنكر عمر رضي الله عنه على من؟ هشام بن الحكم حين قرأ الآية في سورة الفرقان على خلاف ما كان يقرؤها عمر حتى تنازعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فالعامة إذا قرأت بخلاف ما في أيديهم لا شك أنهم سوف ينكرون عليك إنكارًا عظيمًا، وإن كنت على حق، ثم لو قَدَّرْنا أنهم وثقوا بك فسوف يَهُون القرآن في نفوسهم، والإنسان يجب عليه أن يَجْعَل تعظيم القرآن في قلوب الناس أعلى كل شيء يُعَظَّم سوى الله عز وجل.
وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ(الأنبياء) جمع (نبي)، فإن كان (نبي) بالهمزة فيقال: الأنبئاء، وإن كان بالياء قيل: الأنبياء، وكلتاهما قراءتان: {الْأَنْبِئَاءَ} والْأَنْبِيَاءَ.
وقوله: بِغَيْرِ حَقٍّهذا بيان للواقع وليس قيد احتراز؛ لأنه لا يمكن أن يكون قتل النبي بحق، لكنه بيان للواقع، وأن قتل النبي ليس بحق، والقيد الذي لبيان الواقع يفيد العلية، يعني كأنه قال: وقتلهم الأنبياء؛ لأن قتل الأنبياء بغير حق، وسيأتي إن شاء الله بيان الحق في أخذ الفوائد.
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌنسأل الله العافية، إذا دُعُوا إلى الحق قالوا: قلوبنا غلف. والغلف جمع أغلف، والأغلف هو المغَلَّف الذي عليه غِلاف لا يصل إليه شيء، هم يقولون هكذا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وهذا كقول قريش وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت: ٥] قريش أعظم.
قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ، وبنو إسرائيل قالوا: قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌلا نسمع، وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌلا نرى. فَسَدُّوا جميع الطرق؛ أعني قريشًا، قالوا: القلوب لا تفهم، والآذان.
طلبة: لا تسمع.
الشيخ: والأعين.
طلبة: لا تبصر.
الشيخ: لا تبصر -والعياذ بالله- مع أن الحق أبلج وأوضح ما يكون، لكن نسأل الله الهداية.
قال الله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ(بل) هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف وليست قلوبهم غلفًا ولكن طبع عليها بكفرهم، لماذا؟ لأن الأصل الفطرة والفطرة دين الإسلام، وما يرد عليها مما لا يوصل الحق إلى القلب فهو وارد، وارد وليس أصليًّا فيها، فكأن الله كذبهم؛ قال: إن القلوب ليست غُلْفًا، ولكن أيش؟ ولكن طبع عليها بعد أن كانت على الفطرة بكفرهم.
وقوله: طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْأي: جعل عليها طابعًا، والشيء المختوم يجعل عليه طابع، يطبع عليه، يعني بمعنى الختم.
وقوله: بِكُفْرِهِمْالباء للسببية، أي: بسبب كفرهم طُبِعَ على قلوبهم فلا يصل إليها الخير؛ ولهذا قال: فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
اختلف العلماء في قوله: إِلَّا قَلِيلًافقيل: إن المعنى لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جارٍ في لسان العرب؛ يعني لا يؤمن إلا قليل فهو نفي للكل، وقيل: المعنى إلا قليلًا منهم، فيكون الاستثناء من الواو، فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم.
وعلى هذا فينقسمون إلى قسمين: مؤمن وهو الأقل، وكافر وهو الأكثر، وقيل: إن إِلَّا قَلِيلًايعود على الإيمان أي: لا يؤمنون إلا إيمانا قليلًا.
ثم هل المعنى إِلَّا قَلِيلًاأي: إلا ضعيفًا، أو إلا قليلًا في الزمن بمعنى أن أكثر وقتهم الكفر وقد ينقدح الإيمان في قلوبهم ولكن سرعان ما ينطفيء لأنه ليس على أساس؟
كل هذا محتمل، والسياق لا ينافيه، فيقال: إن منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، والكافرون أكثر، ثم المؤمنون أيضًا هل هم مستقرون على الإيمان مستمرون عليه؟ لا، ثم هل إيمانهم إيمان قويٌّ راسخ؟ الجواب: لا، وعلى هذا فالآية صالحة لجميع هذه الاحتمالات.
