تفسير سورة النساء - 43
عدد الزيارات 2591

عناصر المادة :
تفسير الآية (162)
تفسير الآيتين (163-164)
تفسير الآية (165)
تفسير الآية (166)
تفسير الآية (167)
تفسير الآيتين (168-169)

لقوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء: ١٦١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أخذ الربا محرم، سواء كان للأكل أو للشرب أو للبس أو للاقتناء، أو لأي غرض كان؛ لعموم قوله: أَخْذِهِمُ الرِّبَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن من فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخذ به؛ لقوله: وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وعلى هذا فلو تعامل الإنسان بمعاملة ربوية وهو لا يدري أنه من الربا، يعني أنه يعرف الربا عمومًا لكن لا يدري أن هذه المعاملة المعينة من الربا، ثم علم بعد ذلك، فهل نقول: إن ما أخذه من الربا حرام؟ لا، نقول: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٧٥]، وهو لم يعلم أنه نهي عنه، لكن إذا كان يعلم أنه منهي عنه وأخذه ثم تاب، فهل نقول: رده على من أخذته منه؟
الجواب: لا؛ لأننا لو قلنا: رده على من أخذته منه لكان له -أي للمردود عليه- الغنم مرتين، لكن نقول: تصدق به، لا تدخله في ملكك، ولا ترده إلى المرابي الذي كان عالمًا بأن الربا حرام لكنه سولت له نفسه فأعطاك الربا.
وإذا كان المرابي مأخوذًا منه الربا وتاب، فهل يلزمه أن يتصدق بمقدار ما أعطى من الربا؟ أجيبوا بشجاعة.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه مظلوم، المعطي للربا، مظلوم في الواقع، فإذا تاب إلى الله عز وجل فإننا لا نقول: يلزمك أن تتصدق بمقدار ما دفعت من الربا، الكلام فيمن أخذ الربا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ لقوله: وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِوقد ذكرنا أن الباطل هو ما ليس بحق، وبناء على ذلك لو أن الإنسان أكل مال حربي فهل يكون ممن أكل أموال الناس بالباطل؟ لا؛ لأن الحربي مباح الدم والمال، وعلى هذا فلو تلصص جماعة ليس لهم شوكة على بلاد الكفار الحربية، وأخذوا أموالًا، فهي لهم، ولا شيء عليهم في ذلك؛ لأن أموال الكافر الحربي مباحة للمسلمين، وإن أخذ مال ذمي أو معاهد أو مستأمن بغير حق فقد أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هؤلاء الثلاثة معصومون، أموالهم محترمة وأنفسهم محترمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد على من اتصف بهذه الصفات: الظلم، وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله؛ لقوله: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
ومن فوائدها: إثبات عدل الله عز وجل، حيث ذكر هذه الصفات وذكر أن الذي أعد له العذاب الأليم هو الكافر من هؤلاء.
ثم قال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَإلى آخره [النساء: ١٦٢] يأتي تفسيرها إن شاء الله.

***

تفسير الآية (162)
00:04:47

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٦٢].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا في الآية التي قبل هذه، بل في الآيتين ما يدل على إثبات الأسباب؟
طالب: لقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: الباء للسببية.
الشيخ: أن الباء للسببية، وسبق لنا أيضًا أن الإنسان قد يحرَم الطيبات بطريق شرعي أو بطريق كوني لأجل ظلمه؟
طالب: لقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ، قوله: حَرَّمْنَابسبب ظلمهم.
الشيخ: التحريم هذا شرعي ولّا قدري؟
الطالب: شرعي.
الشيخ: لكن بالقياس؟
الطالب: هناك من تحريمه قدري.
الشيخ: يحرم الإنسان الطيبات تحريمًا قدريًّا، فمثلًا في شريعتنا لا يمكن أن تحرم الطيبات تحريمًا شرعيًّا؛ لأنه انتهى وقت التحليل والتحريم، لكن قد يحرم الإنسان إياها تحريما قدريًّا لمرض أو غيره.
قوله: بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًاهل (صد) هنا من الفعل اللازم أو من الفعل المتعدي؟
طالب: لأنه من الفعل اللازم والفعل المتعدي.
الشيخ: فسرها على كلا الاحتمالين؛ إذا كانت من اللازم فما معناها؟
طالب: إذا كان من اللازم: فصدوا بأنفسهم.
الشيخ: إذا كان من اللازم فالمعنى أنهم صدوا بأنفسهم.
الطالب: وإذا كانت متعدي فإنهم صدوا غيرهم.
الشيخ: صدوا غيرهم، بارك الله فيك، على هذا الاختلاف ينبني إعراب كَثِيرًاكيف تعرب: كثيرًا؟
طالب: إن أعربناها على أنها فعل لازم يكون كَثِيرًامفعولًا به، وإن كانت متعديًا فـكَثِيرًاوصف.
الشيخ: إن كانت (صد) من اللازم فـكَثِيرًا؟
الطالب: من اللازم؟
الشيخ: أيوه، فـكَثِيرًا؟
الطالب: وصف.
الشيخ: المعنى؟
الطالب: وبصدهم عن سبيل الله صدًّا كثيرًا، عما كان صدهم غيرهم يعني خلقًا كثيرًا، فتصير وصفًا لـ(خلقًا).
الشيخ: لكن وصف لأيش؟
الطالب: لـ(خلقا) المحذوف.
الشيخ: للمحذوف، المعنى صدهم عن سبيل الله خلقا كثيرا، يعني: مفعول به، وعلى الأول تكون صفة لمصدر محذوف، وإن شئت فقل: مفعولًا مطلقًا.
أَخْذِهِمُ الرِّبَاأيش طريقة أخذهم الربا؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني تناولهم الربا، سواء أكلوه أو لبسوه أو استعملوه في منافع أخرى، أيّها أعمّ: يأكلون الربا أو يأخذون الربا؟
الطالب: يأخذون.
الشيخ: هل تستطيع أن تبين لنا ما هو الربا؟
طالب: الربا في اللغة: الزيادة، وفي الاصطلاح: زيادة مقدَّرة في أشياء مقدرة.
الشيخ: زيادة مقدرة في أشياء مقدرة، في زمن مقدر على وجه مقدر، ما أتيت بشيء.
الطالب: زيادة مقدرة في أشياء معلومة.
الشيخ: زيادة في أشياء معلومة أو نسأ؟
الطالب: في أشياء معلومة.
الشيخ: إذا قلت لك: ما هي الأشياء المعلومة؟
الطالب: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح.
الشيخ: خمسة هذه؟
الطالب: والشعير.
الشيخ: هل يقاس عليها غيرها؟
طالب: بينها خلاف في (...)
الشيخ: قل، فصِّل.
الطالب: منهم من قال: إن العلة في هذه المسألة.
الشيخ: أما عند الظاهرية فلا يقاس عليها غيرها؛ لأن القياس عندهم ليس دليلًا شرعيًّا، وعلى رأي القياسيين؟
الطالب: يقاس عليها غيرها، ولكن اختلفوا في العلة.
الشيخ: خطأ، نعم.
طالب: أن القياسيين اختلفوا، قال ذلك ابن عقيل الحنبلي، قال: إذا اختلفوا في العلة فنرجع إلى الأقوال، ونبقى على الأصل.
الشيخ: يعني عند القياسيين منهم من يقتصر عليها، بناء على اختلافهم في العلة، وليس هناك نص يفصل فتساقط الأقوال.
الطالب: وعند الآخرين منهم يقاس عليها، واختلفوا في العلة.
الشيخ: إي نعم، أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الضابط لأكل أموال الناس بالباطل؟
طالب: الباطل هو ما يخالف الحق، كل ما أخذ أموالًا بغير حق فقد أكله بالباطل.
الشيخ: الغش، إذا غش فزادت السلعة، فهل هذا أكل المال بالباطل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه.
طالب: لأنه أخذه بغير حق.
الشيخ: الزائد بغير حق، إذا قال: قيمة هذه السلعة بمئة، وهي لم تسم، فاشتراها المشتري بمئة، هل يكون هذه الزيادة من أكل المال بالباطل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ثم قال الله عز وجل استدراكا على ما مضى من وصف هؤلاء الذين هادوا بما ذكر، قال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، فـ(لكن) هنا حرف استدراك على ما مضى من أوصافهم، و الرَّاسِخُونَاسم فاعل من رسخ إذا ثبت، ومنه رسوخ الشجرة، رسوخ أساس البنيان وما أشبه ذلك؛ لأنه يثبت ولا يتزعزع.
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، فِي الْعِلْمِالمراد به هنا العلم الشرعي، فـ(أل) فيه للعهد الذهني؛ لأن الرسوخ في غير العلم الشرعي لا يمدح صاحبه ولا يذم، بل هو على حسب ما يؤدي إليه ذلك الرسوخ، وقوله: مِنْهُمْأي من الذين هادوا. ونمثل لهذا بمن؟
طلبة: عبد الله بن سلام.
الشيخ: بعبد الله بن سلام؛ فإنه كان حبرًا من أحبار اليهود وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَقوله: وَالْمُؤْمِنُونَهي عطف على قوله: الرَّاسِخُونَلكن هل المراد بذلك الراسخون في العلم الذين أثمر علمهم الإيمان، فتكون من باب عطف الصفة على الصفة، وعطف الصفة على الصفة جائز باللغة العربية؛ كما في قوله تبارك وتعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤]، أو إن المؤمنين هنا غير الراسخين في العلم، والمراد بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار، أي من هذه الأمة، فيكون العطف من باب عطف المتباينين المتغايرين؟
ذكروا في هذا قولين، ولا يبعد أن يكون القولان كلاهما صحيح.
وقوله: الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوهو القرآن، والمنزل له هو الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ [النحل: ١٠٢] فالمنزل هو الله عز وجل، والمنزل إليه محمد صلى الله عليه وسلم، والنازل هو القرآن، إذن (ما) اسم موصول يعود على؟
طالب: على القرآن.
الشيخ: القرآن، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَمن الكتب السابقة، فيؤمنون بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والصحف على ابراهيم، وكذلك على موسى، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَالمقيمين الصلاة: الذين يأتون بها على وجه الاستقامة والتمام؛ بأن يأتوا بها تامة الشروط والأركان والواجبات، ويكملونها بالمستحبات، والمراد بالصلاة هنا عموم الصلوات، فيشمل الفرائض والنوافل.
وفي الآية إشكال من حيث الإعراب؛ حيث جاءت الْمُقِيمِينَبالياء بين مرفوعات: مرفوع سابق ومرفوع لاحق، فأشكل على بعض الناس كيف جاءت هذه الكلمة بين المرفوعات على أنها بالياء؛ فقيل: إن قوله: الْمُقِيمِينَمعطوف على قوله: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَأي والمؤمنين بالمقيمين الصلاة، والمراد بهم الملائكة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد ، فكأنه قال: والمؤمنين بمن؟ بالملائكة.
وقيل: إن (المقيمين) هنا وصف عام يشمل كل من أقام الصلاة من الملائكة وغيرهم، وأنه نص على مقيمي الصلاة لأهميتها، ولأنها آكد أفعال البدن من العبادات، فعلى هذا تكون منصوبة، لا مجرورة، ونصبت على المدح، أي أمدح المقيمين الصلاة، فعاملها إذن محذوف، والتقدير: وأمدح المقيمين بالصلاة، وإنما جاء القطع حيث نصبت بفعل محذوف لفائدتين:
الفائدة الأولى: معنوية، وهي بيان العناية بإقام الصلاة.
والفائدة الثانية: الانتباه؛ وذلك لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه ولايكون هناك شيء يوجب وقوفه، لكن إذا اختلف توقف، لماذا جاءت هذه الكلمة على هذا الوجه مخالفة لغيرها من الكلمات.
إذا ففيه فائدتان: إحداهما معنوية، والثانية لفظية، المعنوية هي أن في ذلك إشارة إلى أهمية الصلاة والعناية بها، والثاني: اللفظية، هي مراعاة الانتباه، أي أن الإنسان إذا اختلف عليه اللفظ فسوف أيش؟ يتوقف وينتبه، وهذا بلا شك خير ممن قال: إن هذا غلط من الكتاب كما قاله بعضهم -والعياذ بالله- وقال: إن الذين كتبوا المصحف أخطؤوا فقالوا: والمقيمين، وإنها على قراءة ابن مسعود: {وَالْمُقِيمُونَ} فهي الصواب، لكن هذا لا يستقيم إطلاقًا، كيف يمكن للأمة الإسلامية أن يبقى الغلط في القرآن الكريم ولا يغير؟ وكيف يلتئم هذا مع قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، والحقيقة أن الغالط هو القائل بهذا، وأنه أبعد النجعة وأخطأ خطأ عظيمًا، بل الفائدة كما قلت لكم.
إذن يبقى النظر هل نقول: إن الْمُقِيمِينَبالجر والمعنى: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة وهم الملائكة؟ أو إنها منصوبة على تقدير فعل محذوف؟ الثاني أولى، وإن كان الأول فيه احتمال، لكن الثاني هو الراجح، والحكمة من ذلك -أي من القطع- ما ذكرنا لكم: لفظية ومعنوية.
وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَمعطوفة على أيش؟ قيل: إنها مستأنفة وإن الخبر قوله: أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا، وقيل: إنها معطوفة على ما سبق؛ لقوله: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ، يعني وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، لكن الأقرب أنها مستأنفة؛ لوجود الفاصل بينها وبين المعطوف عليه، وهو قوله: الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ.
وقوله: الْمُؤْتُونَأي المعطون، والزَّكَاةَأي النصيب المقدر في الأموال الزكوية، وعلى هذا فالمراد بذلك زكاة المال، وقيل: المراد بذلك زكاة البدن؛ لقول الله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٦، ٧] والمراد بذلك زكاة البدن، لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا بين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٢ - ١٦٥].

الشيخ: يقول الله عز وجل: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا. انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَيعني: المعطونها لمستحقها، والزكاة مال فرضه الله تعالى في أموال معينة، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء.
وقوله: الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِالإيمان بالله ليس هو التصديق فقط؛ لأن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا، ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا، مع كونه مصدقًا للرسول عليه الصلاة والسلام، بل الإيمان هو الإقرار التام المستلزم للقبول والإذعان، فلا بد من إقرار القلب الإقرار التام، ولا بد من القبول، قبول ما جاءت به الشريعة، ولا بد من الإذعان حتى يتم الإيمان. والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وتفرده في ذلك، وهذا قد مضى كثيرًا مشروحًا مبينًا، الإيمان باليوم الآخر، اليوم الآخر هو: يوم القيامة، ووصف بالآخر لأنه لا يوم بعده، فهو آخر مراحل الإنسان؛ لأن الإنسان له أربع مراحل بعد أن يكون إنساناً:
المرحلة الأولى: في بطن أمه، والثانية: في الدنيا، والثالثة: في البرزخ، والرابعة: يوم القيامة.
ولهذا يسمى اليوم الآخر، وليس الآخر هو البرزخ الذي بين الحياة والموت كما يفهم من تعبير بعض الناس، حين يصف الميت بأنه انتقل إلى مثواه الأخير، فإن هذا ليس بصحيح، بل المثوى الأخير هو يوم القيامة؛ إما الجنة وإما النار.
الإيمان باليوم الآخر لا يتضمن أن تؤمن بأن الناس سيبعثون فقط، بل له علاقات أو متعلقات كثيرة، حددها ابن تيمية رحمه الله شيخ الإسلام في قوله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، كفتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وما أشبه ذلك، فإنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن الموت آخر ما للإنسان في الدنيا، فإن من مات قامت قيامته، والإيمان باليوم الآخر يتضمن استقامة الإنسان على دين الله؛ لأنه يخاف اليوم الآخر، ويرجو اليوم الآخر؛ كما قال تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب-٢١]، فهو يخاف اليوم الآخر ليتجنب المعصية، ويرجو اليوم الآخر فيقوم بالطاعة، ولهذا يقرن الله تبارك وتعالى دائمًا بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل على الاستقامة، أو على تمام الاستقامة.
أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًافيها قراءتان {سَيُؤْتِيهِمْ} وسَنُؤْتِيهِمْ، {سَيُؤْتِيهِمْ} جار على نسق الكلام؛ لأن نسق الكلام كله للغائب {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَيُؤْتِيهِمْ} أي: الله {أَجْرًا عَظِيمًا}، فالقراءة بالياء -وهي سبعية صحيحة- هي على نسق السياق، وأما القراءة بالنون ففيها انتقال من الغيبة إلى الحضور إلى المتكلم، والانتقال -ويسمى الالتفات- له فائدة؛ وهي تنبيه المخاطب لما سيأتي بعد؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام فلا بد أن يتوقف الإنسان: ما هو السبب الذي تغير به الكلام، وحينئذ ينتبه للمعنى أكثر أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا. أما عد الفوائد الأخرى التي تفرع على الالتفات فكل مقام يذكر له ما يناسبه، فهنا أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْيكون تكفلًا صريحًا من الله عز وجل بأنه سيؤتيهم أجرًا عظيمًا، والتكفل الصريح وإضافة الشيء إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الغائب سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا، يعرب لنا أَجْرًا عَظِيمًاالأخ؟
طالب: (..) مفعول به.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (أجرًا).
الشيخ: و(عظيمًا)؟
الطالب: صفة.
الشيخ: طيب مفعول به فقط نقول؟
طالب: سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًامفعول ثان.
الشيخ: وأين المفعول الأول؟
طالب: المفعول الأول الهاء في (هُم).
الشيخ: طيب الهاء أو (هُم)، الهاء صحيح، و(هُم) ما أدري من أين جاءت.
الطالب: على رأي بعضهم.
الشيخ: لكن بس (هُم) والهاء مكسورة عندنا.
الطالب: بعضهم يعرب تعرب الهاء مفعولًا أول والميم للجمع، وبعضهم يعرب (هُم) مفعولًا أول.
الشيخ: بس (هُم) ما هو لفظ الآية: سَنُؤْتِيهِمْ، تقول: (هِم) مفعول أول. على كل حال الصحيح الراجح أن الضمائر؛ ضمائر الغيبة في غير ضمائر الرفع يعرب الضمير وحده فقط والباقي علامة.
هل هذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر؟
طالب: نعم.
الشيخ: أصلهما المبتدأ والخبر.
طالب: (...) أصله المبتدأ.
الشيخ: كيف؟ وهل هناك شيء ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
الطالب: (...) فلو جردنا الفعل والفاعل لم يجب أن يكون مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ، طيب.
أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْأي سنعطيهم أَجْرًا عَظِيمًاأي ثوابا عَظِيمًاأي ذا عظمة. واعلم أن العظيم إذا عظم الشيء فإنه يكون فوق ما يتصور، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
في الآية الكريمة فوائد: منها تمام عدل الله عز وجل، وأنه إذا حكم بحكم عام يختص أفراده بخلاف ذلك الحكم فلا بد أن يذكرها. نأخذ هذا من كلمة (لكن) الاستدراكية، بعد أن حكم عليهم بما حكم من أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل قال: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ، وهذا تمام العدل أن يذكر الخير والشر، سواء كان ذلك الخير والشر بالنسبة للطائفة، أو كان ذلك الخير والشر بالنسبة للواحد، فمن أراد تقويم شخص فالواجب عليه أن يذكر محاسنه ومساوئه، أما من أراد أن يبطل ما يقوله من باطل فهنا لا يلزم بأن يذكر المحاسن؛ لأن ذكر المحاسن في مقام الرد عليه يرفع الرد عليه والتنفير منه، ويوجب العطف عليه، فهنا يفرق بين شخص يريد أن يقوم شخصًا، فهنا لا بد أن يذكر المعايب والمحاسن، وبين إنسان يريد أن يرد على شخص باطله، فليذكر الباطل ولا يذكر المحاسن؛ لأنه لو ذكر المحاسن ضعف جانب الرد عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسوخ في العلم، وانتبهوا لكلمة الرسوخ لمعناها أيش؟ الثبوت والاستقرار؛ وذلك لأن العلم علمان: علم طاف، بمعنى أنه على السطح، أي ريح تزعزعه، وهذا ما يكون عند كثير من الطلبة، تجد كثيرًا من الطلبة يجمع العلوم دفعة واحدة، فيكون كالطبيب العام ليس له اختصاص في شيء، وبعض الطلبة يركز ويحرص، فهذا هو الذي يدرك العلم ويكون عنده قدرة وملكة، حتى إن بعض العلماء زعم أن من نبغ في فن من الفنون كان مدركًا لجميع الفنون.
ولا يخفى على بعضكم ما ذكر عن محاجة أبي يوسف مع الكسائي حين تناظرا عند الرشيد، وكان الكسائي يزعم أن كل من أتقن علمًا إتقانًا تامًّا أمكنه أن يدرك جميع العلوم، فقال له أبو يوسف: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ قال: أقول لا سجود عليه. قال: من أين أخذت هذا من علمك؟ والكسائي معروف بأيش؟ بعلم النحو، قال: أخذته من علمي هو أن القاعدة عندي أن المصغر لا يصغَّر. سجود السهو على زعمه مصغر، فلا يصغر.
على كل حال، هذه القصة الله أعلم هل هي مصنوعة أو حقيقة، ولكنها غير صحيحة، ما فيه شك أنها غير صحيحة، إنما قصدي أن أقول: أن الرسوخ في العلم هو العلم، ومن ثم كنت أقول دائمًا لطلاب العلم: احرصوا على القواعد؛ قواعد العلم وضوابط العلم؛ وذلك لأن الجزئيات لا حصر لها، كل يوم يخرج للناس معاملة جديدة أو حدث جديد في العبادات، لا يمكن للإنسان أنه يحكم عليها حكمًا صحيحًا إلا إذا كان عنده قواعد وأصول، يلحق هذه الجزئيات بأصولها وقواعدها، أما من يأخذ العلم مسألة مسألة فهو كالذي يلقط الجراد من الصحراء يتعب ولم يملأ الكيس، لكن الإنسان اللي يحرص على القواعد هذا هو الذي بإذن الله يدرك العلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلم سبب للإيمان؛ لقوله: يُؤْمِنُونَ، ولا شك أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا وبصيرة بتوفيق الله عز وجل، فعليك بالعلم، عليك بالعلم، واحذر الشبهات والجدال، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أُوتِي قومٌ الجَدَلَ إلا ضَلُّوا ، ولهذا نجد أهدى الناس طريقًا وأقلهم تكلفًا هم الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن الجدال عندهم قليل ولا يلجؤون إليه إلا عند الضرورة، أما كون الإنسان كلما فهم مسألة ذهب يورد عليها في قلبه أو على غيره ما لا يكون واردًا فهذا من التكلف والتنطع، وهو سبب للحرمان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أهل الكتاب من هو راسخ في العلم مؤمن بالله؛ لقوله: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْأي من أهل الكتاب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يتم الإيمان إلا بالإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَفكل إنسان يدعي أنه مؤمن ولا يؤمن بما أنزل على محمد فإنه كافر وكاذب في دعواه؛ لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ناسخ لجميع الأديان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، منين؟
طالب: (...).
الشيخ: من (ما) ولّا (أنزل) ولا (الكاف)؟
الطالب: (...).
الشيخ: من الكاف، نعم بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن القرآن كلام الله.
طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: (...) أن القرآن ليس ذاتًا مستقلة بنفسها، وإنما هو صفة.
الشيخ: الكلام صفة للمتكلم، فيقتضي أن يكون الله هو الذي تكلم به، وهو كذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، ولهذا جاء في الآية في سورة البقرة: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا نبي بعد محمد، تؤخذ؟
طلبة: مِنْ قَبْلِكَ.
الشيخ: مِنْ قَبْلِكَولم يقل: من بعدك، وهذا هو الواقع، لكن الآية فيها الإشارة وليس فيها الصريح.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأن الله تعالى نص عليهما من بين سائر الأعمال. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قرينان في كتاب الله، ولولا حديث أبي هريرة في مانع الزكاة وأنه «يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» لقلنا: إن تارك الزكاة كافر، كما قلنا ذلك في تارك الصلاة، لكن ليس لنا أن نكفر من دلت النصوص على عدم كفره، كما أنه ليس لنا أن نتهيب الكفر فيمن دلت النصوص على كفره؛ لأننا نحن متعبدون بقول الله ورسوله.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ونص على الإيمان بهذا مع أنه داخل في قوله: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَلأهميته؛ لأن مدار الإيمان كله يا إخوان، مدار الإيمان كله على الإيمان بالله؛ لأننا نؤمن بأن الرسل من؟ رسل الله، الكتب؟ كتب الله، الملائكة؟ عباد الله، وهلم جرًّا. الركيزة الأولى كلها هي الإيمان بالله عز وجل، وما بعده فيعتبر فروعًا أو جهات متعددة من الإيمان بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر، وقد سبق الكلام عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: وعد الله سبحانه وتعالى من اتصف بهذه الصفات أنه سيؤتيه أجرًا عظيمًا لا يتصور عظمته؛ لقوله: أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، يؤخذ من الإشارة إليهم بإشارة البعيد أُولَئِكَولم يقل: هؤلاء، ولم يقل: فإننا سنؤتيهم، قال: أُولَئِكَوالإشارة إلى المشار إليه بالبعد تدل على علو مرتبته؛ كما في قوله تعالى: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢]، مع أنه بين أيدينا، لكن لعلو مرتبته أشير إليه بإشارة بعيدة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الراسخين في العلم، المؤمنين بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا.
طالب: بارك الله فيكم، في قوله تعالى: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْإلى آخره (...) الله سبحانه وتعالى من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا في قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: ٨٢] فنسبهم إلى النصارى، مع أنهم إنما مدحوا بإيمانهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، ما الحكمة من نسبهم إلى (...).
الشيخ: الحكمة، هو الله في سورة المائدة ذكر الطائفتين، بل ذكر ثلاث طوائف: المشركين واليهود والنصارى، فمن أقرب الناس مودة إلى المؤمنين؟
طلبة: النصارى.
الشيخ: هم النصارى، يعني في آية المائدة ليس المقصود الكلام على النصارى، المقصود الكلام على هذه الطوائف وأنهم بالنسبة للمؤمنين مختلفون.
طالب: شيخ، تعليل الذي في آية المائدة، إنما امتدحهم الله عز وجل لأنهم آمنوا.
الشيخ: لا لا، هو يدل على أن منهم قسيسين ورهبانًا، منهم.
طالب: لكن حتى لو جلسوا على ما هم عليه هل يمدحون؟
الشيخ: لا، لو بقوا معادين للمسلمين صاروا مثل اليهود، ولهذا نقول: إن النصارى بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام من المغضوب عليهم، وأن وصف الرسول لهم بالضالين كما في حديث عدي بن حاتم الذي مر علينا البارحة إنما هو باعتبار الأصل.
طالب: ياشيخ، المدح اللي قبل الرسالة تمدحهم آية المائدة في القرآن؟
الشيخ: لا لا، قال: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ [المائدة: ٨٣] اقرأ الآخر إلى قوله: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٣].
الطالب: أشكل علي ياشيخ لأنهم آمنوا.
الشيخ: ما يشكل، هم كانوا نصارى، ولهذا إذا آمنوا بمحمد أوتوا أجرهم مرتين: الإيمان برسولهم والإيمان بمحمد، فيختلفون عن المشركين.
طالب: ما رأيكم في قول القائل: القرآن الكريم كلام الله وكلام الله قديم؟
الشيخ: أما قوله: القرآن كلام الله فحق، وأما قوله: القرآن قديم وهذه المقدمة الثانية فهذا إن أراد أن القرآن كذلك فهو خطأ، وإن أراد أنه الكلام من حيث هو فصحيح، مع أننا لا نوافق أن الكلام قديم، بل نقول: الكلام قديم نوعي، لا قديم العين، فهناك فرق بين قدم النوع وقدم العين، فالله تعالى يتكلم بالكلام متى شاء، لكن أصل الكلام في حد ذاته من الصفات الذاتية.
طالب: مما أدى الجهار يا شيخ بالقول بأن القرآن مثل ما هو قديم وأن الله تعالى تكلم به منذ القدم ثم أنزله..
الشيخ: نقول: كذبتم، من أين جاءكم ذلك؟ هؤلاء هم الذين يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس.

***

تفسير الآيتين (163-164)
00:44:22

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٣، ١٦٤].

الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، إِنَّاالضمير يعود على الله عز وجل، وكان بصيغة الجمع للتعظيم.
وقوله: أَوْحَيْنَاالوحي هو الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، هذا هو الوحي، أن يعلم الله أحدًا من أنبيائه أو رسله بالشرع الذي يتعبد به عباده، هذا الوحي. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الشورى أنه ثلاثة أقسام فقال: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٥١].
وقوله: كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ(ما) هنا يحتمل أن تكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمله، والأقرب أن تكون مصدرية، أي كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، أي كإيحائنا إلى نوح، ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديث الشفاعة، ولهذا قال: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، والمراد بالنبيين هنا النبيون الذين أُرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية ابراهيم ونوح؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦]، وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح عليه الصلاة والسلام، وأن ما ذكره المؤرخون من أن إدريس قبل نوح فهو قول خطأ، والصواب أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَوإِبْرَاهِيمَهنا فيها قراءتان: {إِبْرَاهَامَ} وإِبْرَاهِيمَ، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن كما أسلفنا لكم: لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَوهو ابن ابراهيم الأكبر، وَإِسْحَاقَوهو ابنه الثاني، وَيَعْقُوبَوهو ابن إسحاق، وإنما نص عليه مع أنه الابن لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب. إذن إسماعيل وإسحاق أخوان، وإسماعيل عم من؟
طلبة: يعقوب.
الشيخ: عم يعقوب، وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِقيل: إن الأسباط المراد بهم قبائل بني إسرائيل كما قال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف: ١٦٠]، وقيل: إن المراد بالأسباط هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء وإنما الأنبياء فيهم، وعلى الثاني لا إشكال.
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىوهو آخر أنبياء بني إسرائيل، ليس بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم رسول ولا نبي أيضًا.
وقوله: وَأَيُّوبَوهو من بني إسرائيل، وَيُونُسَكذلك، وَهَارُونَكذلك أيضًا من بني إسرائيل، وَسُلَيْمَانَمن بني إسرائيل، وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًاداود هو أبو سليمان، والزبور هو الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود ونص عليه؛ لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب، ولأن داود عليه الصلاة والسلام كان يترنم به فتسمعه الطير وتسبح معه وكذلك الجبال.
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَمثل مَن الذين من الرسل ولم يذكروا في هذه الآية؟ يونس، شعيب، هود، صالح، لوط، يوسف.
رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ: مِنْ قَبْلُأي قبل هذه الآية وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ؛ لأن الله تعالى لم يقص على الرسول عليه الصلاة والسلام إلا من كانوا حول جزيرة العرب، أما من كانوا بعيدين كالذين في أمريكا وأقصى آسيا وما أشبه ذلك فلم يذكروا؛ لأن المقصود من ذكر الأنبياء هو الاعتبار، وإذا لم يكن هناك قرب في الأحاديث وفي المكان فإن الاعتبار يكون في ذلك قليلًا.
وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا: اللَّهُفاعل ومُوسَىمكلم مفعول به، وتَكْلِيمًامصدر مؤكد لمعنى الفعل الذي قبله: كلم تكليمًا، وإنما أخر ذكر موسى لما ذكر من خصائصه، وهو الكلام - كلمه تكليما- كما أخر ذكر داود بعد سليمان مع أنه أبوه؛ من أجل النص على الزبور الذي آتاه الله تعالى داود، والترتيب بين الأنبياء في الذكر يكون لأسباب بلاغية لفظية أو معنوية حسب ما يتبين من السياق.
في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن أول الرسل نوح؛ لقوله: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وهذا هو الحق، وليس قبله رسول، أما النبوة فكانت قبل نوح، فإن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبيًّا؛ لأنه يتعبد لله عز وجل، ولا يمكن أن يتعبد لله إلا بوحي من الله، وبثبوت الوحي له يكون نبيًّا، ولكنه لم يرسل إلى أولاده؛ لأنه في ذلك الوقت لا حاجة للرسل؛ إذ إن الناس كانوا على ملة واحدة، كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ٢١٣]، أي كان الناس أمة واحدة على الحق وعلى الدين القويم فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، لكن في عهد آدم لا اختلاف ولهذا كان نبيًّا ولم يكن رسولًا.
ومن فوائد هذه الآية: أن الوحي إلى جميع الأنبياء الرسل كان من جنس واحد؛ لقوله: كَمَا أَوْحَيْنَاولكن هل الموحَى به يتفق؟
نقول: يتفق في أشياء ويختلف في أشياء، فالتوحيد اتفق عليه الرسل وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] هذه متفق عليه، أما الشرائع والمنهاج فإن الأمم تختلف؛ لأن الله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها؛ كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [المائدة: ٤٨]، فالشرائع والمنهاج يختلف، أما الأصل فهو متفق، كل الرسل اتفقوا على أيش؟ على التوحيد وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، إذن كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِهذا في أصل الوحي وما اتفقت فيه الشراع؛ وهو التوحيد، أما المنهاج والشرائع فهي لكل أمة بحسبهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان قول بعض المؤرخين: إن إدريس كان قبل نوح؛ فإن هذا قول باطل يبطله القرآن الكريم.
ومن فوائد هذه الآية: الإيحاء إلى هؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلخ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قص أنباء بعض الرسل ولم يقص أنباء آخرين، والحكمة من ذلك هو ما أشرنا إليه في التفسير أن الأنبياء البعيدين عن منطقة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم يقص الله علينا من نبئهم.
ولكن لو قال قائل: هل لكل أمة رسول؟
الجواب: نعم، لا شك في هذا؛ لقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] ولقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كلم موسى كلامًا حقيقيًّا؛ لقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا. والذين أنكروا أن يكون الله كلمه سلكوا مسلكين:
منهم من حرف الآية لفظًا ليتغير المعنى، ومنهم من حرفها معنًى وأبقى اللفظ على ما هو عليه، فمنهم من قال: إن صواب القراءة: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، فجعل المكلِّم مَن؟ موسى، وهذا تحريف لفظي يتغير به المعنى، وهذا لا شك أنه جناية على الله عز وجل وعلى كلامه، وهو أيضًا باطل؛ لقول الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣]؛ إذ لا يمكن أحدًا أن يقول هنا: إن المكلِّم موسى، لأن الهاء في قوله: كَلَّمَهُضمير مفعول، ولا يمكن أن تكون ضمير الفاعل.
ومنهم من قال: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًامن الكَلْم، وهو الجرح؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ» ، يكلم بمعنى أيش؟ يجرح، فقالوا: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًاأي جرحه بمخالب الحكمة. تحريف والعياذ بالله، يعني ما جعلوا هذا من باب الاستعارة، وهذا أيضًا باطل. بل الصواب أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا واضحًا بحرف وصوت يسمعه موسى، وأن كلامه إياه كان على وجهين:
الوجه الأول: المناجاة، والثاني: المناداة، قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢] والنداء يكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب. ومن المعلوم أن البعيد يحتاج إلى صوت أعلى والقريب يكفيه الصوت الخفي.
تفسير الآية (165)
00:57:32

ثم قال: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَرُسُلًاجمع رسول بمعنى المرسل، والظاهر أنها حال من قوله: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِحال كونهم رسلًا مبشرين ومنذرين، وكانت حالًا لأنها بمعنى المشتق؛ إذ إن رُسُلًابمعنى مرسلين، مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَالبشارة: الإخبار بما يَسُرُّ، والإنذار: التخويف بما يُخاف منه؛ وذلك أن الشرائع التي جاءت بها الرسل أوامر ونواهٍ، فما الذي يناسب الأوامر؟ البشارة، يبشر العامل لهذا العمل بالثواب، والذي يناسب الإنذار هو النواهي، فينذر الإنسان من الوقوع فيها، ولهذا كانت أنواع التكليف اثنين: أمر، والثاني: نهي، فالذي يليق بالأمر البشارة، والذي يليق بالنهي الإنذار، هذا هو ما جاءت به الرسل: البشارة والإنذار، حتى محمد عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥].
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِاللام هنا في قوله: لِئَلَّااللام للتعليل، أي لأجل ألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، الحجة ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة عنه ورفع العقوبة عنه، هذه هي الحجة، يعني الدليل أو البينة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: بَعْدَ الرُّسُلِأي بعد إرسال الرسل؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام يبينون للناس بيانًا تامًّا لا يحتاج معه إلى إيضاح، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِلأيش؟ لِيُبَيِّنَ لَهُمْوبعد البيان فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤]، فلا بد من البيان على كل رسول لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، فلعزته أرسل الرسل، وجعل النصر لهم في الدنيا وفي الآخرة، ولحكمته شرع الشرائع وأحكمها وأتقنها.
في هذه الآية الكريمة: بيان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنها لا تخلو من أيش؟ بشارة ونذارة، حسب الأوامر والنواهي.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يعامل الناس بما تعامل به الرسل أقوامها، فتارة يبشر وتارة ينذر؛ لأنه إن سلك سبيل البشارة دائمًا أدخل الناس في الإرجاء، وإن سلك سبيل الإنذار دائمًا أدخل الناس في القنوط واليأس، فلذلك يجب أن يكون الإنسان حكيمًا يراعي أحوال الناس، فمثلًا إذا رأى الناس قد انهمكوا في أمر محرم فهل هنا الأولى أن يسلك سبيل البشارة فيوقع الناس في الأمن من مكر الله أو الإنذار؟ الإنذار، ويشدد، فإن لم ينفع بهم الواعظ الديني فالرادع السلطان.
ولهذا كان من سياسة عمر رضي الله عنه أنه يستعمل الردع السلطاني إذا لم يصلح الناس إلا بدونه. ولهذا لما ورد الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا لم يرتدع قال شيخ الإسلام: إن هذا الحكم ثابت إذا لم ينته الناس بدونه.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات التعليل في أفعال الله كما هو كذلك في أحكامه الشرعية، يعني إثبات التعليل لأحكام الله القدرية كما هو ثابت في الأحكام الشرعية. من أين يؤخذ؟ من لام التعليل، وهذا ثابت بأدلة كثيرة أوصلها بعضهم إلى ألف دليل، على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ولو لم يكن من ذلك إلا اسم الله الحكيم لكان هذا كافيًا، فكل ما فعله فلحكمة، وكل ما شرعه فلحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يحب الإعذار من الناس؛ لأنه أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة.
ومن فوائدها، الفائدة العظيمة الكبرى، وهي: العذر بالجهل، حتى في أصول الدين؛ لأن الرسل يأتون بأصول وفروع، فإذا كان الإنسان جاهلًا لم يأته رسول فله الحجة على الله، ولا يمكن أن تثبت له الحجة على الله إلا إذا أيش؟ إلا إذا كان معذورًا؛ لأنه لو لم يكن معذورًا فلا حجة له، وهذا الأصل هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، ولكن قد يكون الإنسان مفرطًا فلا يعذَر بجهله، كما لو ألقي إليه أن هناك دينًا إسلاميًّا إلهيًّا ولكنه لم يبحث عن هذا الدين، وأعرض واستكبر، فهنا نقول: إنه لا يعذر، لماذا؟ لتفريطه وعدم بحثه، والإنسان لو كان يريد أن يذهب إلى قرية من القرى وسلك سبيلًا ثم قيل له: هذا لا يوصلك إلى هذه القرية فسوف يمتنع، ويسأل: أين الطريق إلى هذه القرية.
فلهذا نقول: العذر بالجهل ليس على إطلاقه من كل وجه، لكن بشرط أيش؟ ألا يكون مفرطًا في التعلم، فإن كان مفرطًا فلا عذر له، كيف التفريط؟ أن يذكَر له أن الدين خلاف ما هو عليه، ولكنه يقول: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] ولن أبحث، وكما يقول بعض الهوام أو العوام؟
طلبة: العوام.
الشيخ: العوام هوام، كما يقول بعض الهوام: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١] اعمل ما تريد ولا تسأل، إن سألت قالوا: حرام، مشكلة، وإن سألت قالوا: هذا واجب، مشكلة، وهذا غلط كبير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده، حيث أرسل إليهم الرسل يعلمونهم ويرشدونهم ويهدونهم إلى دين الله، ولولا الرحمة ما أرسل إليهم، لوكلهم إلى العهد السابق الذي أخذه عليهم في فقارهم وعذَّبهم بناء عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العزيز والحكيم، وقد مر شرحهما وما يترتب عليهما، فلا حاجة إلى الإعادة لأجل أن نمشي بإذن الله عز وجل.
تفسير الآية (166)
01:05:43

ثم قال عز وجل: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَكلمة (لكن) حرف استدراك، لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ، فلماذا جاء حرف الاستدراك في هذا الموضع؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له من يكذبه، ويقول: إنك لم ترسل كما أرسل الرسل، فقال: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَخلافًا لمن؟ لمن كذبه وقال: إنه لم ينزل إليه، لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَوهو القرآن، وشهادته سبحانه وتعالى لنبيه نوعان: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية وهي تمكينه في الأرض ونصره على عدوه وإظهار الآيات التي تعجز البشر، على يده صلى الله عليه وسلم، فإن هذا شهادة أيش؟
طالب: قولية.
الشيخ: قولية؟ كون الله ينصره ويمكن له في الأرض ويورثه الأرض ويعطيه الآيات هذه شهادة فعلية، إذن شهادة الله تعالى لنبيه بالحق تنقسم إلى قسمين: شهادة قولية كما في هذه الآية، وشهادة فعلية، وذلك بما أعطاه الله عز وجل من الآيات والتمكين في الأرض.
بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِيعني أنه نزل بعلم من الله عز وجل، أو أنزله بمعلومه، أي بما علم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق والعباد، وكلا المعنيين صحيح ولا يتنافيان، فيجب حمل الآية على المعنيين بناء على القاعدة السابقة أنه إذا احتمل الدليل لمعنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب حمله عليهما جميعًا.
وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَالملائكة تشهد أيضًا أن الله أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قرآنًا كان به رسولًا. الملائكة: هل المراد بالملائكة هنا ملك واحد وهو جبريل؛ لأنه نزل بالقرآن، أو العموم؟ العموم، يجب أن نعلم أنه إذا جاء اللفظ عامًّا فالواجب حمله على عمومه إلا بدلالة قوية تدل على أنه أريد به الخصوص، سواء كانت دلالة شرعية أو عقلية.
ومن المعلوم لنا جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرج به كان جبريل يستفتح، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: أرسل إليه؟ فيقول: نعم ، فتعلم الملائكة بهذا أنه أوحي إليه عليه الصلاة والسلام.
الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم عبادات كما اقتضتها حكمته، وجعل بعضهم أفضل من بعض. وتقدم الكلام عليهم كثيرًا فلا حاجة للإعادة.
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، شَهِيدًاحال؛ أي: كفى الله شاهدًا عز وجل، والباء هنا قالوا: إنها زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: كفى الله شاهدًا، ونعم والله كفى الله شاهدًا، لكن إذا جاء شاهد آخر وثالث ازداد الأمر القوة؛ كما قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨]، فالشهادة على الوحدانية صارت من أطراف ثلاثة: الرب عز وجل، والثاني: الملائكة، والثالث: أولي العلم، أما الشهادة بالرسالة فلم يذكر إلا طرفين: الله، والملائكة، لماذا؟ لأن أولي العلم لا يكونون أولي علم إلا بعد ثبوت الرسالة، فهم تابعون في الواقع، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
طالب: شَهِيدًاحال أم توكيد؟
الشيخ: لا، حال شَهِيدًابمعنى شاهدًا.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الشهادة لله، من قوله: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ، ومن قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، وهو سبحانه وتعالى شاهد على كل أعمال خلقه، على كل ما يحدث في السماء والأرض، بل على ما لا يحدث لو حدث كيف كان، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] مع أنه لم يتكلم به لكن الله يعلم بذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ.
ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، من أين تؤخذ؟
طالب: من قوله تعالى: بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، فإنزال بعلم الله عز وجل للقرآن، وهو معنى لا يقوم بذاته يدل على أنه من صفات الله.
الشيخ: أنه كلام الله، وبهذا استدل أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله.
فإن قال قائل: إن الله تعالى يذكر الإنزال في أشياء ليست كلام الله، مثل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، وكذلك وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦].
فالجواب: أن ما ذكر هنا أعيان قائمة بنفسها، وأما الكلام فهو معنى لا يقوم إلا بغيره، وعلى هذا تبين أن القرآن كلام الله عز وجل.
واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية وأمثالها على أن الله تعالى في العلو؛ لقوله: بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ، وهو كذلك، فإنه تعالى فوق كل شيء، والأدلة على هذا متوافرة ولله الحمد، وقد سبق بيانها كثيرًا، ولكن الغريب أننا في مخالطتنا للناس في هذا الموسم تبين لنا أن كثيرًا من المسلمين مع الأسف لا يؤمنون بعلو الله، ويقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ وذلك لأن علماءهم يقررون لهم هذا، ونحن تكلمنا عليها كثيرا في لقاءاتنا في المسجد الحرام حتى إنهم والحمد لله اقتنعوا، وقالوا: سبحان الله، كيف علماؤنا يقولون كذا وكذا؟! حتى إننا صادفنا طالبا شابا من الصين يتكلم باللغة العربية جيدًا، فلما انتهينا من الكلام عن هذا وانتهى الدرس جاء إلي وقال: سبحان الله، هذا الذي قلت هذا حق، لكن أنا إلى الآن رأسي دائرة، لأيش؟ لأنه ترسخ عنده القول الباطل، وإن علماءنا يقولون هكذا، وإن من قال: إن الله تعالى عالٍ بذاته فهو كافر، وإن ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهّاب كلهم مبتدعة، سبحان الله، لأيش؟ قال: لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة. قلت: من قال لك هذا؟ قل لقومك الذين درسوك هذا: ابن تيمية حنبلي، كل تفقهه على مذهب الحنابلة، وكذلك ابن القيم، وكذلك محمد بن عبد الوهاب، ولا يرجع إلا هذا، لكن الحمد لله، سبحان الله، اطمأن، يعني ظهر من وجهه علامة البشر والقبول، وهذا ينفع، فأنا أقول: سبحان الله، يعني أن دلالة العلو -علو الله عز وجل- دلالة واضحة سمعية وعقلية وفطرية، ومع ذلك يقولون هذا القول المنكر. نسأل الله العافية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه، فلا يتطرق إليه أي خلل؛ لأن الله يعلم متى نزل وبماذا نزل وكيف نزل وعلى من نزل، لا يمكن أن يتطرق اختلاف أو ادعاء نقص أو ادعاء زيادة، لا يمكن؛ لأن الله أنزله بأيش؟ بعلمه، أي أن إنزاله مقرون بعلم الله، من ادعى أن فيه زيادة أو نقصًا فقد رمى الله بالجهل؛ لأن الله أنزله بعلمه، وكذلك نزل القرآن بما يعلم سبحانه وتعالى أنه مصلح للخلق.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة، من أين نأخذها؟
طالب: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ.
الشيخ: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُهذا شهادة الله عز وجل.
الطالب: الملائكة.
الشيخ: وأين؟ أين الملائكة؟
الطالب: الإنزال كان عن طريق الملائكة.
الشيخ: الإنزال كان عن طريق الملائكة، كل الملائكة ولا من؟
الطالب: جبريل.
الشيخ: نحن نقول: الملائكة، إثبات الملائكة عمومًا.
طالب: وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ.
الشيخ: من فوائد الآية: إثبات الملائكة وأن الملائكة ذات عقول؛ خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، كما قاله بعض الناس ممن نسأل الله لهم العافية والعفو، الملائكة لها عقول، فهي تعرف وتعلم وتسمع وتقول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله وبما أوحاه إليه، حيث ذكر أن الله يشهد به وكذلك الملائكة. وكثرة الأدلة على الشيء أو كثرة سياق الأدلة على الشيء تدل على أيش؟ على العناية به، وهو كذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن شهادة الله في الواقع كافية عن كل شهادة؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
تفسير الآية (167)
01:18:18

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ١٦٧]
طالب: صدق الله، الأحسن نقول: الملائكة ذو عقول أو ذات عقول؟
الشيخ: ذات.
يقول إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا.
هذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: الأول: (إن)، والثاني: قد ضلوا.
كَفَرُواأي بالله، والكفر في الأصل الستر، ومنه الكُفُرَّى، وهو غلافة طلع النخل، هذا لأنه يستر ما في جوفه.
وقوله: صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِلها وجهان: الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا تكون لازمة، أي تكون (صد) فعلًا لازمًا، والوجه الثاني: صدوا غيرهم، أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فتكون متعدية، والمفعول به محذوف، أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذن محتملة للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا. والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم صادون لغيرهم، إن كانوا من دعاة الكفر فصدهم واضح، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن الناس يقتدون بهم، فيصدون عن سبيل الله كما صد هؤلاء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» . إذن صد الكفار لغيرهم يكون بالقول ويكون بالفعل، متى يكون بالقول؟
طالب: إذا كانوا دعاة.
الشيخ: إذا كانوا دعاة إلى الكفر، كلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكنهم لا يدعون الناس إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم، ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، فإن الناس عادة يتبعون القوم.
وقوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِالسبيل بمعنى الطريق، وأضافه الله إليه لأنه تبارك وتعالى هو الذي شرعه لعباده، فأضيف إليه.
واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرع للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء: ١١٥]، فأضاف السبيل إلى المؤمنين، وهنا أضافه إلى الله، يضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه، ولأنه يوصل إلى الله، فمن سلكه وصل إلى الله عز وجل، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها.
قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا: ضَلُّواالضلال بمعنى التيه، أي: تاهوا عن الحق، ضَلَالًا بَعِيدًاوذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال -والعياذ بالله- ضلال عن شيء بيِّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا لقوة الدليل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما بدا من قوة شيخ الإسلام رحمه الله في إنكار من قال: إن الدين أصول وفروع، فإن شيخ الإسلام يعني يرى (...) فليس مثلًا إثبات علو الله كترك مثلًا السواك عند الوضوء يخالف يعني بعض هذا باطل؟
الشيخ: لا، الشيخ رحمه الله يقول: إنه تقسيمه إلى أصول وفروع بمعنى أن هذا أصول وهذه فروع، هذا الغلط، يعني يقول: كل الأحكام العملية فروع والأحكام العقدية أصول، هذا ما هو بصحيح؛ لأن من الأحكام العملية ما هو من أصل الأصول.
طالب: كيف ننفك من هذا.
الشيخ: كأركان الإسلام الخمسة مثلًا، ننفك بأن نقول: الدين الإسلامي بعضه أعلى من بعض وأوكد من بعض وأعظم من بعض، فليس ترك سنة من سنن الصلاة كترك واجب بها، وليس ترك راتبة للصلاة كترك الصلاة، هذا اللي نقول.
الطالب: إذا كان المقابل يفهم هذا؟
الشيخ: ويش يفهم؟
الطالب: يفهم أن ما قال قسم الدين مثلًا إلى عقائد وإلى أعمال يقول: أصول الدين وفروع مثلًا؟
الشيخ: لا، نقول: هو عقائد وأعمال، ونقول أيضًا: العقائد والأعمال درجات، شيء من العقائد إذا أنكرته فإنه يكون خطيرًا جدًّا، وشيء آخر دون هذا.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: ١٦٧ - ١٧٠].

الشيخ: في هذه الآية الكريمة يخبر الله عز وجل -وهو خبره هو الصادق- خبرًا مؤكدًا بـ(إن) أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، وهو الكفر والصدّ عن سبيل الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الخبر، ولو كان ابتدائيًّا إذا دعت الحاجة إليه، وقد قال علماء البلاغة: إن الأصل في الخبر أن يلقى غير مؤكد، فتقول: محمد مجتهد. ويحسن توكيده عند تردد المخاطب، ويجب توكيده عند إنكار المخاطب، فمثلا إذا قلنا: محمد قائم، نخاطب رجلا ساذجًا، لا يعرف عنه شيئًا، فهذا لا يحتاج إلى توكيد، وذلك لأن المخاطب سوف يقبل الخبر، وإذا كنا نخاطب شخصًا مترددًا فهنا يحسن أن نؤكده حتى يرتفع عنه التردد، وإذا كنا نخاطب منكِرًا أو في حكم المنكر فإننا نؤكده وجوبًا، وتتعدد أداة التوكيد بحسب قوة الإنكار، فهنا أكد الله الخبر مع أن الخبر يلقى إلى خالي الذهن، فيقال: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع إذا كان ذا أهمية فإن من المستحسن أن يؤكد.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من آمن واستقام على سبيل الله ودعا الناس إليها فهو على الهدى. نعرف ذلك من أي شيء؟
طالب: من المقابل.
الشيخ: من المقابل والضدّ، فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى ضلال قريب وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى كبائر وصغائر، كما هو معروف.
تفسير الآيتين (168-169)
01:29:06

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًاهذه الآية كالآية الأولى، فيها التوكيد بهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه؛ كما قال الله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣]