تفسير الآية (6)
كذلك لو رأيت إنسانًا بيأكل شيئًا مضرًّا يجب عليك تعلِّمه إنه ضار، هذا من باب
النصيحة.
طالب: بالنسبة لأهل الكتاب الموجودون اليوم
ليست لهم ديانة معروفة إنما هم ينتسبون فقط..
الشيخ:
نعم، ينتسبون لليهود والنصارى.
الطالب: ليست لهم
علاقة..
الشيخ: أليس هؤلاء الذين ينتسبون للنصارى أو
اليهود قد قال الله فيهم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]؟ كَفّرهم، هم كافرون من قبل
عهد الرسول ومع ذلك أحلَّ الله نساءهم وأحل ذبائحهم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].الشيخ: الحمد لله رب العالمين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة:٥] وما زلنا نستخرج الفوائد منها:
من فوائد الآية الكريمة: أن الإماء من أهل الكتاب لا يُبحن للمسلم ولو خاف العنت، دليله: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ.
فإن قال قائل: إذن كل المؤمنات كذلك؛ لأن الله قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، قلنا: نعم، لولا آية النساء، وهي قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:٢٥]، لولا هذا لقلنا بذلك، لكن تكون الجارية المسلمة تحل للمسلم عند الضرورة على حسب ما سبق في سورة النساء.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ لقوله: وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ، والمذكور في هذه الآية هي أعمال، فدلَّ ذلك على أن الأعمال داخلة في الإيمان، وهذا هو ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الأعمال من الإيمان، وله دليل من الكتاب والسنة.
من القرآن: قال الله تبارك وتعالى حين ذكر توجيه الناس إلى المسجد الحرام بعد أن كانوا يتجهون إلى المقدس، قال: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:١٤٣]، قال المفسرون: أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وأما من السُّنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؛ وهذا قول، «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»؛ وهذا فعل، «وَالْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ؛ وهذا انفعال نفسي من أثر القلب، وهو من أعمال القلوب، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان، لكن إذا قُرنت الأعمال بالإيمان صارت الأعمال علانية والإيمان في القلب، مثل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [البقرة:٢٧٧].
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن من كفر بهذا الإيمان فقد حبط عمله، أن العمل قد يحبط بعد أن عَمِلَه الإنسان، وذكرنا التفصيل في هذا، وأن الردة لا تحبط الأعمال إلا إذا مات الإنسان على ذلك، وذكرنا في الآية إثبات الآخرة؟
طلبة: لا.
الشيخ: أضيفوها.
من فوائد الآية: إثبات الآخرة.
ومن فوائدها أيضًا: أن الناس في الآخرة ما بين خاسر ورابح؛ لقوله: وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين، فدلَّ هذا على أن الآخرة فيها رابح وفيها خاسر.
***
تفسير الآية (6)
00:07:04
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦]، الخطاب بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْسبق لنا الكلام عليه عدة مرات فلا حاجة إلى إعادته هنا.
وقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِأي: إذا أردتم الصلاة، ولا يُشترط أن يقوم الإنسان على قدميه، بل متى أراد وإن كان قاعدًا فإنه يلزمه ما أمر الله به.
وقوله: إِلَى الصَّلاةِالصلاة عبادة معلومة مُفتَتَحة بالتكبير مُختَتَمة بالتسليم، هكذا قال العلماء في تعريفها: أنها عبادة معلومة -ولم يذكروا كيفيتها؛ لأنها يعلمها الخاص والعام- مفتَتَحة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم.
فقولهم: مفتتحة بالتكبير، هذا فصل يُخرج ما عدا الصلاة؛ لأن جميع العبادات التي سوى الصلاة ما فيها افتتاح بالتكبير، ومختَتَمة بالتسليم أيضًا تُخرج ما يُبتدأ بالتكبير ولا يُختَم بالتسليم، كالطواف بالبيت، على أن ابتداء الطواف بالتكبير ليس بركن، لكنه من المندوبات، لكنه يَخرج بقولنا أيش؟ مختَتَمة بالتسليم، فإن الطواف لا يُختَتَم بالتسليم، وهذا مما يدل على أن الحديث المروي مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام «أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» ، لا يصح مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو لا يصح طردًا ولا عكسًا، ولهذا كان القول الراجح: أن الطواف لا تُشترط له الطهارة؛ لأنه لا يدخل في الصلاة، ولا يمكن أن يُدخل في هذه الآية؛ لأنه ليس بصلاة، وإذا تبين أن الحديث المرفوع الذي هو في الحقيقة موقوف، إذا تبين أنه لا يصح طردًا ولا عكسًا تبين أنه لا يُشترط له الطهارة، ونتكلم على هذا إن شاء الله في الفوائد.
إِلَى الصَّلاةِألا يقول قائل: الصلاة في اللغة الدعاء؟ ويكون المراد: إذا قمتم إلى الدعاء؟ قلنا: لا، ما ثبت أنه نُقِلَ عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي فإنه إذا ورد في لسان الشارع يُحمَل على الحقيقة الشرعية، يعني: على المعنى الشرعي؛ ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» ، هل نقول: المعنى لا يقبل الله دعاء أحدكم؟ لا أحد يقول بذلك، مع أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نقول: الحقائق اللغوية إذا نُقلت إلى حقائق شرعية وجب أن تُحمل على الحقائق الشرعية في لسان مَنْ؟ في لسان الشارع.
فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْالغَسْل معروف: هو إمرار الماء جريًا على العضو، أن يُمِرَّ الماء عليه جريًا، يعني يجري عليه، احترازا من المسح على العضو.
والوجوه جمع وجه، وإنما سُمي وجهًا؛ لأنه تحصل به المواجهة، وهو وجه أيضًا من وجه آخر؛ أنه وجه القلب، فالإنسان يُعْرَف ما في قلبه مما في وجهه، ولهذا إذا سُرَّ الإنسان استنار وجهه، وإذا غُمّ انقبض وجهه، فهو تحصل به المواجهة الحسية، وهو وجه للقلب حقيقة؛ لأنه ينبئ عما في القلب.
فما هو الوجه؟ يعني قلنا: ما تحصل به المواجهة، وحَدَّه العلماء: بأنه عرضًا من الأذن إلى الأذن، فالبياض الذي يكون بين العارض والأذن يعتبر من الوجه، وأما طولًا فإنه من منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية، وهذا الضابط من منحنى الجبهة أقرب من قول بعضهم: من منابت شعر الرأس؛ لأنك إذا قلت: من منابت شعر الرأس، لزم أن تقول: المعتاد؛ ليخرج الأفرع والأنزع؛ لأن بعض الناس تنزل منابت شعره إلى الجبهة، وبعض الناس ترتفع في الناصية، لكن إذا جعلنا الضابط هو منحنى الجبهة صار هذا أدق من وجه، وأيضًا هو المطابق للواقع؛ لأن الذي يواجه الناس عند اللقاء هو ما دون المنحنى، أما ما وراءه فهو مواجه للسماء لفوق.
مسترسل اللحية هل يكون من الوجه أو لا؟ من أهل العلم من قال: إنه من الوجه، وعلى هذا فإذا كان للإنسان لحية طويلة فإنه داخل في الوجه، وقال بعض العلماء: إن المسترسل من اللحية ليس من الوجه، وذلك لأنه في حكم المنفصل؛ لأن لدينا ثلاثة أشياء في جسد الإنسان في حكم المنفصل: الشعر، والظفر، والسنّ، هذه في حكم المنفصل، فيقول: ما دام ذلك في حكم المنفصل فإنه لا يدخل في حد الوجه، ولكن الصحيح أنه يدخل في حد الوجه؛ لأنه تحصل به المواجهة، ولأنه قد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث إسناده حسن أنه كان يخلل لحيته في الوضوء .
فإذا قال قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟ قلنا: هو لا يدل على الوجوب في الأصل، لكن إذا وقع مبيِّنًا لمنطوق صار له حكم ذلك المنطوق.
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِأيدي جمع يد.
أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِانتبه، هنا قيَّد اليد بأنها إلى المرافق، فيجب أن تغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفق، والمرفق هو مفصل العضد من الذراع، وسُمي مرفقًا؛ لأن الإنسان يرتفق به، أي: يتكئ عليه.
وقوله: إِلَى الْمَرَافِقِقال العلماء: (إلى) هنا بمعنى (مع)، وإنما أَوَّلُوها إلى (مع)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه إذا توضأ غسل مرفقيه ، فتكون السنة مبيِّنة للقرآن، ثم استدلوا بأن لهذا نظيرًا في القرآن، مثل قوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:٢] يعني: أموال اليتامى، وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ، ولكن الاستشهاد بهذا الشاهد فيه نظر، المهم الذي بيَّن أن منتهى الغاية هنا داخل هي السنة.
قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ، المسح هو إمرار اليد على الممسوح، لكن من المعلوم أن المراد امسحوها بالماء، امسحوا الرؤوس بالماء؛ ولهذا زعم بعض العلماء أن في الآية قلبًا، وأن المعنى: امسحوا رؤوسكم بالماء. ونحن نقول: إن الباء هنا ليست لتعدية الفعل بالباء، ولكنها مفيدة لمعنى زائد على المسح وهو الإلصاق والاستيعاب أيضًا، وإن كانت دلالة المسح على الإلصاق واضحة، لكن الاستيعاب؛ لأن الباء تدل على الاستيعاب، ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق [الحج:٢٩] تدل على وجوب استيعاب البيت بالطواف؛ لأن الباء للاستيعاب.
وقوله: بِرُءُوسِكُمْما حد الرأس؟ الرأس ما تَرَأَّس.
وما هو العضو المترئِّس على البدن كله؟ هو ما بين مفصِل المخ والرقبة، وعلى هذا فالرقبة لا تدخل في الرأس؛ لأنها عضو مستقل، ثم إذا أخرجت من الرأس –إذا قلنا: الرأس ما ترأَّس- إذا أخرجت منه الوجه بقي ما سوى الوجه مما ترأَّس.
وهل يدخل في ذلك الأذنان؟ الجواب: نعم، يدخل في ذلك الأذنان؛ أولًا: لأن الاشتقاق يدل على دخولهما، وثانيًا: أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسح بأذنيه .
قال: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، في أَرْجُلَكُمْقراءتان سبعيتان صحيحتان، الأولى: أَرْجُلَكُمْ، والثانية: {أَرْجُلِكُمْ} بالكسر، فعلى القراءة الأولى تكون معطوفة على قوله: وُجُوهَكُمْولَّا على أَيْدِيَكُمْ؟
الطلبة: وُجُوهَكُمْ.
الشيخ: ليش؟ لأنه إذا تعددت المعطوفات فالمعطوف عليه ما يلي العامل، وهو الأول، وأما على قراءة الجر ففيها إشكال عند بعض العلماء، منهم من قال: إنها جُرَّت على سبيل المجاورة، أيش المجاورة؟ قالوا: لأنه قد تتبع الكلمة ما جاورها في الإعراب، ومثَّلوا لذلك بقول العرب: هذا جُحر ضَبٍّ خَرِبٌ، ولّا خَرِبٍ؟ خربٍ، طيب خرب ما تصلح نعتًا للضب؛ لأن الخرب هو الجحر، لكن قالوا: إنه جُرَّ على سبيل المجاورة، ولكن هذا التعليل عليل، إلا أنه دأب كثير من النحويين إذا عجزوا عن توجيه الإعراب ذكروا علة قد تكون مستكرَهة؛ ولهذا يقولون: إن علل النحويين كجحور اليرابيع، تعرف جحور اليرابيع، ما تعرفها؟ تعرف اليربوع؟ ما تعرف اليربوع؟!
اليربوع دويبة أكبر من الفأر، والفأر ما يحتاج، كلنا عارفه، لكن رجليها طويلة ويديها قصيرة جدًّا، ولها ذنب طويل، وهي ذات حِيَل، تحفر الجحر لها في الصحراء وتجعل له بابًا واضحًا، ولكنها تستمر في حفره وتحفر صاعدة في أقصاه، حتى إذا لم يبق عليها أن تخرقه إلا قشرة رقيقة توقفت من أجل إذا حَجَرها أحد من فم الجحر خرجت من الباب المغلق إلى حين الحاجة إليه، ولهذا تُسمَّى هذه نافقاء اليربوع، أعرفتم؟
طيب، نحن نقول: إن القول بأنها مبنية على سبيل المجاورة فيه نظر، لكن ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى مذهب جيد، قال: إن الله قال: أَرْجُلَكُمْو{أَرْجُلِكُمْ}؛ لأن للرجل حالين: حالًا تكون فيها مكشوفة ففَرْضها الغسل، وحالًا تكون فيها مستورة ففَرْضها المسح.
وقوله عز وجل: إِلَى الْكَعْبَيْنِما هما الكعبان؟ الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق وهما معروفان.
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوايعني انتهى الكلام على الوضوء الذي سببه الحدث الأصغر.
قال: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، في الآية إشكال من جهة أن المخاطَب جماعة والخبر بصيغة الإفراد، لم يقل: إن كنتم جنبين مثلًا، بل قال: جُنُبًا؟ جوابه سهل؛ لأن كلمة (جُنُب) في اللغة الفصحى يستوي فيها المفرد والجماعة، والاثنان والواحد، وإن كان قد ورد في لغة ضعيفة جمعها على (جُنُوبِين) لكن اللغة المشهورة الفصحى أن كلمة (جُنُب) تطلق على الواحد والجماعة.
فمن هو الجُنُب؟ الجنب من أنزل منيًّا فهو جُنب، وألحقت السُّنة به من جامع وإن لم يُنْزِل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِل» .
وقوله: فَاطَّهَّرُواأصلها بالتاء، لكن قُلِبت التاء طاء، ولم يبين جل وعلا كيف نتطهر، لكن الصيغة تدل على التعميم، لم يقل: طهِّروا جزءًا من أبدانكم أو عضوًا من أعضائكم، بل قال: اطَّهَّروا، وهو شامل لكل البدن، وله صفتان كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد.
وبهذا انتهى الكلام على مُوجَب الحدث الأكبر، موجَب الحدث الأكبر في كلمتين، وموجَب الحدث الأصغر في كلمات متعددة، ووجه ذلك أن الأعضاء في موجَب الحدث الأصغر متعددة، وأما في الحدث الأكبر فالعضو واحد فقط وهو البدن، البدن كله، ولهذا ليس فيه ترتيب كما سنذكر إن شاء الله.
إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواانتهى الكلام الآن على الطهارتين الصغرى والكبرى بالماء أو بغير الماء؟ بالماء.
ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُإلى آخره، من هنا انتقل الكلام إلى الطهارة الأخرى، وهي الطهارة بالتراب، وأول الآية الطهارة بالماء.
إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىكلمة (مرضى) جمع (مريض)، والمريض هو من اعتَلَّت صحته، والمراد: إن كنتم مرضى وتضررتم بالماء.
فإذا قال إنسان: لماذا قيَّدْتَ والله أطلق؟ قلنا: لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن المريض الذي لا يتضرر بالماء وربما يكون الماء صحة له ينشط به ليس به حاجة إلى أن يعدل عن الماء إلى التراب.
أَوْ عَلَى سَفَرٍ، عَلَى سَفَرٍأي: في سفر، والسفر كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته، كل ما خرج به الإنسان عن محل إقامته فهو سفر، ولذلك سمي سفرًا؛ لأن الإنسان يُسْفر ويخرج من القيد أو من الحد الذي هو بلده إلى مكان آخر، وهل هو محدود أو غير محدود؟ سنتكلم عليه إن شاء الله في الفوائد.
أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، (أو) هنا بمعنى الواو، أي: وجاء أحد منكم من الغائط، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
فإذا قال قائل: هل لما ادعيتم دليل، أي: إتيان (أو) بمعنى الواو؟ قلنا: نعم، ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ» . (أو) هنا بمعنى؟ بمعنى الواو، ليش؟ ليش بمعنى الواو يا إخوان؟ «سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»؛ لأن ما أنزله في كتابه قد سَمَّى به نفسه؛ ولهذا سميت به نفسك، و(أو) بمعنى الواو، أي: وأنزلته في كتابك، «أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، ولا يستقيم المعنى إلا بهذا، أي: بجعل (أو) بمعنى الواو، أي أحد ذكر أو أنثى صغير أو كبير ممن يقوم للصلاة.
وقوله: مِنَ الْغَائِطِالغائط هو المكان المطمئن من الأرض، وكانوا -أي العرب- ينتابون هذا المكان أي: الهابط من الأرض، ينتابونه لقضاء الحاجة ليستتروا به عن الناس، ليس في البيوت كُنُف ولا حمامات ولا مراحيض، فإذا أراد الإنسان يقضي حاجته يخرج إلى المكان الهابط يقضي حاجته فيه ليستتر بذلك عن الناس.
وعلى هذا يكون الغائط هنا شاملًا لمن قضى حاجته من البول أو من العذرة، ولا يختص هذا بمن قضى حاجته من العذرة، ما دمنا فسرنا الغائط هو المكان المنخفض من الأرض.
أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَوفي قراءة: {أَوْ لَمَسْتُمْ النِّسَاءَ} لَامَسْتُمُفعل مبني للمفاعلة، بحيث يكون الفعل واقعًا ممن؟ من الطرفين، الرجل والمرأة، ولا يصدق هذا إلا بالجماع، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله: هل المراد بالملامسة هنا الجس باليد أو المراد الجماع؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد به الجماع وليس الجس باليد.
فإن قال قائل: إن فيه قراءة صحيحة سبعية {أَوْ لَمَسْتُمْ}، واللمس دون الملامسة، وهو ظاهر في أن المراد به الجس باليد، فلماذا لا تقولون: إن المراد به مسّ المرأة؟ قلنا: لا نقول به؛ لأن القراءة الثانية تشير إلى أن المراد به الجماع لَامَسْتُمُ، وهذا من جهة اللفظ، من جهة المعنى لو حملناها على أن المراد بذلك المسّ باليد لكان الله تعالى ذكر موجِبَين للطهارة من جنس واحد، مع أنه في طهارة الماء ذكر موجِبَين من جنسين، فإذا قلنا: إنَّ {لَمَسْتُمْ} بمعنى لمس اليد، يكون في الآية ذكر موجِبَين من جنس واحد وإهمال أيش؟ إهمال آخر لا بد منه، وهذا ترجيح من حيث المعنى.
وقوله: النِّسَاءَالنساء هن الإناث، ولكن هل يقال: إنه كل امرأة؟ الجواب: لا، ما نقول: كل امرأة؛ كل امرأة تُجامَع، وأما من لا تجامَع فإنها ليست محل شهوة، لكن لو فرض أن أحدًا سُلِّطَ على بنت صغيرة وجامعها فإنه يدخل في الآية.
وقوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًهذه معطوفة على: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىإلى آخره.
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ.
طالب: شيخ -رضي الله عنك- ما فهمت بالنسبة لقراءة أَوْ لَامَسْتُمُوقراءة: {لَمَسْتُمْ} ذكر موجِبين لجنس واحد، ما فهمت؟
الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: لمستم باليد، اللمس باليد ماذا يوجب؟ إذا فسرنا اللمس باليد لا يوجب إلا الوضوء، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، إذن ذكر موجبين، وأهمل موجب الغسل اللي هو الجنابة.
طالب: بارك الله فيك، قولنا: إن الصلاة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، قولنا: مختتمة بالتسليم أخرج ما ليس بصلاة ألا يبطل القول بهذا القول بأن سجود التلاوة ليس بصلاة، لا سيما أننا إذا قلنا: أنه صلاة، لزمنا أن نقول: إن الإمام يتقدم المأمومين وأنهم لا يسبقونه إلى القيام في السجود -ويعني- التزامات..؟
الشيخ: سجود التلاوة إن كان في الصلاة فله حكم سجود الصلاة، يعني يكبَّر له عند السجود وعند الرفع، إن كان خارج الصلاة؛ فإن من العلماء من قال: لا يكبَّر له لا عند السجود، ولا عند النهوض من السجود، ولا يُسَلَّم له، ومن العلماء من قال: يُكبَّر للسجود، ولا يكبر للرفع، ولا يسلَّم، وهذا ظاهر صنيع ابن القيم رحمه الله، أما شيخه فيرى أنه ليس بصلاة، وأنه يجوز على غير طهارة وإلى غير القبلة، المهم لا يجعله صلاة، والله أنا أميل إلى أنه صلاة من وجه إنه لا يجوز للإنسان يسجد على غير طهارة، وأيضًا لا يسجد إلى غير القبلة، والحمد لله، الأمر ما هو بواجب.
طالب: يا شيخ إذا قرأ من يخطب القارئ والناس يستمعون ثم سجد، يسجدون هم أداروا خلفه يقولون..
الشيخ: على القول بأنه ليس بصلاة.
الطالب: من يقول يا شيخ: إنه صلاة.
الشيخ: إذا كان صلاة لا بد يكون وراءه.
الطالب: يقوموا ويصفوا وراء.
الشيخ: إي نعم.
طالب: يا شيخنا السنة تفسر القرآن، يقال: إن لمس اليد ، الرسول صلى الله عليه وسلم قيل: إنه يُقَبِّل يروح يصلّي ..
الشيخ: إيه، هذه تجينا إن شاء الله في الفوائد، سنتكلم عن هذا بكلام أوسع في الفوائد.
طالب: قلنا: قاعدة في تعريف العبادة (...).
الشيخ: نعم، صدقت.
الطالب: (...) الصلاة.
الشيخ: ما ذكرنا بالصلاة؟ ما ذكرناها يا جماعة؟
طلبة: قلنا: هي عبادة.
الشيخ: ما قلنا: هي عبادة؟
طالب: إي، ما قلنا هو التعبد لله..
الشيخ: أنت ظاهري متأخر، إذا قلنا: عبادة يعني: نتعبد لله بها، لكن المشهور عند العلماء، شوف المشهور عند العلماء ما هو؟ يقولون: هي أقوال، هكذا يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مبتدأة بالتكبير مختَتَمة بالتسليم، نحن نقول: لا، هي عبادة.
طالب: يعني تعريفها يا شيخ نقول..
الشيخ: لو قلنا: التعبد لله بعبادة صارت إطالة.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ» (...) (أو) هنا بمعنى الواو، ما ضرورة ذلك في الآية؟
الشيخ: أي لأنك إذا قلت: (أو جاء) صارت قسيمة للسفر والمرض، يعني هذا أو هذا، وليس كذلك، الآية تقول: إذا حصل سفر أو مرض وحصل حد، وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء.
طالب: الأُذُن والعارض لا تحصل بهم المواجهة، كيف (...)؟
الشيخ: ما تحصل به إذا كان الإنسان عارضه وشعره كثيف، أما إذا كان شابًّا أو الشعر خفيف تحصل به، ثم إنه لا يلزم من أصل الاشتقاق أن يكون مطابقًا تمامًا، أليست مزدلفة تسمى جَمْعًا؟ ومِنى سميت جَمْعًا؛ لأن الناس يجمعون فيها، لكن مِنَى ما يجتمعون؟
طالب: يجتمعون.
الشيخ: عرفة؟ ما هو بلازم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا.
قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًأي: ماء تتطهرون به طهارة صغرى وطهارة كبرى.
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا(تيمموا) أي: اقصدوا، فالتيمم في اللغة: القصد، ومنه قول الشاعر:
| تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا | بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ |
فمعنى (تيممتُها) أي: قصدتها، (من أذرعات) وهي بلدة في الشام، (وأهلها بيثرب) أي: بالمدينة، (أدنى دارها نظر عالِ).
وقوله: صَعِيدًاالصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل أو جبل أو أودية أو غير ذلك.
طَيِّبًاأي: طاهرًا؛ لأن طِيب كل شيء بحسبه، فالطيِّب من الحيوان ما حَلَّ أكله، والطيب من الأعمال ما كان مرضيًّا عند الله عز وجل، وكل موضع يُفسَّر الطيب بما يناسبه، فقوله هنا: طَيِّبًاأي طاهرًا.
فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ(امسحوا بوجوهكم) يعني: من هذا الصعيد، والمسح: الإمرار باليد على الوجه، والمسح باليد: إمرار إحدى اليدين على الأخرى.
وقوله: مِنْهُقيل: إن (مِن) للتبعيض، وعلى هذا فلا بد أن يعلق باليد شيء من هذا التراب، وقيل: إن (مِن) للابتداء، أي: مسحًا يكون ابتداؤه من هذا الصعيد.
وقوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، مَانافية، ويُرِيدُهنا إرادة شرعية، أي: ما يحب الله عز وجل.
وقوله: لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍاللام هنا زائدة؛ لأن التقدير: ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج، ويمكن أن نقول: إن اللام هنا على أصلها ليست زائدة، ونقدِّر الكلام: ما يريد الله لأن يجعل عليكم، أي: ما يريد الله لذلك.
وقوله: لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْأي: ليصير عليكم من حرج.
ومِنْفي قوله: مِنْ حَرَجٍزائدة إعرابًا، لكنها لها معنى؛ وهي تأكيد النفي وعمومه، والحرج هو الضيق، أي: إن الله تعالى لم يرد أن يجعل علينا بما فرض علينا من الوضوء والغسل والتيمم شيئًا يضيِّق علينا، ولكن -وهذا استدراك- ولكن يريد ليطهركم، ونقول في يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْكما قلنا في يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ.
وقوله: لِيُطَهِّرَكُمْأي: طهارة حسية ظاهرة وطهارة معنوية، أما الوضوء والغسل بالماء فالطهارة فيهما حسية ومعنوية؛ أما الحسية فإنها ظاهرة لكون الإنسان يغسل هذه الأعضاء أو يغسل البدن كله فينظفه، وأما المعنوية فلأن في الوضوء تكفير السيئات ومحو الخطيئات، وأما التيمم فإنه طهارة معنوية؛ وذلك لأن فيه كمال التعبد لله عز وجل؛ حيث إن الإنسان يتيمم هذا الصعيد ويمسح به وجهه ويديه.
وقوله هنا: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُيعني: ويريد أيضًا يتم نعمته عليكم، أي بما شرعه لكم من العبادات؛ إذ لولا أن الله شرع لنا هذه العبادات لكان فعلنا لها بدعة تبعدنا عن الله عز وجل، ولكنه شرعها لتكون عبادة له نتقرب بها إلى الله ونتذلل بها عند الله عز وجل.
لَعَلَّكُمْ(لعل) هنا لأيش؟ للتعليل وليست للترجي؛ لأن الرجاء طلب ما فيه عسر، والله عز وجل لا يتأتَّى في حقه ذلك؛ لأن كل شيء سهل عليه، فتكون هنا للتعليل وهي كثيرة في القرآن بهذا.
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَأي: تشكرون الله عز وجل على نعمه، والشكر يكون في القلب، ويكون في اللسان، ويكون في الجوارح.
وعلى هذا قال الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
طالب: (...).
الشيخ: ما معنى البيت؟ معنى البيت أن نعماءكم عليَّ ملكتم بها يدي ولساني والضمير المحجبَ، فنعماؤكم أفادتكم هذه الثلاثة ملكتموها.
الشكر بالقلب أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعمة من الله عز وجل، ويحب الله عز وجل لذلك، أي: لكونه أنعم، ولهذا جاء في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمْ» .
الشكر باللسان: الثناء على الله بها، كما قال الله تبارك وتعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، ومن ذلك –أي: من الشكر باللسان- القيام بكل قول يقرِّب إلى الله عز وجل.
أما الثالث فهو الجوارح: أن يقوم الإنسان بما يلزمه نحو هذه النعمة، فمثلًا إذا كانت مالًا فقيامه بشكرها أن يؤدي زكاتها إلى أهلها، وكذلك أيضًا إذا كانت عملًا آخر يحتاج إلى حركة بالجوارح فلا بد من أن يقوم بهذه الحركة، فالشكر إذن محله القلب واللسان والجوارح.
فإذا قال قائل: أيهما أعم الحمد أو الشكر؟
قلنا: بينهما عموم وخصوص وجهيٌّ، ومعنى وجهي أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من الآخر، فباعتبار السبب الأخص الشكر؛ لأن سببه النعمة، وأما الحمد فسببه النعمة وكمال للمحمود حتى وإن لم يُنْعِم، ولهذا نحن إذا حمدنا الله عز وجل فإننا نحمده على كمال صفاته، وعلى كماله إنعامه وإحسانه، وأما المتعلَّق فالشكر أعم؛ لأنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، والحمد إنما يكون باللسان فقط.
انتهت الآية الكريمة وانتهينا من الكلام عليها فلنرجع الآن إلى فوائدها.
فمن فوائد هذه الآية الكريمة: أهمية الوضوء للصلاة، وإن شئت فقل: أهمية الطهارة للصلاة بوضوء أو غُسل أو تيمم، وجه الأهمية: أن الله صدَّر الخطاب بالنداء؛ لأن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، فإنك تجد الفرق بين أن تتحدث حديثًا مرسلًا هكذا وبين أن توجه الخطاب إلى المخاطَب، فتقول: يا فلان افعل كذا، اترك كذا، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الطهارة من مقتضيات الإيمان، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا وكذا.
ومن فوائدها: أن الإيمان يَزيد بها، يزيد بالطهارة؛ وضوءًا كانت أو غسلًا أو تيممًا؛ لأنها إذا كانت من مقتضياته لزم أن يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإخلال بها منافٍ لكمال الإيمان، يعني: لو صليت بدون وضوء، بدون غسل، وبدون تيمم، فإن ذلك ينقص من إيمانك؛ لأنك خوطبت بصفة الإيمان على أن تقوم بهذا.
لكن هل ينافي أصل الإيمان؟ جمهور العلماء: لا، لا ينافي أصل الإيمان، وأن من صلى محدِثًا لم يكفر، وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن من صلَّى مُحدِثًا كفر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله عز وجل، وعلى هذا فيكون عدم القيام بها منافيًا لأصل الإيمان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مشروعية الوضوء أو الغُسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلًا لو توضأت لصلاة الظهر وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك نقول: الأفضل أن تتوضأ؛ لقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، و(أل) هذه للعموم، ولم أعلم أحدًا من الناس قال: إنه يُشرع إذا قام لكل صلاة موالية للأخرى، كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، ما علمت أن أحدًا قال: كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، ذهب كثير من العلماء إلى أنه يُشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء ولو كان على طهارة.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الوضوء لكل صلاة، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات الخمس بطُهور واحد ، ولأنه أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بالمستحاضة، أعني وجوب الوضوء لكل صلاة.
ومن فوائد هذه الآية: أن الطهارة لا تجب إلا للصلاة، وعلى هذا فلا تجب لقراءة القرآن، ولا تجب لمس المصحف، ولا تجب للطواف، ولا تجب للسعي، ولا لغيرها من الأعمال الصالحة، وإلى هذا ذهب قوم من أهل العلم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولهذا لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أتتوضأ؟ من عمل عمله، قال: «إِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُصْلِّي» ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أنه من المعلوم أنه لا وضوء إلا للصلاة، ولا شك أن هذا هو الأصل، وأن من ادَّعى أن غير الصلاة يجب الوضوء له فإن عليه الدليل، وإلا فالأصل أنه لا يجب إلا للصلاة.
فلننظر نقول: مس المصحف اختلف فيه العلماء، هل تجب له الطهارة أو لا؛ فمنهم من قال: إن الطهارة واجبة لمس المصحف، واستدل بعضهم بقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]، واستدل آخرون بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» .
فأما استدلال الأوَّلِين بقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَفإنه لا يستقيم؛ لأن الضمير في قوله: لَا يَمَسُّهُضمير المفعول به يعود إلى الكتاب المكنون، واقرأ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الكتاب المكنون، وأيضًا يقول: الْمُطَهَّرُونَولم يقل: إلا المطَّهِّرون، وفرق بين المطَهَّر والمتطهّر، فمن هم المطهَّرون؟ هم الملائكة.
وأما حديث عمرو بن حزم فإن من لا يستدل بالمرسل لا يراه حجة، والحديث مرسل مشهور، يقول: ما دام مرسلًا فالمرسل من قسم الضعيف، فلا نثبت به حكمًا نُلْزِم به عباد الله، فلا يستقيم الدليل، أو لا يستقيم الاستدلال؟
طلبة: الدليل.
الشيخ: الدليل، الآية نقول: لا يستقيم الاستدلال، وهذا نقول: لا يستقيم الدليل.
ومن رأى أن هذا الحديث المرسل بعينه حجة لتلقِّي الأمة له بالقبول في الزكاة والديات وغيرها، قال: إنه يكون حجة، إذا كان حجة فقال بعض العلماء: حتى لو ثبت واحتججنا به فيما جاء فيه من الأحكام فإن قوله: «إِلَّا طَاهِرٌ» يحتمل أن يراد بالطاهر المؤمن، ويحتمل أن يُراد به المتوضئ، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، وعلى هذا فلا تجب الطهارة لمس المصحف.
فنقول في رد هذا: نعم، إذا وُجِد الاحتمال بطل الاستدلال هذا إذا تساوى الاحتمالان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، وأما مع رُجْحان أحد الاحتمالين فالواجب الأخذ بالراجح، ولو أننا جعلنا لكل نص يحتمل وجهين جعلنا دلالته ساقطة لضاعت علينا أحكام كثيرة وأدلة كثيرة.
فنقول: أيهما أرجح، أن يراد بالطاهر المؤمن أو أن يراد بالطاهر المتوضئ؟ الثاني أرجح؛ لأننا لم نعهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعبِّر عن المؤمن بالطاهر؛ لأن وصف المؤمن أحب إلى النفوس وأقوى في الثناء من وصف الطاهر.
قد يقول قائل: هذا الظاهر الذي قلتم يعارضه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم وقد بعثه إلى اليمن، فهذه قرينة على أن المراد بالطاهر المؤمن؛ لأنه متوجِّه إلى قوم كفار يدعوهم إلى الإسلام، وهذا لا شك أنه مؤثر في الاستدلال، لكن كون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستعمل قط كلمة (طاهر) تعبيرًا عن المؤمن يضعِّف هذا الوجه، فالذي يظهر أن مس المصحف لا يجوز إلا بوضوء، هذا هو الظاهر.
بقي علينا الطواف، إذا قال قائل: أين الدليل على أن الطواف تشترط له الطهارة؟
نقول: الدليل قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام.
وهذا الحديث رُوِيَ مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، ورُوِي موقوفًا عن ابن عباس ، فرواية المرفوع ضعيفة، يعني لا نقول: إنه تعارض رفع ووقف فيجب الأخذ بالرفع؛ لأن الرافع معه زيادة علم، ولأنه كثيرًا ما يُعبِّر الراوي عما رواه مرفوعًا بقول من عنده فيظن سامعه أنه موقوف عليه؛ لأننا نقول: كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يتناقض، ولا يخالف الواقع، وهذا متناقض لا يصح طردًا ولا عكسًا.
فلننظر إذا قلنا: إنه صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، نقول: يجب التكبير عند الدخول فيه، والتسليم عند الانتهاء منه، وقول: سبحان ربي الأعلى، فيه، وسبحان ربي العظيم، والاتجاه إلى القبلة؛ الكعبة، وأن لا يأكل فيه ولا يشرب، وهلم جرَّا، فنجد أنه يخالف الصلاة في أكثر مما يوافقها، وهل يمكن أن يَرِد عن المعصوم كلام تكون المخالفة فيه أكثر من الموافقة؟ لا يمكن أن يَرِد، ولهذا ليس في هذا دليل على أن الطواف تُشْتَرط له الطهارة.
وهنا النظر في الاستدلال أو في الدليل أو فيهما؟ فيهما جميعًا، النظر فيهما جميعًا؛ لأننا لا نقبل مثل هذا الحكم العام الذي تتوافر الدواعي على نقله، ويحتاج الناس إليه في كل وقت وحين، لا يمكن أن نقبله وهو بهذا الثبوت الهشّ، لا بد أن يكون قد تواتر أو اشتهر على الأقل، وثانيًا: أنه لا يمكن أن يكون مرفوعًا؛ لكونه متناقضًا، إذن لا تشترط له الطهارة.
فلو قال قائل: دعونا من هذا الحديث، أليس الطائف إذا طاف لا بد أن يصلِّي؟ فهل تقولون: إن الطائف يصلي بلا وضوء؟
الجواب: لا، لا نقول ذلك، نقول: يطوف ولا يصلي، وليست الصلاة بعد الطواف شرطًا في صحته، فنقول: إن كان الأمر قريبًا ذهب وتوضأ وصلى، وإن كان لا يجد ماء إلا بعيدًا فإن الصلاة تسقط عنه.
فإذا قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك طاف متطهِّرًا وصلى ركعتين خلف المقام، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ؟ قلنا: هذا الحديث «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ليس على عمومه بالإجماع، وما أكثر المسائل التي يفعلها الرسول وكانت على سبيل الاستحباب، فنحن نقول: المستحب بلا شك أن يطوف على طهارة ولا إشكال في هذا.
أما أن نقول: إن الطهارة شرط للطواف، وأن من طاف محدِثًا فطوافه غير صحيح، حتى ولو لزم من ذلك مشقة عظيمة، كما لو كان الطواف بغير طهارة طواف الإفاضة، ثم قدِم إلى بلده، وقلنا: إن حجك لم يتم قد يكون فيه مشقة شديدة، ويقع ذلك كثيرًا -أعني عدم الطهارة في هذه الأعصار- لأن الزحام يكون شديدًا ومدة الطواف تكون طويلة، وربما يُحدِث الإنسان في أثناء ذلك، فهل نقول: اخرج وتوضأ؟ وإذا قلنا: اخرج وتوضأ، خرج وتوضأ، ثم رجع أحدث، حصل مثل الأول، هذا فيه مشقة شديدة.
على كل حال الذي نرى في هذه المسألة أنه لا يُشترط للطواف وضوء، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويكفينا أن نستدل بهذه الآية، ونقول: أي عمل تشترط له الطهارة فعليك الدليل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الغَسل في الوجه؛ لقوله: فَاغْسِلُوا، ويتفرع من ذلك أنه لو مسح وجهه مسحًا لم يصح وضوؤه؛ لقوله: اغْسِلُوا.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب استيعاب الوجه بالغَسل، لا بد يغسل كل الوجه؛ لقوله: وُجُوهَكُمْ.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب غسل شيء من الرأس، خلافًا لما ذهب إليه بعض الأصوليين، وقال: يجب أن يغسل جزءًا من الرأس؛ لأنه لا يتحقق أنه غسل جميع الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، ويجب أن يمسح بعض الوجه؛ لأنه لا يتحقق أنه مسح الرأس كله إلا بمسح بعض الوجه، فيكون عندنا جزء من البدن تجب فيها طهارتان: مسح وغَسل، وهذا خلاف ظاهر القرآن، وهو في الحقيقة نوع من التنطع، فيقال: حد الوجه معروف، وما زاد عن الوجه فليس بواجب أن يُغسَل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب غَسل الأيدي من أطراف الأصابع إلى المرافق؛ لقوله: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ.
ومن فوائدها الآية: أنه إذا أراد غسل اليد بدأ من أطراف الأصابع؛ لأن (إلى) تفيد الغاية، فإذا كان المرفق هو الغاية لزم أن يكون أطراف الأصابع هو البداية، لكن هذا فيه شيء من النظر؛ لأن الذي يقال فيه البداية والنهاية إذا جاءت (من) و(إلى)، وأما إذا حُدِّدَتْ النهاية فقط وسُكِتَ عن البداية فإنه لا يدل على أن الأفضل البداية من الجانب الآخر.
بل نقول: هذا تحديد للنهاية فقط؛ لأنه لا بد أن نحدد النهاية مهما كان؛ بدأنا من الأطراف أو من الوسط، وعليه فلا يظهر أنه من المشروع أن تبدأ بغسل أطراف الأصابع ثم تأتي إلى المرفق، بل يقال: الغسل ينتهي بهذا، والبدء من حيث شئت.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق هي الكفُّ فقط، وجه الدلالة أن الله قال: إِلَى الْمَرَافِقِ، ولو كانت اليد عند الإطلاق إلى المرافق لكان هذا القيد لا فائدة فيه، والأمر كذلك، أعني أن الأمر أن اليد عند الإطلاق إنما هي الكف، ولنا دليل في هذا: يد السارق تُقْطَع من مَفْصِل الكف؛ لقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨]، ولا يجوز أن يتجاوز مَفصِل الكف، في التيمم إنما يُطهَّر الكف فقط ولا يُتجاوز إلى المرفق، وهذا أمر واضح.
إذن نستفيد من هذا أن اليد إذا أُطْلِقَت فهي الكف فقط، وإن قُيِّدَت فهي بما قُيِّدَت به.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب مسح الرأس، وجوب مسحه؛ لقوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، ووجوب استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن الباء للاستيعاب، ولم تأتِ في اللغة العربية للتبعيض إطلاقًا أبدًا، قال ابن البرهان: من ادعى أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ» ، وعلى هذا فلو أدلى برأسه حتى صب الماء من الماسورة وعمَّ جميع الرأس فإنه لا يجزئه.
وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًّا بنظر لا بأثر، النظر يقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا على العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شُرِع للصائم أن يُفطِر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلى السحر، وبعض العلماء يقول: له أن يواصل اليومين والثلاثة.
لكن هذا القول فيه نظر -أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح فيه نظر- لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ» يقتضي رده؛ أي رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل الرِّجْل؛ لقوله: وَأَرْجُلَكُمْ، وهي معطوفة على قوله: وُجُوهَكُمْأي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب، أما على قراءة الجر فقد قال بعض العلماء: إنه يجزئ المسح -أي مسح القدم- استدل بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل أخذًا بالقراءة الثانية: {وَأَرْجُلِكُمْ}، وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخرى، يغسلها بناء على قراءة النصب ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوعٌ من الوجاهة، يعني لكان وجهة نظر جيدة، لكن السُّنة تأبى ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل قدميه ولم يرِد حرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمسحهما، بل إنه لما رأى بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغَسل نادى بأعلى صوته: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ، فدل ذلك على وجوب غسل القدم، إذن كيف نُنَزِّل الآية؟ نُنَزِّل الآية إما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال: إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقةً النصب، أو ننزِّلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة؛ فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغَسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح؛ ولهذا لم يأت مثله في اليدين؛ لأن اليدين ما فيهما مسح، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يُخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة، وغسلها عليه الصلاة والسلام ، كما هو ثابت في الصحيح.
إذن نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل، متى؟ إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلى المسح على الخفين.
وبناء على ذلك هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين، أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خُفَّي النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، فمسح عليهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غَسل الرجل إلى الكعب؛ لقوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أُطلِق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟ الجواب: نعم؛ وذلك أن الرِّجل عند الإطلاق حَدُّها مفصِل العَقِب، كما تعلمون أن قُطَّاع الطريق الذين تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف يُقطعون من أي مكان في الرِّجل؟ من مَفْصِل العقب، ويبقى العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلى الكعبين، دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
وذهبت الرافضة إلى أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير رحمه الله: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرِّجل من وجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلى العظم الناتئ على ظهر القدم، الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرجل هو المسح دون الغَسْل، الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين؛ قالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام علي بن أبي طالب إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه.
على كل حال لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
طالب: الطهارة في الطواف؟ كيف الإجابة عن حديث عائشة رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ حَتَّى تَطْهِرينَ» ؟
الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، هذا جيد؟
الطالب: وقوله لصفية: «أَحَابِسَتُنَا» .
الشيخ: نعم، بارك الله فيك، الرسول عليه الصلاة والسلام منع عائشة من الطواف، وكذلك أيضًا صفية، لكن هل هي عائشة وصفية هل عليهما الوضوء؟ ولَّا عليهما الحيض؟ والحائض لا يرخَّص لها في البقاء في المسجد، ولهذا لو اضطرت الحائض إلى أن تطوف قلنا لها: طوفي، ولكن تلجَّمي حتى لا يتلوث المسجد بالدم وطوفي للضرورة.
طالب: (...) على القول الراجح بعدم إجزاء غسل الرأس بدلًا عن المسح، الذي يغتسل غسل جنابة ولا يتوضأ، فما هي السنة؟ هل نزول الماء من فوق عليه لا يجزئه؟
الشيخ: هو لما كان عليه جنابة دخل الوضوء في الغُسل، وصار الحكم للغسل، فلا بد في هذه الحال إذا كان لا يريد الوضوء لا بد أن يغسل رأسه؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواوسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
طالب: بارك الله فيك، إذا غسل رأسه بيده، ما يتحقق فيها أنه جمع بين الغسل والمسح؟
الشيخ: كيف إذا؟
الطالب: إذا غسل رأسه بيده حفن بالماء على رأسه ووضعها تحت..
الشيخ: هو إذا أمرّ يده عليه صار ماسحًا.
الطالب: وأجزأه.
الشيخ: ليس يجزئ، لكنه مكروه؛ لمخالفته الصفة المطلوبة في الوضوء؛ لأنه مَسَح.
طالب: كيف الجواب على مسألة مس المصحف؛ يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه ، ويستلزم من ذلك أن يمس المصحف؟
الشيخ: وهل ذكر الله عز وجل عام ولَّا خاص؟ عام، يذكر الله، يعني عام الذكر ولّا غير عام؟
الطالب: عام.
الشيخ: عام، هل يجوز أن يخصَّص العام أو لا؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: هذا هو، نقول: هذا العموم إن سلَّمنا أن القرآن يدخل في مطلق الذكر، قلنا: هذا العموم دلَّ الدليل على أن القرآن لا بد أن يمسه الإنسان وهو طاهر، ثم إننا نقول: لا؛ لأن ما هي المسألة قراءة القرآن، المسألة مس المصحف، فهو غير داخل في هذا إطلاقًا، والرسول يقرأ القرآن بلا مصحف؛ لذلك يظن بعض الناس أن هذا الحديث يعارض القول بوجوب الوضوء لمس المصحف، وهما مسألتان كل واحدة مستقلة عن الأخرى؛ ولهذا نقول لمن ليس على وضوء: إذا أردت أن تقرأ من المصحف فاجعل بينك وبينه حائلًا واقرأ.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، قلنا: إنه مرسل لكن العلماء تلقوه بالقبول، والمرسل إذا تلقته الأمة بالقبول وعملت به دلَّ ذلك على أن له أصلًا، وهذه من الفائدة الحديثية التي تفوت على كثير من الناس، وهذا مشهور عند العلماء، وما أحسن البحث الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة التفسير حول هذه الأمور.
طالب: شيخ، بعض العلماء ضعف الحديث، فكيف (...)؟
الشيخ: صححه غيره، العلماء الذين أخذوا به في الديات وأخذوا به في الزكاة، وأسنان الإبل، قد اعتبروه دليلًا.
طالب: ما المراد بـ(...)؟
الشيخ: يعني عملوا به، وأخذوا به، إن كان خبرًا فبالتصديق، وإن كان عملًا فباعتباره حكمًا.
الطالب: (...) البعض وأراد البعض.
الشيخ: يكفي عنده، إذا أخذ به الأئمة يكفي.
طالب: ما تذكر الآية غسل اليدين قبل الوجه، لم يدل على عدم الوجوب، ولكن لو قيل: بأن الوجوب يؤخذ من مداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليها؟
الشيخ: لو قيل بهذا رددناه بقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» ، فأوجب الغسل فيما إذا كان قد قام من نوم الليل.
الطالب: ولكن الوجوب للفعل.
الشيخ: ما يدل على هذا، فما دام عندنا نص من القرآن وظاهر السنة يكفي.
طالب: استدلوا على الوجوب في بعض الأحكام.
الشيخ: صحيح في بعض الأحكام، لكن ما فيه معارض، التي استدلنا بالمداومة على الوجوب في بعض الأحيان ليس لها معارض، هنا لها معارض وهو ظاهر الآية.
طالب: فتح الله عليك يا شيخ، الرسول صلى الله عليه وسلم لما (...) الجنابة، قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (...).
الشيخ: إي نعم، هذا يدل على أن الإنسان طاهر حتى لو كان عليه جنابة، فهو طاهر.
الطالب: وإن استدلوا به يا شيخ، على (...).
الشيخ: لا، ما يصح هذا، عندنا دليل.
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِإلى آخره.من فوائد الآية: وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغَسل كما هو معروف.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان؛ الوجه الأول: أن قوله: فَاغْسِلُواجواب للشرط، والجواب للشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتَّب على فعل الشرط: إذا قمتم فاغسلوا، فقوله: اغْسِلُواإلى آخره مرتَّب على إِذَا قُمْتُمْ، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتَّب على شيء هو بنفسه مرتَّبًا، هذا وجه.
الوجه الآخر: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله، أي بين غسل اليدين وغسل الرجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السُّنَّة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: «أَبَدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وفي لفظ في غير الصحيح قال: «ابْدَؤُوا» بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلى هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية، ومن دليل منفصل من السنة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الموالاة، وجهه أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتَّبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتَّب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يَعقُبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة، فإذا جَزَّأَهُ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني لو غسل وجهه في الساعة الواحدة وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة، فإنه لا يتبين أن هذا عبادة واحدة، إذن لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحدّ الموالاة؟
من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جرى العرف فيه أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحَدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطًا، وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب، وبناء على ذلك لو أنه يَبِسَ العضو قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء من الأول.
يتفرع عن هذا والذي قبله لو أنه توضأ مُنَكِّسًا، فبدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟
الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، لا يصح أي عضو من الأعضاء إن كان عبثًا، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يُطَهِّر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفوٌّ عنه، وحينئذ نقول: كأنك ابتدأت من الآن فغسلت الوجه فأكمل الباقي.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب غسل البدن كاملًا من الجَنَابة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.
ومن فوائدها: أنه لا يشترط في الغُسْلِ ترتيب، وأن الغسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلى بدنه وعَمَّه بالماء كان ذلك مجزئًا؛ لأن الله تعالى قال: اطَّهَّرُواولم يفصِّل.
وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: إن هذه الآية مجمَلة، بيَّنتها السنة النبوية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وهذا كقوله: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢]، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام كيف إقامتها، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يُشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي لم يره النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد أن انتهى من صلاته، فسأله: «لِمَاذَا لَمْ تُصَلِّ؟»، قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني ليس عندي ماءٌ أغتسلُ به، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». وبعد ذلك جِيء بالماء وانتهى الناس من الشرب وسقْيِ إبلهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل.
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعمَّ البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.
فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟ نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق.





