تفسير سورة المائدة - 5
عدد الزيارات 3333

عناصر المادة :
تفسير الآية (7)
تفسير الآية (8)

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم حين بقي بقية قال لهذا الرجل: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، فأخذه الرجل واغتسل ، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له كيف يغتسل، قال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، وعلى هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن؛ وهو أن الواجب في الغُسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولى.
فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بِرْكَة أو في بحر ناويًا قطع الحدث من الجنابة ثم خرج يكفي؟
نقول: نعم، يكفي، لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغتسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اطَّهَّر، وليس كالوضوء الذي رُتِّب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتى نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولًا، والتعليل أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالى أجزاؤها.
ومن فوائد هذه الآية: أن غسل الجنابة تُسْتَباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة أن الله قال: إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، ولم يذكر وضوءًا حتى لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين، أو ينوي رفع الحدث، أو ينوي استباحة الصلاة.
إن نوى رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لُكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأه أيضًا، فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تُستباح إلا بذلك.
وإن نوى رفع الحدث الأكبر فقط فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ، وهو الراجح -أنه يجزئ-؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرض من أسباب جواز التيمم؛ لقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىيعني: فتيمموا، ولكن الآية الكريمة: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍإلى قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، فظاهر الآية أن المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء، وحينئذ يبقى التقييد بالمرض لا فائدة فيه، لماذا؟ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم، سواء كان مريضًا أو لا.
فيقال في الجواب -والله أعلم-: إن قوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍيدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء، وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطًا بأيش؟ بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطًا بوجود الحرج؛ لقوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدين يسر، سواء من أصل المشروعات الشرعية، أو إذا طرأ موجِب، سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير، لكنها لا تُسقط الواجب إلا في حدود الشرع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاهي مثلًا أو لبن فإنه لا يتطهر به، لا يجب عليه؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الماء ما دام يطلق عليه الماء أو اسم الماء، فإنه مطهِّر ولو تغير بشيء طاهر؛ لعموم الآية: تَجِدُوا مَاءً، وكما تعلمون أن (ماء) نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقيًا فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طلب الماء؛ لقوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، قال العلماء: ولا يقال: لم يجد، إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعدًا ويقول: لم أجد! هذا غير صحيح.
ولكن كيف يكون هذا الطلب؟ هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة، أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟ الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها.
فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء، ثم وجد الماء بعد الصلاة قريبًا منه، أيعيدُ أو لا؟ نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها، وأن الماء حدث من بعد، كأرض مثلًا حُفِر فيها ارتوازي بعد خبرته فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه الإعادة؛ وذلك لأنه مُفرِّط، حيث لم يطلب، والله عز وجل يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التيمم على ظهر الأرض أيًّا كان؛ لقوله: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا، سواء كان الصعيد رمليًّا، أو حجريًّا، أو سبخة، أو يابسًا، أو رطبًا -يعني نديًّا- المهم أنه يسمى صعيدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينقُض الوضوء إلا الغائط، سواء ببول أو بعَذْرَة؛ لقوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، ولم يذكر سوى ذلك؛ ولهذا لم يُجْمِع العلماء على نواقض الوضوء إلا على هذا، أي: ما خرج من السبيلين؛ القبل أو الدبر، وما عدا ذلك ففيه خلاف، كل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف.
وعليه فنقول: القرآن دل على ناقض واحد من نواقض الوضوء وهو الخارج من السبيلين؛ من بول أو غائط، والبقيَّة تحتاج إلى دليل، فإن وُجد دليل من السنة أخذنا به، وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضى دليل شرعي، وارتفع حدثه بمقتضى دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر.
من العلماء من قال: في الآية دليل على أن مس المرأة ينقض الوضوء؛ لقوله: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، وفي قراءة: {أَوْ لَمَسْتُمْ} ، ولكن سبق في التفسير أن قلنا: إن القول الراجح المتعيِّن أن المراد بالملامسة الجماع، وبيّنَّا وجه ذلك فيما سبق أثرًا ونظرًا، ولعلكم تذكرون إن شاء الله.
ننظر الآن بقية النواقض؛ الخارج من السبيلين عرفنا أنه ناقض بمقتضى الآية الكريمة، الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق، وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء.
فإن ادعى أحد أن شيئًا من هذا ينقض الوضوء قلنا: هات الدليل، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلى بيانه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجه يَثْبُت أن ذلك ناقض الوضوء، وعلى هذا فلا نقض.
الثالث: لمس المرأة من تقبيل أو مباشرة، أو غير ذلك سوى الجماع، ليس في السنة ما يدل على أنه ناقض الوضوء، إلا إذا خرج شيء فهذا يكون النقض بالخارج، وعلى هذا فلو أن الإنسان قبَّل زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ بحاله، هذا كم؟ ثلاثة؟ نعم.
الرابع: النوم، النوم أيضًا فيه خلاف، فيه خلاف يبلغ إلى ثمانية أقوال؛ هل ينقض أو لا ينقض، والصحيح أنه ناقض، لكن بشرط أن يكون مَظِنَّة الحدث؛ وهو النوم المستغرِق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يُحِسَّ بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءى للإنسان الأحلام، ولكنه صاحٍ لو أحدث لأحس، فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ينتظرون العِشاء الآخرة حتى تَخْفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: «لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَدْعُو لِنَفْسِهِ أَمْ يَدْعُو عَلَيْهَا» ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء.
ولكن ما هو النوم اليسير؟ النوم اليسير هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعًا، أو متكئًا، أو جالسًا، أو قائمًا، أو راكعًا، وبعد ذلك؟
الخامس: أكل لحم الجزور، أكل لحم الجزور فيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» ، وأنه سُئِل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، وسُئِل عن الوضوء من لحوم الغنم قال: «إِنْ شِئْتَ»، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل أنه خَيَّر بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم، وقال في لحم الإبل: نعم، توضأ، فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دلَّ على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيئًا أو مطبوخًا.
فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه: أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الوضوء مما مست النار ، و(ما) اسم الموصول يشمل لحم الإبل وغيرها؟
فالجواب: أن هذا عام، ولحم الإبل خاص، ومعلوم أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أولًا أن يتوضأ الإنسان إذا أكل ما مسته النار، حتى الخبز إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نُسِخَ هذا الأمر، وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب، ما الذي بقي؟
مسّ الفرج، مسّ الذكر أيضًا فيه خلاف بين العلماء، واختلفت فيه الأحاديث؛ ففي بعضها الأمر بالوضوء، وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي عليه الصلاة والسلام عدم الوضوء منه بأنه بَضْعَة منك، لما سئل عن رجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» ، والبَضْعَة يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءًا منه لا ينتقض الوضوء، لو مسّ رأسه، أو مس يده الأخرى، أو مس رجله، أو بطنه، أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مسّ ذَكَرَه، كلها أعضاء.
وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذَكَرُ الإنسان غير بَضْعَة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير صار الحكم لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عِلَّة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلى هذا فلا وضوء من مَسِّ الذَّكَرِ.
لكن قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث آخر يقابله؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وهذا عام، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ»، (مَسَّ)، وإذا كان كذلك وجب أن يُحْمَل على معنى لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعنى الذي لا ينافيه؟
نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسّ للمعنى الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مَسُّه كمسّ بضعة من الإنسان، بل مسّه المسّ الذي يختص بالذكر وهو الشهوة؛ ولأن الشهوة مَظِنَّةُ الحدث؛ لأن الإنسان قد يُمْذِي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين.
وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة أن من مسّ ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسّه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعجب الأقوال، وفيه الجمع بين الأقوال أيضًا؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقًا، وإذا قلت: فيه الوضوء، وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقًا، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل.
باقي تغسيل الميت، تغسيل الميت لا دليل عليه، حديثه ضعيف، ولا دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلى هذا فلا يكون ناقضًا للوضوء، حتى لو قلنا: إن الميت كله عورة؛ فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، بقي..
الطلبة: حمل الجنازة.
الشيخ: لا، حمل الجنازة ما ينقض الوضوء، ولا أظن أحدًا قال به.
بقي لنا الردة، الردة في الواقع أنها تُحْبِطُ الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل، صار الوضوء واجبًا من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضًا، وربما يُذْكَر في مكان آخر.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز في الحدث الأصغر، وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة: إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، ذكر الله التيمم بعد الوضوء، وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غُسْل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة صار فيها خلاف قديم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمُّم للجنب، وكان يرى -أي عمر- أن من كان عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلى الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر ذَكَّره، رضي الله عنه ذكَّره أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه رضي الله عنه أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يَعُم بدنه، فظن أن طهارة التراب كذلك، فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أخبره، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه، ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين، إن شئت أن لا أُحَدِّث به لما أوجب الله عَلَيَّ من طاعتك فعلتُ، قال: لا، نُوَلِّيكَ ما تَوَلَّيْتَ ، يعني: فحدِّث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة، ويكون في الحدث الأصغر.
طالب: بارك الله فيكم، عند الذين يقولون بنقض مس الفرج مطلقًا، هل يقولون هذا في الصغير؟
الشيخ: لا، الصغير يقيدونه بما إذا كان له سبع سنوات، وأظن بعضهم يرى الإطلاق، لكن كما رأيتم أن القول الراجح أنه لا بد من شهوة.
طالب: المريض إذا أصابته جنابة وتيمم، ثم بعد ذلك أراد أن يصلي وكان يستطيع أن يتوضأ، هل يتوضأ أو يكفيه التيمم للصلاة؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان المريض لا يستطيع أن يغتسل، فهل يلزمه الوضوء؟ وإذا كان أيضًا عادمُ الماء وهو عليه الجنابة لم يجد إلا ماء يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟ الظاهر: نعم؛ لأنه لا شك أن الوضوء يخفف الجنابة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل ينام وهو جُنُب، قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ»، وكان أيضًا الجُنُب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ.
طالب: هل يجب على الراجي الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؟
الشيخ: لا يجب عليه ذلك؛ لأنه توجَّه إليه الأمر من أول الصلاة، لكن التأخير أفضل.
طالب: إذا أجنب رجل ولم يجد الماء وكان جاهلًا بحكم التيمم، ففعل مثل ما فعل عمار، فهل يجزئ هذا عنه أو يتيمم مرة أخرى؟
الشيخ: ما ظنك بإفتاء الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار؟ هل أمره أن يعيد؟ ما أمره.
الطالب: لكن هذا قد نزل الحكم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحكم لم يكن ثابتًا.
الشيخ: لا، بس هو جَاهِل به، من يقول: إن الحكم لم ينزل، ثم إذا قدَّرنا أنه لم ينزل فظاهر الحديث أنه نزل قبل سؤال عمار، المهم على كل حال، نقول: إنه ليس عليه شيء، لكنه من الآن يتيمم، أما ما مضى فهو جاهل ولا شيء عليه.
طالب: شيخ، قلنا: مس الذكر لا بد أنه يكون بشهوة، طيب تقبيل المرأة مظنة الشهوة أكثر من مس الذكر؟
الشيخ: إي نعم، صحيح، ربما يرد علينا مُورد بهذا، فنقول: إن مس المرأة لم يرد فيه عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه أمر بالوضوء منه، بل كان يقبِّل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ، لو ورد حملناه على هذا.
طالب: إنسان جاهل بالتيمم ما يدري التيمم، استعمل التيمم كما يفعل في الماء، يغسل أعضاءه؟
الشيخ: هذا سؤال ذكي، إذا كان لا يعرف إلا هذا فلا شيء عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، عادم الماء إذا كان معه أهله، فهل يقال: الأولى أن لا يقرب أهله فيقع في الجنابة والحرج، أم يقال ما دام..
الشيخ: نقول له: أجنِب، وإن كنت جُنُبًا فلم تجد ماء فتيمم.
طالب: الغضب الشديد (...) هل ينقض الوضوء.
الشيخ: لا، ما ينقُض الوضوء إلا ما ذكرنا لك، أبدًا، ما ينقض الوضوء إلا ما جاءت به السنة: النوم، وأكل لحم الإبل، وما خرج من السبيلين.
طالب: شيخ، اشتراط المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة؟
الشيخ: ما هو الله يقول: اطَّهَّرُوا؟!
الطالب: (...) ولا تمضمض ؟
الشيخ: ما صح غسله، والدليل على هذا أنه يجب أن يُطَهَّر الفم والأنف في الحدث الأصغر، ففي الأكبر من باب أولى.
طالب: بارك الله فيك، إذا وجد الماء وهو أثناء الصلاة؟
الشيخ: نعم، الصحيح أنه يقطعها؛ لأن وجود الماء يُبطل التيمم، فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة، يجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
طالب: شيخ، المجنب إذا عم جسده، هل يكفيه بالوضوء؟
الشيخ: إي نعم، يكفي عن الوضوء، إي نعم؛ لأن الله قال: إِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتوارى عن الناس، وجهه قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، فإن هذا هو سُنَّة الصحابة رضي الله عنهم في حياة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون هذا دليلًا على أن من هديهم الاستتار عن الأعين، ولا شك أنه من كمال الأدب، ولكن ليس كونُ الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته ليس هذا من الأمور المذمومة؛ لأنه فعله من هو أشد الناس حياء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى سُبَاطَةَ قوم فبال فيها عليه الصلاة والسلام، بال فيها قائمًا وكان حذيفة حوله .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الشرع في التطهير، حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالبًا أدوات العمل وآلات العمل؛ فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشُرِعَ تطهير هذه الأعضاء الأربعة، أما في الجنابة فشرع أن يُطَهِّر الإنسان جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله؛ ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل، فإن لم يمكن فليتوضأ، ويدل لهذا -أعني أن الجنابة تؤثر على جميع البدن- أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت، من أجل يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التَّكْنِيَة عما يُستقبَح ذكره؛ لقوله: مِنَ الْغَائِطِ، وقوله: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم جائز لجميع ما على الأرض، سواء كان رملًا، أم ترابًا، أم حجرًا، أم غير ذلك.
فإن قال قائل: ننازع في هذه الفائدة؛ لقوله: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ، و(من) تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يكون شيء يعلق باليد من الأرض إلا إذا كانت تُرَابِيَّة؟
قلنا: هذا الإيراد وارد لا شك، وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض لها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح، لكن الجواب على هذا الإيراد هو أنه قد عُلِمَ للضرورة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم يُنْقَل أنه كان يحمل التراب معه، ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق لنا أن قلنا في التفسير: إن (من) هنا يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم به طيِّبًا، وهو الطاهر، ضده النجس، ولكن ليس هناك صعيد يكون نجسًا، بل لا بد أن يكون متنجِّسًا، والمتنجِّس كالنجس، وعلى هذا فلا يصح التيمم على أرض مُتَنَجِّسَة؛ لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
ومن فوائدها: وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم؛ لقوله: بِوُجُوهِكُمْ، ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسح الأنف وما حولها وترك الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة: بِوُجُوهِكُمْأي كلها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع؛ لقوله: وَأَيْدِيكُمْ، وجه الدلالة: أن الله لما أراد تجاوز الكف قَيَّدَه، وذلك في نفس الآية اللي معنا، وذلك في طهارة الوضوء بالماء؛ حيث قال: إِلَى الْمَرَافِقِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولًا أيش؟ بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟ بلى يا إخوان، غسل اليدين قبل غسل الوجه أو بعده؟ بعده، إذن مطابق.
