من فوائدها: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن
التقوى ومنها ما يقرّب، وينبني على ذلك تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دلَّ عليه
الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت، والعُمَّال يتفاوتون أيضًا؛ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَاقرأ الآية أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠] مع أنهم كلهم صحابة، لكن لا يستوون حتى قال النبي
عليه الصلاة والسلام لخالد بن الوليد حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل
قال: «لَا تَسُبُّوا أصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا
نَصِيفَهُ» هذا
يكون بين مَن؟ صحابيٍّ وآخر، كيف عاد من بعدهم؟! إذن هذا اختلاف العُمَّال، كذلك
أيضًا اختلاف الأعمال؛ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٥] وهلم جرًّا، فالأعمال تتفاضل،
وأقول: يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن
الأعمال تتفاضل، والعمال يتفاضلون، وأن الإيمان يزيد وكذلك ينقص.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة التقوى، انظر كيف يكرر
الله عز وجل التقوى في آيات كثيرة؛ لأنها في الحقيقة عليها مدار الإسلام، إذا اتقى
الإنسان ربه فسوف يقوم بدين الله تعالى على ما يريد الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد من خالف تقوى الله؛ لقوله:
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة علم الله، وأنه سبحانه وتعالى
عالم ببواطن الأمور، وقد قال الله عن نفسه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: ٣] وفسر النبي صلى الله
عليه وسلم الباطن بأنه الذي ليس دونه شيء ، ما دون الله شيء، كل
شيء يراه، كل شيء يعلمه، كل شيء يقدر عليه، كل شيء في قبضته، ليس دونه شيء، وهذا
قريب من قوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
خبرة الله شاملة للعمل، واعلم بأنه إذا قيل: (عَمَلٌ) فإنه يشمل القول والفعل،
انتبه، إذا قيل: (عَمَلٌ) فهو للقول والفعل. القول عمل أيش؟ عمل اللسان، والفعل عمل
الجوارح، لكن الفعل يطلق غالبًا على عمل الجوارح فقط، أما العمل فيطلق على هذا
وهذا؛ حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية تلك العقيدة
المباركة قال: إن الدين والإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان
والجوارح. فجعل للقلب عملًا وله قولًا، وهو كذلك؛ فقول القلب هو إقراره وتصديقه
وإيمانه، وفعله: رجاؤه وخوفه وتوكُّله وما أشبه ذلك، فهو فيه نوع حركة قلبية، وأما
القول فهو إقرار وتصديق.
ثم قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٩].
وَعَدَيقال: (وَعَدَ)، ويقال: (أَوْعَدَ)؛ قالوا: (أَوْعَدَ) في الشر، و(وَعَدَ) في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر:
| وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ | لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي |
الإيعاد بأيش؟
الطلبة: بالشر.
الشيخ: والوعد؟
الطلبة: بالخير.
الشيخ: بالخير. هنا يقول: وَعَدَ اللَّهُولم يقل: أَوْعَدَ؛ لأنها في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد يُنازَع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [التوبة: ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قال أحد الشهداء: أنا لا أريد أن أشهد مخافةَ أن يلحقني أذى، فهل له ذلك؟
الشيخ: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يُحتمَل فلا بأس، لكن لا بد أن يبيِّن الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان ضررًا يُحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك فلا يجوز كتم الشهادة.
طالب: قلنا: الوعد يكون في الخير، والإيعاد يكون في الشر، طيب يا شيخنا، ما يحمل إيعاد الله سبحانه وتعالى للكفار بجهنم بأنه على وجه السخرية منهم لقوله: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَوأن البشارة..؟
الشيخ: لا، هو لو جاء غير مطَّرد، لكن مطَّرد، ما في القرآن أَوْعَدَ، وإلَّا كان يُحمل على ما قلت.
طالب: (...) الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم من ظهره مبني على الحديث إن صحت صح هذا، يصح القول بهذا، لكن هناك حديث ورد في الصحيحين فيما أذكر بالتأكيد في صحيح البخاري كتاب الأنبياء فيه تصريح بهذا، فكيف؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: هو أنا ما أستحضر لفظ الحديث، لكن فيه أن الله..
