وجواب الشرط: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [النساء: ١٧٢]، وقُرن بالفاء؛ لأنه صُدِّر بالسين، وإذا صُدّر الجواب بالسين و(سوف)
فإنه يتعيّن أن يُربط بالفاء.
وقوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ [النساء: ١٧٢]، عبادة مَن؟ عبادة الله شرعًا، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: من
يستنكف عن عبادته شرعًا.
وَيَسْتَكْبِرْيتعلّى
ويترفّع، ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي.
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًاالمستكبر والمتعبّد المتذلّل، كلهم سيحشرون إليه، وعلى
هذا فالضمير في قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْيعود على
الجميع. وهنا فيه مباحث: أولًا: مَنْ يَسْتَنْكِفْرُوعي في فعل الشرط لفظ الشرط، صح، روعي لفظه لأن (مَن) لفظُه مفرد يَسْتَنْكِفْ، فاعله مفرد فَسَيَحْشُرُهُمْالجواب روعي فيه المعنى، وأيضًا روعي فيه
المعنى بالمعنى الأعم؛ لأن قوله: فَسَيَحْشُرُهُمْيشمل
المستنكف وغير المستنكف، وعلى هذا فيكون فيه عموم أوسع.
فإذا قال قائل: وهل يجوز
في اللغة العربية أن يتعدّد مرجع الضمير، فمرة يعود بالإفراد ومرة يعود
بالجمع؟
قلنا: نعم، هذا موجود في اللغة العربية بشرط أن يكون اللفظ -أي مرجع
الضمير- صالحًا للإفراد والجمع، فإذا كان صالحًا للإفراد والجمع جاز أن يعود الضمير
عليه بالإفراد، وأن يعود عليه بالجمع، وأن يتنوع، قال الله تعالى في آخر سورة
الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١] فتجدون في الآية
هنا عاد الضمير أولًا باعتبار اللفظ، ثم باعتبار المعنى، ثم باعتبار
اللفظ.
أقول: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١] تجدون السياق مرة
عاد الضمير على اللفظ، ومرة على المعنى، ومرة على اللفظ، قل. لا إله إلا الله!
سبحان الله!
في الآية الكريمة عاد الضمير على اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ.
طالب: قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، في خَالِدِينَراعى المعنى.
الشيخ:
وما قبلها؟
الطالب: وما قبلها راعى اللفظ.
الشيخ: في خالدين راعى المعنى، وما قبلها راعى اللفظ.
الطالب: (...) راعى فيها اللفظ.
الشيخ: راعى فيها اللفظ، والحكمة من ذلك التنبيه على أن مثل هذه
الكلمات للعموم؛ يعني مثل (مَنْ) سواء كانت شرطية أو موصولة للعموم، نستفيد من كون
الذي يرجع إليها مرة يكون بالإفراد، ومرة يكون في بالجمع.
وقوله: فَسَيَحْشُرُهُمْأي: سيجمعهم، وذلك يوم القيامة فإن الله
سبحانه وتعالى يجمع الأولين والآخرين في مكان واحد، لا بناء، ولا جبال، ولا أشجار،
ولا هضاب، ولا رمال، في مكان واحد يُسمعهم الداعي وينفذهم البصر؛ لأنهم على أرض
مسطّحة تُمدّ مدّ الأديم كما قال الله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ١ - ٣] وهي الآن غير ممدودة، الآن مبسوطة وليست ممدودة،
الآن هي مطويّة يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥] لكن إذا كان يوم
القيامة صارت ممدودة وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْكما جاء
في الحديث: «تُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيمِ» أي
مدّ الجلد، ولهذا يُسمعهم الداعي، إذا دعا في أولهم سمع آخرهم؛ يعني ما فيه انحناء
يمنع وصول الصوت أو جبال أو أشجار، وأيضًا ينفذهم البصر، يراهم كلهم ليس فيهم
انحناء حتى يغيب بعضهم عن البصر، بل يشاهَدون جميعًا، كل الخلائق يُجمعون يوم
القيامة جميعًا في هذا الصعيد كما قال الله تعالى ردًّا على الذين قالوا: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨] قال
الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]
الأوّلون والآخرون كلهم يُجمعون في هذا المكان، زد على ذلك أن الوحوش والبهائم كلها
تُحشر مع الناس، فيا له من مشهد عظيم!
هذا المشهد يجب أن نتذكّره دائمًا قيامًا
وقعودًا، وإذا تذكّره الإنسان فإنه قد يقول يومًا من الأيام: لَيْتني شجرة تُعضد ، كما قال
ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وإن الإنسان أحيانًا ليمر بالعصفور أو بالقط
فيقول: يا ليتني مثله، يخشى من الذنب، وإلا من المعلوم أن بني آدم إذا قدّر الله
للإنسان السعادة فهو أفضل منها بكثير، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤] لكن من يضمن لنفسه هذا؟ من يضمن لنفسه أنه
سالم من هذا الموقف العظيم؟ من هذا اليوم الذي يجعل الولدان شيبًا، السماء منفطر
به؟!
لو ضمن الإنسان هذا لقال: الحمد لله الذي خلقني مع أن الله محمود على كل
حال، لكن الإنسان يخشى من الذنوب، فيقول: إن الخلائق كلها سوف تُحشر إلى الله عز
وجل، ويجازى كل إنسان بما عمل ولا فيه هات بيِّنة، هات شهود، لو أنكر الإنسان ما
الذي يشهد عليه؟ نفس البدن أعضاؤه، جلده، كل الجلد يشهد بما مس من عمل سيئ، وبما
تصبب عرقًا من شهوة باطلة وغير ذلك، إذا شئت فكذِّب يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤]، اللهم نجّنا من ذلك اليوم.
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًاثم ذكر نتيجة هؤلاء
وهؤلاء.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: ١٧٢ - ١٧٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا الآية التي قرأها وأظن لم نأخذ الفوائد.
ففيها من الفوائد: أنه لا يمكن للمسيح عيسى بن مريم الذي جعله هؤلاء إلهًا أن يستنكف عن عبادة الله.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن العبد لا يصح أن يكون ربًّا أو معبودًا؛ لأنه هو نفسه عابد مربوب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستطراد بذكر ما يشارك الشيء وإن لم يكن له ذِكر؛ لقوله: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَلأننا ذكرنا في التفسير أنها ذكرت إلى جانب المسيح؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة ويدّعي أنها بنات الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة مقرّبون إن قلنا: إن الصفة أيش؟ صفة الكاشفة، أو أن الملائكة ينقسمون إلى قسمين: مقرّبون وغير مقرّبين إذا قلنا: إنها صفة قيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: وعيد من استنكف عن عبادة الله واستكبر؛ لقوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًاثم فصّل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستنكاف غير الاستكبار، الاستنكاف بالقلب بأن يكون الإنسان معه أنفة وكبرياء قلبية عن عبادة الله، والاستكبار أن يدع العبادة ويستكبر عنها ويحتقر العبادة، ويحتقر الرسول كقولهم: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا.
ومن فوائدها أيضًا: أنه عام لكل أحد، لا بد لكل حي من البعث سواء كان من بني آدم أو غير بني آدم حتى البهائم والوحوش تُحشر يوم القيامة.
ثم قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا، في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن على أعلى أنواع البلاغة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. (أما) هنا شرطية، وتفيد مع الشرط تفيد التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا وهو قوله: فَيُوَفِّيهِمْ، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصِّل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا.
وقوله: آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهذه تكرّرت علينا كثيرًا، فلا حاجة إلى إعادة شرحها. فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْأي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِيعني زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة بعشر أمثالها تُضاعف إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوااستنكفوا بقلوبهم واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاأي: عذاب عقوبة وألم. وأَلِيمًابمعنى (مؤلم)، وكلمة عَذَابًايسميها النحويون من حيث الإعراب أيش؟
طالب: نائب عن المفعول المطلق، مصدر.
الشيخ: مصدر؛ لأن المفعول المطلق هو الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، هذا المفعول المطلق، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها التوكيد كما هنا عَذَابًا أَلِيمًا، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل (يعذّب)، وهو أيضًا توطئة لما بعده حيث وُصف بأنه أليم.
وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًاالولي أي: من يتولاهم إذا عذّبهم الله وَلَا نَصِيرًايمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله عز وجل، الدافع من؟
طالب: الولي.
طالب آخر: الله.
الشيخ: الولي، والرافع؟
طلبة: النصير.
الشيخ: النصير. في هذه الآية الكريمة دليل على المجازاة، وأن الإنسان يجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
ومن فوائدها: أنها ربما تُشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدّم ذِكر الإيمان، والأصل أن ما قُدّم فهو الأسبق، وهذا أمر دلّت عليه السنة، بل دلّ عليه القرآن كما في قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. هل يمكن أن يُستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟
قد يستدل به من يستدل على أن الإيمان ليس العمل الصالح، ولكن نقول: قد دلّ الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» . وربما يقال: إنه إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الاجتماع، ويجتمع عند الافتراق.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، يؤخذ من قوله: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِفأضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، ولا يُضاف العمل إليه إلا مجازًا، وأن عمله ليس باختياره ولا بقصده.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان مِنّة الله عز وجل حيث سمى الثواب أجرًا كأنه استأجر أجراء يعملون فيأجرهم، مع أن فائدة العمل لمن؟
طلبة: للعامل نفسه.
الشيخ: للعامل نفسه، بينما الأجرة في غير المعاملة مع الله يكون العمل لمن دفع الأجرة، أما هذا فالعمل للإنسان، ومع ذلك يأجره الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ثواب الأعمال الصالحة يزيد على ما قدّره الله تعالى؛ لقوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
ومن فوائدها: أن المستنكفين المستكبرين جزاؤهم العذاب فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، وهل يدخل في هذا أهل المعاصي؟ إن قلت: نعم؛ لزم أن يقع بهم العذاب على كل حال، وإن قلت: لا؛ فهو أقرب؛ لأن المؤمنين يستحقون العذاب، ولكنهم لا يُعذّبون إذا شاء الله إما بمغفرة من الله أو بشفاعة أو بدعاء المؤمنين لهم أو ما أشبه ذلك؛ العصاة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أراده الله بسوء فإنه لا مرد له ولا عاصم منه؛ لقوله تعالى: وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
ويترتب على هذا أن المشركين لن ينتفعوا بآلهتهم مهما كانت، بل إن الله قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] يلقون جميعًا العابد والمعبود.
ثم قال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِإلى آخره [النساء: ١٧٤، ١٧٥].
يَا أَيُّهَا النَّاسُالخطاب هنا بـيَا أَيُّهَا النَّاسُلإفادة أن رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة، لا تختص بقوم دون قوم؛ فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم حتى اليهود والنصارى مخاطَبون بذلك.
وقوله: قَدْ جَاءَكُمْالجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ مؤكد واحد، وهي (قد)، وقوله: بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْالبرهان هو الدليل، والمراد به الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاء بها الرسول آية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي القرآن الكريم الذي بقي آية للرسول إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
وقوله: مِنْ رَبِّكُمْالربوبية هنا ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه عز وجل يمن علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى الربوبية الخاصة فهو سبحانه وتعالى رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمن الله بها على من يشاء من عباده.
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًاأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًايعني به القرآن، والنور ضد الظلمة، وهل هو نور معنوي أو حسي؟ هو نور معنوي لا شك؛ لأنه به يستنير القلب والوجه والقبر والبعث؛ فالقرآن كله نور، لكنه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر لمعانيه وعمل به.
نُورًا مُبِينًاكلمة (مبين) ذكرنا -فيما سبق- أنها تصلح أن تكون بمعنى أيش؟ بَيّن، وبمعنى مُظهر؛ وذلك لأنها مشتقة من (أبان)، وأبان تصلح متعدية ولازمة فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذٍ تكون أيش؟ أبان لي الطريق، متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى (طلع)، هذه لازمة، وعلى هذا فكلمة مُبِينًايصح أن تفسّرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بَيّن في نفسه، وهل يتنافى المعنيان؟
الجواب: لا، وقد مر علينا القاعدة المهمة الأصيلة؛ أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما وجب حمْل النص على المعنيين جميعًا.
في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أن القرآن الكريم نازِل لجميع الخلق؛ لقوله: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ، ويترتب على هذا عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلّمها ليتوصل إلى الاستفادة من القرآن؛ لقوله: بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ. ومن المعلوم أنك لو تلوته على رجل أعجمي فكما قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقّون طعمه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى أيش؟ ربوبيته؛ لقوله: قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نور، ولكن -يا إخواني- لا يتذوق ذلك، أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر، والثاني: التذكر؛ دليل هذا قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌلأي غرض؟
طالب: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.
الشيخ: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِهذه واحدة، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به الأشياء كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فإنها لا بد أن يبين بها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفى البيان؛ إما لقلة الإيمان، وإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما لسوء القصد، وإلا فإن القرآن بين ونور لكل أحد، لكن قد يكون عند الإنسان ضعف إيمان؛ بمعنى أنه لا يثق أن القرآن فيه تبيان كل شيء، أو يكون قاصر العلم، ليس عنده أداة يتمكن بها من استنباط الأحكام من الأدلة، ومن ثَمَّ صِرنا محتاجين إلى تعلّم أصول الفقه، وإما أن يكون من قصور الفهم، يكون إنسان عنده علم وعنده تدبّر، لكن ما يفهم، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا؛ تجد بعض الناس يستطيع أن يستنبط من الآية أو الحديث فوائد كثيرة لا يستنبط غيره من ذلك إلا قليلًا بالنسبة له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا لما سُئلَ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: هل خصَّكمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بشيءٍ؟ -يعني وأوصى إليكم- قال: لا والذي فَلَقَ الحبةَ وبرَأَ النسمةَ إلا فهْمًا يُؤتيه اللهُ أحدًا في كتابه -شوف إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه- وما في هذه الصحيفةِ؟ -قالوا: ما الذي فيها؟- قال: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسيرِ، وألا يُقتلَ مسلمٌ بكافرٍ .
فالشاهد من هذا الأثر قوله: فهمًا يؤتيه الله من يشاء، وأنت إذا تأملت كلام العلماء -رحمهم الله- وجدت الفرق العظيم بينهم في الفهم؛ تجد مثلًا هذا العالم يشرح حديثًا، ثم يستنبط منه عشرين فائدة، وآخر يشرحه ولا يستنبط إلا خمس أو أربع فوائد، وكذلك في الآيات.
الرابع: سوء القصد، يكون الإنسان عنده علم واطلاع وفهم، لكن قصده سيئ، يُطالع الكتاب ويطالع السنة من أجل أن ينتصر لقوله وإن كان يعلم أنه باطل، نسأل الله العافية، وهذا سيئ القصد، هذا يحرم الوصول إلى المقصود.
ثم قال عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِهذه جمعت بين الإيمان والتوكّل، آمنوا به واعتصموا به، ولم يلجؤوا لأحد سواه، بل جعلوه هو حمايتهم عز وجل، وبه عصمتهم لا يعتصمون بأحد سوى الله، ولا يعتمدون ولا يتوكّلون إلا على الله.
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًاالسين في قوله: سَيُدْخِلُهُمْتفيد شيئين؛ الأول: التحقيق، والثاني: القرب، أما التحقيق فظاهر، وأما القرب فما أقرب الآخرة من الدنيا، ما بين الإنسان وبين الآخرة إلا أن تخرج روحه من جسده، ثم يكون في عالم الآخرة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت.
وقوله: فِي رَحْمَةٍ مِنْهُكلمة رَحْمَةٍيصح أن تكون صفة لله، ويصح أن تكون مخلوقة لله، فأيهما المراد هنا؟
طالب: المخلوقة.
الشيخ: الرحمة المخلوقة، نعم؛ لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها، لكن الرحمة المخلوقة هي التي يمكن أن يدخل الناس فيها، ولهذا قال: فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ. و(من) هنا ليست للتبعيض، ولكنها للابتداء أي: رحمة كائنة منه.
وَفَضْلٍأي: زائد على الرحمة، أو على الأصح: زائد على ما يستحقونه من الثواب والأجور.
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًافذكر الله تعالى للذين آمنوا بالله واعتصموا به، ذكر ثمرتين عظيمتين: الثمرة الأولى: أن يدخلهم الله في الرحمة والفضل، والثانية: أن يهديهم إليه صراطًا مستقيمًا أي: يدلهم، وهذا يدل على أن الإيمان والاعتصام بالله سبب لزيادة العلم، وهو واضح، ودلّت عليه نصوص أخرى مثل قوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١].
وقوله: صِرَاطًا مُسْتَقِيمًافيها قراءتان: الأولى بالسين، والثانية بالصاد؛ لأن السين والصاد تتناوبان لقرب مخرجيهما. وقوله: صِرَاطًا مُسْتَقِيمًاالصراط هو الطريق أيش؟ الواسع السهل، وأصل ذلك من قولهم: زرط اللقمة إذا ابتلعها بسرعة، وسرطها وصرطها، كلها معناها واحد.
وقوله: مُسْتَقِيمًاضد المعوج، والاعوجاج تارة يكون اعوجاجًا طلوعًا ونزولًا، وتارة يكون اعوجاجًا يمينًا وشمالًا، صراط الله عز وجل مستقيم ليس به يمين ولا شمال، وليس به طلوع ولا نزول؛ لأنه سهل.
طالب: الفرق بين يستنكف ويستكبر، ممكن يكون إذا اجتمعا يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالفعل، والأصل أنهما بمعنى واحد؟
الشيخ: لا، لكنهما متلازمان، كل إنسان يستنكف فإنه سيستكبر، كل إنسان مستكبر فهو مستنكف، لكن عند الاجتماع يكون الاستنكاف بالقلب والاستكبار بالجوارح.
طالب: (...).
الشيخ: من هذه الآية يعني إن القرآن أفضل من غيره، وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أنه وصف الكتب السماوية (...)، ووصف القرآن بالإضافة إلى مبين (...).
الشيخ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْقد يقال: المراد بالناس بعد شريعة محمد هم أمة محمد الذين وُجهت لهم الدعوة.
طالب: قالوا: لا بد من الذكر قبل الإضمار فَسَيَحْشُرُهُمْقلنا: أي جميع الناس، ولم يسبقهم، لم يسبق المسيح والملك.
الشيخ: ما هو قلنا: العموم يستفاد من التفصيل فيما بعد؟
على كل حال إحنا ذكرنا هذا، قلنا: أولًا: اللي غير المسيح والملائكة ما ذُكِروا، لا الكفار ولا المؤمنون، لكن ذكرنا أن التفصيل فيما بعد يدل على ذلك.
طالب: بارك الله فيك، في تفسير قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، قلنا: لا يدخل في ذلك مؤمن، فإن الله عز وجل قد يغفر لهم.
الشيخ: نعم، العاصي.
الطالب: إي نعم، المؤمن العاصي، وأخذنا في شرح رياض الصالحين بعد صلاة العصر أن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] قد يدخل في ذلك الشرك العملي.
الشيخ: لا، الشرك الأصغر.
الطالب: الشرك الأصغر، (...) الجمع؟
الشيخ: نقول: لقد يدخل، ولكن ما هو كالجلي.
طالب: شيخ، وجه إنكار بعض السلف لقول القائل: في مستقر رحمتك، مع أن الرحمة منها ما هي رحمة مخلوقة، والرحمة التامة لا تكون على العبد إلا بدخوله الجنة؟
الشيخ: لا وجه لهذا، اللهم إلا إذا كان وقتهم وزمانهم فيه بدعة تقتضي أن الإنسان يتجنب هذا اللفظ.
الطالب: ورد عن بعض التابعين هذا.
الشيخ: أقول: لا وجه له؛ لأن الجنة مستقر.
الطالب: لا بأس بقولها إذن؟
الشيخ: لا بأس بقولها. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
طالب: قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِقلنا: إن (أما) للتفصيل، ما هو القسم الثاني؟
الشيخ: هو هنا محذوف طُوي ذكره، ويمكن أن يُطوى الذكر في مقام التقسيم؛ لأنه يفهم من الضد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْفَيُوَفِّيهِمْالفاء من حيث الإعراب؟
الشيخ: رابط الجواب، واقعة في جواب (أما).
الطالب: لكن يا شيخ سبق وأن قلنا إن الفاء ما تلزم إلا في مواضع معينة؟
الشيخ: هذه في (إن) الشرطية العاملة، هذه ما تعمل.
الطالب: (...).
الشيخ: ما تعمل هذه، لكن لا بد من جوابها من الفاء فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠].
الطالب: إذن يا شيخ الروابط اللي ذكرت في (إن) فقط؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما مدى صحة قول القائل: أن مذهب أهل السنة في المؤمنين يوم القيامة العصاة -يعني العصاة- أن منهم من يدخل الجنة ابتداء من غير عذاب، ومنهم من يدخل النار يقينًا، فلا بد من طائفة تدخل النار، ومنهم من يُؤخر العذاب مستقر مثلًا، لكن جعل قسمًا يدخل النار يقينًا.
الشيخ: ما فيه أحد يدخل النار يقينًا أبدًا، من أهل المعاصي؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨].
الطالب: يقول (...) لا، على سبيل التأييد، وإنما هي في (...).
الشيخ: من أين؟ من أين أخذنا هذا والآية الصريحة؟
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء: ١٧٦].الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًاما المراد بالنور المبين؟
طالب: القرآن.
الشيخ: القرآن. وما معنى (مبين)؟
طالب: لها معنيان؛ المعنى الأول: بيِّنٌ في نفسه، وهذا إذا حملناه على أنه اسم فاعل، والمعنى الثاني: أنه يبين أي دال على الطريق إذا حملناه على أنه اسم مفعول.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إحنا قلنا: مبين تأتي بمعنى (فاعِل)، وبمعنى (مفْعول).
الشيخ: خطأ.
طالب: قلنا: لها معنيان: بيِّن، ومبين، بيِّن في نفسه على أن (بيِّن) مشتقة من (أبان)، وهذا الفعل..
الشيخ: من (بان).
الطالب: من (بان) يأتي ملازمًا، ويأتي متعديًا.
الشيخ: يعني (بيِّن) من (بان)، و(مبين) من (أبان)؟ لكن لها معنيان؛ المعنى الأول؟
الطالب: أنه بيِّن في نفسه، وأنه بيِّن (...).
طالب: كلاهما من (أبان) يا شيخ.
الشيخ: كلاهما من (أبان)، لكن (بيِّن) من (بان)، أما الآية التي معنا (مبين)، فهي من (أبان)، ومن (بان)، لا، من (أبان) اللازم والمتعدي.
ما الجمع بين قوله: أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْوقوله: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَوالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإفراد؛ لأنه نزل من الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وإِلَيْكُمْيعني أنه نزل شرعًا عامًّا لكل المؤمنين.
الشيخ: يعني باعتباره أنه نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وحيًا فهو أُنزل إليه، وباعتباره نزل إلينا هداية ودلالة فهو مُنزل إلينا.
يقول عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِإلى آخره.
في هذه الآية فوائد؛ منها: فضيلة الإيمان بالله والتوكّل عليه، ووجه ذلك أنه وعدهم بأنه يدخلهم في رحمة منه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من آمن واعتصم بالله فإنه سوف ينال الرحمة العاجلة والآجلة؛ لقوله: فَسَيُدْخِلُهُمْوالسين تدل على القرب، وبيّنا وجه ذلك في التفسير، وأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا للصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرحمة تُطلق على الصفة من صفات الله، وعلى ما كان من آثارها، وهذه الآية هل هي من إطلاق الصفة ولّا من إطلاق آثار الصفة؟
طالب: من آثار الصفة.
الشيخ: من إطلاق آثار الصفة، وجه ذلك؟
الطالب: وجه ذلك أنها ليست صفة لله.
الشيخ: ماذا تقول؟ رحمة هنا هل هي رحمة الله أو الرحمة التي من آثاره، من آثار رحمته؟
طالب: رحمة الله.
الشيخ: رحمة الله نفسها، خطأ.
الطالب: من آثار رحمته.
الشيخ: لماذا لم تكن الرحمة التي هي صفته؟
الطالب: لأنه قال: سَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ. فإذا كانت رحمة الله عز وجل التي هي صفته لم يكن أن يدخلهم فيها.
الشيخ: إي نعم، توافقون على هذا التعليل؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هل هناك دليل على أن الرحمة تطلق على ما كان من آثار الرحمة؟
طالب: نعم، ما ثبت في الحديث من قول الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي» .
الشيخ: ما ثبت في الصحيح من قول الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ».
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على هؤلاء الذين آمنوا بالله واعتصموا به؛ لقوله: وَفَضْلٍ.
ومن فوائدها: أن مَنْ آمن بالله واعتصم به فإن إيمانه واعتصامه سبب للهداية؛ لقوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
ومن فوائدها: أن الصراط الهادي إلى الله عز وجل مستقيم لا اعوجاج فيه؟
طالب: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
الشيخ: مستقيمًا، لا اعوجاج فيه. وهل الاستقامة هنا استقامة الدنيا فقط أو الدنيا والآخرة؟ الجواب: العموم، فدين الله تعالى مستقيم دنيا وأخرى.
ثم قال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِإلى آخره. الاستفتاء طلب الإفتاء، والإفتاء هو الإخبار عن حكم شرعي أو غير شرعي أيضًا؛ لأن الإنسان قد يُستفتى في أمور دنيوية. والفاعل في قوله: يَسْتَفْتُونَكَالصحابة، والكاف في قوله: يَسْتَفْتُونَكَيعني الرسول عليه الصلاة والسلام.
قُلِمجيبًا لهم قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ.
قوله: فِي الْكَلَالَةِمتعلقة على ما رجحناه بأيش؟ بـيَسْتَفْتُونَكَويُفْتِيكُمْ؛ لأننا قلنا: لا مانع من أن يتسلط عاملان على معمول واحد كما هو مذهب الكوفيين، وعلى هذا فنقول: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِأما على رأي البصريين فيقولون: إن فِي الْكَلَالَةِمتعلّق بـيُفْتِيكُمْويَسْتَفْتُونَكَحُذفت منها، ولم يكن فيها الضمير؛ لأنه ليس عمدة.
على كل حال قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْوالاستفتاء عن الكلالة ما هي؟ فبيّن الله تعالى ما هي الكلالة بذكر المسألة التي تتضمنها، وأصل الكلالة مأخوذة من الإكليل؛ وهو ما أحاط بالشيء، ولهذا نقول في تفسيرها: هم الحواشي؛ لأن قرابات الإنسان ثلاث شعب: شعبة منه، وشعبة أصل له، وشعبة من آبائه وأجداده، الشعبة التي منه تسمى؟
طلبة: الفروع.
الشيخ: الفروع، والشعبة التي هو منها؟
الطلبة: الأصول.
الشيخ: الأصول، والشعبة التي من آبائه وأجداده؟
الطلبة: الحواشي.
الشيخ: الحواشي، وعلى هذا نقول: المراد بالكلالة الحواشي؛ الأخ وأبناؤه، والعم وأبناؤه، سواء كان عمك أو عم أبيك أو عم جدك؛ هؤلاء هم الكلالة، ولهذا فسرها الصديق رضي الله عنه فيما ذكروا عنه أنها من لا ولد له، ولا والد .
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ.
إِنِشرطية، وأدوات الشرط لا تدخل إلا على الأفعال، وهنا دخلت على اسم إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَفهل هذا ينقض القاعدة التي قرّرها النحاة، وأن (إن) الشرطية بل كل الشرط لا يدخل إلا على الأفعال، أو إن هذا موضع خلاف؟
هذا موضع خلاف؛ فعلى رأي من يرى أن الشرط لا يدخل إلا على الأفعال يقول: إنّ امْرُؤٌفاعل لفعل محذوف، والتقدير: إن هلك امرؤ.
ولكن هناك قول آخر؛ وهو أن أدوات الشرط تدخل على الأسماء لورود ذلك كثيرًا في اللغة العربية إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١]، إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١]، إِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار: ٢] أمثلة كثيرة فيقول: لا مانع من أن تدخل أداة الشرط على الأسماء.
ورأي ثالث يقول: إن الذي يلي (إن) الشرطية يكون معمولًا للفعل الذي بعدها إن كان فاعلًا فهو فاعل مقدّم، وإن كان نائب فاعل فهو نائب فاعل مقدّم، وإن كان منصوبًا فهو مفعول مقدّم ولا مانع. وعلى كل حال فالذي نرى أنه إذا اختلف النحاة في شيء فإنا نتبع الأسهل.
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَأي: مات. لَيْسَ لَهُ وَلَدٌلا ذكور ولا إناث؛ لأن (ولد) نكرة في سياق النفي فتعمّ. وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَأخت شقيقة أو لأب أو لأم؟
طالب: شقيقة (...).
الشيخ: شقيقة أو لأب، الدليل أن الأخت من الأم ذكرها الله تعالى في أول السورة فقال: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء: ١٢] إذن المراد بالأخت هنا: وَلَهُ أُخْتٌ؟
طالب: الشقيقة والأخت لأب.
الشيخ: الشقيقة والأخت لأب، لماذا لا نقول إنها عامة أخت شقيقة أو لأب أو لأم؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل أن (...).
الشيخ: الدليل أن الله ذكر ميراث الأخت لأم في أول السورة فقال: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌيعني من أم فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُإذن أخت شقيقة أو لأب، انتبه الآن، الولد مفقود؛ يعني ليس فيه فرع وارث.
فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَيتعيّن ألا يكون معها ذكور من الأصول لأيش؟ لأنه لو كان معها ذكور من الأصول لم ترث النصف؛ إذ من شرط إرث الأخت الشقيقة أو لأب النصف ألا يوجد أصل من الذكور وراث، فصار هنا لا ولد أيش؟ ولا والد من الذكور، أليس كذلك؟ (لا ولد) من أين تؤخذ؟ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ. (ولا والد) من كون فرض الأخت هنا النصف؛ لأنه لو كان هناك والد من الذكور لم ترث النصف.
فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌهو من اللي يرثها؟
طلبة: أخوها.
الشيخ: نعم، أخوها.
طالب: الشقيقة.
الشيخ: أو لا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌيعني ليس لها ولد، لا ذكر ولا أنثى بأن ماتت امرأة عن أخيها الشقيق فقط أو امرأة عن أخيها من أب فقط، وليس لها ولد.
يقول الله عز وجل: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌوهنا مشكلة المسألة، كيف قال الله عز وجل: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌمع أنه لو كان لها زوج لم يرث إلا ما بقي من فرض الزوج، والله عز وجل يقول: يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ؟
قلنا: هذا الكلام باعتبار الكلالة، وهم الذين يرثون بالقرابة بقطع النظر عن (...) بالزوجية، الكلام الآن هم يسألون عن أيش؟ عن الكلالة، والكلالة لا تتعلّق إلا بالأقارب، فقوله: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌيعني إن كان لها زوج فهو يرث ما بقي بعد الزوج، وإن لم يكن لها زوج فإنه يرثها. إذا قال قائل: ربما يكون لها أم، فهل يرثها أخوها؟
طالب: ليس لها ولد.
الشيخ: ليش؟
الطالب: للكلالة.
الشيخ: الكلالة قلنا: ليس له والد؛ يعني ذكر، قيدناها قبل قليل، والد ذكر، يرث بعد فرض الأم، لماذا؟ ممكن أن نجيب عن هذا بأن يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر هنا من يرث بالتعصيب؛ ولهذا لم يُقدّر له نصيبًا، بل قال: هُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ.
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ(إِنْ كَانَتَا) الضمير يعود على الأختين.
اثْنَتَيْنِيعني ليس معهما ذكر.
فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ، مما ترك مَن؟
طالب: الأخ.
الشيخ: الأخ، وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِولم يُقدّر الله عز وجل؛ لأنه إذا كان مع الأخوات إخوة ورِثن بأيش؟ بالتعصيب، فذكر الله هنا الإخوة الإناث الخلّص الواحدة، الإناث الخلّص مع التعدّد، الإناث مع الذكور؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تخرج القِسمة عن هذه الأقسام الثلاثة؛ إما أنثى واحدة أو إناث متعددات، الثالث: أو مختلط ذكور وإناث، فالواحدة لها النصف، والثنتان فأكثر أيش؟ الثلثان، وإذا كانوا رجالًا ونساء فبالتعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين.
طالب: الذكور الخلص؟
الشيخ: نعم، كيف؟
الطالب: الذكور الخلص؟
الشيخ: ما ذكره هنا.
الطالب: وَهُوَ يَرِثُهَا.
الشيخ: نعم، وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌهذا انفراد، صح، إذن الأقسام أربعة: ذكور خُلّص، وإناث خلص متعددات، ومنفردات، والرابع: اجتماع الذكور والإناث.
بناءً على ذلك (...) لإرث الأخت النصف، ترث الأخت النصف بشروط:
ألا يوجد فرع وارث، مأخوذة من قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ.
الشرط الثاني: ألا يوجد أصل من الذكور وارث، نأخذها من قوله: وَهُوَ يَرِثُهَاأيضًا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ؛ لأنه لو كان هناك أب ما ورثها.
الشرط الثالث: الانفراد.
والشرط الرابع: عدم المعصِّب.
هذه شروط إرث الأخت الشقيقة النصف، الأخت لأب تزيد شرطًا واحدًا؛ وهو ألَّا يُوجد أحد من الأشقاء الذكور أو الإناث.
ما شرط إرث الأخت الشقيقة النصف؟
طالب: يُشترط أربعة شروط.
الشيخ: نعم.
الطالب: أولًا: ألا يكون للميت فرع وارث، وألا يوجد أصل وارث من الذكور، وألا يوجد معها ذكر.
الشيخ: يعني: مُعصِّب؟
الطالب: إي نعم، وأن تنفرد.
الشيخ: نعم، وأن تنفرد، إذن الانفراد وعدم المعصِّب، وعدم الفرع الوارث، وعدم الذكر الوارث من الأصول، هذه شروط الأخت الشقيقة.
الأخت لأب تزيد شرطًا واحدًا فقط وهو ألا يوجد شقيق ولا شقيقة، فإذا هلك هالك عن أخت شقيقة وزوج كم فرضها عمومًا؟
طلبة: النصف.
الشيخ: النصف لتمام الشروط، عن أختين شقيقتين وزوج؟
طلبة: الثلثان.
الشيخ: الثلثان، عن أخت شقيقة وأخ شقيق؟
طلبة: التعصيب.
الشيخ: التعصيب؛ لقوله: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
ثم قال عز وجل: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوايُبَيِّنُأي: يظهر الحق بيّنًا.
لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواقال العلماء معناه لئلا تضلّوا. وقيل: التقدير كراهة أن تضلوا؛ لأن الله تعالى يريد أن يهدينا.
أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌعِلمه سبحانه وتعالى عام لكل شيء ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا، وسواء كان فيما يتعلق بفعله أو بفعل العباد، هو بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن علمه عز وجل أنه أفتانا فيما يشكل علينا.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: حِرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الحق؛ لقوله: يَسْتَفْتُونَكَوما أكثر ما استفتوا! وما أكثر ما سألوا ليصلوا إلى الحق!
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يُشكل عليه بعض الشيء فيفتي الله به؛ لقوله: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ، ولم يقل: فأفتهم.
ومن فوائدها: إطلاق الإفتاء على الله لقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ، وهذا فعل، هذا من الأفعال، وإن كان هو قولًا، فهل يجوز أن نشتق من ذلك اسمًا لله فنقول: المفتي؟ لا، لكن يجوز أن نشتق منه وصفًا؛ لأن الوصف أوسع وأعمّ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ترتيب الآيات توقيفي؛ وجه ذلك أن هذه الآية لها صلة بآيات المواريث التي في أول السورة، ولو كان اجتهاديًّا لكان مقتضى الاجتهاد أن أيش؟ أن تربط مع أخواتها، وأن تُذكر هناك، لكن لما كان ترتيب القرآن توقيفيًّا -أي: في آياته- صار محلُّها هنا، ونظير ذلك قوله تبارك وتعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٤٠]، هاتان الآيتان ذكرتا في سياق آيات العِدَد؛ لأن ترتيب الآيات من عند الله عز وجل، أو من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وليس للرأي فيه مجال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا هلك هالك لا ولد له، وله أخت، ولا أب له؛ فلها النصف؛ لقوله تعالى: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَفإن كان له فرع -يعني: ولد- نظرنا إن كان الولد ذكرًا سقطت الأخت، وإن كان أنثى أخذت فرضها، والباقي للأخت، مثال الأول: لو هلك هالك عن أخت شقيقة وابن فالمال للابن ولا شيء للأخت.
هلك عن أخت شقيقة وابن ابنٍ، كذلك المال لابن الابن، وليس للأخت الشقيقة شيء؛ لأن أبناء الأبناء وإن نزلوا بمنزلة الأبناء.
لو هلك هالك عن أخت وأب؟
طالب: تسقط الأخت.
الشيخ: نعم، تسقط لوجود ذكر من الأصول.
لو هلك هالك عن أخت وجَدّ؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: خطأ.
طالب: لا تسقط.
الشيخ: خطأ، لازم نسأل عن الجد هل هو من قِبل الأم أو لا؟ إن كان من قبل الأم فإنها ترث النصف؛ لأن الجد من قبل الأم من ذوي الأرحام، وإن كان من قبل الأب كأب الأب فهذا موضع خلاف بين العلماء، والراجح المقطوع به أنها تسقط مع وجود الجد، وأنه لا ميراث لها مع الجد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو ماتت امرأة عن أخيها الشقيق أو لأب فقط فالمال أيش؟ فالمال له؛ لقوله: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌفإذا هلكت امرأة عن أخ شقيق فقط فالمال كله له.
عن ابن أخ شقيق؛ المال له. عن بنت أخ شقيق؟
طلبة: ليس لها شيء.
الشيخ: ليس لها شيء؛ لأنها من ذوي الأرحام، عن ابن أخ شقيق وبنت أخ شقيق؟
طالب: لابن الأخ الشقيق.
الشيخ: المال لابن الأخ الشقيق، ولا شيء لأخته؛ لأنه عاصب، وهي من ذوي الأرحام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأختين فأكثر لهما الثلثان؛ لقول الله تبارك وتعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ.
امرأة هلكت عن أختين شقيقتين وزوج: ميراث الزوج النصف، وميراثهما الثلثان، مشكلة هذه؛ لأن النصف والثلثين لا يمكن، يقول العلماء: إنها تُعال المسألة، وكيفية ذلك أن تقول: المسألة هنا من ستة؛ للزوج النصف ثلاثة، وللأختين الشقيقتين الثلثان أربعة فتعول إلى سبعة، ويكون الزوج بدل أن كان له ثلاثة ونصف من سبعة، لم يكن له إلا ثلاثة من سبعة، واضح؟
ومسألة العول أخذ بها عمر رضي الله عنه بمشورة الصحابة، ولم يخالف فيها إلا القليل من الناس.
من فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يدخل في مُلك الوارث شاء أم أبى من أين تؤخذ؟ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَولَهُمَا الثُّلُثَانِواللام للتمليك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرقيق لا يرث، الرقيق المملوك لا يرث، من أين تؤخذ؟ من اللام التي للتمليك؛ إذ إن العبد المملوك لا يملك، العبد المملوك ملكه لسيده؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» ، ولأنّا لو ورثنا الأخ من أخته إذا كان رقيقًا لكان حقيقة الأمر أننا ورثنا مَن؟
طلبة: سيده.
الشيخ: سيده، وهو أجنبي منها.
ومن فوائد الآية الكريمة: تفضيل الذكر على الأنثى في التعصيب؛ لقوله: فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فإن قال قائل: ما هي الحكمة؟
قلنا: الحكمة فضل الذكورة على الأنوثة؛ ولأن الذكر عليه متطلّبات في الحياة من نكاح وإنفاق على الغير وغير ذلك.
فإن قال قائل: يرد عليكم هذا في الإخوة لأم فإنهما سواء، نقول: لأنهما لا يرثان بالتعصيب، وإنما يرثان بالفرض.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرض قد يزيد بزيادة المفروض له، ويش الدليل؟ ويش السؤال؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، الدليل؟ موجود في الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: شيخ، قوله: إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء: ١١]، ولما صارتا اثنتين لهما الثلثان.
الشيخ: الدليل أن الواحدة لها النصف، وللثنتين الثلثان. لكن هناك فرض لا يزيد بزيادة المفروض له، فرض لا يزيد بزيادة المفروض له وهو أربعة أنواع: الأول؟
طالب: الأول: الثلث (...).
الشيخ: خطأ.
طالب: ثُمن الزوجة.
الشيخ: نعم، فرض الزوجة، الزوجة واحدة أو متعددة لا يزيد فرضها بزيادتهن، الثاني؟
طالب: الإخوة لأم يا شيخ.
الشيخ: سلامتك! الواحدة لها السدس والثنتان فأكثر الثلث.
طالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: لا.
طالب: الجدات.
الشيخ: الجدات.
الطالب: للواحدة السدس و..
الشيخ: للواحدة السدس وللمتعددات السدس.
طالب: الأخوات لأب إذا ورثن السدس.
الشيخ: السدس، صحيح، الأخوات لأب إذا ورثن السدس.
طالب: بنات الابن إذا ورثن السدس.
الشيخ: بنات الابن إذا ورثن السدس، فهؤلاء أربعة لا يزيد الفرض بزيادتهن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد بيّن لنا كل ما نحتاج إليه لئلّا نضل؛ لقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْوحذَف المفعول لأجل العموم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التفويض في صفات الله عز وجل الذين يقولون: إننا لا نعلم معاني صفاته عز وجل؛ لأنه إذا لم نعلم لزم من ذلك أن لا بيان في القرآن، والله عز وجل يقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا؛ ولأن الضلال في باب الصفات أعظم من الضلال في باب الأحكام؛ لأن الضلال في باب الصفات يتعلّق بالخالق عز وجل، بالمعبود والضلال في الأحكام، إنما هو في العبادة، وبينهما فرق.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على العلم بالرجوع إلى كتاب الله عز وجل؛ لأننا لا نعلم بيان الله عز وجل إلا عن طريق الكتاب والسنة، وكل إنسان يفرّ من الضلال، كل إنسان يريد البيان والهدى فنقول: طريق ذلك أن تحرص على اتباع الكتاب والسنة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل بكل شيء؛ لقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
طالب: شيخ، هل من أسباب التفريق في الميراث بين الذكر والأنثى الخِلقة؟
الشيخ: الخلقة؟
الطالب: إي، لأنا قلنا: من الأسباب؛ السبب الأول: أنه يختلف الذكر والأنثى؟
الشيخ: إي نعم، اختلاف في المسؤولية.
الطالب: لا، قلنا.. جعلنا هذا سببًا، وجعلنا الالتزامات سببًا ثانيًا.
الشيخ: في المسؤولية، وفي تحمّل الأمور، أما الخلقة ما يمكن.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، حُكم الوصية الواجبة النفاذ المعمول بها في بعض القوانين أن أبناء الابن يأخذون نصيب أبيهم مع وجود الأعمام فيما لا يجاوز الثلث.
الشيخ: الواجب على كل إنسان عنده مال، الواجب أن يوصي لمن لا يرث من الأقارب؛ لأن الله أوجب هذا فقال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٨٠].
الطالب: هذه تُعطى لهم نظامًا حتى ولو لم يوصِ.
الشيخ: وإن لم يُوصِ؟
الطالب: حتى ولو لم يُوصِ.
الشيخ: لا، هذا الرأي ما يجوز هذا.
الطالب:كالفرض يعني.
الشيخ: هذا لا يجوز.
طالب: شيخ، لو هلك هالك عن شقيقة، أخت شقيقة وأخ لأب يكون النصف للأخت الشقيقة والباقي لأهلها، ولو هلك هالك عن أخت لأب وأخ شقيق فالمال كله للأخ الشقيق، ما وجه التفريق لأنا إذا قلنا بالتعصيب المال كله للإخوة والأخوات ليس لهن شيء، وإن قلنا بـ«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا» يبقى الأخوات هيرثوا مطلقًا؟
الشيخ: إذا قلنا بالتعصيب في مسألة أخت شقيقة وأخ لأب ما فيه تعصيب؛ لأن الأخت الشقيقة أقوى من الأخ لأب حيث إن لها صلة بالميت من وجهين؛ الأمومة، والأبوة، فصارت أقوى منه فورثت بالفرض. بالعكس إذا كانت هي أختًا لأب وهو أخ شقيق نقول: هو أقوى منها أيضًا؛ لأنه مدل بجهتين وهي بجهة واحدة، وميراثه هو التعصيب، والعاصب يأخذ المال كله.
الطالب: لِم لم يعمل العاصب هنا؟
الشيخ: أين؟
الطالب: في المسألة الأولى؟
الشيخ: لأن هي أقوى منه.
الطالب: الله عز وجل يقول: إِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ.
الشيخ: إي، متفقين في الوصف، يعني لا بد يكون أنهم إخوة، وأنهم متفقون في الوصف؛ يعني إما أشقاء أو لأب، فإن اختلفوا ففيه التفصيل.
طالب: إن هلك رجل عن أختين فلهما الثلثان، فأين الثلث الذي يذهب، الثلث الباقي؟
الشيخ: إي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . ينظر العاصب؛ إما عم، أو ابن عم، أو ابن إخوة، أو ما أشبه ذلك، فإن لم يكن عاصب فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يُردّ على صاحب الفرض أو يُجعل في بيت المال؟ منهم من قال: إنه يُردّ، ومنهم من قال: يجعل في بيت المال، والصحيح أنه يُردّ.
طالب: على الأختين؟
الشيخ: على الأختين، فيكون لهما الثلثان فرضًا، والباقي ردًّا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الضابط في ذوي الأرحام؟ هل هم الذين من قبل الأم خاصة، أو كل الأقارب الذين لا يرثون؟
الشيخ: كل الأقارب الذين لا يرثون فرضًا ولا تعصيبًا.
طالب: دليل عدم ميراث الابن الوارث؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: دليل عدم ميراث الذكر الوارث في التركة؟
الشيخ: دليل أيش؟
الطالب: عدم الأصل الذكر الوارث في تركة الشقيق؟
الشيخ: لقوله تعالى: وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ؛ لأنه لا يمكن أن ترث الأخت من أخيها نصف ما ترك ومعنا ذكر من الأصول أبدًا؛ لأنه إذا كان معنا ذكر من الأصول إن كان الأب سقطت بالإجماع، وإن كان الجد فمن فوقه ففيه خلاف، والصحيح أنها تسقط.
الطالب: عفا الله عنك، قوله فعل كلالة، أليست هذه دليلًا؟
الشيخ: أصلًا المسألة كلها مفروضة في الكلالة أصلًا، هي أصلًا مفروضة بالكلالة، وتقسيمها اللي يقسمها الله يدل على هذا.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، علمنا أن لا وصية لوارث، فلو أوصى لعمه مع وجود الأب، هل تنفذ الوصية؟
الشيخ: تُنفّذ فيما دون الثلث، من الثلث فأقل.
الطالب: وارث هذا، من الوارثين العم؟
الشيخ: لا يرث العم مع الأب.
الطالب: المقصود يا شيخ من «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .
الشيخ: لوارث فعلًا يعني.
طالب: إذا أوصى الأب لأولاد أحد أبنائه؟
الشيخ: إذا أوصى لأولاد أحد الأبناء ينظر إن كانوا وارثين فإنها لا تصح الوصية؛ مثل لو كان له بنت وابن ابن، فهنا لا تصح الوصية لابن الابن؛ لأنه وارث، والوصية للوارث محرّمة؛ لأنها تعدٍّ لحدود الله، والله تعالى قد أعطى الوارث شيئًا معينًا، ثم تأتي أنت توصي له؟! معناه أنك تعديت حدود الله عز وجل.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل الدين أو الوصية تقدّم على الميراث؟
الشيخ: إي نعم، الدين يقدم على الميراث، فلو هلك هالك وعنده عشرة آلاف ريال، وهو مطلوب عشرة آلاف ريال، فهنا لا حق للورثة فيه؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢].
لكن الوصية قد يقول قائل: كيف تُقدّم على الورثة وهم لا بد أن يرثوا معها؟
نقول: يقال بتقديم الوصية على الميراث مع أنه لا بد أن يكون للورثة نصيب؟ نعم، يظهر هذا في المثال، إذا أوصى بثلثه، امرأة أوصت بثلثها، ولها زوج وأخت شقيقة، لو لم تكن وصية لكان للزوج أيش؟
طلبة: النصف.
الشيخ: النصف كاملًا، وللشقيقة؟
الطلبة: النصف.
الشيخ: النصف كاملًا، أما الآن وقد صارت الوصية فنقول: المسألة من ثلاثة: للوصية واحد، وللزوج النصف؛ نصف الباقي واحد، وللأخت الشقيقة واحد، فالآن صار حقيقة الأمر أن الزوج لم يكن له إلا ثلث، والأخت الشقيقة لم يكن لها إلا ثلث، الوصية هل نقصت ولّا ما نقصت؟ الوصية؟
طلبة: ما نقصت.
الشيخ: ما نقصت، متأكدون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنه أوصى بالثلث وأُعطي الموصى له الثلث، لكن الزوج ما صار له إلا الثلث، بينما كان لولا الوصية لورث؟
الطلبة: النصف.
الشيخ: النصف، هذا وجه تقديم الوصية على الميراث؛ لأنه ليس معنى قولنا تقديم الوصية على الميراث أنه لا يرث الورثة مع الوصية، لا، المعنى أنه لو كان نقص فالنقص على الورثة دون الوصية.
طالب: الوارث المحجوب، هل يوصى له؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما هو بوارث، كابن الابن مع عمه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: ١، ٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى -بسم الله الرحمن الرحيم-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِأولًا: هذه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من القرآن، ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلّوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدنيّ، وإن نزل بمكة وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]، هذا نزل في عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بها.
البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها؛ لأنه سبق الكلام عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلّة ليست من السورة التي قبلها ولا بعدها، يُؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة (براءة)، وأنها متعلّقة بمحذوف، ويُقدّر هذا المحذوف فعلًا متأخرًا مناسبًا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلَّق البسملة، وعليه فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره؟
طلبة: أقرأ.
الشيخ: باسم الله أقرأ؛ يعني التقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد تتوضأ تقول: تقديره باسم الله أتوضأ، إذا كنت تريد أن تذبح مذكّاة تقول: باسم الله أذبح. هذا التقدير.
يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواواعلم أنه إذا صُدّر الكلام بهذه الجملة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافإنه كما قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود رضي الله عنه: أَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني انتبه لها- فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ ، وإما خبر يكون فيه مصلحة لك، مثل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨] وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون لخير أو لشرّ، أو لخبر يتضمن خيرًا أو شرًّا. واعلم أيضًا أنه إذا صُدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان تصديقًا به إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. واعلم أيضًا أن الله تعالى يُصدّر الخطاب بها إغراء للمخاطب؛ لأنه إذا قيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواكأنه يقول: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا، أو أن تتركوا كذا وكذا حسب السياق.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: أوفوا بها؛ أي: ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بيّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة في قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: ١ - ٣] إذن أوفوا بمعنى أيش؟
طالب: ائتوا بها.
الشيخ: ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [الإسراء: ٣٤] وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ [الإسراء: ٣٥] وما أشبه ذلك، والعقود جمع (عقد)، وهو ما أبرمه الإنسان مع غيره، وضد العقد الحل، تقول: عقدت الحبل وحللت الحبل، فالعقود إذن ما أبرمه الإنسان مع غيره، وهي أنواع كثيرة منها: البيع، والإجارة، والرهن، والوقف، والنكاح، وغير ذلك.
وقوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِهذا عام أيّ عقد فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يُقيَّد بما جاءت به الشريعة وهو ألا يكون العقد مُحرّمًا، فإن كان العقد محرمًا فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به، بل على تحريم الوفاء به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» .
ثم قال: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِأُحِلَّتْهذا فعل مبني لأيش؟
طلبة: لما لم يُسمَّ فاعله.
الشيخ: لما لم يُسمَّ فاعله، وفاعله معلوم ليس مجهولًا؛ لأن الفاعل هنا هو الله عز وجل كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦] فالمُحل هنا هو الله.
وقوله: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، البهيمة ما لا ينطق، كل حيوان لا ينطق فهو بهيمة، وذلك لأن ما يتكلم به أو ما ينطق به يكون مبهمًا لا يعرب فهو بهيمة.
وقوله: الْأَنْعَامِالمراد بها ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم. فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه كما تقول: خاتم حديد، وباب خشب، وما أشبه ذلك كأنه قال: البهيمة من الأنعام، بهيمة الأنعام وهي الإبل عندما نقول: وهي الإبل، والبقر، والغنم، هل نحن نفسر البهيمة ولّا الأنعام؟
طلبة: الأنعام.
الشيخ: الأنعام، هي الإبل، والبقر، والغنم.
إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْهذا استثناء من قوله: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِلأن بهيمة الأنعام مفرد مضاف، فهو عام لكل شيء. من بهيمة الأنعام قال: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، والمراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُإلى آخره [المائدة: ٣] هذا الذي يُتلى علينا.
وغَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِهذه استثناء..