فإن قال قائل: الواو لا تقتضي الترتيب، بل هي لمطلق الجمع؟
قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي؛ لقوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، أي: من مشقة؛ فالدين الإسلامي -والحمد لله- كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطًا بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطًا بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يَشُقُّ عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو مُيَسَّر ليس فيه مشقة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: مَا يُرِيدُوَلَكِنْ يُرِيدُ، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنّا إذا قلنا: إن الحرج منفي، فهل معنى ذلك أن المشروع يرتفع بالكلية، أو يُخفَّف فيه؛ إما بذاته، أو بالانتقال إلى بدله؟
الجواب: تارة ينتفي الحرج برفع المشروع بالكلية، وتارة بتخفيفه، وتارة بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام؛ إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكُلِّيَّة، وإما أن يُخفَّف، وإما أن يُجعل له بدل.
فمثلًا في كفارة القتل إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين ماذا يكون؟ تَسْقُط عنه، تُرْفَع بالكلية، في القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنه أيش؟ يُخفف فيصلي قاعدًا إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا.
الثالث: أن يكون إلى بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًّا لا يلزمه أن يصوم، لكن عليه البدل وهو إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر -الحمد لله- واسعًا.
وبناء على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا عز وجل نقول: إن من عجز عن الكفارات أيًّا كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقُط عنه.
وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان، فهذا الحصر لا دليل عليه، والصواب أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزًا عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة: إذا كان الإنسان فقيرًا فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقض عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سِعَةُ رحمه الله عز وجل، حيث نفى الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تَسَبَّبُوا لذلك، فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء: ١٦٠] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: قوله: وَلَكِنْ يُرِيدُ، هل الإرادة هنا شرعية أو كونية؟ شرعية، الإرادة هنا شرعية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التيمم مُطَهِّر وليس بِمُبِيح، كيف الكلام هذا؟ يرى بعض أهل العلم رحمهم الله أن التيمم يبيح ما كان محظورًا بدون الماء، يعني: يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عُدِم الماء أو خِيفَ الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة.
فيرى بعض العلماء أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظورًا، وبناء على هذا لو تيمم لقراءة القرآن لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلى من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوى من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة.
ولو نوى صلاة نافلة لم يُصَلِّ بذلك فرضًا؛ لأن الفرض أعلى من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تتقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها.
ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مُطَهِّر، دلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أين هي في كتاب الله؟ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْبعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم قال: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطَّهور –بالفتح- ما تحصل به الطهارة، وعلى هذا فيكون التيمم مُطَهِّرًا، رافعًا للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ تطَهَّر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخرى ما دام لم ينتقض وضوؤه، وهلم جرَّا، وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه، فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط، لماذا؟ لأنه حين تيمم للجنابة تَطَهَّرَ منها وارتفعت الجنابة، فلا حاجة إلى أن نقول: أعِد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة، نقول: لا، انتهى؛ لأن الله سمى ذلك أيش؟ تطهيرًا، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمَّى الأرض طَهُورًا.
بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مُطَهِّر؟ هل هو مُطَهِّر طهارة مقيَّدة بوجود الماء، أو طهارة مطلقة؟ بمعنى أنه لو وَجَد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟ الأول، وعلى هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، أليس قد طَهُرَ من الجنابة؟ بلى، إذن لماذا توجِبون عليه الغسل وقد طَهُر من جنابته؟
نقول: لنا دليل في هذا، الدليل قصة الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر –أظن- أو إحدى الصلوات، فقال: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ»؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» ، ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل، مع أنه تيمم وصلى، فأمره أن يغتسل، هذه واحدة.
الدليل الثاني: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَقِّ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشْرَتَهُ» ، إذن عندنا دليلان من السُّنَّة.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإجماع منعقد على ذلك. يعني: أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، حينئذ تكون القاعدة بأنه مُطَهِّر، فيها شيء من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دلَّ عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدِّم على النص شيئًا؛ لأننا قلنا: إنه مُطهِّر بالنص، فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله، فإنما قلنا ذلك بإيش؟ بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دلَّ عليه الكتاب والسنة.