نعود إلى أخذ الفوائد، يقول الله تبارك وتعالى: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْإلى آخره.
في هذه الآية: بيان قدرة الرب عز وجل، وأن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول: له كن فيكون، وإلا فمَن ذا الذي يستطيع أن يرفع هذا الجبل العظيم؟ ثم مَن الذي يستطيع أن يجعله فوق رؤوسهم ليس عليهم حتى يموتوا ولا رفيعًا بعيدًا حتى يأمنوا، ولكنه فوق الرؤوس قريب، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن، ففيه دليل على قوة الله عز وجل وقدرته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن إيمان بني إسرائيل إيمانُ إكراهٍ؛ لأن أَيُّ قادرٍ يقول: أنا سأسقط عليك حجارة من السماء إن لم تؤمن؛ فيؤمن المهدَّد، أيش يكون إيمانه؟
طلبة: مكرَهًا.
الشيخ: على إكراه، وعليه فالمؤمن على إكراه لا بد أن يكون إيمانه ضعيفًا مهزهزًا إذا زال الإكراه ربما يرجع إلى الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشرع عند فتح البلاد صلاة الفتح؛ لقوله: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًايمكن أن يؤخذ هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: على أساس: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شرع لنا إذا لم يرد شرعُنا بخلافه، وقد قيل: إن شرعنا ورد بوفاقه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة صلَّى ثماني ركعات ضحى في بيت أم هانئ، فقال بعض العلماء: إن هذه صلاة ضحى.
وقال آخرون: إنها صلاة الفتح؛ لأنه ليس من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي صلاة الضحى ثماني ركعات، فتكون هذه صلاة الفتح، وأخذ بها بعض الخلفاء فكانوا إذا فتحوا المدينة صلوا صلاة الفتح، وما أقرب هذا القول من الصواب أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الضحى حين فتح مكة صلاة فتح شكرًا لله عز وجل على ما أنعم به من الفتح ولا سيما إذا كان الفتح فتح عاصمة، فإن بني إسرائيل فتحوا بيت المقدس عاصمة، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح أيش؟ أم القرى عاصمة القرى كلها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يُحَرِّمَ الحلال في زمنٍ ويُبِيحُه في زمن آخر؛ لأنه حرم عليهم الصيد متى؟
طلبة: يوم السبت.
الشيخ: يوم السبت.
ومن فوائد هذه الآية: أن اليهود أهل مكر وخديعة؛ حيث اعتدوا في السبت.
ومن فوائدها: أن المتحيل على المحرم ولو بما صورته الإباحة يعتبر واقعًا فيه؛ كيف ذلك؟ لقوله: لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِفاعتدوا فيه بهذه الحيلة؛ إذن فمن تحيل على محرم بما صورته المباح فهو واقع في المحرم، بل هو زيادة.
ومن فوائد هذه الآية: أنه يظهر الفرق التام بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل، ولله الحمد؛ هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ٩٥]، ثم ابتلاهم بإرسال الصيد عليهم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ [المائدة: ٩٤] الطائر يناله الرمح، والزاحف تناله اليد؛ الزاحف مثل أيش؟ كالأرانب والغزلان وما أشبهها، يناله الإنسان بيده، يقول هكذا على الأرنب ويمسك ما تشرد منه، والطائر يناله الرمح دون السهم، الرمح طبعًا بيد الإنسان يقول به هكذا ويصيد؛ وهذا ابتلاء.
قال الله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٩٤] ماذا كان من الصحابة؟ أيش؟
طلبة: امتثلوا أمر ربهم.
الشيخ: تجنبوا، امتثلوا الأمر، تجنبوا ذلك مع أنه سَهْلٌ عليهم؛ لكن هذه الأمة أمة سمعنا وأطعنا، والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه ممن؟ من اليهود، أي إنسان يتحيل على محارم الله فإن فيه شبهًا من اليهود سواء كان في البيع أو في الشراء أو فيما أحل الله من الطعام أو حرم أو في النكاح؛ ولهذا سَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم المحلِّل، سماه؟
طلبة: التيس المستعار.
الشيخ: التيس المستعار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لم يعذب عباده إلا بعد أن قامت عليهم الحجة؛ لقوله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًاعهدًا قويًّا بينه وبين الخلق ثم ينقضون عهدهم، فإن الله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب الشرعية وكذلك إثبات الأسباب القدرية من باب أولى؛ لقوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْوالباء للسببية؛ وإثبات الأسباب المؤثرة في مسبباتها من مقتضى حكمة الله عز وجل؛ لأن الشيء لو وقع صُدْفَةً هكذا لكان سفهًا؛ لكن إذا وقع الشيء مربوطًا بسببه دل ذلك على الحكمة والإتقان، يا إخوان، الإنسان الذي يفعل الشيء اعتباطًا بدون سبب موجِبٍ له لا يعد حكيمًا؛ لكن الذي يفعل الشيء بأسبابه والمؤثرات فيه هذا هو الحكيم، والله عز وجل قد ربط المسببات بأيش؟
طلبة: بالأسباب.
الشيخ: بالأسباب؛ ولكن يجب أن نعلم أنه لقصورنا ونقصنا قد نعلم السبب وقد لا نعلم؛ إذن فيه إثبات الأسباب.
والناس في الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم فَرَّط، وقسم أَفْرَط، وقسم توسط. وخير الأمور الوسط؛ قسم فَرَّط وقال: إنه لا أثر للأسباب إطلاقًا حتى النار التي تحرق الورق ليس لها أثر فيه واحتراق الورق لم يكن بالنار ولكن عند النار، أفهمتم؟ واحتجوا لذلك بأنك لو أثبت أن للسبب تأثيرًا في المسبب لأشركت بالله حتى قالوا: أي إنسان يثبت سببًا فهو مشرك، في الربوبية ولّا في الألوهية؟
طلبة: الربوبية.
الشيخ: في الربوبية، قسم أَفْرَط وجاوز الحد وقال: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها ولا بد ولا يمكن أن تتخلف الأسباب؛ وهؤلاء أخطؤوا أيضًا، أفرطوا.
القسم الثالث: قالوا: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهؤلاء هم أهل الحق سواء كان السبب قدريًّا أو كان السبب شرعيًّا؛ ولذلك نجد بعض الأشياء المشروعة لها أسباب ولها موانع مثل الإرث له سبب وله مانع، ربما يكون أبوك الذي يرث مالك كله إذا انفرد به لا يرث شيئًا مع وجود السبب، لماذا؟ لوجود المانع؛ إذن السبب غير مؤثر الآن، فالذي جعل الأبوة سببًا للإرث جعل القتل مانعًا من الإرث مثلًا؛ واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كذلك أيضًا الأسباب القدرية، هذه النار مُحْرِقَة جعل الله فيها قوة الإحراق، ولما ألقي فيها ابراهيم قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فانتفى الإحراق مع أنها سبب مؤثر بأمر الله ولكن أيش؟ لم تؤثر لما قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَفكانت بردًا وسلامًا عليه.
قال أهل العلم: إن الله تعالى لو قال لها: كوني بردًا فقط لهلك من البرد -الله أكبر- لكن قال: بَرْدًا وَسَلَامًالئلا تهلكه بالبرد؛ فكانت بردًا وسلامًا عليه؛ إذن نحن نقول: إن الأسباب مؤثرة بأيش؟ بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة لا بنفسها؛ وحينئذ لم نشرك، وإنما قلنا بما تقتضيه ربوبية الله وحكمة الله، ربوبية الله بالتأثير وحكمة الله بِقَرْن المسبب بسببه؛ وهذا هو الحق وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
طالب: شيخ، إذا قال الله تبارك تعالى لبني إسرائيل: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] ثم إذا صاروا قردة حتى يبقون على قردتهم؟
الشيخ: لا لا، لا يتناسلون.
الطالب: لا يتناسلون؟
الشيخ: لا يتناسلون، فالقرود الموجودة هذه ليسوا من ذرية اليهود الذين قلبوا قردة.
الطالب: بعضهم يقولون (...)؟
الشيخ: لا، ما هو صحيح.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبه للقراءات السبعية تنسب إلى رجال أم إلى أمم..؟
الشيخ: إلى أمم.
الطالب: إلى شعوب (...).
الشيخ: ويش، القراءة؟
الطالب: القراءات السبعية؟
الشيخ: الأصل القرآن مروي بالتواتر، القرَّاء الأولون يكون عنهم في روايتهم عن الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة اختلاف فهذا هو اختلاف القراءات.
طالب: بارك الله فيك، بالنسبة للقاعدة المصالح والمفاسد، والقراءات السبعية لو قلنا: إن كل إمام لا يصلي بالقراءات السبعية لأن خلفه عوام بهذا تندثر السنة أيضًا هذا في أمور كثيرة مثلًا في دعاء الجمعة في آخر الجمعة هذا بدعة، لكن مجاراة للناس وأن الناس تعودوا هذا؟
الشيخ: نعم لا شك أن وجود السنة خير، والقراءات كالسنن المختلفة في صفة العبادة، وينبغي للإنسان الحافظ للقراءات أن يقرأ لنفسه بهذا وهذا؛ لكن فعل السنة إذا ترتب عليه مفسدة فهل درء المفاسد أولى؟ أو هذه المصلحة التي أجمع العلماء على عدم الوجوب؛ يعني العلماء أجمعوا على جواز القراءة بقراءة واحدة ما فيه خلاف بينهم، يعني لم يقل أحد بوجوب أن يقرأ الإنسان بالقراءات السبع؛ فإذا قرأ الإنسان بقراءة أمام العامة فهل العامة الآن سيضبطون هذه القراءة ثم يطبقونها في قرائتهم؟ أبدًا، سوف يضطربون فيها، فيقول: مثلًا قرأ إمامنا كذا، يقول: لا ما قرأ، قرأ كذا؛ طيب أيش المرجع؟ المصحف ليسوا راجعين إليه لأنه قرأ عليهم بقراءة غير اللي في المصحف، إذن وين القارئ؟ دور على القارئ، نعم، رجعوا إليه، قال: قرأت بكذا. وإذا هي ليست القراءة التي قال هؤلاء ولا بهؤلاء؛ وإذا كان نحن الآن، أنتم الآن أسألكم بعد مدة قصيرة من الأيام ما هي القراءة في هذه الكلمة تعجزون عنها إلا من راجع منكم، كيف عَادْ عوام الناس.
طالب: يا شيخ بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة بعضهم نسب إلى أحد الأئمة التحيل على الشرع بهذه؛ يقول للذي إذا أراد أن يكون أن يفطر في رمضان: يسافر فيفطر ألا ذلك يُعَدُّ من التحيل؟
الشيخ: هذا قلب التحيل، هذا تحيل؛ ولهذا قال العلماء -علماء الحنابلة- قالوا: من سافر ليفطر حرم عليه الفطر والسفر.
الطالب: نسبة إلى بعض الأئمة يا شيخ؟
الشيخ: ولو نُسِب، ولو نُسِبَ للأئمة، الأئمة يخطئون ويصيبون.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء: ١٥٦ - ١٥٩].

الشيخ: أحسنت.
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِإلى آخره [النساء: ١٥٥].
من فوائد هذه الأية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لأن الآية على تقدير محذوف وهو: لَعَنَّاهُم.
ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء احتجوا بقدر الله على شرعه؛ حيث قالوا: قُلُوبُنَا غُلْفٌفأبطل الله ذلك؛ فيترتب على هذا أن كل من احتج بالقدر على الشرع فحجته داحضة، وقد أبطل الله هذا في قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨] ولو كانت حجتهم صحيحة مقبولة ما أذاقهم الله بأسًا.
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في آية أخرى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧] فكيف ينفي احتجاجهم بأن شركهم بمشيئة الله ثم يُثْبِت أن شركهم بمشيئة الله؟
الجواب عن هذا أن يقال: إن الله سبحانه تعالى قال ذلك لنبيه لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواتسليةً له، وليس إقرارًا لهم على شركهم ولكن ليسلِّيَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إذا تبين له أن شركهم كان بمشيئة الله رضي بقدَرِ الله، والرضا بقدر الله هنا ليس من جهة الفاعل لكن من جهة أجنبي منه.
وأما قولهم: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَافقصدهم بهذا الاحتجاج بالقدر على الشرع ليستمروا على ما هم عليه من الباطل، وفرقٌ بين هذا وهذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر بآيات الله سبب للعن كنقض العهد والميثاق؛ ولكن يقال: إن نقض العهد والميثاق منه ما يصل إلى حد الكفر ومنه ما هو دون ذلك؛ أما الكفر في مثل هذا السياق فالمراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله؛ وآيات الله تعالى نوعان: كونية، وشرعية؛ فالكونية كل المخلوقات دالة على خالقها عز وجل؛ على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يتعلق بهذه المخلوقات.
الآيات الشرعية هي ما أنزله الله على رسله من الوحي، آيات شرعية؛ لأنك لو تدبرتها لوجدت أنه لا يمكن لأي بشر أن يَأْتُوا بمثلها، وليس المراد الإعجاز اللفظي بل الإعجاز المعنوي، أما الإعجاز اللفظي فيقال: إنه لم يثبت إلا للقرآن فقط، فالله أعلم.
لكن على كل حال، الآيات الشرعية وهي التي جاءت بها الرسل هي آية من آيات الله لا أحد يستطيع أن يأتي بمثلها؛ وقد تحدَّى الله سبحانه وتعالى المكذبين للرسل بالآيات الكونية والآيات الشرعية فقال تعالى في الآيات الكونية: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] هذا التحدي بأي الآيات؟
طلبة: الكونية.
الشيخ: الكونية، ما أحد يقدر، ما أحد يقدر يخلق ولا الذباب؛ وقال في الآيات الشرعية: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨] لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، لا يمكن وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًاأي مساعدًا ومعينًا؛ المهم أن آيات الله سبحانه وتعالى لا يكفر بها إلا المكابر وإلا فإنه لا يمكن لأي إنسان إلا أن يقر حتى أعتى من نعلمه من أهل الأرض مستيقن بالحق، وهو فرعون وقومه مستيقنون لكن جحدوا به ظلمًا وعلوًّا، وموسى صلى الله عليه والسلام يخاطب فرعون يقول: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢] يخاطبه محاورة؛ هل قال فرعون ما علمت؟ أبدًا، أُخْرِسَ ولم يتكلم؛ لأن هذه آيات بينة واضحة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عُتُوُّ بني إسرائيل، حيث اعتدوا على من أتوا بشرع يهدون الناس به؛ حيث قتلوا أيش؟ الأنبياء بغير حق؛ بل قتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ولو كانوا غير أنبياء، كل من يأمر بالقسط من الناس فإن بني إسرائيل يريدون قتله، والذي يقدرون على قتله يقتلونه؛ لأنهم إنما يريدون الفساد في الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق؛ تؤخذ منين؟ مفهوم بِغَيْرِ حَقٍّأنهم إن قتلوهم بحق فلا بأس؟
طالب: كل الأنبياء على حق.
الشيخ: إي، ولكن ماذا نصنع بها بِغَيْرِ حَقٍّمفهومه إن قتلوهم بحق فلا بأس؟ وهذه بـ (غير حق) وغير الحق لا فرق.
طالب: هذا يا شيخ بيان للواقع وليس قيدًا احترازيًّا.
الشيخ: أحسنت، هذا بيان للواقع، وليس قيدًا احترازيًّا، وهو كثير في القرآن ومنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]، والرسول ما يدعو لما يميت أبدًا، ما يدعو إلا لما فيه الحياة.
