يعني كونهم ييئسون لا يعني ذلك أنه لا بد أن يكون هو الواقع، صح؟ كما يئس
الشيطان أن يُعبَد في الجزيرة وعُبِد، فعلى هذا نقول: اليأس الذي وقع في قلوب
الكفار لما رأوا الفتح العظيم وانتصار الإسلام قالوا: خلاص ما عاد يمكن للعرب أن
يرتدوا، وهذا بناء على أيش؟ على عقيدتهم وظنهم، والواقع خلاف ذلك.
قوله عز وجل:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]
(أل) هنا لأي العهد؟
طالب: العهد الحضوري يا شيخ.
الشيخ: العهد الحضوري؟ أيش الحضوري؟
الطالب: العهد الحضوري هو الذى يأتي بعد كل اسم إشارة.
الشيخ: ما عندنا اسم إشارة، الْيَوْمَإشارة إلى اليوم الحاضر، يعني اليوم الحاضر، أي يوم
هو؟
طالب: يوم عرفة.
الشيخ: يوم عرفة، أي يوم من الأسبوع؟
الطالب: يوم الجمعة.
الشيخ: يوم
الجمعة، طيب أحسنت. قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة: ١٧٣]، فَمَنِ اضْطُرَّفيها قراءتان، الآن نقولها: فَمَنِ اضْطُرَّبالكسر
{فَمَنُ اضْطُرَّ} بالضم، يعني فيها قراءتان: {فَمَنُ اضْطُرَّ}؛ لمناسبة الضمة في الفعل اضْطُرَّ، القراءة الثانية: فَمَنِ اضْطُرَّعلى الأصل؛ وهو كسر الساكن عند التقاء الساكنين، فَمَنِ اضْطُرَّهذه واحدة، {فَمَنُ
اضْطُرَّ}.
طالب: الهمزة.
الشيخ: لا لا، الهمزة ما فيها شيء، الكسر في النون: {فَمَنُ اضْطُرَّ} وفَمَنِ اضْطُرَّالنون مضمومة ومكسورة.
طالب: (...)
التقاء ساكنين؟
الشيخ: إي نعم، التقاء الساكنين؛ لأن
الهمزة اضْطُرَّهمزة وصل، الهمزة همزة وصل، وهمزة
الوصل ساكنة ولا متحركة؟
طلبة: ساكنة.
الشيخ: ساكنة، والأصل أنه إذا التقى ساكنان يُكسر ما سبق، هذا
الأصل، لكن هنا ضُمّت لمناسبة ضم الطاء؛ لأنها قد تكون أيسر في النطق فَمَنُ اضْطُرَّقد تكون أسهل على الإنسان من فَمَنِ اضْطُرَّ.
ما المراد بالمخمصة؟
طالب: الجوع.
الشيخ: نعم، المخمصة
الجوع.
في آية أخرى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة: ١٧٣] هل بينهما تعارض؟
طالب:
لا ليس..
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأن من اضطر في مخمصة هو غير باغ ولا عاد.
الشيخ: إذن غَيْرَ بَاغٍللميتة،
وَلَا عَادٍآكلٍ أكثر من الضرورة، عرفت؟ لكن بعض
العلماء فسّر الباغي بالخارج عن الإيمان، والعادي الآثم بسفره، فهل هذا التفسير
صحيح؟ ذكرنا هذا يا جماعة، لا إله إلا الله، الظاهر أنكم تنسون.
في قوله تعالى:
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍأي: في مجاعة، غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍأي: مائل إلى الإثم، وذلك بأكله
بدون ضرورة، أو بالزيادة على الضرورة، لكن غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة: ١٧٣] في آية أخرى، فمنهم من قال: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍتفسِّر آية المائدة، وآية المائدة من آخر ما نزل، فيكون
غَيْرَ بَاغٍلأكل الميتة، وَلَا عَادٍآكل أكثر من ضرورته، وهذا تفسير مطابق للآية الأخرى.
وبعضهم قال:
غَيْرَ بَاغٍ: البغاة هم الذين يخرجون على الإمام،
وَلَا عَادٍأي: ولا عاصٍ في سفره، ولكن يقال: أين هذا
المعنى من الآية؟ بعيد جدًّا، ولهذا قالوا: من كان عاصيًا في سفره فإنه وإن اضطر
وإن مات لا يأكل من الميتة؛ لأنه شرط أن يكون السفر مباحًا، والصحيح خلاف ذلك،
الصحيح أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن قوله: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍتطابق قوله: فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍتطابقها تمامًا.
في الآية الكريمة قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فهل نأخذ من هذا حكمًا للمضطرّ إلى الميتة؟ مَنِ اضْطُرَّفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌويش تفهم من الآية؟
طالب: ما عليه إثم
إذا اضطر إلى الأكل.
الشيخ: يعني من اضطر فإن الله غفور
رحيم يعني فيغفر الله له؟
الطالب: لا يؤاخذه.
الشيخ: يعني أن الله يغفر له ويرحمه، فغفر له الذنب بتناول هذا
المحرَّم، ورحمه بإباحته له. ذكرنا لكم على هذه الآية أو غيرها أن ما تُختم به
الآية يؤخَذ منه الحكم، ولّا ما ذكرناه؟
طالب:
ذكرنا.
الشيخ: ذكرنا هذا، ومن هذا من أمثلته هذه الآية،
ومن أمثلته قوله تعالى في قُطَّاع الطريق: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عليهمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤] أي: فتسقط عنهم العقوبة، وذكرنا لكم قصة عن أعرابي
سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا
نكالًا من الله والله غفور رحيم، فقال الأعرابي للقارئ: أخطأت، اقرأ. فأعادها على
ما قرأها أولًا: نكالًا من الله والله غفور رحيم، فقال: أعِدها، ما هكذا؟ فقال:
نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، قال: الآن أصبت، وجه ذلك؟ قال: لأنه عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما
قطع. وهذا صحيح، هذا استنباط واضح.
إذن مَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍغُفِر له ذنبه بأكله، بل وأُحِلّ
له ذلك برحمة الله، أخذنا فوائدها أظن؟
طالب:
نعم.
الشيخ: زين.
قال الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة: ٤]، يَسْأَلُونَكَالفاعل هم الصحابة، والصحابة لا يسألون الرسول
عليه الصلاة والسلام إلا عن شيء فيه منفعة لهم؛ إما في الدين أو في الدنيا، وأيضًا
هو مُشكِل عليهم، وقد ذكر الله تعالى في القرآن حوالي اثني عشر موضعًا من سؤال
الصحابة له، فهل أجابهم الرسول؟ الآية تدل على أنه لم يُجبهم، بدليل أن الله قال
له: قُلْ، يعني في جوابهم، أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُإلى آخره.
واعلم أن السؤال تارة يراد به سؤال
المال، وتارة يراد به الاستفهام؛ فإذا أريد به سؤال المال نصب مفعولين، وإذا أريد
به استفهام نصب مفعولًا واحدًا ثم عُدِّيَ إلى الثاني بـ (عن)، انتبه، فإذا أردت أن
تسأل رجلًا درهمًا تقول: أسألك درهمًا، ومنه قول الله تعالى: «مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ» ،
أي: من يسألني شيئًا، فالمفعول الثاني محذوف؛ لدلالة السياق عليه، وإذا أردت أن
تسأل عن ضالة ضاعت لك تقول: أسألك عن ضالتي، وتقول: سألني فلان عن المسألة
الفلانية، ويتعدى -قلت لكم- إلى المفعول الثاني بأيش؟ بـ (عن).
فإن قال قائل:
ما الجواب عن قوله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ [المعارج: ١]؟ قلنا: الجواب عن ذلك مختلَف فيه عند العلماء؛ فمن
قال: إن الفعل إذا تعدى إلى ما لا يتعدى به فإنه يُضَمَّن معنى يناسب الحرف الذي
تعدّى به، ومنهم من قال: إن الحرف يفسَّر بالحرف المناسب للفعل، أنتم فاهمين ذلك؟
إذا تعدى الفعل إلى مفعوله بحرف جرت العادة أنه يتعدى به فالأمر واضح، لم تجرِ
العادة أنه يتعدى به فهنا اختلف النحويون؛ هل يفسَّر الحرف بما يناسب الفعل، أو
يفسر الفعل بما يناسب الحرف، فهمتم؟ نشوف، قال الله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِما الذي يناسب يَشْرَبُ؟
طلبة: منها.
الشيخ: منها، كما قال تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة: ٢٤٩] لكن جاءت الآية: يَشْرَبُ بِهَا، على القول بأن الحرف يكون بمعنى الحرف
المناسب للفعل، نقول: الباء في قوله: يَشْرَبُ بِهَابمعنى (من)، وعلى القول الثاني نلتمس معنى يناسب الباء، فــيَشْرَبُالفعل الذي يناسب الباء أن تقول: إن يَشْرَبُتضَمَّن معنى (يَرْوَى)، وحينئذ يكون التقدير: عينًا
يَرْوَى بها عباد الله، أفهمتم؟ أيهما أبلغ؟
طلبة:
الأول.
طلبة آخرون: الثاني.
الشيخ: الثاني أبلغ؛ لأن الرِّيّ يستلزم الشرب، ولا عكس، وحينئذ
يكون التجوُّز بالفعل لا بالحرف، وهذا مذهب نحاة البصرة، وهو الذي اختاره شيخ
الإسلام رحمه الله في مقدمة التفسير.
نرجع إلى الآية: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، من قال: إن التجوز بالحرف،
يقول: الباء هنا بمعنى (عن)، ومن قال: التجوز بالفعل، قال: سَأَلَهنا ضُمِّنت معنى الجواب، سأل سائل فأجيب بعذاب واقع،
وهذا أصح كما قلنا.
الآية اللي معنا: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْسؤال أيش، مال ولّا علم؟
الطلبة: علم.
الشيخ: علم، مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ، (ذا) هنا بمعنى (الذي)، قال ابن مالك
رحمه الله:
| وَمِثْلُ مَا ذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَام | ..................................... |
أي: مثل صيغ العموم الموصولة (ذا) بعد (ما) استفهام، أي: بعد (ما) الاستفهامية، ما الذي أُحِلّ لهم؟ ونائب الفاعل يعود على (ما)، والمحلِّل من؟ الله.
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُأي: أُحِلّ لكم الأطعمة الطيبات، قال الله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عليهمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]، ومعنى الآيتين -والله أعلم- أن كل ما أحلّه الله فهو طيب، وكل ما حرّمه فهو خبيث، وليس كل خبيث يكون حرامًا، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ولم يحرِّمها .
وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ، يعني: وأحلَّ لكم ما صاده ما علَّمتم من الجوارح، والجوارح جمع جارحة وهي الكاسبة، مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُأي: مُعلِّمين لهن، تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، ويحتمل أن يكون مُكَلِّبِينَأي: جارحين، يعني أن هذه الكواسب تجرح ما أمسكت، تُعَلِّمُونَهُنَّأي: الجوارح، مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُأي: في كيفية الصيد.
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْكُلُوا، يعني على وجه الإباحة، والأمر هنا للإباحة، مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، و(من) هنا بيانية وليست تبعيضية، وأَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْأي: لكم، وهنا نقول فيها ما سبق، مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْأي: مما أمسكن مضمومًا إليكم، أو مما أمسكن عليكم، يعني محملًا عليكم، أو ما أشبه ذلك -على القول بتضمين الفعل- وأما على القول بأن المجاز بالحرف تكون (على) بمعنى اللام، أي: مما أمسكن لكم.
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِاذكروا اسم الله عليه متى؟ عند الأكل أو عند إرسال الجارحة؟
طلبة: عند إرسال..
طالب: كلاهما.
الشيخ: الواقع أنه كلاهما، السنة دلَّت على أنه يسمي إذا أرسل الجارحة، والقرآن دلَّ على أنه يسمي إذا أمسكه وأراد أن يأكل يسمي، فتكون التسمية على الأكل والتسمية على الإرسال.
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، اتَّقُوا اللَّهَأي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِهذه الجملة خبرية مؤكَّدة بـ (إن)، والغرض منها التخويف من اجتناب التقوى، أن من لم يتق الله فسيعاقَب، والله تعالى شديد العقاب.
طلبة: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
الشيخ: نعم إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، نعم أخطأت أنا، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِأي: إن الله تعالى سيحاسبكم على أعمالكم، وهو سريع الحساب، وهذا يتضمن سرعة التنفيذ من وجه، وسرعة الوقت من وجه آخر؛ أما سرعة الوقت فما أسرع الدنيا تمضي سريعًا وإذا بالإنسان قد انتهى، وأما سرعة التنفيذ فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة على كثرتهم يحاسبهم في نصف يوم؛ لقول الله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
في الآية فوائد عديدة، منها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم؛ لقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ.
ومن هنا نعرف أن ما لم يسأل الصحابةُ عنه مما يرد السؤال عنه في عصرنا من أمور الغيب فالسؤال عنه بدعة؛ لأنّا نعلم أنه لو كان هناك خير في العلم به لألهم الله الصحابة أن يسألوا عنه حتى يتبين الأمر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحلال والتحريم ليس إلى العباد، بل هو إلى الله، وقد حذَّرنا الله عز وجل من أن نحلِّل أو نحرِّم لأهوائنا، فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستقلّ بالتحليل أو التحريم، وجهه؟
طالب: لأنه لم يجبهم صلى الله عليه وسلم، بل (...) الله سبحانه.
الشيخ: أن الرسول لم يجبهم ولكن الله تعالى أجابهم، وقد صرَّح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، حيث قال للصحابة: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا»، فذهب الصحابة يقولون: حُرِّمَت، حُرِّمَت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «إِنَّهُ لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ رِيحَهَا» .
طالب: شيخ، النُّصُب هل المراد بها الأصنام أم كل مَبْنِيّ؟
الشيخ: المراد بها ما نُصِب.
الطالب: شيخ، طيب الآن يذبحون عند القبور يذبحون لله ولكن يتوسلون بهم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: هذا إذا لم يذبحه لنفس القبر فهو حلال، لكن فعلهم نوع من الشرك.
الطالب: ما ذبحوا للأزلام؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: ذبحت على النصب؟
الشيخ: لا، ما ذبحوها عليها، ذبحوها لله عز وجل لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل.
طالب: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(...)؟
الشيخ: ما جاء، الفوائد ما وصلنا..
طالب: هل يقال: إنه يشرع لمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم أن يستغفر بعد أن يأكل من الميتة مثلًا؟
الشيخ: ما يقال، بل يشرع له أن يحمد الله، «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ وَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا».
طالب: يا شيخ، فيه قاعدة في النحو (...) نحمل حرف على حرف آخر لنفس الفعل أيسر (...)؟
الشيخ: نقول:
| إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ | وجاوزه إلى مَا تَسْتَطِيعُ |
طالب: مثلًا يعني..
الشيخ: لا، هو التضمين لا شك أنه أقوى، أقوى لأنه يتضمن الفعل الذى يتعدى إلى هذا الحرف وزيادة، وهذه إن شئت فاجعلها مستثناة.
طالب: الصيد لا يؤكل كله، والآية خاصة بما يوجب الصيد، ما يؤكل الجلد؟
الشيخ: لا، إذا شئت فكل الجلد، وإن شئت كل الريش أيضًا ما فيه مانع!
الطالب: كيف تكون (...)؟
الشيخ: مثل أن تقول: خاتم من حديد، وما أشبه ذلك.
طالب: عفا الله عنك، من القائل أن قوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عليهمُ الْخَبَائِثَدليل على أن كل الخبائث محرَّمة بدليل حديث الثوم لما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالخبث، ظن الصحابة أنه محرَّم، وأنه لما لم يكن خبيثًا من كل وجه استثناه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس منطبقًا عليه..
الشيخ: لا، هذا ما يستقيم؛ لأن الصحابة إنما قالوا: حُرِّمَت، حيث حرَم مَن أكلها أن يحضر المصلَّى، ما يتعين إنه لوصفها بالخبث.
الطالب: استدلال كثير من أهل العلم بهذه الآية على تحريم الدخان؟
الشيخ: ما هو مستقيم، أبدًا ما هو مستقيم، وهذا هو الذي جعلنا نقول بهذا؛ لأن كل محرَّم فهو خبيث، وليس كل خبيث محرمًا.
طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ(...) بهيمة أكل السبع بعض منها، ووجد البعض و(...)؟
الشيخ: يؤكل؛ لأنه قال: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ.
نستمر في أخذ الفوائد.
من فوائد الآية الكريمة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيِّب، نافع للبدن، ونافع للقلب، ونافع للفرد، ونافع للمجتمع؛ لقوله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، نأخذ بالمفهوم أن كل ما حرَّم الله فهو خبيث.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحلال ما اقتنصته الجوارح، فما هي الجوارح؟ هل كل جارح يمكن أن يؤكل لحمه، أي يؤكل ما صاده؟ نقول: نعم، كل جارح، لكن بشرط أن يكون مُعلَّمًا، وأكثر ما يقبل التعليم الكلاب، وهذه للزواحف، ثم الصقور، وهذه للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أُرْسِل وينزجر إذا زُجِر، وإذا أمسك لم يأكل، كم شرط؟ ثلاثة: يسترسل إذا أُرْسل، يعني مثلًا إذا رأيت الصيد وأرسلته استرسل، ينزجر إذا زجر، يعني إذا زجرته ليقف وقف؛ لأنه لو تجاوز وأنت أمرته أن يقف فمعناه أنه صاد لنفسه، الثالث: إذا أمسك لم يأكل، فإن أكل فهو دليل على أنه إنما أمسك على نفسه، والله أعلم.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن آخر ما أخذنا الفوائد؟طالب: ما كملناها.
الشيخ: ما كملنا أيش؟
طالب: الفوائد.
الشيخ: من أين؟
طالب: ومنها أن كل ما قنص الجارح وكان الجارح معلَّمًا وذُكِر اسم الله عليه فهو حلال.
الشيخ: ما ذكرنا كيفية التعليم؟
طالب: تعليم الكلب فقط.
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: إحلال ما اقتنصته الجوارح كل جذع يمكن أن يُقتل وأصابه لكن بشرط أن يكون مُعلَّمًا، وأفضل ما يقبل التعليم الكلاب؛ وهذه للزواحف، ثم الصقور؛ وهذه للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أُرسل، إلى آخره، ذكرنا ثلاثة شروط.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الحيوان ما يقبل التعليم؛ لقوله: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم؛ لأن الله تعالى فرَّق بين صيد ما ليس بمعلَّم وما كان مُعَلَّمًا، فأحلَّ الثاني ولم يُحلّ الأول، وهذا يدل على فضل التعليم حتى في الحيوانات.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارح؛ لقوله: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهذا على أحد الاحتمالات في الآية؛ لأن هناك احتمالًا آخر؛ وهو أن المعنى اذكروا اسم الله عليه عند أكله، ومعنى ثالث وهو: اذكروا اسم الله عليه إذا أدركتموه حيًّا قبل أن يقتله الجارح، وكل هذه محتملة في الآية فتُحمَل عليها جميعًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: بركة ذكر اسم الله، وشواهد هذا كثيرة، منها: حِلّ الذبيحة، حِلّ الصيد، تمام الطهارة في الوضوء، أن البركة تنزل في الطعام، أن الحَمل يوقَى إساءة الجن والشياطين، المهم أن بركة اسم الله تعالى كثيرة، لها شواهد كثيرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ظاهرها إباحة ما صاده الجارح سواء جرح أم لم يجرح، وهذا مبني على أن المراد بالجوارح الكواسب، أما إذا قلنا: إن الجوارح جمع جارح وهو الذي يجرح الشيء، فحينئذ لا بد من أن ينهر الدم، ويتبين ذلك بالمثال، مثلًا لو جاء الكلب لو جاء بالصيد مخنوقًا ليس فيه أي جرح ولم يخرج منه أي دم، فهل يُباح أو لا؟
إن قلنا: إن المراد بالجوارح الكواسب، فهو مباح، وإذا قلنا: المراد بالجوارح الجارحات اللاتي يجرحن الجلد ويخرج منه الدم، فإنه لا يباح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إنه يشترط أن يجرح الكلب، فإن لم يجرح فلا يحل، واستدل هؤلاء بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» .
ومنهم من قال: إن الجوارح هن الكواسب، وإن كل ما أمسكنه على صاحبهن فإنه حلال سواء جرح أم لم يجرح، ولا شك أن الاحتياط تركه، لكن التحريم فيه نظر، يعني الاحتياط إذا جاء الكلب لك بصيد لم يُجرح أن تتركه، ولكن كوننا نجزم بالتحريم لا نجزم به؛ لعموم: كُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: قطْع ما يوجب الإعجاب بالنفس؛ لأن قوله: تُعَلِّمُونَهُنَّفيه إسناد التعليم إلى البشر، فقد يزهى الإنسان بنفسه ويغتر ويعجب، فلهذا قال الله عز وجل: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، إشارة إلى أن عِلمك الذي تعلِّمه إياهن أين مصدره؟ من عند الله عز وجل مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم لا يختص بالعلوم الشرعية، بل علم كل شيء بحسبه، فالعلم هنا ليس هو العلم بالأحكام الشرعية وهذا واجب وهذا حرام، وما أشبه ذلك، لكنه علم بتعليم الجوارح كيف يصدن، فيكون فيه دليل على أن العلم يختص بما يقتضيه السياق، وكل شيء بحسبه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل؛ حيث أباح لنا ما ذكَّيناه بأيدينا وما ذكَّيناه بواسطة؛ بواسطة أي واسطة الجوارح، وهذا لا شك أنه من توسيع الله لنا في الرزق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين، ربما يكون مثلًا في جبال، في سهول، في أودية لا يستطيع أن يصيد بنفسه، رُخِّص له أن يصيد بجارحه، فهذا من توسعة الله سبحانه وتعالى على عباده في أسباب الرزق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب ذكر اسم الله تعالى، ومنه عند إرسال الصيد، فإن نسي فإنها لا تحلّ؛ لعموم قول الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذِكْر اسم الله شرطًا، والشرط لا يسقط بالسهو، وهذا هو القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهو مقتضى الأدلة.
وقال بعض العلماء: إنها -أي التسمية- تسقط بالسهو؛ لعموم قول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: قد فعلت، لكننا نقول: إن هذا الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة أو على الصيد إذا نسي هو معذور لا شك ولا يؤاخَذ، ولو تعمد ترك التسمية وذبح أو صاد كان بذلك آثمًا؛ لأنه إضاعة مال، ونوع من الاستهزاء بآيات الله، فهو هذا الذي نسي لا يؤاخَذ.
لكن النظر الآن ليس في الذابح أو الصائد، النظر الآن في الآكل، نقول لمن أراد أن يأكل من هذا الصيد الذي لم يُذكر اسم الله عليه: هذا الصيد لم يُذكر اسم الله عليه، وقد نُهيتَ أن تأكل، فإن أكل ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن المسألة هنا لها جهتان: جهة الصائد والذابح، وجهة الآكل، وكلاهما لا يؤاخَذ بالنسيان، لكن إذا كان الذابح أو الصائد ناسيًا فإنه لا يؤاخَذ، ثم يتوجه المنع إلى من؟ إلى الآكل، ويقال له: لا تأكل مما لم يُذكر اسم الله عليه.
وزعْمُ من زعم أن المراد بما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِالميتة زعمٌ خاطئ؛ لأن الله تعالى ذكر تحريم الميتة صريحًا، فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣]، ولو أراد الله تعالى ذلك لقال: ولا تأكلوا الميتة، وعلى هذا فما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول الحق.
لكن ذكر ابن جرير في تفسيره أن الإجماع منعقد على أن متروك التسمية نسيانًا حلال، وتعقبه ابن كثير رحمه الله وقال: إن ابن جرير ممن لا يَعْتَدّ بقول الواحد والاثنين في نقض الإجماع، وهو خلاف ما عليه العلماء، والصواب أن الإجماع لا بد أن لا يوجد مخالف، فإن وُجِد مخالف ولو واحدًا من الفقهاء المجتهدين فلا إجماع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أن من أكل ما لم يحلله الله فهو غير مُتَّقٍ لله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
ومنها أيضًا: أن الله تعالى سريع الحساب، ومن ذلك ما ذكرناه في التفسير؛ أن المراد به سرعة لقاء الله عز وجل؛ وذلك بالموت، وسرعة فصل الله بين العباد؛ وذلك يوم القيامة، فإن الله يفصل بين الناس ويحاسبهم في نصف يوم، بدليل قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا.
فإن قال قائل: سرعة الحساب من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ قلنا: هي من الفعلية؛ لأن المحاسبة فعل يتعلق بمشيئته، وعلى هذا فيكون فيه إثبات الصفات الفعلية.
***
قال الله تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، الْيَوْمَيحتمل المراد بذلك اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر اللي هو يوم معين.
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُمن أحلها؟ أحلها الله عز وجل، فحُذِف الفاعل للعلم به، كما في قوله: خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، فالخالق هو الله عز وجل، وهو معلوم، والمحلِّل والمحرِّم هو الله، وهو معلوم، ولذلك حُذِف الفاعل في الخلق؛ وهو أمر كوني، وفي الشرع؛ وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلومًا بالتحليل أو التحريم، أو الإيجاد والإعدام، فلا حرج أن يُحْذَف يبنى الفعل لما لم يسم فاعله.
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُأي: أحل الله، الطَّيِّبَاتُ، والطَّيِّبَاتُهي ضد الخبيث، قال الله تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ [المائدة: ١٠٠]، فما هو ميزان الطيب؟ أهو في ذوق كل إنسان، أم في عادات الناس، أم ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلَّته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث.
فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟
طالب: الحِلّ.
الشيخ: الحِلّ؟ الدليل؟
الطالب: أحل لكم (...).
الشيخ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩] إذن الأصل الحِلّ، فإذا ادعى مدَّعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ وما أحلَّه الله فهو طيب لا شك.
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَيعني اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعمون من حب وثمر، لا، المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضًا ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن الله تعالى يقول: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَوالمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد، فمثلًا لو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِلّ الشعير لنا مأخوذ من الآية هذه؟ لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم، ولم يكن إحلاله متوقفًا على فعلهم، ما الذي يتوقف إحلاله على فعلهم؟ هي الذبائح؛ ولهذا فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما فسَّر طعامهم بذبائحهم ، وعليه فيكون المراد بـطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَهو ذبائحهم، وهم اليهود والنصارى.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدَّلوا وحرَّفوا أم التزموا بشرائعهم؛ للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣].
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْأي: ما ذبحتموه حِلٌّ لَهُمْ، فالأطعمة ثلاثة أنواع: طعام لا يتوقف حلُّه على فعل آدمي؛ فهذا حِلٌّ للجميع، حلال يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا.
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتُيعني: وأُحِلّ لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: الطَّيِّبَاتُ.
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِالمحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن المراد بذلك العفيفات؛ فأما الأول فيؤيده قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٢٥]، فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال.
أما الثاني أن المراد به العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النور: ٢٣]، وقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور: ٤] فالمراد به هنا العفيفات عن الزنا، ولكن الذي يبدو أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والآية محتمِلة ليس فيها ما يدل على هذا ولا على هذا.
الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِيعني الحرائر، وأما المملوكات فلا يحل للإنسان أن يتزوجهن إلا بشروط سبقت في سورة النساء.
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْأيش المحصنات؟ الحرائر أو العفيفات على الخلاف.
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، لكن بشرط إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ، اشترط الله تعالى لحِلّ المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب اشترط إيتاء الأجور؛ وهي المهور التي تُبْذَل عوضًا عن الاستمتاع بالمرأة، ولهذا سماها الله تعالى أجرًا؛ لأن الأجر ما يؤخذ في مقابلة عِوض.
إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّأي: أعطيتموهن، أُجُورَهُنَّأي: أجور هؤلاء المحصنات وهن المهور.
مُحْصِنِينَحال من الواو في قوله: آتَيْتُمُوهُنَّ، يعني: حال كونكم محصنين، أي: طالبين الإحصان؛ إحصان فرج المرأة وفرج الرجل؛ لأن الزواج يحصل به إحصان فرج الزوج والزوجة.
غَيْرَ مُسَافِحِينَأي: غير معلِنين بالزنا، وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍأي: مختفين بالزنا.
وعلى هذا فيكون الوطء ثلاثة أقسام؛ الأول: ما كان حلالًا بالصداق، والثاني: ما كان علنًا بالعهر والفجور، والثالث: ما كان خفيًّا بالعهر والفجور، ما الذي يحل؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول هو الذي يحِلّ، وهو الذي يتزوجها محصِنًا غير مسافح ولا متخذ أخدان.
وقوله: أَخْدَانٍأي: أصدقاء، والخِدن يطلَق على الصديق من رجل أو امرأة، ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء: ٢٥]، وهنا قال: وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ، فدل ذلك على أن الخِدن يكون في الرجال ويكون في النساء.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ، هل الإيمان شيء يُكْفَر به ولا يُكْفَر به، أو الإيمان ضد الكفر؟ الإيمان ضد الكفر، لكن المراد بالإيمان هنا أي بمقتضيات الإيمان من التزام الشريعة؛ لأن الله تعالى ذكر هنا محلَّلات ومحرَّمات، فمن أخذ بها وقام بها فهو مؤمن، ومن لم يأخذ بها فليس بمؤمن.
إذن وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِأي: بما يقتضيه الإيمان من التزام أحكام الإسلام، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُأي: بطل وتلف وذهب، و(عمل) مفرد مضاف فيشمل كل الأعمال؛ لأن الردة تُحبط الأعمال، إلا أنه يُشترط أن يموت الإنسان على ردته -والعياذ بالله-؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧].
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَذكر الله تعالى أنه خاسر في الآخرة؛ لأن ظهور خسرانه في ذلك الوقت، وإلا فهو في الحقيقة خاسر الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥].
وقال تعالى: أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [التوبة: ٦٩].
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عليكم مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عليكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ في تفسير هذه الآية أظن أنه باقٍ علينا فوائد؟
طالب: الْيَوْمَ أُحِلَّ.
الشيخ: طيب.
قال الله عز وجل: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، إلى آخره.
ذكرنا فيما سبق أن الْمُحْصَنَاتُفيها قراءتان: كسر الصاد وفتح الصاد؛ {الْمُحْصِنَاتُ} على أنها اسم فاعل، والْمُحْصَنَاتُعلى أنها اسم مفعول، وأظن أنني نسيت أن أنبهكم عليها.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإحلال والتحريم إلى الله عز وجل، ليس لأحد أن يحلِّل أو يحرِّم؛ لقوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ، وهذا بإجماع المسلمين، حتى إن الله تعالى قال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦].
وقد مر علينا ما يبيِّن حكم التحليل والتحريم، وقلنا: الأصل في العبادات أيش؟ التحريم والمنع إلا بدليل، والأصل في غيرها الحل، وكلام الأصوليين حول هذا الموضوع، وما الأصل في الأشياء قبل الشرع، وما أشبه ذلك، كله كلام ليس فيه فائدة إلا تسويد ما ابيضّ من الصحف فقط؛ لأنه كلام جدلي لا فائدة منه؛ لأن لدينا من كتاب الله وسنة رسوله ما يغني عن كل المباحث التي ذكروها وأطالوا فيها.
نقول: قاعدتان مهمتان: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل، المنع أصلًا ووصفًا إلا بدليل؛ والأصل في غير العبادات مطلقًا من عادات ومعاملات وأعيان ومنافع وغيرها، الأصل فيها أيش؟ الحِلّ إلا ما دل الدليل على التحريم، والأدلة على ذلك ذكرناها فيما يظهر سابقًا ولا حاجة للإعادة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، ولكن هذا الطيب هل هو حلال لكل أحد؟ الجواب: إن تضمن ضررًا على بعض الناس كان حرامًا وإن كان طيبًا، فإذا قيل لشخص مثلًا: إنك إذا أكلت هذا النوع من الطعام فإنه يضرك، صار في حقه حرامًا، لا لأنه خبيث، ولكن لأنه ضارّ لهذا الشخص المعين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن طعام اليهود والنصارى حلال لنا؛ لقوله: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ، وهل غيرهم كذلك؟ الجواب: لا، وأخطأ من قال: إن قوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَإنه لقب، بل نقول: إنه وصف، والوصف يُخرج ما سواه مما لم يتصف به، فمثلًا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَحلِّلها إلى اسم مفعول؟ وطعام الْمُؤتَوْن الكتاب، وإذا حلَّلتها إلى اسم مفعول صارت صفة مشتقة، فلا تكون لقبًا كما قيل؛ لأن اللقب معروف أنه ليس له مفهوم، فمثلًا إذا قلت لك: أكرم زيدًا ليس معناه: لا تكرم غيره؛ لأن هذا لقب، لكن إذا قلت: أكرم المجتهد، أيش؟ هذا وصف، هذا وصف يُخرج من ليس بمجتهد.
من العلماء ولا سيما المتأخرون من قال: إن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَلقب وليس بوصف، من أجل أن يتذرَّعوا إلى حِلِّ طعام غير اليهود والنصارى؛ لأن اللقب كما هو معروف عند الأصوليين ليس له مفهوم، اللقب ليس له مفهوم وقد عرفتم المثال، مثاله أيش؟ أكرِم زيدًا، لا يعني أنك لا تكرم غيره، لكن أكرم المجتهد، يعني لا تكرم المهمل.
على كل حال من فوائد هذه الآية الكريمة: حِلّ طعام الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن سواهم لا تحل ذبيحتهم، كالمجوس والوثنيين والشيوعيين والمشركين ومن أشبههم، نأخذها منين؟ من مفهوم الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في تحليل طعام الذين أوتوا الكتاب؛ لأن الذين أوتوا الكتاب عندهم علم سماوي، فهم من أقرب الناس إلى قبول الشريعة الإسلامية، ولا شك أن أحوال أهل الكتاب تغيرت بعد نزول القرآن الكريم، تغيرت تغيرًا كثيرًا فصار بين المسلمين واليهود، وبين المسلمين والنصارى حروب عظيمة طاحنة أدت إلى استكبار هؤلاء اليهود والنصارى وعدم قبولهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عَدَّه أهل الكتاب ذكيًّا فهو ذكي؛ لأنهم إذا عدوه ذكيًّا صار طعامًا، والذكي هنا ليس معناه الفطن، المراد بالذكي يعني المذكَّى، فما عدوه ذكيًّا فهو طعام لهم، وبناء على ذلك يحلّ من طعامهم ما ذكروا اسم غير الله عليه، يعني لو قال النصراني: باسم المسيح، وقال اليهودي: باسم عزير، أو ما أشبه ذلك، فالذبيحة حلال؛ لأنهم يعتقدون هذا أيش؟ يعتقدون هذا طعامًا، والله عز وجل أطلق، قال: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ.
ومن ذلك أيضًا أن ما عدوه ذكيًّا من الموقوذ فهو حلال، أيش الموقوذ؟ الذي قُتِل بغير إنهار الدم بالصعق وشبهه فإنه حلال؛ لأن الله قال: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، فما عدوه طعامًا مذكًّى يأكلونه فإنه حلال.
فإذا قال قائل: هل ذهب إلى هذا أحد؟ نقول: أما ما ذكروا عليه اسم المسيح فقد ذهب إليه بعض السلف من الصحابة وغير الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يعود إلى ذات المذكَّى أو إلى خُبثه، إنما يعود إلى القصد، ونحن لا يهمنا قصده، وأما الثاني وهو إذا كان الذكي عندهم ما مات ولو بخنق، فقالوا: إن الآية مطلَقة، لكن ما علمنا أن أحدًا من السلف قال به.
إلا أن المتأخرين الذين قالوا به قالوا: إذا كان السلف أجازوا ما ذُكِر اسم غير الله عليه -يعني بعض السلف- فهذا مثله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم أيش؟ قرينين، جعلهما قرينين في حكم واحد، فقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» .
لكن جمهور العلماء يقولون: إن هذا الإطلاق في طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَيجب أن يقيَّد، أن يقيد بقوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عليه [الأنعام: ١١٨] ويقيًّد أيضًا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» .
وإذا كان هذان القيدان مقيِّدان لإطلاق حِلّ ذبيحة المسلم فتقييدهما لحل ذبيحة غير المسلم أيش؟ من باب أولى، إذا كان المسلم لو خنق الشاة مثلًا صارت حرامًا، فكذلك الكتابي؛ إذ لا يمكن أن تكون مقتولة الكتابي أفضل من مقتولة المسلم، وهذا هو الذي عليه الجمهور -جمهور العلماء- وهو الصحيح، فالصحيح أن قوله: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَوإن كان مطلَقًا فإنه يجب أن يقيَّد بأيش؟ بما ورد من تقييد ذلك بذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم.
ولكن إذا أتتنا ذبيحة من يهودي أو نصراني ونحن لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا، أخنقها ثم قطع رقبتها أم لا، فما الأصل؟ الأصل الحِلّ؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قوما أتوا إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر، يعني أسلموا قريبًا، والمسلم قريبًا قد يخفى عليه كثير من أحكام الإسلام، ومع ذلك قال: «سَمُّوا» أيش؟ «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا».
قال صاحب المنتقى رحمه الله: يؤخَذ من هذا أن كل فعل صدر من أهله فالأصل فيه الحِل ولا تنقِّب؛ لأن لو كُلِّفنا أن ننقب لكان حتى الذي يأتينا في أسواقنا مما ذبحه المسلمون يجب أيش؟ أن نسأل، هل الذابح سمى أو لا، هل قطع الأوداج أو لا، هل هو يصلي أو لا، وما أشبه ذلك، ولو أننا كُلِّفْنَا أن ننقب لكان الرجل إذا باع لنا الثوب قلنا: تعال، من أين ملكته؟ صح؟ لاحتمال أن يكون سرق، فإذا قال: ملكته من فلان، يلّا رُوح لفلان، تعال، من أين ملكته؟ لاحتمال أن فلانًا سرق، إلى أن نصل إلى الشجرة التي نُسِج منها!! وهذا شيء لا يمكن أن يطاق.
على كل حال الأصل في الفعل الواقع من أهله أيش؟ الحِلّ.
لو ادعى مدَّعٍ أن المراد بقوله: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَما طبخوه من خبز ومرَق وما أشبه ذلك، هل يُقبل؟
طلبة: (...).
الشيخ: لماذا؟
طالب: هذا لهم ولغيرهم.
الشيخ: لأن هذا حِلّ من أهل الكتاب ومن غيرهم بالإجماع، هذا حِلّ بالإجماع، حتى لو أن مجوسيًّا صلَّح لنا خبزًا نأكله؛ وذلك أن المحلَّلات تنقسم إلى قسمين؛ الأول: ما لا يُشترَط لحله فعل فاعل، وهذا حلال من الكتابي وغير الكتابي، والثاني: ما يُشترَط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب، هذا قسمان، وذكرت ذلك من أجل أن يصحَّح ما سبق أن قلنا: إنه ثلاثة أقسام، والحقيقة أنه قسمان؛ الأول: ما لا يتوقف حِلّه على فعل فاعل، مثل أيش؟
طالب: الذبائح.
الشيخ: لا، غلط، ما لا يُشترط لحله فعل فاعل.
الطالب: (...).
الشيخ: أنت تقول: كالذبائح ولَّا كغير الذبائح؟ طيب السمك ويش تقول؟ هل يشترط لحله فعل فاعل؟ أسألك.
الطالب: (...).
الشيخ: لا؟ متأكد؟ توافقون على هذا؟ لو وجدت سمكة ميتة على شاطئ البحر كُلْها ما فيها شيء، هذه حلال سواء كانت طعام أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، وهذه لا إشكال فيها، الإشكال في الطعام الذي يُشترط لحله فعل الفاعل، وهو الحيوان الذي يحتاج إلى ذكاة، وهذا هو المراد بالآية.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بأس أن نُطْعِم أهل الكتاب ويُطعمونا؛ لقوله: طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وحينئذ نسأل: هل تجوز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب؟
الجواب: نعم، يجوز؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل هديتهم، كما أهدت إليه المرأة في خيبر الشاة المسمومة؛ لأن هذه المرأة سألت: أي شيء يعجب محمدًا؟ قالوا: يعجبه من الشاة ذراعها، فملأت الذراع بالسم وأهدتها للرسول عليه الصلاة والسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام ما يعلم الغيب، أكل هو ومن معه، من الذين أكلوا معه من مات، أما هو عليه الصلاة والسلام فإنه تأثرت لهواته ، ولكن بإذن الله لم يؤثر فيه السم شيئًا، لكنه قال في مرض موته كما روته عنه عائشة: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنِّي» ، الأبهر عرق معروف إذا انقطع هلك الإنسان، ولهذا قال الزهري وغيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا ، بقتل مَن؟ بقتل اليهود.
المهم كون طعامهم حلًّا لنا وطعامنا حلًّا لهم يدل على جواز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب، ولا سيما إذا رجونا منهم الإسلام، أو إذا أردنا أن نبيِّن لهم أن الإسلام دين السلام، وأن الإسلام ما أنزله الله عز وجل ليفرض على الناس أن يُسلِموا، إنما فرض الله على البشر أن تكون كلمته هي العليا، سواء بإسلام أو بجزية، ولذلك لو أن الكافر قال إنه يبذل الجزية ويبقى على دينه نقول: لا، لازم تسلم؟ أجيبوا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أبدًا، نقول: ابق على دينك ولكن سلِّم الجزية، وطبعًا تسليم الجزية متى يكون؟ إذا كنا نحن المسلمين لنا الكلمة، وليس كحالنا اليوم، حالنا اليوم -نسأل الله أن يرحم ضعفنا- على العكس من ذلك، الكلمة العليا لغيرنا؛ لأننا ما قمنا بدين الله حق القيام، لو قمنا بدين الله حق القيام لكان دين الله لا بد أن يظهر على جميع الأديان، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّلأيش؟ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣] لكن من منا إلا من شاء الله يريد هذا؟ أكثر الناس الآن -وأعني بهم المسلمين أيضًا- على خلاف ذلك، في بلاد المسلمين شرك لو كان الرسول حيًّا لكان يقاتلهم عليه، وفيه غلوّ في قوم صالحين أو غير صالحين، والأشياء لا تخفى على كثير منكم، على كل حال، دين الإسلام هو دين السلام في الواقع، لكنه مع ذلك دين العزم والقوة والحذر من الأعداء وكيدهم ومكرهم وخيانتهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حِلّ المحصنات من أهل الكتاب كحِلّ المحصنات من المسلمين؛ لأن الله قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، وهذه في الحقيقة قد يقول قائل: لا محل لها؛ لأن هذا أمر معلوم، لكنه سبحانه وتعالى أراد أن يبيِّن أنه كما حلَّت لنا المحصنات من المؤمنات حلَّت لنا المحصنات من أهل الكتاب؛ لأن المحصنات من المؤمنات حِلُّها معروف، في سورة النساء وهي قبل هذه السورة صريحة بذلك، لكنه أراد سبحانه وتعالى -والله أعلم- أن يبين أن حِلّ المحصنات من المؤمنات والمحصنات من أهل الكتاب سواء في الحل، ولكن لا يلزم تساويهن في الحل أن يتساوين في الإقدام عليهن، قد يكون الشيء حلالًا ولكن نقول: الأفضل أن لا تُقْدِم عليه، أفهمتم ذلك؟ يعني لا يلزم من حل المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب لا يلزم من حلهن أن يتساوين في الإقدام، قد تحل المرأة للإنسان ويقال: لا تقدم عليها، أليس كذلك؟ ما المراد بالمحصنات؟
طالب: الحرائر.
الشيخ: فيها قولان، لكن ما هو الراجح؟
طلبة: الحرائر.
الشيخ: المراد الحرائر، هذا هو الصحيح، أما العفيفات فإنه يأتي في سورة النور أن: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور: ٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوّ مرتبة المؤمن وإن لم يكن عالِمًا؛ لقوله: الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، فقدَّم المؤمنات على الْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، مع أن أهل الكتاب عندهم علم والمؤمن قد لا يكون عنده علم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اشتراط المهر في حِلّ المرأة، من أين يؤخذ؟ من قوله: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، ولها صور؛ الصورة الأولى: أن يتزوج الرجل المرأة بشرط أن لا مهر لها، هذه واحدة؛ أن يتزوجها بشرط أن لا مهر لها، فهل يصح العقد؟ ظاهر الآية الكريمة هنا، وظاهر الآية الكريمة في سورة النساء أنه لا يصح العقد.
في سورة النساء قال الله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْأيش؟ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء: ٢٤]، يعني ليس مجانًا، بل لا بد من المهر، وفي الآية الكريمة هنا: إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وهذا القول هو الراجح؛ أنه إذا تزوج امرأة بشرط أن لا مهر لها فالنكاح باطل، ووجه ذلك؟ أنه إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها صار هذا النكاح هبة، ونكاح الهبة لا يجوز إلا لمن؟ إلا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٥٠]، فإذا اشترط أن لا مهر هذا هو الهبة.
وقال بعض العلماء: النكاح صحيح، والشرط فاسد، وحينئذ يجب لها مهر المثل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة تمنعه.
الصورة الأولى: تزوجها بلا مهر، وذكرنا فيها قولين.
الصورة الثانية: تزوجها وسكت لم يذكر مهرًا، فالنكاح صحيح بنص القرآن، ولكن لها مهر المثل؛ لقول الله تبارك وتعالى: لَا جُنَاحَ عليكم إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة: ٢٣٦]، ثم قال: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦]، هذه نقول: إذا دخل بها فلها مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسْر زوجها وعُسره.
الفرق بين هذه والأولى واضح؟ ما هو؟ الأولى شرَط عدم المهر، والثاني سكت.
الصورة الثالثة: أن يتزوجها بشرط المهر؛ فهذه جائزة ولا غير جائزة؟
طلبة: جائزة.
الشيخ: جائزة، وشطر المهر ما هو إلا تأكيد، تأكيد لمقتضى العقد، وهل يُشترط إذا شرط المهر أن يعيِّن أو لا؟ لا يشترط أن يعيِّنه، إن عيَّنه فلها ما عيَّن، وإن لم يعيِّنه فلها مهر المثل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المهر بمنزلة الأجرة؛ لقوله: أُجُورَهُنَّ، وحينئذ يرِد إشكال، يقال: الأجرة يشترط فيها معرفة العوض والمعوَّض وعلمهما، وهنا العوض يجوز أن يكون مجهولًا؛ وهو المهر الذي لا يسمى، والمعوَّض كذلك، المعوَّض هي منفعة المرأة إلى متى؟ إلى الموت أو الطلاق، وهذا أمر مجهول، قد تبقى مع زوجها عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو مائة سنة، وقد تموت في أسبوعها الأول، وقد يطلقها في أسبوعها الأول، ومهر الأولى والثانية سواء، أليس كذلك؟ تزوج امرأة بألف ريال، وبقيت معه مائة سنة، اقسم السنة على مائة ريال، كل سنة بكم؟ بريال، وامرأة أخرى تزوجها بمائة ريال، وماتت بعد مائة يوم، كم؟ اليوم بريال، فرق بين هذا وهذا.
لكن إذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بمنزلة الأجرة مع هذا الاختلاف العظيم؟ قلنا: نظرًا لتطلب الشرع للنكاح؛ لكثرة الأمة، وتحصين الفروج، والمصالح العظيمة خُفِّف فيه، ولو قلنا: يشترط العلم بهذا وهذا صار في ذلك مشقة عظيمة، وصارت المرأة، بل وصار النساء تختلف في مقدار أيش؟ المهر، وعدنا إلى مسألة ثانية ممنوعة في الشرع وهي نكاح المتعة، يعني لو قلنا: لا بد من معرفة العوض والمعوَّض كان يقول: كم مدة النكاح؟ كما لو استأجرت امرأة خادمة نقول: كم مدة الخدمة؟ فلأجل هذه المصالح العظيمة عفا الشرع عن مقدار المدة والعوض، العوض والمعوَّض.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط في النكاح أو أن المقصود الأعظم من النكاح هو الإحصان؛ لقوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي إعلان النكاح؛ لأيش؟ لأنه قال: غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ، فلا بد أن يكون النكاح معلَنًا ظاهرًا، وهل يكفي في إعلانه أن يقع بشهود أو لا بد من إظهاره وإعلانه؟ الجواب: الثاني على القول الراجح، لكن إذا كان شهود مع الكتمان، فإن اشتُرِط كتمانه فهو غير صحيح، لا بد من إعادته وإعلانه، وإن لم يشترط ففيه خلاف، بعض العلماء يقول: لا يصح، وبعضهم يقول: يصح، لكن العلماء كلهم متفقون على أن إعلان النكاح أيش؟ أفضل وأبعد عن التهمة، وأبعد عن اتخاذ الأخدان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الاستمتاع بالنساء ينقسم إلى أقسام: تحصين، سفاح، اتخاذ أخدان، والفرق بينهما: الأول عقد شرعي، والثاني زنا معلن، والثالث زنا سري.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا قصد المسافحة أو اتخاذ الخدن فإنه لا يكون نكاحًا صحيحًا؛ لأن الله اشترط، قال: غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وقد استدل علماء السنة بذلك على بطلان نكاح المتعة؛ لأن نكاح المتعة إن أُعْلِن فهو سفاح؛ لأن الرجل ما قصده إلا أن يستمتع فقط، ما قصده إحصان الفرج، لذة يقذفها في فرج هذه المرأة وينتهي، وإن كان مُخْفًى فهو من جنس اتخاذ الأخدان، وهذا القول هو بإجماع أهل السنة على أن نكاح المتعة حرام.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وهذا يدل على أنه لا يمكن نسخه؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» خبر يتضمن حكمًا وحكمًا مُغَيًّا بأيش؟ بيوم القيامة، وإذا كان خبرًا يتضمن حكمًا مُغَيًّا إلى يوم القيامة فإنه لا يمكن نسخه؛ لأن النسخ هو رفع الحكم، وما كان غايته يوم القيامة فإنه لا يمكن أن يُرفع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، امرأة وضعت بعد أن وهبت نفسها للرجل؟
الشيخ: يسأل يقول: إذا وهبت المرأة مهرها لزوجها أيصح أو لا؟
الطالب: أرجع المهر إلى المرأة.
الشيخ: وهبَتْه ثم وهبه؟ أيش الغاية؟
الطالب: الرجل (...) عنده وأعطاه يعني..
الشيخ: أعطاها مبلغ عشرة ريالات، ثم ردته إليه، ثم رده إليها.
الطالب: لا، ترك الرجل كل المهر، أولًا تبرعت المرأة للرجل..
الشيخ: أنت تدري ما تقول أو لا؟
الطالب: أدري.
الشيخ: الآن المرأة قالت: يا فلان المهر اللي أعطيتني إياه هو لك هبة؟
الطالب: لا ما أعطته له، قصدي أن الرجل ما عنده، وهذه المرأة نفسها قدمت للرجل.
الشيخ: يعني وهبته مالًا ليكون مهرًا لها؟ غير هذه ما تصورتها، هذا أيضًا لا بأس به، يعني لا بأس أن تهبه مالًا، ولكن أخشى إذا وهبته المال قال: الحمد لله (...) لأنها وهبته، انتهى، أما مسألة أنه إذا تم العقد ردت المهر إليه فهذا يقع كثيرًا، يقع كثيرًا، كان الناس في الأول عندنا هنا في بلادنا كان الرجل يمهر المرأة يُصْدِقها صداقًا وهو فقير، في بعض القضايا تزوج رجل امرأة وأعطاها مهرًا وهو ريال، ريال واحد، وفي ضحى يوم الزواج قرع الباب رجل عليه وهو مع أهله أول يوم، وقال: أعطني الريال لأني أطلبك، قال: ما عندي شيء، قال: أعطني ولّا بشكيك، وارتفعت أصواتهما، هي جاءت، قالت: ويش يبغي؟ قال: إنه يطلبني ريال ويقول: أعطني إياه ولّا بشكيك، قالت: خذ أعطه إياه، فأعطته المهر وأوفى، هذا ما فيه شيء.
طالب: قوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْذكرنا أنه ذبائحهم، هل وطعامكم حل لهمأي ذبائحنا ولّا عام؟
الشيخ: إي نعم، ذبائحنا حِلّ لهم.
وبقي فيه فائدة نسيناها وهي: هل هذه الآية تدل على أن بدن الكافر طاهر؟ نعم، تدل على ذلك؛ لأنه لا بد أن يلامس الطعام، وفي النكاح أيضًا لا بد أن يكون مع الزوج وزوجته ما يقتضي التنجيس لو كان نجسًا، وفيه أيضًا دليل على أن آنيتهم طاهرة، وهو كذلك، إلا ما عُلِمَ نجاستها فهي نجسة كأواني المسلمين.
طالب: هناك شيء (...) وهو ما يسمى بالمؤخَّر (...).
الشيخ: يعني بعض الناس يقول: يعطي المهر معجلًا ومؤجلًا، كله مؤخر، لا بأس ما فيه مانع؛ لأن هذا المهر ثبت في ذمته الآن، لو مات طولب به.
طالب: (...) الفتاة اشترط على الزوج قال له: لا تدفع مهر؟
الشيخ: من؟ والد الزوجة؟
الطالب: والد الزوجة.
الشيخ: لكن هل هو سيدفعه عنه؟
الطالب: لا، لا يدفع.
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: قال له لا تدفع المهر.
الشيخ: ما يجوز، يعني سواء اشترطه الزوج أو ولي المرأة، لكن يقال لولي المرأة: أنت جزاك الله خيرًا، ما دام إنك (...) الرجل هذا وتشترى الرجل بغالي الأثمان أعطه أنت مهرًا ليعطيه البنت.
طالب: هل تحل ذبيحة الرافضة؟
الشيخ: كل كافر ليس من أهل الكتاب فلا تحل ذبيحته، أي إنسان.
طالب: شيخنا، أحسن الله إليك، في الآيات دليل واضح على جواز الزواج من الكتابيات ومن المؤمنات بدون قيد، حتي لو كنّ غير صالحات، فكيف يا شيخ نجمع بين هذا وبين ما روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ»، وذكر منهم رجل تحته امرأة -يعني- ما أذكر نص هذه اللفظة، أظن أنها فاسقة، أو رجل تحته امرأة عاصية ولم يطلقها ؟
الشيخ: هذا يُحمل على امرأة -إن صح الحديث- يُحمل على امرأة غير عفيفة؛ لأنه إذا أبقى أهله وهم –يعني- ليس فيهم عفة صار ديوثا، فيكون هذا للتحذير من هذا الأمر.
طالب: الفعل إذا صدر من أهله، نجزم الآن بأن اليهود والنصارى مسلمون على ضلال.
الشيخ: تجزم؟
الطالب: (...).
الشيخ: كلمة غارم خلاص منعت الجزم.
طالب: شيخ، إذا علم الإنسان بأن الطعام الذي يأتي من أهل الكتاب على غير الطريقة الصحيحة في الذبح، هل يخبر بأن هذا الطعام على غير الطريقة الإسلامية في الذبح، أم يتركه للناس ويكون حِلًّا لهم؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يعني إذا علم الإنسان أن هذا اللحم حرام؛ لكونه ميتة، أو لكونه ذبحه غير من لا تحل ذبيحته، أو لكون ذابحه لم يذبحه على الطريقة المشروعة، وجب عليه أن يخبر وجوبًا، وقد ذكر العلماء رحمهم الله مثل ذلك فقالوا: يجب على من علم الماء النجس أن يخبر من أراد أن يستعمله، واضح؟ كذلك لو رأيت إنسانًا بيأكل شيئًا مضرًّا يجب عليك تعلّمه إنه ضار، هذا من باب النصيحة.
طالب: بالنسبة لأهل الكتاب الموجودين اليوم ليست لهم ديانة معروفة، إنما هم ينتسبون فقط..
الشيخ: نعم ينتسبون لليهود والنصارى.
الطالب: ليست لهم علاقة..
الشيخ: أليس هؤلاء الذين ينتسبون للنصارى أو اليهود قد قال الله فيهم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]؟ كفَّرهم، هم كافرون من قبل عهد الرسول، ومع ذلك أحل الله نساءهم وأحَلّ ذبائحهم.