رجل تيمَّمَ؛ لعدم الماء لصلاة الفجر، وبَقِي إلى العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم، نقول: ينبني على الخلاف، إذا قلنا: إنه مُطَهِّر فلا يعيده، يصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مُطَهِّر يعيد التيمم، كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي صلاة الضحى بتيمم صلاة الفجر؟ على القول بأنه مُبِيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانيةً لذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لو تيمم ولبس خُفَّيْن ثم وجد الماء، فهل يمسح عليهما؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما أسرع إجابتكم بدون تأمل وبدون تروٍّ، أيش؟ يا إخواني، الآن قلنا: إن القول الراجح أن التيمم مُطَهِّر، توافقون على هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هذا لبس الخفين على الطهارة؟
طلبة: لا بد يغسل.
طلبة: لا بد يتوضأ.
الشيخ: بس هو لا بد يتوضأ، ما يكفي هذا، لا بد يتوضأ، هذا حكم منكم، لكن نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة القدم، القدم ما له دخل في التيمم، أليس كذلك؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدلَّ هذا على أنه لا يُمْسَح على الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وهذا الجواب جوابكم صحيح، لكنه ما أدري عن علم أو عن غير علم، لكن هذا التعليل؛ أن القدم لا تتعلق به طهارة التيمم، وحديث المغيرة يقول: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ».
إذن، إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء، ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، نقول له: اخلع الخفين؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذن يبقى لابس الخفين لو يبقى عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في شرع الله، التعليل: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، وهذا الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تُحْصَى؛ أن الله سبحانه وتعالى حكيم في كل ما يخلق، وفي كل ما يشرع.
ويتفرع على هذه الفائدة: الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، ما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبنيٌّ على حكمة سوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإنّا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أراد الله الفقر، المرض، كثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة، ليس عبثًا ولا لمجرد مشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي.
من أهل البدع من نفى الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة، ولا يَشْرَع لحكمة، إنما هو مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات، منها حديث عائشة: كنا يصيبنا ذلك -يعني الحيض- فنُؤمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين أيش هو؟ حكمة، يعني مجرد أن نعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة رضي الله عنها فوَّضت الحكمة إلى الله عز وجل بأن هذا هو ما يأمرنا به، وكفى بذلك حكمة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغُسل، والوضوء، والتيمم، نعمة من الله عز وجل على العباد؛ لقوله: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، ولا شك أنها نعمة، ومن رأى فضائل الوضوء وما يُكَفِّر من الذنوب عَرَف نعمة الله عز وجل بهذا، وكذلك الغُسل من الجنابة، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام المشقَّة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يقولون بعدم جواز صلاتين بتيمم واحد، احتجوا بالآية بأن الله قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًاشترط التيمم بعدم وجود الماء قالوا: على المرء يجب أن يبحث عند كل صلاة الماء.
الشيخ: وهذا ما عنده ماء.
الطالب: إن لم يجد يتيمم.
الشيخ: لا، الله أجاز التيمم إذا لم يجد، إذا كنت تعرف أن ما حولي ماء.
الطالب: نقول: إنه يجب عليه البحث.
الشيخ: عبث هذا، هل يوجب الله على الإنسان، وقال: ابحث عن الماء، وأنا أعلم ما عندي ماء؟ أبدًا، هذا منافٍ للحكمة، ومنافٍ للشرع أيضًا.
طالب: يقال: إنه يكفي مسح بعض الرأس في الوضوء هل يقولون ذلك في التيمم؟
الشيخ: قد يلزمهم ذلك، لكن لا أدري يقولون به أم لا، لكن حقيقة يلزمهم.
طالب: أحسن الله إليك، الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بالحائط وتيمم حتى يرد السلام على ذلك الصحابي، كيف يوجَّه هذا الحديث؛ لأن بعضهم يقول: أنه يجوز التيمم بأي شيء، التيمم على الجدار، رغم أنه كانت فيه أشياء ما هي من الصعيد؟
الشيخ: الجدار ما هو بصعيد؟
طالب: استدلوا بهذا بجواز التيمم بالجدار المونة، حتى لو كان مطليًّا بدهان.
الشيخ: وقت الرسول ما فيه طلي بدهان، لكن على كل حال نحن نقول: إذا طُلِيَ بدهان وكان فيه غبار يكفي.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، الصعيد هل يلزم أن يكون متصلًا بالأرض، بمعنى أنه لو أخذ حجرًا أو رملًا ونقله إلى مكان آخر، ومثله ما لو أحيانًا يرفع الإنسان السجادة والموكيت فيجد تحته غبار، فهل التيمم بهذا جائز؟
الشيخ: إي، جائز، ما فيه شك، جائز.
طالب: الترتيب (...) التيمم غير قطعي؟
الشيخ: نعم، ما هو قطعي، لكن ظاهر السنة «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» أنه يرتِّب.
الطالب: لكن، إذا خالف الترتيب.
الشيخ: الفقهاء إذا خالف الترتيب يقولون: في الجنابة لا بأس، إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف في الترتيب؛ لأن الغسل لا يُشترط فيه الترتيب، والتيمم بدل عن الغسل، وأما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء؛ لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، من تيمم فوجد الماء بعد أن لبس الخفين يجب أن يغسل؛ لأنه ما أدخلهما طاهرتين؟
الشيخ: لا، لا، يجب أن يتوضأ وضوءًا كاملًا.
الطالب: يا شيخ، لو احتجوا علينا قالوا: أنتم الآن تقولون أنه طاهر بهذه الآية لو أدخلهما حال كونهما طاهرتين، وإن حديث المغيرة مُطلَق، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: بعد أن غسلتهما، إنما قال: طاهرتين، فتصدُق عليه هذه الصورة.
الشيخ: لكن كونه خَصَّ ما قال: أدخلتهما طاهرًا، حتى نقول: إنه يشمل إذا تطهر من التيمم، قال: «أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ»، فدل هذا على أنه إنما يمسح في طهارة تتعلق بالرجلين.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، جماعة ذهبوا في برّ، وكان معهم ماء ما يكفي لطهارتهم جميعًا (...) إنه مشاع، فماذا يفعلون إذا قصر الماء عن تطهير الجميع؟
الشيخ: يقترعون عليه، لا بد من استعمال القُرْعَة؛ لأن فيه هنا، أنتم سمعتم سؤاله؟ يقول: جماعة مشتركين في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع، فماذا يصنعون؟ إن آثر أحدهم الآخر، قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبق علينا إلا القرعة.
طالب: والماء القليل الذي يبقى من طهارتهم بقي ماء يكفي لبعض الطهارة فهل..؟
الشيخ: يتوضأ به.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف ما (...)؟
الطالب: يعني يبقى تقريبًا كنصف قارورة صغيرة، ما يكفي.
الشيخ: يعني معناه ما يكفي إلا غسل وجهه ويديه مثلًا؟ يستعمله ويتمم عن الباقي.
طالب: شيخ، قلنا: إنه ما يجمع بين طهارتين، فكيف (...)؟
الشيخ: ما قلنا هذا، من قال هذا؟ قلنا: ما يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني: واحد توضأ وتيمم، أما إذا لم يجد إلا البعض فقد قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
طالب: إذا قلنا: إنه يتوضأ بالماء الباقي هذا، فهل هذه عبادة؟ الذي يأخذ جزءًا من الماء ويغسل بها وجهه ويديه، ولا تكفيه لبقية الجسم.
الشيخ: يغسل.
الطالب: يعني يغسلها، ولكن هل هذه عبادة؟ وهل فيها دليل؟
الشيخ: إي نعم، عموم قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه.
طالب: ينشِّف يديه قبل أن يضرب على الصعيد أم يضرب حتى لو..
الشيخ: إذا قلنا: لا بد من الغبار، فلا بد أن ينشِّف قبل، وإذا قلنا: ليس بشرط، فلا بأس.

***

تفسير الآية (7)
01:02:10

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: ٧، ٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وبقي علينا فيما سبق فوائد، هل ذكرنا أن في الآية إثبات الحكمة لله؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
هل ذكرنا أن في الآية دليلًا على أن الشكر هو العمل بالصالح؟ نعم، في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
إذا قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنه في قوله: «إِنَّ اللَّهَ أَمَر الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَال تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» .
إذن فالشكر؛ شكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول وكلام الله بعضه ببعض أولى من أن نلتمس تفسيرات أخرى، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محلُّه القلب، واللسان، والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة، أو على كمال صفة محمودة، ويكون بالجوارح واللسان.
قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهُل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن أي إنسان فإنه بمقتضى فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه، فيقول عز وجل: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: تذكروها.
وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِيعني العهد الذي عهدكم به، وهو قوله: إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فإن قول المؤمن: سمعنا وأطعنا، يعني التزامه بكل الشريعة، بدون تفريق بين أن يكون مما يهواه قلبه، أو مما لا يهواه.
وقوله: سَمِعْنَاأي: ما يقال، وَأَطَعْنَاأي: فيما يُؤمَر ويُنهَى، فيتضمن تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي.
وَاتَّقُوا اللَّهَ: اتخذوا وقاية منه جل وعلا، وذلك بفعل أوامره، وترك نواهيه على علم وبصيرة.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني: أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب، وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب.
واعلم أن كلمة (ذات) تُطلَق في اللغة العربية على عدة معانٍ، منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك:
وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ ....................

فلغة طيء مثلًا يقولون في: جاءت المرأة التي أطاعت الله، يقولون: جاءت المرأة ذاتُ أطاعت الله، فهي عندهم بمعنى (التي).
تطلق على الجهة، مثل قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال: ١] أي: الجهة أو الصلة التي بينكم.
وتطلق على (صاحبة)، بمعنى صاحبة، كما في هذه الآية: بِذَاتِ الصُّدُورِ، أي: بصاحبة الصدور.
ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح المتكلِّمين؛ فإنهم يُطلِقون الذات على النفس، أي على ما يقابل الصفة، ولهذا تجدون في كلام الذين يتكلمون في العقائد، تجدون كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات، يعبِّرون بالذات عن النفس.
فقوله تعالى: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه أي: ذاته، وليست نفس الله عز وجل ليست صفة سوى الذات، بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونُثْبِت لله نفسًا، قد يفهم منها بعض الناس أن النفس صفة زائدة على الذات، وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها.
فقوله: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُكقوله تمامًا: يحذركم اللَّهُ اللَّهَ، أي: أن الله عز وجل له نفس.
وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ، يعني: ما عندك وما عندي، فانتبهوا لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد: نُثبِت لله نفسًا، يظن أن ذلك صفة زائدة على الذات، وليس كذلك.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل؛ إن أدَّى عدمُ ذكرها إلى نسيان الواجب كان ذكرها واجبًا، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحظور، فليُذَكِّرها نعمة الله، يقول مثلًا: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية، بالصحة، بإرسال الرسل، بإنزال الكتب، ببيان الحق، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة، وهو أمر لا يحتاج إلى برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر، أو للمؤمن وحده؟
نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن.
فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل؛ أما النعمة العامة فنعم، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وأما الخاصة فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه، وهو العهد بالسمع والطاعة.
فإذا قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن الميثاق يكون عقده بالقول ويكون بالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: «أَنَّ اللَّهَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ».
وأما الفعل فنعم وثابت، وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد، والاعتراف بالله عز وجل، وكذلك أيضًا بما أعطاه من العقل الذي يُميِّز به بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وهذا ميثاق نقول: ميثاق بأيش؟ بالفعل، يعني: أنت لا تستحضر أنك عاهدت الله عز وجل بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهدًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السمع المجرد لا يُغْنِي شيئًا، لا بد أن يكون سمعًا واستجابة، أما مجرد السمع فلا؛ وذلك لقوله: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، نفى الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع، وهي الطاعة، فعلى هذا لا يكفي مجرد السماع، بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، وأنها مَبْنِيَّة على تذكر العهد والميثاق؛ لقول الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي أيش؟ اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد من خرج عن التقوى بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
ومن فوائدها: أن التقوى محلها القلب؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يعني: فاجعلوا مدار التقوى على أيش؟ على القلوب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ، نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله، وأنه شامل لما ظهر وبطن، وجه الدلالة من الآية؟ عموم العلم؛ لأنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالما بالظاهر والباطن.

***

تفسير الآية (8)
01:15:21

ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة: ٨].

أولًا: في الآية قراءتان في شَنَآنُ؛ قراءة بالسكون {شَنْآنُ}، وقراءة بالفتح شَنَآنُ، والظاهر -والله أعلم- أن سبب قراءة السكون هو التخفيف؛ لأن شَنَآنُفيها شيءٌ من الثقل؛ لتوالي الحركتين، فإذا قيل: {شَنْآنُ} صار ذلك أخف.
على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع، لا لما سيوقَع، بمعنى أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان، لكن نعلِّل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة أيش؟ توقيفية، فعلى هذا نقول: فيها {شَنْآنُ} وشَنَآنُ.
يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وسبق لنا مرارًا مثل هذه الصيغة، وبيان ما يترتب عليها.
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ، كُونُواأمر بأن نكون، شرعي أو كوني؟ شرعي.
قَوَّامِينَأي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام، وليس في القيام أصله، فنقول: قَوَّامِينَهنا التشديد فيها للنسبة وليست للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطَبين، فإذا كانوا أمة فقام واحد بهذا، وواحد بهذا، وواحد بهذا، صار المجموع كثيرًا، فصار قوَّامًا، على كل حال إن جعلت (فَعَّالًا) للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحد قائمًا بالقسط وهم أمة صح أن يقال: (قوَّامين)، وإن جعلتها غير مبالغة، فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام.
قَوَّامِينَ لِلَّهِاللام هنا إشارة إلى الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط، أي بالعدل لله عز وجل، لا تخشَوْا بذلك أحدًا، ولا تحابوا بذلك أحدًا.
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، شُهَدَاءَنقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل قَوَّامِينَ: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ (كان)؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله عز وجل: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٤، ١٥]، كم من خبر؟ الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد؛ أربعة.
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، شُهَدَاءَجمع (شهيد)، أو جمع (شاهد)، المعنى: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل.
بِالْقِسْطِأي: بالعدل، وقد جاء في الحديث: «الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، لَا يَجْرِمَنَّكُمْأي: لا يحملنكم.
شَنَآنُأي: بُغْض.
قَوْمٍهم الجماعة من الناس، فإذا قيل: قومٌ، وذُكِر معها النساء، فالقوم للرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات: ١١]، وإذا ذُكِر (قوم) وحدها صار شاملًا للرجال والنساء، لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [الأعراف: ٥٩] يعني الذكور والإناث.
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، من يعرب أَلَّا تَعْدِلُوا؟
طالب: (على) حرف جر.
الشيخ: (على) حرف جر.
الطالب: (...).
الشيخ: ناهية؟ (لا) ناهية.
الطالب: لا، نافية.
الشيخ: نافية؟
الطالب: لا، ناهية، جزمت الفعل.
الشيخ: ناهية، جزمت الفعل، أو زائدة؟ ابدأ من (لا).
طالب: (لا) نافية.
الشيخ: نافية أو ناهية؟
الطالب: نافية.
الشيخ: نافية.
الطالب: تَعْدِلُوافعل مضارع منصوب بـ(أن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والمصدر في محل جر اسم مجرور.
الشيخ: (أن) وما دخلت عليه في محل..؟
الطالب: جر.
الشيخ: التقدير؟
الطالب: على عدم عدلكم.
الشيخ: على عدم عدلكم، توافقون على هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صح.
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، يعني: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل، وهو الْجَور.
ثم قال: اعْدِلُواحتى فيمن تبغض؟ حتى فيمن تبغض، نعم، اعْدِلُواأي: قولوا بالعدل، فما هو العدل؟ العدل إعطاء كل ذي حق حقه، هذا العدل.
هُوَأي: العدل، توافقون على هذا؟ ما سبق ذكر العدل، نقول: العدل مفهوم من الفعل الذي هو اعْدِلُوا؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصًا عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دالٍّ عليه، هنا اعْدِلُوادالٌّ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون هُوَأي العدل الذي أُمِرْتُم به.
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، ولم يقل: هو التقوى، بل قال: أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوى، وقد تحمل عليه محبة الثناء عند الناس، فلا يكون تقوى؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
وَاتَّقُوا اللَّهَ، بعد أن أمر بأن نكون قوَّامين، ونهى أن يحملنا البغض على ترك العدل، ثم أَمَر بالعدل قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وهذه كالطابع على ما سبق.
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، الجملة هذه نقول فيها مثل قولنا فيما سبق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يعني: إنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ، قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأنها -أي الخبير- من الخُبْر؛ وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سُمِّي الزَّرَّاع خَبِيرًا، وسُمِّيَت المزارعة مُخابَرَة؛ لأنه يدُسّ الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور.
بِمَا تَعْمَلُونَأي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وفائدة ذكر الله هذا هو أن نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالمًا بنا سبحانه وتعالى.
في هذه الآية فوائد، أولًا: وجوب الإخلاص لله عز وجل في الشهادة؛ لقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وقال في آية أخرى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق: ٢].
واعلم أنك إذا كنت مخلصًا لله في الشهادة فإنك لن تُحابِيَ قريبًا ولا صديقًا، ولن يحملك بغضك لشخص على ألا تشهد له ما دمت مخلصًا لله تعالى في الشهادة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط، بالعدل، طيب، وإذا كان المشهود عليه قريبك، أباك، أخاك، عمك، ولو؛ لقوله تعالى في سورة النساء: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، ولا يُعَدُّ شهادة الإنسان على أبيه وأمه لا يُعَدُّ هذا عقوقًا، بل هو بِرٌّ؛ لأنك إذا شهدت عليهما منعتَهما من الظلم، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم منْع الظالم من ظلمه نصرًا للظالم، فقال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم، فكيف نصر الظالم؟ قال: «تَمْنَعُهُ مِنْ ظُّلْمِهِ» .
ومن فوائد هذه الآية: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنتَ كارهًا؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة الشخص، أو كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة، فتجده مع نفسه في صُداع؛ هل يشهد أو لا يشهد، فالواجب ألا يحملك قُرْب قريب أو بغض بعيد على ألا تشهد، اشهد بالعدل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أساليب القرآن الكريم، إن صح هذا التعبير (أساليب)، وإن شئت فقل -وهو أولى-: أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، هذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أَلَّا يفرِّقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضًا ألَّا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا ألَّا يفرقوا بين البَرِّ والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم: ٣٥]؟ ويش بعدها يا جماعة؟ مَا لَكُمْقل: ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ كيف تحكمون هذا الحكم؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]؟
وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر، أكثر من إثباتها، وأن الذي في القرآن هو العدل، وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق؛ لذلك العبارة السليمة أن تقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: ٩٠].
نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صحَّ أن نقول: إنه دين مساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذ نقول: هو دين المساواة، يعني: إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس أنه لا يُفرِّق بين الشريف والوضيع، وأنه يسوِّي بينهما؛ لأن التسوية هنا أيش؟ عدل.
وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فَنَعَمْ، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تمامًا في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق؛ لهذا يجب عليكم أنتم يا طلبة العلم إذا رأيتم بعض كتب الْمُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين مساواة، تقول: قف، من قال هذا؟ هات لي آية واحدة في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلًا من أن تقول هكذا هات الكلمة الحبيبة التي تَرِدُ على القلب وُرُودَ الماء البارد على كبد العطشان، وهي العدل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدل أقرب للتقوى، وهو صريح.
من فوائدها: أن الأعمال الصالحة منها ما يُبْعِد عن التقوى، ومنها ما يُقَرِّب، وينبني على ذلك تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت، والعُمَّال يتفاوتون أيضًا، لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]، مع أنهم كلهم صحابة، لكن لا يستوون.