الشيخ: نعم، احتجوا بقضاء الله ذكرنا هذا وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يطبع على القلب بالكفر؛ بمعنى أن الإنسان إذا كفر ولم يعلم الله فيه خيرًا طبع الله على قلبه فلا يهتدي أبدًا؛ لقوله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْوهذا إبطال لاحتجاجهم بالقدر بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ، وهناك آية تبين هذا أعظم بيان أن من زاغ عن الحق فهو السبب هي قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥] فلا يمكن لأحد أن يزيغ إلا وهو السبب، سبب في زيغ نفسه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طبع الله على قلبه فإنه لا يؤمن إلا قليلًا يعني إلا إيمانًا قليلًا لا يقوى به على الاستقامة؛ وقد سبق لنا أن قَلِيلًاهذه فيها ثلاثة أيش؟ احتمالات، وأن الآية تعمُّ الجميع؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وينبغي أن لا تغيب عن أفهامنا أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعانى.
تفسير الآيات (156-158)
01:23:52

ثم قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْمعطوفة على قوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْهذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين لكن هذا أرجح ما يكون، أي: وبكفرهم لَعَنَّاهُم.
وَبِكُفْرِهِمْوهذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر أُكِّدَ بهذا التكرار.
وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًاقولهم على مريم وهي بنت عمران وأخت هارون؛ وهنا إشكال كيف تكون أختًا لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟
أورد هذا على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم وأن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى؛ لكن كانوا يُسَمَّوْن بأسماء أنبيائهم حتى وصل إلى هارون أخي مريم، مريم بنت عمران وقد وصفها الله تعالى بأنها أحصنت فرجها وأنها أبعد ما يكون عن البغي مع أن بني إسرائيل قالوا لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨] هذا نفي، يمدحون بذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس امرأ سوء وأمها ليست بغيًا، والمراد به؟ المراد به رميها بالزنا كأنهم يقولون: من أين جاءك هذا؟ الأم طاهرة والأب بعيد عن السوء من أين جاءك؟ ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أن القذف بالتورية يجب به الحد، القذف بالتورية يجب به الحد فلو تنازع شخصان، وقال أحدهما للآخر: أنا -الحمد لله- محصن الفرج عفيف ما زنيت، هو يقول عن نفسه.
المعنى: أنك أنت بالعكس؛ ولهذا قال بعض العلماء إنه يجب أن يُحَدَّ؛ لأن هذا التعريض أشد؛ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَبنت عمران بُهْتَانًا عَظِيمًاحيث قالوا: إنها كانت بغيًّا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا بهتان عظيم.
ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة في قصة الإفك، قال الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: ١٢] بَيِّنٌ، لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣] إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥].
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِهذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَشوف، ذكروه باللقب والاسم والكنية، المسيح لقب، الاسم عيسى، ابن مريم الكنية؛ هذا لا شك أنه وقع من اليهود، قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم حتى لا يقع اشتباه فيه يعني ذكروه بالاسم وباللقب والكنية لئلا يقع اشتباه، وهذا من باب التوكيد توكيد العين والشخص بأنه هو المراد.
أما رَسُولَ اللَّهِفقد اختلف المفسرون فيها؛ هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني لما قال هؤلاء المسيح عيسى بن مريم هم لا يقرون بأنه رسول إذ لو كان رسولًا ما قتلوه؛ لكن الله تعالى قال: رَسُولَ اللَّهِكأنه سبحانه يقول: إنه لا يستحق أن يُقْتَل لأنه رسول.
وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وإنهم قالوا ذلك على سبيل التهكُّم؛ يعني الذي يزعم أنه رسول الله، وأن هذا كقول قريش للرسول وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] كيف نُزِّلَ عليه الذكر وتقول: إنه مجنون؟!
لكن هذا من باب التهكم؛ على كل حال، القرآن عظيم جاء بهذه الصيغة من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية، يتأمل أيهما أحق.
ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكُّمًا.
قال الله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُالقتل موجود، هم قالوا: قتلنا المسيح؛ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق، هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا.