قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وقاله هؤلاء أيش؟
استهزاءً وتهكمًا.
قال الله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء: ١٥٧] القتل موجود؛ هم قالوا: قتلنا المسيح. لكن أين
الصلب؟
يقولون: هذا من باب حذف المعلوم بالسياق؛ هنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا.
لكن طوى ذكره اكتفاءً بما سيذكر.
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُوهم قالوا: إنا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول
جسد المصلوب ويُعرَض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يُوقف ويُشدّ على هذه الخشبة
وتُربَط يداه على العارضتين، هذا هو الصلب؛ ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة
عقولهم اتخذوا الصليب الذي صُلِب عليه نبيهم أيش؟ إلهًا، وعلى الأقل مقدَّسًا، مع
أنهم لو كانوا عُقَلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء
ضُلَّال لا يميزون بين الحق و الباطل.
قال: وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْشُبِّهَأي: أُلقِيَ
شَبَهُهُ على شخصٍ آخر فقتلوا هذا الشخص، شوف الضلال والفتنة؛ ألقى اللهُ شبهه على
رجلٍ فقتلوا هذا الرجل وصلبوه وقالوا: قتلنا المسيح. وقد اتفق جميع الذين كانوا
حاضرين معه على أنه رُفِع كما قال الله عز وجل، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد
شهادة الله عز وجل.
من الذي شُبِّه؟
قيل: إن الذي شُبِّه هو نفسه الذي دلَّ
اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى، وعيسى -كما تعلمون- كان يسيح في
الأرض هو وأُمُّه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني.
فأرسلوا أُمَّة لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه
وأصحابه -نحو ثلاثة عشر نفر أو اثني عشر- دخل الذي يدلُّ عليه ليتأكد، فلما دخل
ألقى الله عليه شَبَه عيسى، سبحان الله! عُومِل بنقيض قصده، فدخل اليهود فأمسكوه،
عيسى عيسى، قال: أنا صاحبكم. قالوا: أنت عيسى. فقتلوه وصلبوه.
أما عيسى عليه
الصلاة والسلام فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، رفعه الله
إليه سبحانه وتعالى.
وقيل: إن الذي شُبِّه رجلٌ من قومه؛ من قوم عيسى، فقال
لقومه الثلاثة عشر نفرًا قال: من يصبر على القتل فيُلقِي الله عليه شبهي وهو رفيقي
في الجنة. فقام شاب منهم وقال: أنا. فكأنهم استصغروه، فأعادها مرةً ثانيةً أو
ثالثةً فقال: أنا. قال: أنت ذاك. فألقى الله شبهه عليه ونجا عيسى، وهذا الشاب هو
الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه.
يقول عز وجل: وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْأما عيسى عليه الصلاة والسلام فيذكر الله أنه رفعه.
قال:
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُالذين اختلفوا فيه؛ فقيل: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى؛ كأنَّ
الشبه ليس تامًّا، ففيه ملامح عيسى وفيه ملامح غيره، ولذلك اختلفوا.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٥٩ - ١٦٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّسبق لنا أن الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُأي: ما قتلوا عيسى وما صلبوه، واليهود ادَّعوا أنهم قتلوه وصلبوه، وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْأي: أُلقِيَ شَبَهُهُ على شخصٍ.
وسبق أن المفسرين اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من قال: أُلقِيَ شَبَهُهُ على واحد ممن كانوا عنده، ومنهم من قال: إنه أُلقِيَ شَبَهُهُ على الذي دلَّ عليه من اليهود.
واختلفوا؛ منهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقُوَّة انفعالهم لم يتأنَّوْا كثيرًا، فأُلقِيَ الشبه على واحد منهم أو على مَن في البيت فقتلوه، ثم بعد قتْله تنازعوا: هل حقيقةً أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شكٍّ؛ منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا، وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًّا؛ فمن اليهود من أقرَّ بأنهم قتلوه، ومنهم من أنكر وقال: إن الذي قتلنا الشَّبَهُ شَبَهُ عيسى والجسد ليس جسده، اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال كذا ومنهم من قال كذا، والنصارى أيضًا اتبعوا؛ اتبعوهم في اختلافهم أيضًا، حتى النصارى اختلفوا فيه؛ يقول عز وجل: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، فنفى الله عنهم أن يكونوا عالِمين.
ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، هذا هو العلم، العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يَصِلُوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا لأنهم ما قتلوه وما صلبوه.
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍومَاهنا نافية، وهل هي حجازية أو تميمية أو حجازية لم تكمل شروطها؟
طالب: حجازية لم تكمل شروطها.
الشيخ: حجازية لم تكمل شروطها. ما الذي اختلَّ من الشروط؟
الطالب: (...).
الشيخ: عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك يقول -رحمه الله- في الألفية:
| .................................. | مَــــــــــــــعَ بَقَـــــــا النَّفْـــــــيِ وَتَرْتِيــــــــــــبٍ زُكِــــــــــــــــنْ |
أي: عُلِم، وهنا الترتيب مختلف؛ لو قلتَ: ما زيدٌ قائمًا، كنتَ حجازيًّا، ولو قلتَ: ما زيدٌ قائمٌ، كنتَ تميميًّا، وقال الشاعر يصف معشوقته:
| وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ: انْتَسِبْ | فَأَجَــــــابَ: مَـــا قَتْـــــــلُ الْمُحِـــــــــبِّ حَـــــــــــــرَامُ |
إذن هي تميمية، ولو كانت حجازية لقالت: ما قتلُ المحب حرامًا، لكن لا تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نُعرب مَانافية، ولَهُمْجار ومجرور خبر مقدم، وعِلْمٍمبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنًى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام.
إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّإِلَّاهنا أداة استثناء، لكن الاستثناء منقطع، وعلامة الاستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن اتباع الظن ليس عِلمًا، وعلى هذا فلا يكون الاستثناء هنا.. أتموا.
الطلبة: متصلًا.
الشيخ: لا يكون متصلًا، بل هو منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه ويكون منقطعًا، وتُقدَّر (إلَّا) في الاستثناء المنقطع بـ(لكنْ)؛ يعني: ما لهم به من علم لكن اتباع الظن.
إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّوالظن هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات؛ إذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر ترجَّح أحدها فالراجح يُسمَّى ظنًّا، والمرجوح يُسمَّى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شكٌّ، هذا عند الأصوليين.
أما عند الفقهاء فالشكُّ ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقَّن الطهارة وشكَّ في الحدث فهو على طهارته، ومعنى (شك في الحدث) يشمل الظن والوهم والشك، لكنَّ الأصوليين رحمهم الله قسَّموا ما لا يكون عِلمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم. إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، وحينئذٍ لا علم عندهم.
هل لنا أن نأتي بمثال يكون فيه الاستثناء منقطعًا من القرآن سوى هذا؟ نعم كثير، مثل قوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤] فهنا (إلا) الاستثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر؛ ولهذا أتت (الفاء) في الجواب، والتقدير: لستَ عليهم بمصيطر، لكنْ مَن تولَّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر.
يقول جل وعلا: إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًامَانافية، قَتَلُوهُفعل وفاعل ومفعول به، يَقِينًاقيل: إنها مصدر في موضع الحال من (الواو) في قَتَلُوهُأي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شكٍّ منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍوقولِه: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، وعلى هذا فتكون يَقِينًامصدرًا في موضع الحال، أين عاملها؟
طالب: الواو.
الشيخ: لا، أين عاملها؟
طالب: قتلوا.
الشيخ: قتلوا، وأين صاحبها؟
الطلبة: الواو.
الشيخ: الواو، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، وقيل: إن يَقِينًامؤكِّدة للنفي؛ أي: ما قتلوه، أقول ذلك يقينًا. ولايصح أن تكون تأكيدًا للمنفي يعني: وما قتلوه قتلًا يقينًا بل قتلًا ظنيًّا، هذا لا يصح.
إذن هي إما مصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا) والمعنى: وما قتلوه متيقنين ولكنهم في شكٍّ، أو أنها تأكيد للنفي؛ أي: وما قتلوه أنفي ذلك يقينًا، أو: أقول ذلك يقينًا. وعلى القاعدة التي مرَّت علينا في التفسير: أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجِّح لأحدهما؟
الطلبة: حُمِل على المعنيين.
الشيخ: حُمِل على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فنقول: كلمة يَقِينًالها معنيان: المعنى الأول: ما قتلوه متيقنين، والمعنى الثاني: ما قتلوه أنفي ذلك يقينًا.
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِهذه بَلْحرف إضراب، وهل هذا إضراب إبطاليٌّ أو انتقاليٌّ؟
الطلبة: إبطاليٌّ.
الشيخ: إبطاليٌّ، وعلامة الإضراب الإبطاليِّ أن يكون مبطِلًا لما سبقه، وعلامة الانتقالي أن لا يكون مبطِلًا لما سبقه لكنه ينتقل من حال إلى حال؛ مثل قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] هذه انتقالية، لكن الإضراب هنا إضرابٌ إبطالي؛ بَلْيعني: لم يصْدُقوا في دعواهم.
رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِأي: رفعه حيًّا أو ميتًا؟
الطلبة: حيًّا.
الشيخ: حيًّا، رفعه الله تعالى إليه حيًّا؛ إما من كوَّة في البيت أو من الباب، الله أعلم، كل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله عز وجل.
رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِوأين كان؟ كان في السماء الثانية؛ دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين عُرِج به وجد في الأولى آدم، ووجد في الثانية عيسى ويحيى، ووجد في الثالثة يوسف، ووجد في الرابعة إدريس، ووجد في الخامسة هارون، ووجد في السادسة موسى، ووجد في السابعة إبراهيم ، إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله عز وجل، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه؛ فإنَّ بنيه كانوا في الأرض، وأقربُ ما يكون من السماوات هو السماء الدنيا، أقربُ ما يكون إلى الأرض هو السماء الدنيا، وفضْل الله واسع يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
إذن رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِإلى أيِّ مكان؟ إلى السماء الثانية مع ابن خالته يحيى، لكن يحيى ليس مرفوعًا في حالِ حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات.
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًاوَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًاأي: ذا عِزَّة، والعِزَّة قال العلماء: إنها ثلاثة أقسام: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة؟
طالب: القَدْر.
الشيخ: وعِزَّة الامتناع.
(عِزَّة القهر) أن الله سبحانه وتعالى غالبٌ غيرُ مغلوبٍ، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي:
| أَيْنَ الْمَفَـــــــــــرُّ وَالْإِلَــــــــــــهُ الطَّالِــــــــــــــبُ | وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُــــــــوبُ لَيْسَ الْغَالِـــــــــبُ |
ومن أمثلة ذلك -أي: من أمثلة ظهور الغَلَبة في العزة- قول الله تبارك وتعالى ردًّا على قول المنافقين: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، العِزَّة هنا أظهر معانيها أيش؟ الغَلَبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، عِزَّة الغَلَبة واضحة؛ أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالبٌ وليس بمغلوبٍ جل وعلا.
(عِزَّة القَدْر) أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له.
(عِزَّة الامتناع) أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عَزازٌ. (عَزازٌ) أي: صلبة قويَّة.
وحَكِيمًاأي: ذا حِكْمة، فما هي الحكمة؟
الحِكْمة هي إحكام الشيء وإتقانه ووضعه موضعَه بحيث لا يقول عاقل: ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة.
وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحِكمة والْحُكم؛ قال الله تبارك وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده وبين عباده؛ فهو الحاكم في عباده يَشْرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في الآخرة، هذا حُكم.
ويكون أيضًا من الحكمة وهي: إتقان الشيء ووضعه في موضعه، ولا شكَّ أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في شرعه وفي قَدَره؛ ولهذا نقول: الحكمة شرعية وقَدَرية.
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًاالمناسبة، يعني مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين؛ لأن هؤلاء اليهود جاؤوا مغالبين يريدون أن يقتلوا رسولًا من رُسُل الله عز وجل، فناسب أن يختم الآية بالعِزَّة والحكمة، وهي هنا في الْحُكم أظهر منها في الحكمة؛ يعني: هو الحاكم عز وجل، ولذلك منع هؤلاء من إفسادهم وقتلهم النبي.
نأخذ الفوائد:
قال الله تبارك وتعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا.
هنا من هذه الآية يؤخذ: إثبات السبب؛ لقوله: وَبِكُفْرِهِمْ.
ومن فوائدها: أن الكفر سببٌ للشرِّ والفساد واللَّعن والإبعاد عن رحمة الله عز وجل؛ لأنه متعلق بمحذوف، كما قلنا في قوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: ١٣].
ومن فوائدها: أن اليهود رَمَوْا مريم ببُهْتانٍ عظيمٍ حيث قالوا: إنها زانية وإن عيسى ابن زنى -نسأل الله العافية- وهذا بُهتانٌ عظيمٌ.
ولكن هل نقول: إنهم كفروا برميهم إياها؟
نقول: أما من قذفها بذلك بعد أن برَّأها الله من ذلك فهو كافر، لا لقذفه ولكنْ لتكذيبه تبرئة الله سبحانه وتعالى إياها، فعلى هذا يكون كُفْره من باب كُفْر الجحود؛ لأنه أنكر ما أثبته الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى قال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم: ١٢]، فشهد الله لها بإحصان الفرج، وعليه فمن رماها بما رماها به اليهود فإنه كافرٌ مكذِّبٌ لله عز وجل، وليس هذا من أجْل قذفها، نُكَفِّره الآن من أجْل أن قذْفها تكذيبٌ لله عز وجل.
ننتقل -وإن كان ليس هناك علاقة تامة- لو قذف أحد من الناس زوجة النبي عليه الصلاة والسلام عائشة بما برأها الله منه يكون كافرًا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يكون كافرًا من وجهين:
الوجه الأول: تكذيب خبر الله عز وجل، وأول ما ذكر الله القصة ذكر الإفك؛ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور: ١١]، مما يدل على أن هذه القضية من أصلها وفصلها كذبٌ، فمن رمى أم المؤمنين عائشة بما برَّأها الله منه فإنه كافر مكذِّب لله عز وجل.
وأيضًا من وجه آخر أنه دنَّس فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت أم المؤمنين عائشة -وحاشاها من أن تكون فعلت ما رُمِيتْ به- إذا كانت زانية -والعياذ بالله- فهي خبيثة، والْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور: ٢٦]، ولهذا يلزم من ذلك أن يكون طَعَن بالرسول عليه الصلاة والسلام.
زِدْ على ذلك: أنه طَعَن في حكمة الله عز وجل أن يجعل هذه المرأة الزانية فِراشًا لأفضل البشر عنده -نعوذ بالله- طَعَن في حكمة الله، هل من الحكمة أن يجعل ولِيَّه وصفِيَّه وخليله محمدًا صلى الله عليه وسلم يفترش امرأة زانية؟ ليس من الحكمة، فهؤلاء الذين يرمونها بما برَّأها الله منه هم كَفَرةٌ لا شكَّ، نشهد بالله أنهم كَفَرةٌ وليسوا من الإسلام في شيء؛ لأنهم كذَّبوا الله ورسوله، ولأنهم دنَّسوا فِراش النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنهم طعنوا في حكمة الله، ولا إشكال في هذا.
لو قذف غير أم المؤمنين عائشة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي مِتْنَ وهُنَّ في حباله أو مات عنهن، فكذلك؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فكذلك، الصحيح أنه يكفر، لماذا؟ لا نقول: لأنه تكذيبٌ لله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما برَّأ واحدة منهنَّ، لكنْ لأنه دنَّس فِراش النبي صلى الله عليه وسلم وطعن في حكمة الله عز وجل؛ ولهذا كان القول الراجح: أن مَن قَذَفَ واحدة من أمَّهات المؤمنين فإنه كافر يُباح دمُه ومالُه إلا أن يتوب، فإذا تاب فينظر الإمام هل يرفع عنه القتل لأنه تاب، أو لا يرفع لأنه حدٌّ، هذا يرجع إلى رأي الإمام.
طالب: القسم الثاني ممن رمى مريم رضي الله عنها قبل أن يبرِّئها الله.
الشيخ: لا، إذا رمى مِن غير ما برَّأها الله منه فهذا يكون كغيرها ممن رُمِيتْ؛ لأنها ليست هي زوجة نبي حتى نقول: إنه يكون طعن بالنبي.
من فوائد الآية الكريمة: أن رمي المحصنات بُهتانٌ عظيمٌ، ولهذا أوجب الله فيه حدًّا قَدْره كم؟
الطلبة: ثمانون جلدة.
الشيخ: قدره ثمانون جلدة، حتى لو شهد أحدٌ بأنَّ فلانة أو فلانًا زنى وأنه شاهد ذَكَر هذا الرجلِ في فرجها، شهد هذه الشهادة، نقول: الآن عليك ثمانون جلدة، ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أزكى الناس نقول: عليك ثمانون جلدة، قال: معي شاهد آخر، هاتوا، شهد الثاني، نجلده أيضًا ثمانين جلدة مع الأول، قالوا: عندنا شاهد ثالث، قلنا: هات، فنجلده أيضًا ثمانين جلدة، كل هذا حماية للأعراض والأنساب؛ يعني: جَلْد القاذف ليس حمايةً لعِرض المقذوف فقط، وللأنساب أيضًا؛ لأنه لو ثبت زناه اختلط نسب الزاني بنسب الزوج، ما يُدرَى هذا الولد لهذا أو لهذا فضاعت الأنساب، ولهذا كان من الواجب أن يُقام على القاذف الحد.
وأيضًا لا يكفي أن يُقام عليه الحد؛ لا تُقبل له شهادةٌ أبدًا، ولو شَهِد بما يساوي فلسًا لا تُقبل شهادته؛ لأنه قال: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور: ٤] أكَّد النفي بالتأبيد، فإذا شَهِد وهو من أعدل الناس قلنا: لا نقبل، ليش؟ هذا أمر الله: وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا.
الثالث؛ العقوبة الثالثة: خروجه عن العدالة؛ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٤]، وبناء على ذلك فكل عمل ديني أو دنيوي يُشترط فيه العدالة فإنه لا يتولَّاه أبدًا، لكن الله استثنى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٥]، وهذا الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة بالاتفاق وهو ارتفاع الفسق عنه إذا تاب، ولا يعود للأولى بالاتفاق وهي قوله: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤]، واختلف العلماء هل يعود للثانية وهي وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًاأو لا على قولين، وينبغي أن يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم القاضي.
قال: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَإلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: أن اليهود باؤوا بإثم قتل المسيح أخذًا لهم بإقرارهم؛ لأن الله جعل الإقرار شهادة فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، ولهذا نقول: اليهود قتلوا المسيح وما قتلوه، أيش قتلوه وما قتلوه؟ قتلوه حُكمًا ولم يقتلوه واقعًا؛ قتلوه حُكمًا لأنهم أقرُّوا بأنهم قتلوه، ولكنهم لم يقتلوه واقعًا في الحقيقة.
فمن فوائد الآية الكريمة إذن: أن حُكم قتل المسيح أيش؟ ثابتٌ على اليهود بإقرارهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم -أعني اليهود- إما أن يكونوا قد أقرُّوا بأنه رسول وقالوا: رَسُولَ اللَّهِليعلنوا على أنفسهم أنهم فعلوا ذلك عنادًا، أو أن رَسُولَ اللَّهِهذه من كلام الله، كما سبق ذكر القولين فيها من المفسرين.
ومن فوائد الآية الكريمة: نسبة الإنسان إذا لم يكن له أبٌ إلى أمه، من أين تؤخذ؟ من قوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.
ومن فوائد الآية الكريمة وهي فائدة نحوية: أن الإنسان إذا اشتهر بلقبه فلا بأس أن يُقدَّم على اسم العَلَم؛ لأنه قدَّم الْمَسِيحَ، وإلا فالأصل أن يُقدَّم الاسم أولًا ثم اللقب ثم الكُنية، لكن إذا اشتهر به فإنه يُقدَّم اللقب مثل أن تقول: الإمام أحمد بن حنبل، أو أحمد بن حنبل الإمام؟ الأول؛ لأنه مشتهر به.
من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام رسول الله؛ لقوله: رَسُولَ اللَّهِ، وهو آخر نبي بعث بعده محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْأيش؟ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ [المائدة: ١٩]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بينه وبين عيسى أحد من الرسل ، وبه نعرف كذب الأخبار التي قالت: إن خالد بن سنان -وهو من العرب- كان رسولًا، فيقال: ليس بين عيسى ومحمد أحد من الرسل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف عيسى عليه الصلاة والسلام، كيف؟ لأنه رسول الله، وكفى بالإنسان شرفًا أن يكون رسولًا لله، كما كفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله، أليس كذلك؟ لكن الرسالة أخصُّ من العبودية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يُقتَل ولم يُصلَب، خلافًا لمن؟ لليهود، والذي قال: إنه لم يُقتَل ولم يُصلَب هو الله عز وجل؛ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة النصارى وقلة تمييزهم؛ حيث كانوا يعبدون الصليب ويعظمونه، ولو كانوا عُقَلاء لكسروه، صليبٌ يُصلَب عليه نبيهم ثم يذهبون إلى تقديسه! لو أخذنا بظاهر الحال لقلنا: هذا دليل على بُغضهم لعيسى حيث قدَّسوا ما عُذِّب به وهو الصليب، لكن هم يدَّعون أن هذا تعظيم لعيسى عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث انقلب الرجل إلى مشابهة عيسى، سواء قلنا: إنه أحد القاعدين في البيت أو إنه اليهودي الذي دلَّ اليهودَ على مكان عيسى، فهو دليل على تمام قدرة الله عز وجل.
ومن فوائد الآية -إذا قلنا: إن المقتول الرجل الذي دلَّ اليهودَ- من فوائد الآية: أن فيها تأييدًا للمثل القائل: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها؛ فإن هذا الرجل جاء يدل اليهود ليقتلوا عيسى فقتلوه هو.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود اختلفوا بعد أن قتلوا عيسى بزعمهم، اختلفوا هل قتلوه أم لا.
ومن فوائدها: أنهم تكلموا بهذا بلا علم، هذا الاختلاف كله لا علم فيه، ولهذا قال تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، حتى كل المختلفين ليس لهم به علم وإنما هو الظن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كما ينتفي العلم عن النصارى لأنهم ضُلَّال فقد انتفى العلم عن اليهود في هذه المسألة ولم يدركوها حقًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ذمِّ من اتبع الظن؛ وجهه: أن الله نَفَى عنهم العلم أولًا، ونَفْيُ العلم يقتضي ثبوت الجهل، والجهل مذموم، فاتباع الظن أيضًا مذموم.
ولكن بيَّن الله تعالى في سورة الحجرات أن الظن بعضه غير مذموم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّيعني: ولا تجتنبوا بعض الظن، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: ١٢] يعني: وبعضه ليس بإثم، فما هو الفرق؟ الظن المبني على قرائن قوية ليست أوهامًا أو تخيلات هذا ليس بإثم، والظن الذي لا أصل له هذا إثم.
ولكن إذا ظنَّ الإنسان بأخيه سوءًا فهل الأَوْلى أن يُحقِّق أو أن يتجاهل الأمر؟
طلبة: الأول.
طلبة آخرون: الثاني.
الشيخ: لا، إن قلتم: الأول، أخطأتم، وإن قلتم: الثاني، أخطأتم.
طالب: حسب الحال.
الشيخ: إي نعم، حسب الحال؛ قد يكون من المصلحة أن نبحث حتى نصل إلى اليقين إما نفيًا أو إثباتًا، وقد يكون من المصلحة أن نتجاهل ونتغاضى، فإذا كان الأمر بينك وبين هذا الرجل فالتجاهل أحسن؛ يعني: لو نقل إليك إنسان كلامًا فيك من شخص فالأَوْلى أن تتجاهل هذا لئلَّا يقع في قلبك شيء عليه، فضلًا عن أنه ربما تذهب إليه وتتنازع معه، ولهذا جاء في حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يُخْبِرَنِّي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» ، والحديث فيه ما فيه من حيث السند، لكن معناه جيد، إلا إذا دعت الحاجة إلى إخبار الإنسان فهذا شيء ثانٍ؛ مثل أن نعرف أن هذا الرجل بينه وبين هذا صداقة ويُفضي إليه بسِرِّه والثاني ينقل كلامه كالمنخل تمامًا لا يُمسك الماء، فهذا يجب أن تنصحه، وإذا أخبرت عن حاله ليس هذا نميمة، بل هو نصيحة.
المهم أن الظن الآن ينقسم إلى قِسمين: بعضه له قرائن قوية فهُنا ينتفي عنه الإثم، وقِسم آخر ليس له قرائن قوية فظنه إثم، إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يُقتَل يقينًا؛ لقوله: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًاعلى أحد الاحتمالين، أيهما؟ أن اليقين هنا عائد إلى نفي القتل.
فإن قال قائل: ما الذي أحوج القضية إلى أن يكون فيها هذا التأكيد وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا؟ ما الذي أوجب؟ ألسنا نحن نؤمن بكلمة واحدة من ربنا عز وجل؟ بلى، لكن ما الذي أوجب؟
أوجب هذا أن اليهود لهم دعاية قوية فيما يذهبون إليه، فمن أجل هذه الدعاية القوية قوبلوا بهذه التأكيدات التي تدل على أن اليهود لم يقتلوا عيسى، واضح؟ وهذا من رحمة الله ومن حكمة الله؛ أما كونه من رحمته فلئلَّا يعلق في قلوب المسلمين شيء من هذه الدعاية، وأما كونه من حكمة الله فلأجل أن يتبين الأمر كما هو حتى لا يكون ملتبسًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين ادَّعوا قتله لم يتيقَّنوا من قتله بل هم في شكٍّ منه، بناء على أيش؟
طالب: على الثاني.
الشيخ: الثاني من يعرف؟ وأيش الاحتمال الثاني؟
الطلبة: (...).
الشيخ: أن يَقِينًامصدر في موضع الحال من فاعل (قتلوا)، يعني: وما قتلوه متيقِّنين، بل هم في شكٍّ من ذلك، والله أعلم.
طالب: كيف الجمع بين الدرس الماضي والفوائد؛ ذكرنا في الدرس الماضي إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِهذا من قول الله؛ لأن اليهود لم يعترفوا على لسانهم، فتعيَّن هذا من قول الله، وذكرنا هذا من قول اليهود؛ لأنهم يقولون: إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم الذي يزعم أنه رسول؟
الشيخ: ذكرنا فيها القولين، ذكرنا في الشرح القولين.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٥٨ - ١٦١].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ماذا تقول في دعوى اليهود أنهم قتلوا المسيح؟
طالب: لم يقتلوه، وإنما قتلوا من أُلقِيَ عليه شَبَهُهُ.
الشيخ: يعني إذن الدعوى هذه كذب.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا.
الشيخ: طيب، كلمة يَقِينًاهنا هل هي عائدة إلى فعلهم أو عائدة إلى النفي؟
الطالب: يحتمل أن تعود على الجهتين؛ فإن قلنا: إنها عائدة على القتل فإن القتل الذي قتلوه ليس هو قتلًا يقينيًّا.
الشيخ: القتيل.
الطالب: القتيل ليس هو عيسى نفسه، وإن قلنا: إنها عائدة على النفي فإنه ينفي تحقُّق فعل القتل منهم.
الشيخ: فإنه يؤكد انتفاء القتل.
وإذا احتملت الآية المعنيين جميعًا فما الحكم؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني تُحمل على المعنيين جميعًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: هل لهذا شرط؛ أعني حملها على المعنيين جميعًا؟
طالب: أن لا يكون بينهما تعارض.
الشيخ: طيب، وأيش بعد؟
الطالب: أن يكون اللفظ يحتمل المعنيين ولا يكون بينهما..
الشيخ: هذا معنى يحتمل المعنيين أن لا يكون بينهما تعارض. الثاني؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذه معناها، واحد.
طالب: أن لا يكون الحمل على وجه (...)؛ يعني وجه بعيد.
الشيخ: يعني أن لا يترجَّح أحدهما على الآخر، فإن ترجَّح أحدهما على الآخر أُخِذ بالراجح.
قوله: إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّالاستثناء هنا بماذا نصفه؟
طالب: منقطع.
الشيخ: منقطع، ما هو ضابط الاستثناء المنقطع؟
طالب: إذا لم يكن المستثنى منه من جنس الـ..
الشيخ: إذا كان المستثنى من غير جنس المستثنى منه. فما وجه المخالفة هنا؟
الطالب: أن اتباع الظن ليس من العلم.
الشيخ: لأن اتباع الظن ليس من العلم.
ثم قال تبارك وتعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إبطال ما ادَّعاه هؤلاء من قتل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام؛ حيث نَفَى قتلَه ثم بيَّن أنه مرفوع إلى الله.
ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: إِلَيْهِ، و(إلى) للغاية، فدلَّ ذلك على أن المرفوع إليه عالٍ، والأدلة على علو الله تعالى بذاته كثيرة لا تحصر من القرآن والسُّنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، وقد تكرر هذا كثيرًا وبيَّناه، والحمد لله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حيٌّ؛ لقوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وهذا يقتضي رفعه بجسده، كما عُرِج بالنبي صلى الله عليه وسلم بجسده إلى السماوات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: العزيز والحكيم، والعزيز: المتَّصف بالعزة، والحكيم: المتَّصف بالْحُكم والحِكمة؛ لأنها من (حَكَمَ) و(أَحْكَمَ)، وسبق أن قلنا: إن عِزَّة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عِزَّة القدر، وعِزَّة القهر، وعِزَّة الامتناع، فهي ثلاثة معانٍ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وهو أنه لا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون معلومة للناس وقد تكون غير معلومة.
ومن فوائدها: وجوب اقتناع الإنسان بحكم الله ورضاه بقَدَره، فوجوب اقتناعه بحكم الله لأنه إذا آمن أنه لحكمة وجب أن يقتنع به، ولهذا كان السلف الصالح لا يُقْنعون النفوس عند الإشكال إلا بالنصوص؛ كما فعلت عائشة رضي الله عنها حين سُئِلت: ما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
وأما الرضا بقضائه فالمراد أن يرضى الإنسان بقضاء الله لا بالمقضيِّ؛ لأن المقضيَّ فيه تفصيل، لكن القضاء من حيث هو قضاء الله يجب عليه أن يرضى به، وهذا من تمام توحيد الربوبية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكم لله عز وجل، فالحكم لله كونًا وشرعًا؛ أما الحكم الكوني فنافذٌ على كل أحد: مسلم، كافر، مؤمن، فاجر، كلُّ أحد خاضعٌ للحكم الكوني، وأما الحكم الشرعي فمن الناس من خضع له، ومن الناس من لم يخضع له؛ فالمؤمنون خاضعون له، والكافرون لم يخضعوا له.
ثم قال عز وجل: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِإِنْهنا نافية؛ أي: ما مِن أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به.
و(إِنْ) تأتي في اللغة العربية على وجوه متنوعة:
تأتي نافية كما في هذه الآية، وأمثلتها كثيرة، وغالبُ ما تأتي نافيةً إذا أتت بعدها (إلا) مثل: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١١٠]، إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: ٧]، إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: ٢٥]، إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٣٧]، فـ(إنْ) تكون هنا نافية.
وتأتي مخفَّفة من الثقيلة؛ مثل: إنْ زيدٌ لَقائمٌ، فهي مخفَّفة من الثقيلة.
وتأتي شرطية؛ مثل: إن قام زيدٌ قام عمرو.
وقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِالمراد بهم اليهود والنصارى، وقوله: إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِهذه مستثنى من محذوف، والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمننَّ به، وعلى هذا فقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِخبر لمبتدأ محذوف دلَّ عليه السياق، وتقدير خبر المحذوف؟
طالب: أحدٌ.
الشيخ: أحدٌ.
وقوله: إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِنجد الفعل هنا مفتوحًا إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِمع أننا لا نشاهد أداة نصب؟
طالب: لاتصاله بنون التوكيد.
الشيخ: يعني هو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.
وقوله: بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِبِهِأي: بعيسى عليه الصلاة والسلام، قَبْلَ مَوْتِهِالضمير يعود على عيسى، وقيل: يعود على الرجل من أهل الكتاب؛ يعني أنه ما من أحدٍ من أهل الكتاب إلا إذا حضره الموت آمن بعيسى، أو المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب بعد نزول عيسى إلا آمن بعيسى، وكِلا المعنيين صحيح، والثاني أظهر: أن الضمير يعود إلى عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى سوف ينزل في آخر الزمان، وسوف يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا يقبلها.
وقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاهذه ظرفٌ عامله يَكُونُ؛ المعنى: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يكون شهيدًا عليهم يوم القيامة.
معنى الآية الكريمة: أنه لا يوجد أحدٌ من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل أن يموت عيسى، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: ما من أحدٍ من أهل الكتاب أدرك عيسى إلا آمن به قبل أن يموت. وعلى القول الثاني أن الضمير يعود على الواحد من أهل الكتاب يكون أنه ما من إنسان من أهل الكتاب يحضره الموت إلا أيش؟ إلا آمن بعيسى، حتى اليهود الذين كانوا ينكرون رسالته يؤمنون به.
وقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِهم اليهود والنصارى، وسُمُّوا بذلك لأن لهم كُتُبًا حيَّة وإنْ كانت محرَّفة، وهي التوراةُ عند اليهود والإنجيلُ عند النصارى، ولهذا سُمُّوا أهل الكتاب، ولا يُعلم كتاب بقي إلى بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام مما جاءت به الرسل إلا التوراة والإنجيل. قيل: إن المجوس لهم كتاب أُنزِل أو لهم شُبهة، ولكن الصحيح خلاف ذلك، أنه لا يوجد كتاب بقي إلى بعثة الرسول إلا التوراة والإنجيل.
وقوله: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِأي: إيمان قبول وإذعان، ليس مجرد التصديق؛ لأن مجرد التصديق لا يسمَّى إيمانًا، ولهذا لا يُحكم بإيمان أبي طالب مع أنه مصدِّق، بل لا بد من قبولِ ما آمن به الإنسانُ والإذعانِ له.
وقوله: قَبْلَ مَوْتِهِأي: قبل موت عيسى أو موت الإنسان، وذلك حين يرى الحقَّ، إذا رأى الكتابيُّ الحقَّ سواء كان ذلك بنزول الموت أو كان ذلك بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه يَقبل، ولكن هذا الإيمان يكون كالإيمان الاضطراري؛ لأنهم لما كانوا في اختيارهم لم يؤمنوا بعيسى بل كفروا به.
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاوذلك مذكور في قوله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: ١١٦، ١١٧]، فيوم القيامة سيشهد عيسى بن مريم على قومه أنه لم يقُل لهم إلا ما أمره الله به أن اعبدوا الله ربي وربكم.
في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة:
منها: أن الكتابيَّ قد يؤمن إيمانَ اضطرارٍ إما عند موته أو إذا نزل عيسى، ولكن هل ينفع هذا الإيمان؟
النصوص تدل على أن الإيمان الاضطراري لا ينفع، وأن الإيمان إذا حضر الأجَلُ لا ينفع؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، ولكن الإيمان الاضطراري في غير هذه الحال قد يرسخ في قلب المرء؛ فقد يؤمن أولًا خوفًا من السيف ثم يرسخ الإيمان في قلبه ويثبت ويكون إيمانًا حقيقيًّا يُثاب عليه وينجو به من النار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الموت للبشر كلهم، حتى الأنبياء يموتون؛ قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤].
طالب: شيخ، قلنا: إن عيسى رُفِع حيًّا، فما الجواب عن قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥]؟
الشيخ: الجواب على هذا أن قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَفيه أقوال:
الأول: أن المراد بالوفاة النوم.
(...) قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠] والمعنى أن الله تعالى عندما أراد أن يرفعه ألقى عليه النوم حتى لا ينزعج بهذا الرفع.
والقول الثاني: إِنِّي مُتَوَفِّيكَأي: قابضك، كما يقال: تَوفَّى فلانٌ حقَّه؛ أي: استوفاه وقبضه.
والقول الثالث: أن الآية ليست على الترتيب الذِّكْري، وأن المعنى: إني رافعك إليَّ ومتوفيك، فيكون الترتيب هنا من باب الترتيب الذِّكْري لا المعنوي.
وهذه كلها أجوبة صحيحة، وأظهرها الأول: أن المراد وفاة النوم، وأن الله تعالى ألقى عليه النوم حتى يكون عند رفعه غير منزعج ولا متأثر.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الموت ثابت للرسل عليهم الصلاة والسلام ومَن دونهم من باب أَوْلى، وقد ذكرنا الأدلة على هذا.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات القيامة؛ لقوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، وقد بيَّنَّا فيما سبق لماذا سُمِّي هذا اليوم يوم القيامة، ويبيِّنه لنا؟
طالب: لأن الناس يقومون إلى الحشر.
الشيخ: لقيام الناس من قبورهم لله عز وجل، دليله؟
الطالب: قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦].
الشيخ: نعم. والثاني؟
طالب: يقوم الأشهاد.
الشيخ: تُقام الأشهاد. دليله؟
الطالب: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
الشيخ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]. ثالثًا؟
طالب: أنه يوم يُقام فيه العدل.
الشيخ: نعم؛ لقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يشهدون على أممهم؛ لقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا، وهذا عامٌّ في كل الرسل؛ لقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء: ٤٠].
وهل يكون العلماء الذين هم ورثة الأنبياء هل يكونون شهداء؟
الجواب: نعم؛ فإن العلماء يشهدون على الأمم ببلوغ الرسالة إليهم، ويشهدون للرسل بأنهم بلَّغوا، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء.
ويمكن أن نقول: ومن فوائد هذه الآية: أن الناس يوم القيامة يتكلمون ويُستشهَدون ويُناجَوْن، أو لا يمكن؟
يمكن؛ لأن الله يقول: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِأجابه قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ.
(...) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ(الفاء) عاطفة على ما سبق، و(الباء) هنا للسببية، والظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣]، وأما في الشرع فهو التعدي سواء كان بنقصِ واجبٍ أو بفعلِ محرَّمٍ.
وقوله: مِنَ الَّذِينَ هَادُوايعني بهم قوم موسى حين قالوا: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا، مع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْهذا الفعل هو العامل في قوله: فَبِظُلْمٍ، يعني: الجار والمجرور في قوله: بِظُلْمٍمتعلِّق بقوله: حَرَّمْنَا، والتحريم في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله، ومنه سُمِّي النساء حريمًا لاحتجابهن والمنع من التعدِّي عليهن.
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْطَيِّبَاتٍأي: أطعمةً طيباتٍ، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيِّب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة؛ تارةً يُراد به الشيء النجس، وتارةً يُراد به الرديء، وتارةً يُراد به المحرَّم مطلقًا.
وقوله: طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْأي: كانت بالأول حلالًا، وهي باقية على طِيبها، لكن حُرِّمت عليهم بسبب ظلمهم.
أُحِلَّتْ لَهُمْمن الْمُحِلُّ؟ الْمُحِلُّ هو الله عز وجل؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا(الواو) حرف عطف، و(صَدّ) مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم؛ وذلك لأن (صَدَّ) تكون فعلًا لازمًا وتكون متعديًّا؛ فيُقال: صَدَّ الرجلُ عن كذا؛ بمعنى: أعْرَضَ، وصَدَّ غيرَه عن كذا؛ بمعنى: صَرَفه عنه، وهنا يجوز فيه الأمران؛ فهُم قد صدُّوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرًا، وصدُّوا غيرَهم أيضًا لما عندهم من الكتاب الذي يشبِّهون به ويموِّهون به على الناس ويقولون: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس هو المبعوث المنتظر، وما أشبه ذلك.
وقوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِالمراد بـعَنْ سَبِيلِ اللَّهِشَرْعُه الذي شَرَعَه الله لعباده، وسُمِّي (سبيل الله) لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل، ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يَشْرعه أحدٌ سواه، فأُضيفَ إلى الله تعالى باعتبارين؛ الاعتبار الأول: أنه موصل إليه؛ كما تقول مثلًا: هذا طريق المدينة، هذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشَرَعه لهم، مع أنه يُضاف أحيانًا لسالكيه كقوله تعالى: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، فهُنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أُضيفَ السبيلُ إلى الله كان باعتبارين، وإذا أُضيفَ إلى العباد صار باعتبار واحد.
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًاكَثِيرًايختلف إعرابها باختلاف كلمة (صَدّ)؛ إن كانت لازمة فهي صفةٌ لمصدر محذوف؛ أي: صدودًا كثيرًا، وإن كانت متعدِّية فهي مفعول لـ(صدّ)، وإن شئت فقُل: صفة لمفعول (صدّ) المحذوف؛ أي: خلقًا كثيرًا، وهم في الواقع جديرون بالوصفين؛ فإنهم صدُّوا بأنفسهم وصدُّوا غيرَهم.
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُهذا الوصف الثالث: أَخْذِهِمُ الرِّبَا، ولم يقل: أكْل؛ لأن الأخذ أعمّ؛ قد يأخذ الإنسان الرِّبا ولا يأكله، يستعمله في لباس أو في بناء وما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، تارةً يُعبَّر بالأكل كقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وتارة يُعبَّر بالأخذ وهو أعمّ، لكن التعبير بالأكل أشدُّ؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشدُّ من ممارسة غير الآكل، أشدُّ من ممارسة الآخذ؛ إذ إن الآخذ قد يستعمل الربا وقد يُنفده في أمور أخرى غير الأكل.
وقوله: الرِّبَاالربا لغةً: الزيادة، وفي الشرع: الزيادة في أشياء معيَّنة بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم، في ستة أشياء، ما هي؟
طالب: الذهب، والفضة، والشعير، والبُر، والتمر، والملح.
الشيخ: والملح، هذه ستة أشياء، دليلها قوله؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ» .
الشيخ: هل يُلحَق بهذه الستة غيرها؟
سبق لنا أن العلماء اختلفوا في ذلك:
أما أهل الظاهر فقالوا: لا يلحق بها غيرها؛ لأنهم يمنعون القياس.
وأما القِياسِيُّون فاختلفوا:
فمنهم من قال: لا يلحق بها غيرها، يُقتصر على ما جاء به النص؛ كابن عقيل الحنبلي رحمه الله حيث قال: يُقتصر على ما جاء به النص، مع أنه من أهل القياس والمعاني، لكنه قال: إن العلماء اختلفوا في العِلة واضطربوا، وليس هناك نص بيِّن يجب المصير إليه، فإذا اختلفوا فهُم كاختلاف المأمومين على الإمام في الزيادة أو النقص في الصلاة، والمعروف أنه إذا اختلف المأمومون على الإمام في الزيادة والنقص سقطت أقوالهم، لم يؤخذ لا بقول الزيادة ولا بقول النقص؛ فيقول: لما اختلف العلماء رحمهم الله في عِلَّة الربا في هذه الأشياء الستة بطلت العِلَّة ورجعنا إلى القول بأنه يُقتصر على ما جاء به النص.
والقول الثاني عند أصحاب القياس: أن العلة معقولة، ويمكن أن يلحق بهذه الأشياء الستة ما كان مثلها.
ثم اختلفوا في المماثلة؛ هل هي الطعم، أو الكيل، أو الكيل والادخار؟ ولهذا كانت أقوال العلماء في هذه المسألة أقوالًا مضطربة، لا تكاد تأتي على شيء تطمئن إليه كثيرًا.
على كل حال نحن نقول: الربا الذي حرمه الله ورسوله، سواء كان ذلك عن طريق الأثر أو عن طريق النظر والقياس.
أَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ(الواو) هنا للحال؛ يعني: والحال أنهم قد نُهُوا عنه وبُلِّغوا وقامت عليهم الحجة، لكنَّهم أخذوه، والناهي عنه هو الله ورسله.
الوصف الرابع: وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِيعني أنهم استولوا على أموال الناس، فالمراد بالأكل هنا: الاستيلاء، سواء استولوا فأكلوا أو لبسوا أو عَمَروا أو فعلوا أيَّ شيء.
وقوله: بِالْبَاطِلِالباطل: كلُّ ما خالف الشرع فهو باطل، سواء أخذوه عن طريق الغش، أو عن طريق الكذب، أو عن طريق الجهل بالمبيعات، أو عن طريق كتم الحق، أو دعوى ما ليس لهم، المهم أن المراد بالباطل: كل ما أُخِذ بغير حق.
بقي عندنا الآن فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواعرفنا أنها متعلِّق بقوله: حَرَّمْنَا، ما بعدها وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِيحتمل أن تكون معطوفة على ما سبق ويكون العامل هو حَرَّمْنَا؛ يعني: وحرَّمنا عليهم طيباتٍ أُحِلت لهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا... إلى آخره، ويحتمل أن العامل محذوف؛ التقدير: وعذَّبناهم بصدِّهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذِهم الربا وقد نُهُوا عنه؛ يدل عليه قوله: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
يخبر الله في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم حرَّم الله عليهم بعض الطيبات لا كل الطيبات؛ بدليل قوله: طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وهي نكرة لا تفيد العموم، بل هي للإطلاق، فما الذي حُرِّم عليهم؟
قال الله تعالى مبيِّنًا ذلك في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦]، فحرَّم الله عليهم من أجناس الحيوان كلَّ ذي ظفر، والمراد بكل ذي ظفر: كل ما رِجلاه أو قدماه غير مشقوق، يعني الذي لم تُشَق رجله يسمى ذا الظفر، مثل: الإبل والنعام والنحم وما أشبه ذلك؛ يعني: الذي ليس له أصابع ولا شُقَّ قدمه يُسمى ذا الظفر، وعلى هذا فالإبل محرمة على بني إسرائيل.
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًايعني أنهم كانوا صادِّين عن سبيل الله وصادِّين لغيرهم أيضًا، فهم مستكبرون ومجرمون، مستكبرون عن طاعة الله بصدِّهم بأنفسهم، مجرمون حيث اعتدوا على غيرهم وصدُّوهم عن سبيل الله.
وَأَخْذِهِمُ الرِّبَايعني أخذهم إياه أكلًا واستعمالًا وانتفاعًا.
وَقَدْ نُهُوا عَنْهُوهذا أشدُّ في الإثم والتحريم؛ لأنهم قد قامت عليهم الحجة.
وكذلك أيضًا وصفهم بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ومن ذلك الرشوة، فقد كانوا أكَّالين للسحت: الرشوة في الحكم؛ يعني أنهم يرشون الحكام ليحكموا لهم بما لم يُنزل به الله شرعًا.
ثم بيَّن عز وجل أنه أعدَّ للكافرين منهم عذابًا أليمًا، وهُنا تجدون الإظهار في موضع الإضمار؛ حيث لم يقل: وأعتدنا لهم، بل قال: لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، وقد سبق أن للإظهار في موضع الإضمار فوائد.
طالب: منها علِّية البيان، علِّية الحكم، بيَّن السبب أنه بسبب كفرهم أعدَّ الله لهم عذابًا أليمًا.
الشيخ: يعني الإشارة إلى علة الحكم.
طالب: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف.
الشيخ: الإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف.
طالب: التسجيل على مرجع الضمير بما يستحق من وصف.
الشيخ: التسجيل عليهم بما يقتضيه هذا الوصف؛ أي أنهم بذلك صاروا كفارًا، لكن هنا لا يستقيم هذا المعنى؛ لأنه قال: لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْفجعلهم قسمين: قسم كافر، وقسم غير كافر.
أيضًا تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا خرج عن الأسلوب فإنه لا بد أن ينتبه الإنسان، ومن ذلك الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة أو بالعكس، فهذا يقتضي انتباه المخاطب، وهو أسلوب من أساليب العربية.
وبيَّن الله عز وجل أن هذا العذاب الذي أعدَّه لهم أليمٌ؛ أي: مُؤلِم، و(فَعِيل) تأتي بمعنى (مُفْعِل)، ومنه قول الشاعر:
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِــــــي السَّمِيــــــــــــــعُ | يُؤَرِّقُــــــــــــنِي وَأَصْحَــــــــــابِي هُجُــــــــــــوعُ |
(أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ يؤرقني) معنى السَّمِيع هنا: الْمُسْمِع (وأصحابي هجوع).
في هذه الآية فوائد كثيرة:
منها: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى قد يشرع الشيءَ لسبب؛ لقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. ومن ذلك أن الله شدَّد على بني إسرائيل الذين أُمِروا بذبح البقرة حين قال لهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة: ٦٧]؛ لو أنهم ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأهم وحصل المقصود، لكن شدَّدوا فشدَّد الله عليهم، وإثبات الأسباب انقسم الناس به إلى طرفين ووسط:
منهم من أنكر الأسباب مطلقًا وقال: إثبات الأسباب يقتضي إثبات خالقٍ مع الله.
ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بطبيعتها.
ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بما أودع الله فيها من القوة الموجِبة للمسبَّبات، وهذا القول هو القول الوسط الذي دلَّ عليه المنقول والمعقول؛ فأيُّ دعوى لخالقٍ مع الله إذا قال: إن الله خلق هذا الشيءَ ليكون سببًا للشيء الفلاني؟! أيُّ دعوى لخالق مع الله؟! وأيُّ دعوى تصح لإنكار تأثير الأسباب في مسبَّباتها؟! أيُّ دعوى؟! كلٌّ يعرف أن الأسباب مؤثِّرة في مسبَّباتها، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فأثبتوا الأسباب على أن الذي خلقها وأوجدها هو الله عز وجل، ولذلك قد تتخلَّف المسبَّبات بإذن الله كما تخلَّف إحراق النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أنها نار عظيمة محرقة، حتى قيل: إنهم لم يستطيعوا أن يقربوا منها، بل رموه إليها بالمنجنيق من بُعْد، ومع ذلك صارت عليه بردًا وسلامًا، وهذا يدل على أن السبب ليس يؤثِّر بنفسه بل بإرادة الله عز وجل، وهو أيضًا من حكمة الله عز وجل أن جعل لكل شيء سببًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظلم سبب لحرمان الخير؛ وهذا لقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، والظلم سبب لحرمان الخير الشرعي والقَدَري؛ ألم تعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بأن الليلة ليلة القدر، فتلاحى رجلان من الأنصار أو من غيرهم فرُفِعت، ونُسِّيها عليه الصلاة والسلام ، هذا حرمانٌ لأمر قَدَري ولَّا شرعي؟ شرعي، وهو أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، لكن حُرِم الناس هذا الخير بسبب الظلم، وهو التلاحي والتخاصم والتنازع، ولهذا يُغفر في ليلة القدر إلا للمتشاحنين الذين بينهم شَحْناء فإنه لا يُغفر لهم، كما تُعرَض الأعمال يوم الإثنين والخميس فيُغفر لكل أحد إلا من بينه وبين أخيه شَحْناء فيُقال: أَنظِرا هذينِ حتى يصطلحا .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يحرم بالظلم تحريمًا قدريًّا، الذي حصل في بني إسرائيل تحريم شرعي فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦]، هذا تحريم شرعي.
لكن قد يُحرَم الإنسانُ تحريمًا قدريًّا مع حِلِّ الشيء له شرعًا؛ فيُصاب مثلًا بمرض يقول له الأطباء: اترك الأكلة الفلانية، بسبب ظُلمه.
الإنسان مثلًا قد يتهوَّر ويُسرف في الإنفاق، والإسراف في الإنفاق أكلًا وشربًا ولبسًا حرام ولَّا حلال؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، كيف حرام؟ الدليل؟
الطلبة: (...).
الشيخ: وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام: ١٤١]. قد يُسرِف الإنسان فيُحرَم من هذا الخير الذي أسرف فيه قَدَرًا لا شرعًا؛ بأن يُصاب بمرض لا يتلاءم معه أن يأكل كل شيء أو أن يلبس كل شيء، وهذا نسمِّيه تحريمًا أيش؟
طالب: قدريًّا.
الشيخ: تحريمًا قدريًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمر إلى الله تعالى تحليلًا وتحريمًا؛ لقوله: حَرَّمْنَاوقوله: أُحِلَّتْ لَهُمْوهو كذلك، التحليل والتحريم ليس إلينا ولا إلى أحد من الناس إلا إلى الله ورسوله، فالتحريم إلى الله وإلى رسوله، والتحليل كذلك، والإيجاب كذلك؛ قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطيِّبات نفسها قد تكون ممنوعة شرعًا، وهو كذلك؛ قد تكون الطيِّبات ممنوعة على هذا الإنسان شرعًا حتى بعد كمال الدين؛ يقول شيخ الإسلام: إن الطعام حرامٌ على الإنسان إذا كان يتأذَّى به لو أكل أو خاف التخمة، فإنه يكون حرامًا عليه. يعني مثلًا: إنسان ملأ بطنه من الطعام، لكن الطعام كان شهيًّا ولذيذًا، فجعل يأكل يأكل يأكل حتى وصل إلى الحلقوم، هذا يتأذَّى أو لا؟ لا شكَّ أنه سيتأذَّى، وربما يحصل عليه ضرر إما حاضرًا أو مستقبلًا، يقول شيخ الإسلام: إنه يحرم عليه أن يأكل. وكذلك إذا خاف التخمة وذلك بتغير المعدة ونتنها، وإن لم يكن من أجل الأذيَّة؛ أحيانًا يكون بعض الأطعمة لا يتلاءم مع أطعمة أخرى، فتجد الإنسان يأكل هذا على هذا ويتغير، تتغير معدته ويحصل لها نتن ورائحة كريهة، هذا أيضًا نقول: إنه حرام عليه أن يأكل؛ لأن الله إنما أباح الأكل والشرب من أجل تقويم البدن، فإذا عاد ذلك إلى الضرر صار حرامًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الصدِّ عن سبيل الله سواء كان صدًّا بنفسه أو صدًّا لغيره؛ لقوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا.
ومن فوائدها: أن الصدَّ لا يتقيَّد بصيغة معيَّنة، بل كل ما فيه صدٌّ عن سبيل الله سواء بالتخذيل أو بالإرجاف أو بالإيعاد أو بالوعد أو بغير ذلك فإنه داخل في الآية في التحذير من ذلك، ربما يكون الصدُّ عن سبيل الله بالتخذيل فيأتي إلى إنسان ويقول له: يا فلان، لا تكلِّف نفسك بالدعوة والموعظة ونُصح الناس؛ إنك تدعو موتى.
| لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَــــــــوْ نَادَيْــــــــــتَ حَيًّـــــــــــــــا | ........................... |
مع أن الأول المنصوح عنده هِمَّة ونشاط وعزيمة، فيأتي هذا ويُخذِّله، يكون هذا قد صدَّ عن سبيل الله.
لكن إذا علِم أن هذا الشخص ربما يتكلم بما لا يعلم فهل تخذيله عن الكلام من الصدِّ عن سبيل الله أو من حماية سبيل الله؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه ربما يأتي إنسان عنده إقدام وعنده شجاعة يحب أن يدعو بكل شيء، لكن لا علم عنده، فهذا لا حرج عليك إذا قلت له: إنه لا ينبغي، ولا تكلِّف نفسك، ولا تُتعِب نفسك. سواء أضفتَ هذا إلى أن الناس لن يقبلوا منه، أو أضفت هذا إلى أنه ليس عنده علم فيقع في حرج، فهذا لا بأس به، بل هذا من حماية سبيل الله وليس من الصدِّ عن سبيل الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذكر الوصف الذي يكون أشدَّ في الذمِّ وإن كان لا مفهوم له؛ لقوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، فهذا غاية الذم، لكن لو أنهم صدُّوا قليلًا لكان لهم نصيب من الإثم، إنما الغاية هي الكثرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المتعاطين بالربا من هذه الأمة يُشبِهون اليهود؛ لقوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرَّم سواء كان للأكل أو للشرب أو لللبس أو للاقتناء أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: أَخْذِهِمُ الرِّبَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْحُجَّة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن مَن فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخَذٍ به.





