تفسير الآية (170)
تفسير الآية (171)
تفسير الآية (172)
واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليها، فهو على الهدى، نعرف ذلك من أي شيء؟
طالب: من المقابل.
الشيخ:
من المقابل والضد؛ فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضلال ينقسم إلى: ضلال
قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم إلى: كبائر، وصغائر، كما هو معروف.
***
ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء: ١٦٨] هذه الآية كالآية الأولى؛ فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ ظلموا بالاستمرار على الكفر؛ لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود: ١٠١]، والظلم في الأصل بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص.وسُمِّيَ المعتدي ظالمًا؛ لأنه نقص من حق المعتدَى عليه فاعتدى عليه، وهنا ظلموا من؟ هل ظلموا غيرهم ولَّا ظلموا أنفسهم؟
الطلبة: كلاهما.
الشيخ: كلاهما، يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر.
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، اللام في قوله: لِيَغْفِرَتسمى عند علماء النحو لام الجحود، أو لام النفي، وعلامتها أن تقع بعد (ما كان)، أو (لم يكن)، فكلما وُجدت اللام بعد (لم يكن)، أو بعد (ما كان) فهي لام الجحود، أو لام النفي، فقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [الأنفال: ٣٣] اللام؟
طلبة: لام الجحود.
الشيخ: لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد (ما كان)، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْأيضًا تسمى لام الجحود؛ لأنها وقعت بعد لَمْ يَكُنِ.
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، والمعنى أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفِّقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه، فسَّرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر، والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» .
وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا، يعني: لا يوفِّقهم، الهداية هنا هداية التوفيق، طَرِيقًاأي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [النساء: ١٦٩]، وهو من أسماء النار.
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، خَالِدِينَأي: ماكثين فيها، أَبَدًاأي: باستمرار، والأبد هو الاستمرار في المستقبل، والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبَّد.
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًاأي: كان خلودهم في النار على وجه الأبد يسيرًا على الله عز وجل، مع أنه يستلزم أن تبقى النار بما فيها من السعير والعذاب وأنواع العقوبات، ومع هذا فهي يسيرة على الله عز وجل، الإنسان لو أراد أن يوقد تنورًا يحتاج إلى عمل، أليس كذلك؟ يحتاج إلى عمل ووقود، وتعب وملاحاة، لكن النار وهي أعظم شيء في الحرارة إذا بقيت على وجه الأبد فإن هذا أمر يسير على الله عز وجل وليس بصعب عليه.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة، بل من الآيتين: أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر، والظلم، فإنه مسدود عنه باب التوفيق؛ لقوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ.
ويستفاد منها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، يعني أنه يفعل ما يشاء بإرادته متى شاء؛ لقوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، والمغفرة فعل اختياري، وهذا الذي عليه السلف الصالح وأهل السنة؛ إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل.
وأنكر ذلك أهل التعطيل؛ كالأشاعرة والمعتزلة، وقالوا: لا يمكن أن يقوم بالله تعالى فعل اختياري يتجدد ويحدث، وعلَّلوا ذلك بعلل واهية، قالوا: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث، ولو أننا أثبتنا لله تعالى أفعالًا يُحْدِثها متى شاء لزم من ذلك أن يكون الله حادثًا.
ولا شك أن هذا قياس باطل؛ لأنه مصادِم للنصّ، فالآيات الكثيرة التي لا تُحْصَر كلها تدل على أن الله يفعل ما يشاء متى شاء، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]، إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧]، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي لا تكاد تُحْصَر، الدالة على أن الله تعالى يفعل ما يشاء متى شاء.
فهذا القياس باطل؛ لمصادمته النص، وأيضًا هو خطأ، وذلك أننا نحن ونحن محدَثون تقوم بنا أفعال متجددة ليست بلازمة لنا منذ خُلِقْنا، أليس كذلك؟ ولا يلزم من حدوث هذه الأفعال أن نكون لم نَحدُث إلا عند حدوثها، بل حدوثنا سابق عليها، كذلك الرب عز وجل وجوده أزلي أبدي، ولا يمنع من ذلك أن يكون يُحْدِث ما شاء من أفعاله وأحكامه وأقواله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر لا يوفَّق للهدى؛ لقوله: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا.
فإن قال قائل: أليس يوجد أناس من الكفرة الماردين المارقين المضادين للدعوة الإلهية من هداهم الله؟
فالجواب: بلى، ولكن لا مانع من أن نخصِّص العام، فيكون هذا العموم مخصوصًا بمن أراد الله تعالى هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه قد يُهْدَى ولو كان قد كفر وظلم؛ إذ من المعلوم أن من الصحابة رضي الله عنهم من كان كافرًا ظالمًا، ومع ذلك أسلموا وكانوا رؤساء في الإسلام ولهم مقام صدق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للنار طريقًا، وللجنة طريقًا، فما هو طريق النار؟ طريق النار يتلخص في مخالفة أمر الله ورسوله؛ تركًا للمأمور وفعلًا للمحظور، هذا الطريق، المخالَفة لأمر الله ورسوله هو طريق جهنم، وموافقة أمر الله ورسوله هو طريق الجنة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الخلود الأبدي؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، والخلود الأبدي يتضمن أبدية المكان الذي يكون فيه الخلود، وعلى هذا فيكون في الآية دليل واضح على أبدية النار، وقد جاء ذكر الأبدية في هذه الآية، وفي آية أخرى في سورة أيش؟ الأحزاب، وفي آية ثالثة في سورة الجن، وهي معلومة.
وبناء على ذلك لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله مهما كان من العلم، ما دام هناك آيات صريحة فإننا لا نركن إلى قول أحد كائنًا من كان؛ لأن خبر الله صدق صادر عن أيش؟ عن علم مراد به البيان التام، فلا يمكن أبدًا أن يتخلف مدلوله، حتى لو قيل: إن فلانًا يقول بكذا، وفلانًا يقول بكذا، نقول: لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء وإن صعب فهو يسير على الله عز وجل؛ لكمال قوته وقدرته وسلطانه، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.
***
تفسير الآية (170)
00:10:43
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء: ١٧٠].
يَا أَيُّهَا النَّاسُهنا الخطاب لعموم الناس، مع أن السورة مدنية، والغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأن القرآن نزل وسط أمة مؤمنة، لكن قد يأتي الخطاب بالعموم؛ لقرائن تحتفُّ به، وذلك أن الخطاب سوف ينتقل من هذا العموم إلى مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا من المؤمنين؛ ولهذا قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ، الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن (أل) هنا للعهد، أيّ العهود؟ الذهني؛ إذ لا رسول مع محمد صلى الله عليه وسلم، نظير ذلك أن تقول: جاء الأمير، وليس في البلد إلا أمير واحد، كل ينصرف ذهنه إلى أيش؟ إلى هذا الأمير؛ أمير البلد، فـ (أل) للعهد الذهني، كذلك أيضًا: قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر العلماء أن العهود ثلاثة: عهد حضوري، وعهد ذِكْري، وعهد ذهني، فما تعيَّن بالذهن فـ (أل) فيه للعهد الذهني، وما تعيَّن بالذِّكر فـ (أل) فيه للعهد الذِّكْري، ومثاله قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] من؟ الرسول السابق.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦] أي العسرين؟ العسر الثاني هو الأول، ولهذا قال ابن عباس: لن يغلبَ عسْرٌ يسرَيْن .
وتكون للعهد الحضوريّ، كقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣]، وكقوله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦]، ولها ضابط، أعني (أل) التي للعهد الحضوريّ، وهي التي تأتي بعد اسم الإشارة، فإنها للعهد الحضوري؛ وذلك لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا قلت: هذا الرجل، فـ (أل) هنا للعهد الحضوري؛ لأن المشار إليه يكون قريبًا.
قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ، الباء هنا تكون للمصاحبة والتعدية، أي: مصاحبًا الحق، فما جاء به فهو حق، أو بِالْحَقِّيعني أنه رسول من عند الله حقًّا، فالآية تحتمل هذا وهذا، وهل بينهما منافاة؟ ليس بينهما منافاة، وعلى هذا فنقول: إن المراد بها المعنيان جميعًا، أي إنه جاء بالحق لم يأت بالباطل، وإنه رسول الحق ليس بكاذب عليه الصلاة والسلام، والحقّ ضد الباطل، وأصله الثبوت؛ كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [يونس: ٩٦] أي: ثبتت ولزمت، فالأصل أن هذه الكلمة تفيد معنى الثبوت، والحق ثابت والباطل زائل، كما قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء: ١٨].
قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ، (من) هنا للابتداء، أي أن الحق جاء من عند الله، وتأمل قوله: مِنْ رَبِّكُمْ، حيث إن فيها إشارة إلى أنه يجب عليكم أن تقبلوا هذا الرسول؛ لأنه جاء من ربّكم الذي هو مالكُكم والمدبرُ لأمورِكم، فيجب عليكم أن تقبلوا ما جاء به هذا الرسول؛ لأنه من ربِّكم.
فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْالفاء للتفريع؛ أي فيتفرع على ذلك وجوب الإيمان، آمنوا بمن؟ بالرسول وبما جاء به.
وقوله: خَيْرًا لَكُمْهذه منصوبة على أنها خبر (يكن) المحذوفة، والتقدير: فآمنوا يكن خيرًا لكم، خيرًا من أيش؟ خيرًا من الكفر، ولا شك أن الإيمان خير من الكفر؛ لأن الإيمان به سعادة الدنيا والآخرة، والكفر به خسارة الدنيا والآخرة؛ لقول الله تبارك وتعالى في الكفر: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥]، وفي الإيمان: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧].
وَإِنْ تَكْفُرُواأي: بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يعني فهو غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض، ومن جملة ما يملكه من؟ هؤلاء الكافرون، من جملة ما يملكه هؤلاء الكافرون، إذن كأنه قال: إن تكفروا فإن الله غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض.
وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِهنا يتكلم النحويون ويقولون لماذا عبر بـ (ما) التي يعبَّر بها عن غير العاقل، دون (من) التي يعبَّر بها عن العاقل؟
الجواب: قالوا: لأن غير العاقل أكثر من العاقل، وقد يقول قائل: إن في هذا نظرًا؛ لأن من جملة العقلاء الملائكة، لا شك في أنهم من جملة العقلاء، وهم عدد لا يحصيهم إلا الله؟ فيجيب هؤلاء ويقولون: الملائكة لهم أمكنة، كل واحد قد شغل مكانًا، والأمكنة التي في السماوات والأرض أكثر من الملائكة، وعلى هذا فيكون غير العاقل في السماوات والأرض أكثر، وهذا ليس ببعيد أن يقال: إنه غُلِّب غير العاقل لأنه؟
طالب: غُلِّب ذلك؛ لأن غير العاقل هو الأكثر.
الشيخ: لأنه الأكثر.
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، ختم الآية بالعلم والحكمة إشارة إلى أن كفر هؤلاء الذين كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم كان عن علم من الله، وعن حكمة من الله؛ أما كونه عن علم فلأنه في ملكه، ولن يكون في ملكه ما لا يعلمه، وأما كونه عن حكمة فلأنه لا تقوم أحوال العباد ولا دين العباد إلا بهذا التقسيم؛ أن يكون بعضهم مؤمنًا وبعضهم كافرًا، لولا هذا الانقسام ما قام عَلَم الجهاد، ولا تميَّز المؤمن من الكافر، ولا صار للمؤمن مزية يتميز بها عن الكافر، ولا حصل للنار ملؤها، وقد تكفَّل الله لها بذلك، فمن حكمة الله أن يكون في الناس مؤمن وأيش؟ وكافر.
في هذه الآية الكريمة: بيان أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله حقًّا؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الناس؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالناس الخصوص، كما في قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران: ١٧٣]؟
فالجواب: أن الأصل في العموم إرادة العموم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إلزام قبول ما جاء به الرسول عقلًا كما هو لازم شرعًا، وجه ذلك؟ قوله: مِنْ رَبِّكُمْ، فإذا كان من ربنا وهو مالكنا وخالقنا والمتصرف فينا كما يشاء وجب علينا القبول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حق.
وهل يصح أن نقول بدل أن ما جاء به الرسول حق، أن كل ما يُنسب للرسول حق؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه يُنسب إليه غير قوله..
الشيخ: لأن فيه أحاديث ضعيفة، وأحاديث موضوعة، لكن كل ما جاء به الرسول فهو حق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامة؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، بالإضافة إلى قوله: مِنْ رَبِّكُمْ، وربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، والخاصة كقوله: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢]، وقوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥]، والأمثلة على هذا كثيرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إرسال الرسل من مقتضى الربوبية؛ لأنه تصرف في الخلق، وفعل من أفعال الله، وكل ما كان كذلك فهو داخل تحت مضمون أيش؟ الربوبية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالحق ممن جاء به؛ لقوله: فَآمِنُوا، بعد قوله: قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ.
وهل هذه قاعدة في كل من جاء بالحق؛ أنه يجب علينا أن نؤمن بما جاء به؟ الجواب: نعم، الحق يُقبل من أي إنسان، من كل من جاء به، إذا كان الذي جاء به ممن عُرِف بالباطل فهل يُقبل منه الحق؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ولذلك مثال في قوله تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]، وسكت عن قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَاوالسكوت عن أحد الشقين مع إنكار الآخر يدل على الإقرار بالثاني الذي لم يُنكَر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان كله خير؛ خير في الدنيا، وخير في الآخرة، حتى في المعيشة وإن كانت ضنكًا فهي عند المؤمن أيش؟ خير؛ لأن المؤمن كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله تعالى عباده بالإيمان به، وإثابتهم على ذلك، ليس لافتقاره إليهم، بل هو غني عنهم؛ لقوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النساء: ١٧٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ملك الله؛ لقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فكل ما في السماوات والأرض فهو لله عز وجل.
فإن قال قائل: أليس لنا أملاك يختص بها كل واحد منا؟
فالجواب: بلى، لكن ملكنا لما نملكه ليس على سبيل الإطلاق، ولهذا لا يحل لنا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، بل لا نفعل بها إلا ما أذن الله لنا به، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله، أله ذلك؟ لا، إذن الملك قاصر، فالملك المطلَق الشامل لله رب العالمين، وما يضاف إلينا ملكًا فإنه ملك قاصر مربوط بما أذن الله به.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجمع بالسماوات، وكم هي؟
طالب: سبع سماوات.
الشيخ: سبع سماوات، مصرَّح بذلك في القرآن، أما الأرض فهي تأتي دائمًا في القرآن مفرَدة، لكن في السنة جاءت مجموعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العليم، والحكيم؛ لقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وقد مر علينا كثيرًا أن علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء في السماء أو في الأرض، وإيماننا بذلك يوجب لنا أن نحذر من مخالفته، لماذا؟ لأننا إذا خالفناه فهو عالم بنا، وهو أبلغ من السميع البصير، السميع إذا آمنا بمقتضاه حَذِرْنا مما يُقال، والبصير إذا آمنا بمقتضاه حَذِرنا من أيش؟
الطلبة: مما يُرَى.
الشيخ: مما يُرى، لكن العليم إذا آمنا به حَذِرنا مما يُقال، أو يُرى، أو يُفعل، أو يُترك؛ لأن الله تعالى عليم به، وأما الحكيم فهو مشتق من الحُكم والحكمة، فلله الحكم وله الحكمة البالغة.
والحُكم نوعان: كوني، وشرعي، فما كُلِّف به العباد فهو حكم شرعي، وما انفرد به الله عز وجل فهو حكم كوني، ثم كل منهما لا يصدر إلا لحكمة، إذن فالحكمة كونية، وأيش؟ وشرعية، ثم الحكمة تكون على الصورة المعينة وعلى الغاية المرادة، ولهذا نقول: الحكمة غائية، وأيش؟ وصورية، أي: على الصورة المعينة حكمة، فإيجاب الواجب حكمة، والإثابة عليه حكمة؛ الأول صوري، والثاني غائي، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، (...) بقولنا بين المكي والمدني..
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: لا، هذا ضابط، وليس قاعدة.
الطالب: ربما يتخلف؟
الشيخ: يتخلف، إي نعم، يتخلف في هذا وهذا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة للأرضين، لو قال قائل: ما دام الطوابق في القرآن أنها سبعة أرضين وكذلك في السنة، إلا من باب العقاب، كأن الله عز وجل يعاقب، يضاعف العقاب سبع مرات؟
الشيخ: إي نعم، نقول أولًا: القرآن أشار إلى ذلك، فقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، المماثلة في النوع والسعة والكِبَر غير ممكنة؛ لأن من المعروف أن السماء أعظم من الأرض بكثير، فلم يبق إلا العدد، هذا من جهة القرآن، من جهة السنة إذا لم يكن هناك سبع أرضين فإنه لا يمكن أن يعاقَب الإنسان على شيء ليس موجودًا، فلولا وجود سبع أرضين ما عوقب الإنسان عن ذلك، لكن كونه يعاقَب من سبع أرضين يدل على أن القرار ملك لصاحب الأرض العليا، كما أن الهواء -ومر علينا في الصُّلح- ملك له، ذكرتم أمس أن الهواء إلى السماء الدنيا، كلها لمالك الأرض، كذلك أيضًا إلى قعر الأرض، إلى الأرض السابعة ملك له، ولهذا لو أراد إنسان أن يحفر خندقًا من تحت بيت إنسان أو من تحت أرضه هل يملك هذا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يملكه.
طالب: بعض أهل النحو يقولون: إن في قوله تعالى: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَأن (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه في أول الآية قال: إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًاكَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، ومعلوم أن فرعون لم يرسل إليه إلا موسى، فيكون الرسول في آخر الآية للعهد الذِّكْري؟
الشيخ: الذِّكْري؟
طالب: الذهني.
طالب: لعله يقصد الذهني.
الشيخ: نقول هكذا.
الطالب: الذهني؟
الشيخ: لا، الذِّكْري.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ضابط فاء التفريغ؟
الشيخ: التفريع أن يكون ما بعدها فرعًا لما سبقها، يعني مُفَرَّع، إذا جاءت الفاء بعد ذكر إجمال، ثم جاء التفصيل فهي للتفريغ، أو التقسيم فهي للتفريع، وهذا يُعلم من السياق، ثم قد يكون هناك معنيان للكمة الواحدة، بمعنى أن تكون الفاء سببية، ومفرعة على ما قبلها.
طالب: شيخ، قوله تعالى: بِالْحَقِّالمتعلَّق به يا شيخ واحد أم على كلا التقديرين؟
الشيخ: المتعلق إذا كان معناه أنه رسول حقًّا قد يكون على أنها حال من الرسول.
طالب: شيخ، شرح حديث «طُوِّقَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»، مثلًا كيف شكل هذه الأرضين إذا كان معلوم لنا، إننا نعرف أن السماء واحدة فوقها الأخرى، ثم ما معنى «طُوِّقَ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»؟
الشيخ: ما نعرف، الأرضين في قوله: «مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن العلماء اختلفوا فيها؛ هل هي متطابقة -يعني متلاصقة- ويكون الفاصل بينها أمرًا مجهولًا، أو أن بينها فجوات، وهذه الفجوات كما بين السماء والسماء، هذا التقدير الأخير ليس بصحيح؛ لأن مسافة الأرض الآن لو دارت عليها الطائرة لم تُنسَب ولا إلى السماء الدنيا، لكن يقال: هذه سبع أرضين، الله أعلم بكيفيتها؛ هل هي متلاصقة، أو بينها فاصل، ما ندري، علينا أن نؤمن، وهو شيء فوق طاقتنا.
الطالب: ما معنى قوله: «طُوِّقَ»؟
الشيخ: يعني يكون طوقًا في عنقه يحمله يوم القيامة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال قائل في قوله تعالى: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، إن (ما) هنا تُستعمل في العاقل أيضًا، كما في قوله تعالى: وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: ٣]، فلا إشكال في هذا، فهل يكون صحيحًا؟
الشيخ: لا، استعمال (ما) في العاقل المعيَّن، أو إن شئت قل: العالِم؛ لأن كلمة (العاقل) بالنسبة لله ما يوصَف بها، هذا إذا كان المقصود تغليب الصفة، كقوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣]، ولم يقل: من طاب؛ لأنه ليس المقصود تعيين المرأة، المقصود صفات المرأة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخنا، فيه أثر يُروَى عن ابن عباس أنه في كل أرض أُنَاس (...) يعني فيه أناس (...) هل يقال: فيه حكم الرفع، أم يقال: مما نقل عن بني إسرائيل؟
الشيخ: أما على رأي من يرى أن ابن عباس ممن أخذ عن بني إسرائيل، فإنه لا يثبت له حكم الرفع، وأما على القول بأن ابن عباس رضي الله عنهما أنكر الأخذ عن بني إسرائيل -كما مر علينا في صحيح البخاري- فإن هذا له حكم الرفع إذا صح عنه، نحتاج الآن إلى الواسطة بيننا وبين ابن عباس رضي الله عنه.
طالب: (...) يشمل الأعيان والأوصاف؟
الشيخ: يمكن هذا، يشمل الأعيان والأوصاف، لكن إذا كان المقصود الأعيان دخل فيها الأوصاف.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في هذه الآية: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وفي بعضها: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِبينهما فرق؟
الشيخ: الظاهر أن هذا من باب اختلاف التعبير والأسلوب، مثل سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ١] وسَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الحشر: ١]، سورة (قد سمع) سورة فَصَلَت بين تسبيحين؛ الحديد يقول فيها: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وفي الحشر: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
***
تفسير الآية (171)
00:36:05
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: ١٧١ - ١٧٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قوله هنا: يَا أَهْلَ الْكِتَابِعامٌّ أريد به الخاص، والمراد بهم النصارى؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر حال اليهود فيما سبق من قوله: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِإلى آخره [النساء: ١٥٧]، وما قبلها أيضًا.
ثم خاطب أهل الكتاب الذين هم النصارى، فقال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، والغلُوّ هو الزيادة، الزيادة في الشيء تسمى غلوًّا، وتسمَّى إفراطًا، وضدها التفريط والتقصير.
وقوله: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْأي: فيما تدينون الله به، وذلك أنهم اعتقدوا أن المسيح الله، أو ثالث ثلاثة، أو قالوا: إن المسيح وأمه إلهان، وقالوا: إن المسيح ابن الله، كل هذه الأقوال يرونها أيش؟ يرونها دينًا، فقال لهم الله: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، أي: فيما تدينون الله به.
وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّأي: لا تقولوا على الله تعالى فيما تصفونه به إلا الحق، أي الشيء الثابت المقبول عقلًا وفطرةً ونقلًا، وضده الباطل، فمن قال: إن المسيح ابن الله، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن المسيح وأمه إلهان، فقد قال على الله غير الحق، وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ.
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، هذه الجملة إبطال لقولهم: إن المسيح ابن الله، وإن المسيح وأمه إلهان، وإن الله ثالث ثلاثة، وما أشبه ذلك.
قال: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِعندنا أربع كلمات: المسيح، وعيسى، وابن مريم، ورسول الله، فلا بد من إعرابها.
أما قوله: الْمَسِيحُفهو مبتدأ.
وأما قوله: عِيسَىفهو عطف بيان.
وأما قوله: ابْنُ مَرْيَمَفهو صفة.
وأما قوله: رَسُولُ اللَّهِفهو خبر.
وهذه الجملة إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِجملة تدل على الحصر، فيكون التركيب: ما المسيح عيسى بن مريم إلا أيش؟ إلا رسول الله، يعني: وليس جزءًا من الله ولا إلهًا.
إِنَّمَا الْمَسِيحُ، المسيح لقب لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وسُمِّي بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، يُبرِئ الأكمه والأبرص بإذن الله عز وجل، بخلاف المسيح الدجال؛ فإنما سُمِّي المسيح لأنه ممسوح العين، أي أعورها.
وقوله: عِيسَىهو العلَم.
فإن قال قائل: كيف قدَّم اللقب على العلَم واللقب وصف والعلَم ذات؟ قلنا: إن اللقب إذا اشتهر به الملقَّب صار بمنزلة العلَم، بل أظهر في تعيين الملقَّب من العلَم، ولهذا تقول: الإمام أحمد، مثلًا، تقدِّم اللقب، المسيح عيسى بن مريم، تقدِّم اللقب؛ لأنه بلقبه أظهر وأبين.
وقوله: ابْنُ مَرْيَمَهي مريم بنة عمران، ونُسِب إليها؛ لأنه ليس له أب، وإلا فمن المعلوم أن من له أب شرعي فإنه يجب أن يُنسب إليه لا إلى أمه، وقولنا: أب شرعي، احترازًا ممن له أب قدَري لا شرعي، وهو ما حصل بالزنا -والعياذ بالله- فإن هذا له أب قدري، وهو الزاني، لكن الزاني ليس أبًا شرعيًّا.
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِأي: مُرسَل من الله عز وجل، وليس ربًّا ولا جزءًا من رب، بل إنه رسول الله حقًّا.
رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، الواو حرف عطف.
كَلِمَتُهُمعطوفة على رَسُولُ اللَّهِ.
كَلِمَتُهُأي: كلمة الله، أي الكائن بكلمة، وليس هو الكلمة؛ لأن الكلمة وصف للمتكلم لا شيء بائن منه، وعلى هذا فيكون معنى كَلِمَتُهُأي: الكائن بكلمته، كما قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩].
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، أوصلها إلى مريم بأن قال لها: احملي، مثلًا، أو كلمة نحوها، نعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقله، لكن هذا معنى كون كلمة تصل إلى مريم، عن طريق من؟ عن طريق جبريل، كما قال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم: ١٢]، نَفَخْنَا فِيهِأضاف الله النفخ إليه؛ لأنه فِعْل رسوله، أرسله لينفخ فيه، في فرجها، وإضافة النفخ إلى الله مع أنه كان من جبريل كإضافة القراءة إلى الله مع أنه كان من جبريل في قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٨]، من اللي يقرؤه؟ جبريل، يقرؤه والنبي صلى الله عليه وسلم يتبعه.
كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَابنة عمران، وموسى بن عمران، هل هما أخوان؟
الطلبة: لا.
الشيخ: سبحان الله! مريم بنة عمران وموسى بن عمران.
الطلبة: تشابه أسماء..
الشيخ: ليس هو؟ ليست أخًا لموسى؟ كيف؟ ما هو الأب واحد؟
الجواب: أُورِد هذا الإشكال على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ» يعني موسى بن عمران، أيضًا مريم بنة عمران، فعمران اللي هو أبو موسى هو لا نعلم أنه نبي، لكنه أبو نبي، فكان هذا الاسم شائعًا في بني إسرائيل، فسُمِّيَ أبو مريم عمران.
وَرُوحٌ مِنْهُ، كلمة رُوحٌ مِنْهُويش معنى رُوحٌ مِنْهُ؟ هل معناه أنها ريح منه وهو ما حصل بالنفخ من جبريل؟ أو أنه روح منه، أي أن روحه مخلوقة من الله عز وجل؟ أو الأمران؟ الأمران؛ لأنهما لا يتنافيان، فإن جبريل نفخ في فرجها، والنفخ ريح، وكذلك عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام جسد نُفِخَت فيه الروح فصار إنسانًا، ولهذا سماه الله تعالى روحًا يغلِب على دينه المسالك الروحية والرهبانية، وما أشبه ذلك.
وقوله: رُوحٌ مِنْهُمن الله، و(من) هنا ليست للتبعيض قطعًا، وقد استدل بها النصراني على أن عيسى جزء من الله، وجعل (من) أيش؟ للتبعيض، وذلك لأنه زائغ، والزائغون هم الذين يتبعون ما تشابه من الأدلة ابتغاء الفتنة، فهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
وذُكِرَ أن نصرانيًّا استدل بها على أن عيسى جزء من الله، وقال: إن قرآنكم يدل على ما قلنا أن عيسى جزء من الله، وكان عنده أحد العلماء، فتلا هذه الآية: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، فقال للنصراني: إذن السماوات والأرض وما فيها جزء من الله؟ فحارَ النصراني وعرف أنه على ضلال ثم أسلم، أسلم لأنه تبيَّن له الحق. فـ (من) هنا ليست للتبعيض، ولكنها للابتداء، أي أنها من عند الله عز وجل وَرُوحٌ مِنْهُ.
يقول: (واعلم أن المضاف إلى الله عز وجل) سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ(آمِنوا)، الضمير الواو تعود إلى من؟
طالب: النصارى.
الشيخ: إلى أهل الكتاب الذين يراد بهم النصارى.
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِعيسى وموسى ومحمد، جميع الرسل، لا تقولوا: لا نؤمن إلا بعيسى؛ لأن محمدًا ليس هو الذي بشر به، بل آمنوا بالله ورسله كلهم من أولهم إلى آخرهم.
والإيمان في اللغة اشتهر بأنه التصديق، ولكن الصحيح أنه ليس التصديق، وأنه الإقرار، ولهذا يعدَّى بالباء، يُقال: آمَن بكذا، أي أقرَّ به إقرار مؤمِن مصدِّق، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الإيمان بأن مَن فسَّره بالتصديق فليس بصواب، لكن قد يُضَمَّن معنى التصديق ثم يتعدَّى باللام، مثل قوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، والإيمان هنا بمعنى الانقياد، أي: فانقاد له لوط، وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي.
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ، جملة لَا تَقُولُوافعل مضارع، أو نقول: إنها جملة مكوَّنة من فعل مضارع وفاعل، والقول هو النطق باللسان، وهنا كلمة ثَلَاثَةٌهل وقع عليها الفعل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن القول لا ينصب إلا جملة أو شبه جملة، لا ينصب الاسمَ المفرَد إلا على لغة بعض العرب الذين يجعلون القول كالظنّ فينصبون به المفرد، وعلى هذا فنقول: ثَلَاثَةٌليست مفعولًا لـ تَقُولُوا، ولكنها خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ولا تقولوا الله ثلاثة، وكانوا يقولون بالتثليث كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣].
انْتَهُواانتهوا عن أيش؟ عن قول: ثلاثة، فنهى أولًا، ثم أمر ثانيًا، انْتَهُوا.
خَيْرًا لَكُمْ، خَيْرًاهذه هي خبر (يكن) المحذوف، تقدير: انتهوا يكن خيرًا لكم.
وإِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌهذا دفع لقوله: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وإنما أداة حصر، فالجملة فيها حصر الألوهية بالله عز وجل.
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ(سبحان) بمعنى تنزيه، وهي اسم مصدر، وفعلها (سبَّح)، والمصدر منه (تسبيح)، واسم المصدر (سبحان)، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، كلما جاءت (سبحان) فهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها محذوف وجوبًا، لا يُجمع بينها وبين عاملها.
وقوله: سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ، (أن) هذه مصدرية، وقد حُذِفَ حرف الجر منها للعلم به، أي: تنزيهًا له عن أن يكون له ولد، وإنما هو منزَّه عن الولد جلَّ وعلا؛ لأمور متعددة:
أولًا: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مباينًا له في كل الأحوال.
وثانيًا: أنه ليس له زوجة، الابن إنما يكون غالبًا ممن له زوجة، كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الأنعام: ١٠١].
ومنها أيضًا: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء، أي بقاء النوع باستمرار النسل، والرب عز وجل ليس بحاجة إلى ذلك، لماذا؟ لأنه الحي الذي لا يموت.
ومنها: أن الابن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شؤونه وأموره، والله سبحانه وتعالى غني، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [يونس: ٦٨]، فعلى كل حال هو منزَّه عن أن يكون له ولد، وما قدَّر اللهَ حق قدره من قال: إن له ولدًا.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، هذا كالدليل على أنه مُنَزَّه عن الولد؛ أن له ما في السماوات والأرض ملك، والولد لا بد أن يكون كوالده في أنه له قسط من الملك؛ لأنه سوف يرث والده إذا مات مثلًا، والله سبحانه له ملك السماوات والأرض.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، و(ما) هنا للعموم، أي: كل ما في السماوات من ذوات وأحوال وأمور فهي لله عز وجل، وكذلك ما في الأرض.
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، قال المعرِبون: إن الباء هنا زائدة، والتقدير: وكفى الله وكيلًا، أي حافظًا على كل شيء، فلا يحتاج إلى ابن يساعده أو يعينه في حفظ الملك.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: النهي عن الغُلُوّ في الدين؛ لقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، وإذا نهى الله أمة عن شيء وقصَّه علينا فهو عبرة لنا، يعني أننا منهيُّون عنه، ويؤكد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ» ، أي: لا تَغْلُوا فِيَّ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلو في الدين كالنقص منه، فكما أن الإنسان منهيٌّ عن النقص في دينه هو أيضًا منهي عن الغلو.
ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز لنا أن نغلو في ديننا، سواء ما يتعلق برسولنا صلى الله عليه وسلم، أو بأعمالنا، وعلى هذا فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من محبة الله فهو أيش؟ غالٍ فيه عليه الصلاة والسلام، ومن نزله منزلة الرب وأنه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، ومن زعم أن غيره ممن هو دونه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، فالغلُوّ إذن مجاوزة الحد في كل شيء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم القول على الله إلا بالحق؛ لقوله: وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وهو الشيء الثابت.
ويتفرع من هذه الفائدة: تحريم تحريف آيات الصفات وأحاديثها؛ لأن الذي يحرِّفها لم يقل على الله الحق، بل قال عليه الباطل، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، آيات الصفات، مثلًا: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، قال قائل: ليس المراد باليدين اليد الحقيقية، بل المراد النعمة والقدرة، وما أشبه ذلك، نقول: هذا قال على الله غير الحق؛ لأنه قال ما لا يريده الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن المسيح عليه الصلاة والسلام لا يستحق من أمر الربوبية شيئًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: رَسُولَ اللَّهِ.
ومن فوائدها: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وعيسى بن مريم ليس له أب كما هو معلوم للجميع، إذا كان الولد ولد زنا قلنا: إنه ليس له أب شرعي، فإلى من يُنسب؟
طالب: إلى أمه.
الشيخ: إلى أمه، يبقى عندنا إشكال، هو يُنسب إلى أمه حقيقة وحكمًا لا شك فيه، لكن عند المناداة عندما نضع له اسمًا يشتهر به بين الناس وينادَى به هل نحن ننسبه إلى أمه، فيكون بذلك نشر عارها وكسر قلبه، أو نضع له اسمًا ننسبه إلى من هو حقيقة منسوب إليه، فنقول مثلًا: عبد الله بن عبد الكريم؟ الثاني أولى، نحن إذا قلنا: هو عبد الله بن عبد الكريم، هل أخطأنا؟ لأن الزاني عبد لله عز وجل، وإن كان زانيًا فهو عبد لله، فنسيمه بهذا الاسم؛ لأنه لو سمَّيناه منسوبًا إلى أمه لكان كل إنسان يسمع سيقول: لماذا؟ ثم يلحق العار هذا الرجل وذريته، ويبقى وصمة عار في تاريخهم إلى ما شاء الله.
فنقول: الحمد لله، أما من جهة الأحكام الشرعية فلا شك أننا لا نرتِّب عليها أحكام الأبوة، ولهذا لو مات ابن الزنا من يرثه؟ أمه، ترثه فرضًا وتعصيبًا، نعم، فلهذا نقول: يوضع له اسم يُنسب إليه، ولا يخالف الواقع.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة عيسى بن مريم؛ لقوله: رَسُولُ اللَّهِ، ولهذا يجب علينا أن نؤمن بأن عيسى رسول ليس له حق من الربوبية بأي حال من الأحوال.
طالب: بارك الله فيكم، الولد إذا كان من الزنا، ولكن بعد أن حملت المرأة تزوَّج بها الزاني زواجًا شرعيًّا، ثم ولدت، فهذا الولد إلى من يُنسب؟
الشيخ: أولًا نقول: لا بد من توبة الزاني والزانية، لا بد من تحقق ذلك، ثانيًا: إذا تزوجها فأكثر العلماء يقولون: إنه لا يجوز أن يتزوجها؛ لأنها الآن في عِدَّة لا يلحقه ولدها، فيجب أن ينتظر حتى تنتهي العدة، وذلك بوضع الحمل على الوجه المعروف، ومن العلماء من يجوِّز ذلك إذا تحققت التوبة، وأنه إذا استلحقه الزاني يُلحَق به، لكن هذا الباب لا يجوز إطلاقًا أن يُفتح للناس؛ لأنه لو كان هذا القول من الناحية النظرية قولًا صحيحًا لكن لا يجوز أن يُفتى به الناس علنًا، لماذا؟
الطلبة: يتساهلون.
الشيخ: يتساهلون في هذا الأمر، كل إنسان يزني بامرأة فإذا حملت ذهب يتزوجها، وأهلها سوف يُضطرون إلى أن يزوِّجوه، ويفتح باب شر على الناس.
طالب: شيخ، كيف إذا قال أحدهم: قوله تعالى: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣] يختلف عن قوله تعالى: وَرُوحٌ مِنْهُهناك سخَّر منه.
الشيخ: لا، جميعًا منه.
الطالب: القضية أنه بداية سخَّر، يعني التسخير منه، يعني تباشر..
الشيخ: الروح هي اللي خلقت نفسها؟ لا بد مخلوقة، كيف صار النصراني أفقه منك؟! النصراني أسلم، انتقل من دينه لأجل هذا.
الطالب: أنا قلت إذا كانت شبهة مثلًا.
الشيخ: ما هي شبهة.
طالب: في المثال اللي مرّ علينا عبد الله بن عبد الكريم، (بن) يا شيخ وذكر اسمه يا شيخ..
الشيخ: إي، هذا -بارك الله فيك- لا شك أنه ابنه قدرًا، هو ابنه قدرًا مخلوق من مائه، وهذا لا يمتري فيه أحد، لكن لما كان على غير وجه شرعي لم يلحق به شرعًا، أما قدرًا فهو ابنه ما فيه إشكال.
الطالب: إي يا شيخ بس (ابن)؟
الشيخ: ابن إيه.
الطالب: ابن عبد الكريم (ابن) لفظة (ابن) تجاه نفسه يا شيخ.
الشيخ: هذا ابن ما هو ابن شرعي، ابن قدري؛ لأن هذا الزاني.
الطالب: المنسوبة لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لا.
الطالب: يعني منسوب عبد الله بن عبد الكريم.
الشيخ: إي، لو كان عندنا واحد اسمه عبد الله وأبوه عبد الكريم، ما نقول عبد الله بن عبد الكريم؟
الطالب: إي، لفظة (ابن) صار بها الإشكال.
الشيخ: ما فيه إشكال.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، بعض النصارى بعد مناقشتهم قد وقعت لهم مع بعض الناس، يقولون: نحن نقرّ بأن الله واحد، وأن عيسى رسول، ما يذكرون باللسان هل هذه تورية يا شيخ، يعني يريدون أن يخرجوا من المأزق، أم أنها عقيدة عندهم، وبعضهم يقول هكذا؟
الشيخ: يمكن، قد يكون بعضهم يطلق ذلك؛ لأنهم فِرق مثل غيرهم، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، قد يكون هذا، لكن إذا لم يؤمنوا بمحمد فهم كفار حتى بعيسى.
طالب: أحسن الله إليك، يسمون المسيح الدجال المسيخ؛ بالخاء.
الشيخ: لا، غلط، الثابت في الصحيحين وغيرهما: «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» .
طالب: أحسن الله إليك، ننسبه إلى من يا شيخ –القبيلة- ابن الزنا؟
الشيخ: يكفي عبد الله بن عبد الكريم فقط، تكون العائلة التي تكون منه، إذا أراد الله أن تكون له عائلة آل عبد الكريم.
طالب: إذا وجدنا صغيرًا وما علمنا له لا أب ولا أم، إلى من يُنسَب؟
الشيخ: اللقيط، هذا يُنسَب مثل ما قلنا، يوضع له اسم مثل: عبد الله بن عبد الكريم، عبد الرحمن بن عبد العزيز، أو فلان ابن أبيه، الذي خُلِق من مائه، لكنه ليس أبًا شرعيًّا، وقد يكون أبًا شرعيًّا؛ لأن بعض الناس ربما يلقي أولاده في الطرقات وفي المساجد عجزًا عنهم؛ لأن هذا اللقيط في الحقيقة ما ندري هل هو ابن زنا ولّا ابن رشد، لكن أبوه ألقى به لعجزه عنه.
طالب: كيف يعامَل شرعًا يا شيخ، من حيث ميراثه، أو من حيث الأحكام التي تلحق ابن الزنا، هذا اللقيط..
الشيخ: أما على المشهور عند أهل العلم فميراثه لبيت المال، وديته إن قُتِل لبيت المال، إلا إذا تزوج مثلًا صار له أولاد فأولاده يرثون، ولكن القول الراجح أنه يكون لمن التقطه، يكون ماله لمن التقطه؛ لأنه قام عليه وحضنه وتعب فيه فيكون له، وهو أولى من بيت المال الذي يكون لعموم الناس.
طالب: نسينا ذكر أنواع الإضافات لله؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: كنا ذكرنا روح منه، ذكرتم يا شيخ بأنكم ستذكرون أنواع الإضافات.
الشيخ: إي، ما وصلنا لها، هذه إن شاء الله في الفوائد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لما اشتهر في عهد الصحابة بالنسبة لأمه، كابن أم مكتوم وابن بحينة، كيف يكون هذا مع وجود لهم آباء؟
الشيخ: إي نعم، هذا لأنهم يرضون بذلك، واشتهر هذا الشيء، وليس فيه أدنى شك في أنهم أولاد حقيقة لآبائهم، وإلا فيه ابن مكتوم وفيه عبد الله بن مالك ابن بحينة.
الطالب: والحديث اللي فيه وعيد «مَنِ انْتَسَبَ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ» .
الشيخ: لا، هو ما انتسب، كلٌّ يعرف أن أباه فلان.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ: أحد الإخوان.. (...)
***
طالب: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ١٧٢ - ١٧٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من فوائد الآية الكريمة: في قوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَإطلاق السبب على مسبَّبِه؛ لقوله: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فإن عيسى ليس هو الكلمة نفسها، لكنه خُلِق بالكلمة، فأُطلِق السبب وأريد المسبَّب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام من أشرف عباد الله وأكرمهم عليه؛ لأنه أضافه إلى نفسه، فقال: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، والإضافة للتخصيص والتكريم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام روح من الله، يعني أنه من جملة الأرواح التي خلقها الله عز وجل، ولكن أضيف إلى الله عز وجل من باب التكريم والتشريف.
واعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: نوعٌ معنى لا يقوم إلا بغيره، وهذا يكون من صفاته، مثل عِلم الله، قدرة الله، سمع الله، كلام الله، وما أشبه ذلك، هذه معاني إذا أضيفت إلى الله فهي من صفاته وليست بمخلوقة.
ونوع آخر يضاف إلى الله لكنه بائن منه منفصل عنه، وهذا يكون مخلوقًا، لكن أضيف إلى الله من باب التشريف والتكريم، ومنه قوله هنا: وَرُوحٌ مِنْهُ، وقوله تعالى: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣]، فأضاف الناقة إليه، وقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، وقوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج: ٢٦]، بيتي، كل هذه أعيان قائمة بنفسها، فإضافتها إلى الله إضافة أيش؟ تشريف وتكريم.
اذكر ما ذكرنا من التقسيم، المضاف إلى الله ينقسم؟
طالب: النوع الأول: الأعيان..
الشيخ: الأعيان، نعم.
الطالب: النوع الثاني..
الشيخ: لا، المضاف إلى الله نوعان، الأول؟
طالب: أعيان.
الشيخ: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فإضافته هنا من باب؟
الطالب: إضافة الصفات.
الشيخ: أيش؟ خطأ.
طالب: (...).
الشيخ: الأول ما ليس قائمًا بنفسه، فهذا يكون صفة، مثل؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، والثاني.
طالب: (...).
الشيخ: أن يكون عينًا قائمًا بنفسه، فهذا؟
طالب: (...).
الشيخ: إضافته إلى الله؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، مثاله؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان الشيء ليس بمعنى ولكنه مضاف إلى الله، وهو بالنسبة إلينا أبعاض وأجزاء، مثل يد الله، فهذا أيضًا يلحق بكونه من الصفات؛ لأنه ليس منفصلًا بائنًا عن الله عز وجل، فيكون من صفاته.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله ورسله كلهم أجمعين، من نوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وقد سبق لنا مرارًا ما يتضمنه الإيمان بالله عز وجل، فلا حاجة إلى التكرار، وكذلك ما يتضمنه الإيمان بالرسل.
ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن التثليث؛ لقوله: وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ، يعني أنه يحرم أن يقول الإنسان: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا من الشرك، فالنهي عنه كقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦]، فلا يقول قائل: لماذا اقتصر على النهي فقط؟ نقول: نعم، اقتصر على النهي ولو كان هو شركًا؛ لأن الشرك منهيٌّ عنه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تاب من التثليث وانتهى عنه تاب الله عليه؛ لقوله؟
طالب: (...).
الشيخ: من أي الكلمتين؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، من قوله: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْفدل هذا على أن من تاب فهو خير له، وهذا يستلزم قبول التوبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية، من أين تؤخذ من الآية؟
طالب: (...).
الشيخ: وجه الدلالة على أن الله منفرد بالألوهية؟
الطالب: إِلَهٌ وَاحِدٌ.
الشيخ: من قوله: إِلَهٌ وَاحِدٌ، واحد، كلمة (واحد)، أيضًا دليل آخر؟
الطالب: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
الشيخ: لا.
طالب: الفصل، فصل..
الشيخ: خطأ ما فيه فصل.
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر؟
طالب: القصر.
الشيخ: القصر؟ إحنا بلغتنا الحصر، وهو يسمى قصرًا، لكن إنّا درجنا على الحصر، الحصر في قوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ، فقوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌدلَّت على الحصر، وهو أن الله تعالى هو الإله وحده، لكن قوله: وَاحِدٌيكون زيادة تأكيد.
من فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله أن يكون له ولد، يعني أنه مُنَزَّه عن أن يكون له ولد، من أين تؤخذ؟
طالب: قوله: سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.
الشيخ: قوله: سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌتنزيهًا له، ما وجه كون اتخاذ الولد بالنسبة إلى الله تعالى عيبًا ونقصًا؟
طالب: لأنه يفتقر (...).
الشيخ: نقص..
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه يستلزم؟
الطالب: أن يكون محتاجًا إليه.
الشيخ: أن يكون محتاجًا إليه، وأن يكون باقيًا فيما لو هلك الأب، مَنْ الذين قالوا: إن الله اتخذ ولدًا؟
طالب: النصارى.
الشيخ: غيرهم؟
طالب: اليهود.
الشيخ: غيرهم؟
طالب: (...).
الشيخ: المشركون، ثلاثة، اللي نعرف ثلاثة أصناف ادعوا لله ولدًا.
من فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالملك، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: ما وجه ذلك؟
الطالب: وجه ذلك (...).
الشيخ: ما عندنا معمول يا ولدي.
الطالب: (...).
الشيخ: قدم أيش؟
الطالب: ما حقه التأخير.
الشيخ: ما حقه التأخير، أحسنت، قدم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
من فوائد الآية الكريمة : إثبات أن السماوات عدد لكنه مبهَم، السؤال في الجمع السَّمَاوَاتِهل بُيِّن؟
طالب: نعم.
الشيخ: في أي آية؟
الطالب: في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢].
الشيخ: أحسنت، الأرض؟
الطالب: الأرض فيها آية فيها إشارة، وقد بَيَّنَت السنة أن الأرض سبع أرضين.
الشيخ: نعم، جاءت السنة بذلك صريحًا، في مثل قوله؟
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
الشيخ: «طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»، أحسنت، هل يكون الله تعالى وكيلًا لغيره؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا؟!
الطالب: الله وكيل على (...).
الشيخ: أيش لونه؟ هل الله وكيل على الخلق؟
طالب: وكيل نعم.
الشيخ: بمعنى؟
الطالب: رب لهم.
الشيخ: رب لهم، وحافظ لهم، ليس بمعنى أنه وكيل لغيره فيهم، متأكد؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أحسنت، أين الدليل على ذلك؟
الطالب: الدليل أن الله له ما في السماوات وما في الأرض.
الشيخ: أين الدليل على أنه وكيل على خلقه؟
الطالب: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا.
الشيخ: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، طيب وهل الله موكِّل؟ هو وكيل الآن، لكن هل هو موكِّل؟
طالب: ما هو موكِّل.
الشيخ: ما هو موكِّل.
طالب: موكِّل الملائكة.
الشيخ: أين الدليل؟
الطالب: ألم تعلم أن الله (...).
الشيخ: ما فيه وكالة.
طالب: أن الله سبحانه وتعالى قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: لا يا أخي، نبغي إثبات أن الله يوكِّل، فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام: ٨٩].
قوله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًاهذا يوجب للإنسان صدق الاعتماد على الله عز وجل، وأن يعتمد على الله وحده؛ لقوله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، لا تعتمد إلا على الله عز وجل، اجعل اعتمادك على الله فإنه كافيك، ولو أننا صدقنا في ذلك لكان الله حسبنا، ومن كان الله حسبه فقد تم له أمره، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، أتموا، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ.
فأنت يا أخي توكَّل على الله، فإن صدقت التوكل على الله فإن الله حسبك وكافيك، يسهل لك أمرك، وهذا وعد من الله عز وجل، ما هو من زيد ولا من عمرو.
وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، الطير تغدو من أوكارها خماصًا جائعة، قد مضى عليها الليل ونفد ما في بطونها، لكنها متوكِّلة على الله عز وجل، تعرف ربها وتعتمد عليها، ولا ترجع إلا وهي أيش؟ بطانٌ، ممتلئة البطون.
فلو أننا توكَّلنا على الله حق التوكل لكفانا، لكن ينقصنا ذلك كثيرًا، وجود الأسباب المادية تجد أكثر الناس يعتمد عليها وينسى المسبِّب عز وجل.
***
تفسير الآية (172)
01:25:25
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ}، الْمَسِيحُهو ابن مريم الذي اتخذه هؤلاء إلهًا، بَيَّنَ أن المسيح نفسه لا يمكن أن يستنكف عن عبادة الله، بل هو عليه الصلاة والسلام يطلب الوسيلة إلى الله في القرب لديه، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [الإسراء: ٥٧]، يعني: يطلبون الوسيلة التي تقرِّبهم إلى الله عز وجل، وأولئك يدعونهم، مساكين.
فهنا يقول: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ: لن يأبى، يَسْتَنْكِفَبمعنى: يأبى أنفةً وعُلُوًّا.
وقوله: أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِأي: عبدًا شرعيًّا أو كونيًّا؟
الطلبة: شرعيًّا.
الشيخ: شرعيًّا؛ لأن الكوني ما أحد يستنكف، حتى أفجر عباد الله لن يستنكف أن يكون عبدًا لله بالعبودية القدرية، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣].
طالب: فرعون؟
الشيخ: فرعون مستكبر، لكن قدرًا ما يمكن يستكبر، كلامنا على القدر، أما الاستكبار على الأمر الشرعي هذا كثير.
وقوله: أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِأي: عبودية شرعية، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، يعني: ولن يستنكف الملائكة المقرَّبون، والملائكة هم عالَم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل غذاءهم التسبيح، ولهذا كانوا صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون.
وقوله: الْمُقَرَّبُونَأي: إلى الله، وإذا كان الملائكة المقرَّبون لا يستنكفون عن عبادته فغيرهم من باب أولى.
وقوله: الْمُقَرَّبُونَ، هل هي صفة كاشفة أو صفة قيد؟ يحتمل أن يكون ذلك صفة كاشفة؛ لأن الملائكة مقرَّبون إلى الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قيدًا، وعلى هذا الاحتمال يكون الملائكة فيهم المقرَّبون، وفيهم من ليس بمقرَّب، فالله أعلم.
فإن قال قائل: ما المناسبة في ذكر الملائكة عند ذكر عيسى؟ قلنا: المناسبة أن من الناس من جعل الملائكة أولادًا لله، كما أن منهم من جعل المسيح ابنًا لله عز وجل، فهذه المناسبة، يعني حتى الملائكة الذين اتخذتموهم أولادًا لله لن يستنكفوا أن يكونوا عبادًا لله.
ثم قال: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، مَنْ يَسْتَنْكِفْ، الجملة هنا شرطية، و(من) أداة شرط، يَسْتَنْكِفْفعل الشرط، وجواب الشرط فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، وقُرِن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدِّر الجواب بالسين وسوف فإنه يتعين أن يُربط بالفاء.
وقوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِعبادة من؟ عبادة الله شرعًا، صح؟ من يستنكف عن عبادته شرعًا.
وَيَسْتَكْبِرْ: يتعلَّى ويترفَّع ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا، المستنكف المستكبر والمتعبِّد المتذلِّل كلهم سيُحْشَرون إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْيعود على الجميع.
وهنا فيه مباحث: أولًا: مَنْ يَسْتَنْكِفْرُوعِي في فعل الشرط لفظ الشرط..