الشيخ: ائت به، ائت به جزاك الله خيرًا.
طالب: الفرق بين قولنا: إن قَوَّامِينَ [المائدة: ٨] نسبة، و: إنها مبالغة؛ ما الذي ينبني على الخلاف؟
الشيخ: ينبني على الخلاف هو أنَّا إذا قلنا قَوَّامِينَ: إنه مبالغة، معناه لا بد أن نحملها على المجموع، لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الأمر بالمبالغة موجَّه إلى واحد، صار الأمر إنما هو لكثرة القيام وأن القيام مرة واحدة لا يدخل في الأمر؛ لأن الله قال: كُونُوا قَوَّامِينَ، وإذا قلنا: إنها نسبة، شمل القليل والكثير.
طالب: شيخ، ليش ما يصح أن نقول: أن الأمر أمرنا بأن نكون (...) قوامين وأن نكثر القيام في الجوامع؟
الشيخ: نعم، لكن هل الأمر بالإكثار أو بالقيام ولو مرة واحدة؟
الطالب: بالإكثار.
الشيخ: لا، حتى إذا قام الإنسان بالقسط مرة واحدة فقد امتثل؛ لأننا إذا قلنا: إنه موجَّه لكثرة، صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس ممتثلًا للأمر، يعني إنما يؤخذ من آية أخرى مثلًا.
الطالب: شيخ، إذن لو قلت: قام مرة واحدة، نقول: خلاص يكفي، لا أن تقوم بالقسط مرة ثانية.
الشيخ: لا؛ لأنه إذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أَوْلى كل مرة فهو مأمور به.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، تفسير هذه الصيغة أو الخلاف في هذه الصيغة..
الشيخ: أين؟
الطالب: صيغة (فعَّال) قَوَّامِينَالخلاف في حملها على النسبة أو المبالغة ينبني عليه خلاف بين العلماء كما في قوله: «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، فما الضابط، يعني كيف نحملها مرة على المبالغة أو على النسبة؟
الشيخ: لا، «زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ما تدخل في هذا؛ لأنه صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لعن زائراتِ القبور .
الطالب: هناك ضابط للتفريق بين المعنيين، متى نحملها على هذا المعنى؟
الشيخ: نعم، نحملها مثلًا قوله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] لو قال قائل: إن هذه للكثرة، ما استقام المعنى؛ لأنه يكون المنفي هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا: النسبة، صح أن يقال: إن الله نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة.
الطالب: يعني حسب السياق؟
الشيخ: على كل حال فيه قرينة؛ فإذا قلت مثلًا: (لا تكن أكولًا) -أو (أكَّالًا) أحسن عشان توافق الصيغة- هل المعنى لا تأكل أبدًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا تكثر الأكل.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الوعد يكون في الخير و(أَوْعَدَ) يكون في الشر، هذه قاعدة مطَّردة؟
الشيخ: لا.
الطالب: ليست مطَّردة.
الشيخ: كما قلنا: إنها قالها بعض العلماء لكنها ليست مطَّردة، ونقضناها بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ [التوبة: ٦٨].
الطالب: شيخ، ما اتضح لي الجواب عن الإشكال في الآية، يعني إزالة الإشكال في الآية.
الشيخ: أي آية؟
الطالب: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، ما اتضح لي الجواب.
الشيخ: هذا وعيد ولَّا لا؟
الطالب: وعيد.
الشيخ: طيب، مع أنه جاء بـوَعَدَولم يقل: أَوْعَدَ.
الطالب: وهل يتخلف الوعد؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل الوعد أحيانًا يتخلف ولا يكون في الخير؟
الشيخ: لا، كلمة (وَعَدَ) تُستعمَل في الخير وفي الشر.
الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن في قوله: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة: ٨] قراءة ثانية بضم الياء. الشيخ: أيش؟
الطالب: ذكر بعض أهل العلم أن هناك قراءة ثانية في قوله وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْبضم الياء.
الشيخ: (يُجْرِمَنَّكُمْ)؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والله أنا مقيد للقراءات في مصحفي ما وجدتها، ما هي موجودة.
الطالب: ذكرها الكسائي في (...).
الشيخ: إي، بس هل هذه سبعية؟ اللي عندنا نقيد السبعيات.
الطالب: ما صحة قول من قال: أن الميثاق هنا هو الميثاق الذي أخذه النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة في بيعة الرضوان وبيعة العقبة حيث إنهم قالوا: سمعنا وأطعنا؟
الشيخ: لا، حتى الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢] قالوا: ما نُطيق هذا، فأُمِروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خُفِّف عنهم.
طالب: في الآية التي ذكرتها قبل قليل: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، ألا يمكن نحمل هنا لفظ (وَعَدَ) على الأصل بأن هذا الخير، ولكن في هذا المقام كقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَمثلًا أن ذلك ..
الشيخ: ذلك هو (...)، لكن ما يستقيم، أصلًا لو كانت مطَّردة بأن (أَوْعَدَ) تكون في الشر قلنا: ممكن نحمل هذه على أنه وضع الوعد موضعه، لكن ما جاءت ولا مرة في القرآن (أَوْعَدَ) بمعنى الوعد بالشر.
طالب: شيخ، بعض الناس منع الكتابة على المصحف، هل كلامه معتبر؟
الشيخ: حواشي يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، هذا نعم، في الزمن السابق الكتابة غير معرَّبة لا في الأصل ولا فيما يُكتب على الحواشي، فكره بعض السلف أن يُكتب مع المصحف شيئ؛ لأنه يختلط القرآن بالمكتوب أو بغيره، أما الآن فلا يختلط، فإذا كان هذا لا يؤثر على الحروف بمعنى أنك ما تكتبه بين الأسطر فتختلط فلا بأس منه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة: ٩ - ١١].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِآمَنُواأي: بما يجب الإيمان به، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإيمان «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
أما عَمِلُوا الصَّالِحَاتِيعني عملوا الأعمال الصالحات، فـالصَّالِحَاتِإذن صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات. فمتى يكون العمل صالحًا؟ يكون العمل صالحًا إذا تضمن أمرين؛ الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أُمَّة محمد أو من الأمم السابقة، لا بد من أمرين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل؛ لأن العبادة حق الله وحده، فلا يجوز أن تُشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥] ، «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ، والنصوص في هذا كثيرة.
أما المتابعة فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، أيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذن لا بد من أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله، ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعةَ في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، والرابع: القدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والنوع، والقدْر، والزمان، والمكان.
فمن تعبَّد لله عبادة علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا فالعبادة باطلة، بدعة مردودة؛ مثال ذلك أن يقول المرء كُلَّما لبس ثوبًا: اللهم صَلِّ على محمد. فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكَّر لبس النبي صلى الله عليه وسلم للثوب فأصلي عليه، فماذا نقول له؟
نقول: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم تَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلُّون على النبي إذا أرادوا اللباس.
لا بد أيضًا أن يكون موافقًا للشرع في جنس العبادة؛ فإن تعبَّد لله بما لم يُشرع جِنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك أن يضحِّي بفَرَس بدلًا عن البقرة مثلًا، نقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تُقبل.
النوع، وهو أخص من الجنس؛ فمن تعبَّد لله سبحانه وتعالى بعبادة لم يُشرع نوعها فإنها لا تُقبل؛ كما لو أحدث أذكارًا مشروعة من حيث الجنس لكنها على نوع آخر فإنها لا تُقبل؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
كذلك أيضًا أيش؟ القدْر؛ لو تعبَّد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تُقبل منه؛ فلو صلى الظهر ثلاثًا لم تُقبل، ولو صلَّاها خمسًا لم تُقبل؛ لمخالفة الشريعة في العدد.
في الكيفية أيضًا، لو أنها خالفت الشريعة في الكيفية فإنها لا تُقبل؛ كما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تُقبل لمخالفة الشريعة في كيفيتها.
طالب: صار سبعة.
طالب آخر: هذه جديدة يا شيخ، هذه جديدة.
الشيخ: ليش يا أخي؟
طالب: ما ذكرت، الكيفية ما ذكرتها.
الشيخ: إي، هي في الواقع بدل النوع، أحيانًا نعبِّر بالنوع وأحيانًا نعبِّر بالكيفية.
طالب: أيش هو النوع يا شيخ؟
الشيخ: النوع هو الكيفية في الواقع.
الخامس: المكان؛ لو اعتكف الإنسان في بيته بدلًا عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت فإنها لا تُقبل؛ لأنها غير موافقة للشرع في المكان.
في الزمان؛ لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تُقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك.
إذن العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة: السبب، والجنس، والقدْر، والكيفية، والزمان، والمكان، ويُجعل بدل النوعِ الكيفيةُ؛ لأنها أوضح.
يقول الله عز وجل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: لَهُمْ مَغْفِرَةٌوهذا في مقابل الذنوب، وَأَجْرٌ عَظِيمٌفي مقابل الحسنات؛ فالسيئات تُغفَر، والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم.
من فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح، ووجه ذلك ما رُتِّب عليه من الثواب؛ لأن كل عمل رُتِّب عليه ثواب فإنه فاضل مأمور به.
ومن فوائدها: أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، ولهذا نجد كثيرًا من الناس يركزون على العقيدة؛ يقول: عقيدتنا سليمة والحمد لله، ولا يتعرض للعمل، وهذا قصور، بل لا بد مع العقيدة من عمل صالح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ، وقد كررنا القول بمعنى المغفرة وأنها ستر الذنب والتجاوز عنه.
فإن قال قائل: المغفرة هنا مطلقة؛ لم يقل: من الله.
فالجواب: هي مطلقة، لكن الله تعالى قال: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ١٣٥]، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الذي بيده المغفرة والرحمة هو الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: تفضُّل الله عز وجل على عباده حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر؛ كأن العامل أجيرٌ إذا وفَّى العمل أُعطِي أجره، مع أن المنَّة لله عز وجل أولًا وآخرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظَّمه الله عز وجل، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظَمةً لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك.
ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله به: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] ثنَّى الله عز وجل لما ذكر ثواب المؤمنين العاملين الصالحات بذكر من يقابلهم فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [المائدة: ١٠] كَفَرُوافي مقابل الأعمال الصالحات، كَذَّبُوافي مقابل الإيمان، فكذَّبوا بما يجب التصديق به، وكفروا بما يجب العمل به؛ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فهُمْ لم يستقيموا على الأمر ولا على الخبر؛ قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر.
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِالمراد بالآيات هنا هل هي الآيات الشرعية أو الكونية؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: كلاهما؛ فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرُّفه في الكون فهذا مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بذلك لكنه لم يَقُم بطاعة الله فقد كفر وكذَّب بالآيات الشرعية.
وآيات الله تعالى كونية وشرعية:
فالكونية هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار، وغير ذلك من المخلوقات العظيمة التي بعضها لا تحيط به كِبَرًا وبعضها لا تحيط به صِغَرًا؛ إنك أحيانًا تفتش الكتاب فتجد في طيَّاته حشرات صغيرة جدًّا جدًّا لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقة لله يرزقها الله عز وجل، يعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها كما قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود: ٦].
والآيات الشرعية هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله عز وجل؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، من يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان بالنسبة للشريعة المحمدية؟ لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة هي ملائمة تمامًا لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية.
قال تعالى: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِأُولَئِكَهذه مبتدأ ثانٍ، والَّذِينَ كَفَرُواهي المبتدأ الأول، وأَصْحَابُخبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط الإشارة.
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِأي: أهل الجحيم الملازمون لها، والْجَحِيمِهي النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسُمِّيت بذلك لقعرها وسوادها.
ففي الآية فوائد:
منها: أن القرآن الكريم مثانٍ؛ إذا ذَكَر أهلَ العمل الصالح ذَكَر أهلَ العمل السيئ، وفائدة ذلك أيها الطلاب: ألَّا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على أيش؟ على الرجاء، وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين فقد يستولي عليه أيش؟ الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوِّف، أو الأمنُ من مكر الله عند ذكر ما يرجِّي.
فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل: أن يُغلِّب جانب الخوف أو أن يُغلِّب جانب الرجاء؟
فالجواب: أن أحسن الأقوال في هذا أنه عند العمل الصالح يُغلِّب جانب الرجاء، وعند الهَمِّ بالسيئة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلَّب جانب الرجاء أحسن الظن بالله وأن الله تعالى سيقبل عمله ويُثيبه عليه، فنشط على العمل واحتسب الأجر على الله، وعند الهَمِّ بالمعصية لو غلَّب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة، وأنت إذا فعلتها فتُب، باب التوبة مفتوح، وما أشبه ذلك، لكن إذا غلَّب جانب الخوف وخاف ألَّا يُوفَّق للتوبة وأن يزيغ قلبه حينئذٍ أيش؟ يَكُفُّ عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك أن ينظر الإنسان إلى حاله؛ فعندما يفعل الطاعات يغلِّب جانب الرجاء، وعندما يَهُمُّ بالمعصية يغلِّب جانب الخوف.
فإن قال قائل: ألم يقُلِ الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة أنهم إذا آتوا ما يُؤتون فقلوبهم وجِلَة يخافون ألَّا يُقبل منهم كما جاء ذلك في تفسيرها؟
قلنا: نعم، هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يُعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئًا من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله فليُحسن الظن بالله عز وجل، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» .
من فوائد الآية الكريمة: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحيانًا يذكر الله الكفر فقط مثل قوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، وأحيانًا يذكر التكذيب فقط: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ [الزمر: ٣٢]، وأحيانًا يقرن بينهما؛ وذلك لأن كلًّا منهما قد يكون وحده موجِبًا للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعًا صار ذلك أشدَّ وأعظم والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن على الإنسان أن يكون مستسلمًا استسلامًا تامًّا لآيات الله مصدِّقًا بأخبارها منفِّذًا لأحكامها؛ لأن الله توعَّد المكذِّبين بالآيات الكافرين بها بأيش؟ بأنهم أصحاب الجحيم.
وقد ذكر الله عز وجل في سورة النساء قَسَمًا مؤكدًا أنهم لا يؤمنون إلَّا بشروط فقال: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] هذه واحدة، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَهذه اثنان، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاهذا ثلاثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكَّم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق لم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ، ومَن لم يجد حرجًا لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون انتفاء الإيمان عنه انتفاءً كاملًا وقد يكون انتفاءً جزئيًّا حسب ما قام في قلبه وعمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين المكذِّبين مخلَّدون في النار؛ لقوله: أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وكلما جاءت أَصْحَابفالمراد بها الملازمة الدائمة؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ -أو قال: لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ- إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .
ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون [المائدة: ١١].
الكلام على قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواتقدم كثيرًا، وأظنه لا يخفى.
وقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِأَمَرَ الله تعالى أن نذكر نعمته لا من أجل مجرَّد الذِّكر والخبر، ولكن للقيام بشكر هذه النعمة؛ لأن مجرد أن أقول: إنَّ الله سلَّمني من العدو، إنَّ الله مكَّنني من العدو، إنَّ الله نصرني على العدو، إنَّ الله خذل عدوي. لا يكفي، لا بد أن يكون ذلك شكرًا لله عز وجل، فإن كان شكرًا بأن كان يتحدث الإنسان بنعمة الله ثناءً على الله فهذا من الشكر.
وقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّهذه متعلقة بقوله: نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْفتكون في موضع نصب على الحال.
هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْمَن القوم؟ المشركون، هَمُّوا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهَمُّوا أيضًا بأن يقاتلوه في مكة، ولكن الله قال: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح: ٢٤]، وقال في سورة النساء: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ [النساء: ٩٠] فعِدَّة وقائع يَهُمُّ الكفار بأن يبسطوا أيديهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ولكن الله تعالى يكُفُّ أيديهم ويسلِّم الرسول وأصحابه.
فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْولم يستطيعوا أن ينالوكم بالسوء، وهذه نعمة عظيمة أن يَهُمَّ عدوك بشيء ثم يحجزه الله عنه؛ لقد قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]، وقال فيها: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب: ٢٥].
وَاتَّقُوا اللَّهَأَمَر بذكر النعمة والتقوى، والتقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَيعني: وليتوكل المؤمنون على الله، ونعلم جميعًا أن قوله: وَعَلَى اللَّهِمتعلق بـ(ليتوكل) فهي مقدمة عليها لإفادة الحصر، والفاء زيدت لتحسين اللفظ، وإلا لو قيل: وعلى الله ليتوكل، لصح الكلام.
وقوله: فَلْيَتَوَكَّلِاللام لام الأمر، وأصلها مكسورة، لكنها تُسَكَّن إذا سبقها.. من يعرف؟
طالب: الفاء، والواو، وثم.
الشيخ: الفاء، والواو، وثم. صح.
في الآية التي معنا ما الذي سبقها؟ الفاء.
وفي قوله: ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ [الحج: ١٥] (ثم).
وَلْيَطَّوَّفُوا [الحج: ٢٩] الواو.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَفاللام للأمر، والتوكل أحسن ما قيل فيه أنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضارِّ ثقةً به تبارك وتعالى وتفويضًا إليه. هذا التوكل على الله؛ أن تعتمد على الله في جلب المنافع -والإنسان محتاج إلى المنافع- ودفع المضارِّ ثقةً بالله عز وجل وتفويضًا إليه. وبهذا يظهر الفرق بين توكل الإنسان على العبد وتوكله على الرب؛ توكل الإنسان على الرب تفويضٌ مطلق، ويعتقد الإنسان أن الله تعالى هو الذي له الحكم فيه وله السلطة عليه، توكله على شخص وكَّله أن يشتري له حاجة ليس كذلك، ليس تفويضًا إليه، ولكنه وكَّله يعتقد أنه دونه في المرتبة، أليس كذلك؟ يعني عندما تعتمد على شخص وكَّلته ليشتري لك حاجة هل هو كتوكلك على الله؟
لا، توكُّلي على الله توكل عبادة وتفويض واستسلام، وتوكُّلي على إنسان وكَّلته ليس إلا اعتمادًا على شخص أنا الذي أدبِّره، وأنا الذي أريد أن يتوكل، وأنا الذي بيدي فسخ وكالته، فالفرق بين التوكل على الله والتوكل على العبد فرق عظيم، لكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يقول: توكلت على فلان في شراء كذا وكذا، بل يقول: وكَّلت فلانًا؛ لئلَّا يُستعمَل اللفظ الذي لا يطلق إلا لله في حق العبد.
وقوله: الْمُؤْمِنُونَيعني الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إلى آخره.
في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أنه يجب على الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه في جلب المنافع ودفع المضارِّ، من أين تؤخذ؟ من أَمْر الله بذكر نِعَمه بكَفِّ أيدي الأعداء عنَّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كَفَّ الأذى والضرر من النعم، وهو كذلك، وكثير من الناس يظنون أن النعم هي الإيجاد، ولكن هذا قصور؛ النعمة إما إيجادُ معدومٍ وإما كفُّ موجودٍ، ولهذا يُشكر الله عز وجل على هذا وهذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل عند ذكر النعم حتى لا يطغى الإنسان ويرتفع ويربأ بنفسه؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومن فوائدها: وجوب التوكل على الله عز وجل؛ لقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ.
ومن فوائدها: إخلاص التوكل لله سبحانه وتعالى، وذلك من تقديم أيش؟ من تقديم المعمول، والقاعدة عند البلاغيين أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: هل التوكل يمنع فعل الأسباب؟
فالجواب: لا، بل التوكل لا يتمُّ إلا بفعل الأسباب، وأضرب لكم مثلًا بسيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك كان يتوقَّى الحرَّ، ويتوقَّى البرد، ويلبس الدروع في الحرب، ولبِسَ في أُحُدٍ دِرعين عليه الصلاة والسلام، كل ذلك توقِّيًا للسهام، ففِعْل الأسباب النافعة الحقيقية لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل، ولهذا لو قال قائل: أنا لن أسعى في طلب الرزق؛ يرزقني الذي رزق الثعابين في جحورها، أنا متوكل على الله. قلنا: هذا عجز وكسل؛ التوكل على الله التفويض إذا لم تستطع الأسباب، نعم، إذا عجز الإنسان عن الأسباب ليس عنده الآن إلا التفويض، ولهذا تجد الكفار إذا غَشِيهم موج كالظُّلَل دعوا الله مخلصين له الدين، فوَّضوا الأمر إلى الله، وكذلك الإنسان إذا أصابه شيء؛ إذا ألَمَّ به شيء لا يستطيع دفعه تجده ليس له حول ولا قوة، أما مع القدرة على فعل الأسباب فإنه لا بد من فعلها.
لو أن الإنسان قال: أنا أريد أن أسافر إلى مكة للحج، قلنا: خذ معك نفقة، قال: ما أحتاج، أنا متوكل على الله، ماذا نقول في هذا؟
هذا عجزٌ وتوانٍ وكسل، إذا كنتَ متوكلًا على الله حقيقة فافعل السبب؛ خذ معك ما يكفيك للنفقة، أو أجِّر نفسك على أحد تكون معهم ويكفونك المؤونة، أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوكل من الإيمان؛ لقوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، فوجَّه الأمر إلى المؤمنين لأنهم هم أهل التوكل.
ومن فوائدها: أن ترك التوكل على الله نقصٌ في الإيمان، ولكن هل يُنافي كمال الإيمان أو يُنافي أصل الإيمان؟
فيه تفصيل؛ فمن توكَّل على نبيٍّ ميت -وكل الأنبياء أموات إلا عيسى فهو في السماء حيًّا- فهذا يُنافي أصل الإيمان، مَن توكَّل على قبرٍ فهذا يُنافي أصل الإيمان، مَن اعتمد على سبب معلوم وهو سبب شرعيٌّ أو قَدَريٌّ فذلك لا يُنافي الإيمان، لكن لا تجعل عُمْدتك هذا السبب، بل اجعله سببًا، والمسبب هو الله عز وجل، ولهذا نجد الأسباب كثيرًا ما تتخلَّف مسبَّباتها؛ لأن الأمر بيد من؟ بيد الله عز وجل وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة: ١٢] الجملة هنا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، يعدُّها لنا الأخ، وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
طالب: اللام.
الشيخ: اللام لَقَدْ، والثاني: (قد)، والثالث: القَسَم.
وهذه قاعدة: كلما جاء تعبيرٌ بهذا فهو مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات؛ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] هذا مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] مؤكَّد، وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: ١١] مؤكَّد بثلاثة مؤكِّدات.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن البدعة هي مخالَفة الشرع في إحدى السِّتِّ التي ذكرناها، شيخ، بارك الله فيكم، يعني ما يحصل مثلًا في الأيام اللي تُقام في بعض البلدان؛ يوم كذا ويوم كذا ويوم كذا مما لا يُتقرَّب به إلى الله، بعض أهل العلم يقولون: هذه بِدَعٌ أُحدثت، وهم يقولون: هذه ليست بِدَعًا، نحن لا نتقرب إلى الله، إنما مناسبات وتنشيط وذِكرى، ما وجه كونها بدعة؟
الشيخ: هذه بعض العلماء يقول: إنها ليست بدعة؛ يعني يوم الشجرة، يوم كذا، ويوم كذا؛ يقول: هذه المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولِّي أمير على إمْرةٍ أو رئيس على رئاسة أو مَلِك على مُلْك فهذه إنما تُفعل للتعظيم، ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يمكن أن تكون إلا بمناسبات شرعية، لا يجوز أن تكون إلا بمناسبات شرعية، غير المناسبات الشرعية لا تُشرَع، لكن ما يُذكر عن أيام الشجرة وأشباهها يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد؛ ولذلك لا نخصُّها بيوم معيَّن، إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي أنه لو أن الناس تنَزَّهوا عنها لكان أحسن.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، وَلَقَدْقلنا: فيه ثلاثة مؤكِّدات، ما هي؟
الشيخ: نعم؛ اللام، و(قد)، والقسم؛ لأن تقدير الكلام: واللهِ لقد.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل يجوز إطلاق لفظ (آية) على القطعة من التوراة أو الإنجيل، أو يقال: إن الآية تختص بالقرآن لأنه لم نعلم أنه حصل تحدٍّ إلا للقرآن؟
الشيخ: ما هو لازم التحدي.
الطالب: ما هو بلازم؟
الشيخ: ما هو بلازم، إذا كان هذا الشرع من عند الله عز وجل فهو آية؛ لأنه كما قلنا: إن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها.
الطالب: إذا أنكر البعض على من يقول: إن هذه الآية من التوراة أو الإنجيل، هل هو مصيب في إنكاره؟
الشيخ: ما أرى هذا إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس؛ لأن العامِّيَّ إذا سمعها يظن هذه التوراة والإنجيل قرآنًا.
طالب: بالنسبة يا شيخ، عِلة أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أن الأيام هذه لا تكون أعيادًا تكون لحشد الهمة، لكن ألا يُشكل عليها أنها تَشَبُّه، يعني أسبوع كذا، ويوم كذا ويوم كذا (...) علَّها بعِلَّة التشَبُّه، فهل هذا له (...) نظر؟
الشيخ: هو عِلَّة التشَبُّه تشتبه على كثير من الناس، مع أن الأئمة نصُّوا على أنه إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبُّه؛ لأن التشبُّه حقيقته أن يقوم الإنسان بما يختص به غيره، وما دام أنه شاعت هذه المسألة فلا، كان مثلًا لبس البنطلون، أتى من أين؟
طلبة: من الغرب.
الشيخ: أتى من الكفار، لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، تحرِّي الإنسان لأوقات تكون عند الناس مثلًا كاجتماعهم في حفلٍ أو فرحٍ، فيتحرَّى هذا الموقع ويذهب يعني ويخطب بهم بخير ويعِظُهم بخير، وكذلك إن رآهم مجتمعين في عزاء في بيت أو غيره، فهل هذا، يعني هل يدخل أو لا يدخل في قولنا: تخصيصها بالمكان أو الزمان؟
الشيخ: أما من جهة الموعظة فالموعظة إذا وُجد سببٌ لها فإنها تُفعَل في أي مكان، لكن إذا اتُّخذ هذا راتبًا وكأنه هو السبب قلنا: هذا خطأ، فمثلًا الاجتماع في العرس أو في وليمة كبيرة إذا رأى الإنسان من المناسبة أن يتكلم بأن رآهم متشوِّفين لكلامه، والناس يختلفون في هذه الناحية، من الناس رجال يتشوَّف الناس إلى كلامهم ويتمنَّون أن يتكلموا، فهنا نقول: الكلام جيد، أو طُلِب منه أن يتكلم، فهنا أيضًا نقول: تكلم؛ لأنك سُئلتَ العلم، فإذا سُئلتَ العلم فبيِّن، أما إنسان ليس ذا أهمية عند الناس ولا الناس يترقبون كلامه يفرض نفسَه عليهم ثم يتكلم في مثل هذه المناسبات فيه تضييق على الناس، وكثير من الناس يأتون إلى هذه الحفلات فيجتمع بعضهم ببعض مع طول الزمان ويتساءلون عن أحوالهم وعن قراباتهم فيقطع هذا عليهم ما يريدون، أو يتكلمون فيكونون شهرة بين الناس، هذه واحدة.
كذلك العزاء أشدُّ وأشدُّ، كون الإنسان يأتي ويخطب في الحاضرين تكون بدعة على بدعة؛ لأن أصل الاجتماع للعزاء غير مشروع كما نص على ذلك أهل العلم؛ منهم من كَرِه وصرَّح بالكراهة، ومنهم من قال: إنه بدعة، وكُتُب الفقهاء بين أيديكم.
كذلك أيضًا ما أحدثه بعض الناس عند الدفن؛ يقوم أحدهم خطيبًا ويخطب ويعظ الناس، هذا أيضًا من البدع؛ لأن الرسول ما فعلها، غايةُ ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتهى إلى القبر مع أصحابه ولَمَّا يُلحد –يعني: ما تم تلحيد القبر- فجلسوا وجلس النبي عليه الصلاة والسلام معهم وجعل ينكت بمِخْصَرة معه؛ ينكت الأرض، ويحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن ، وهذه ليست خُطبة، هذه موعظة وليست راتبة، لم يفعلها الرسول كلما دفن أحدًا، فعلها لأنه ينتظر التلحيد، فبدلًا من أن يسكت أو يتكلموا بشيء غير مناسب تكلم عليه الصلاة والسلام.
***
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: ١٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَالجملة هنا مؤكَّدة، بكم؟
الطالب: مؤكِّدان.
الشيخ: ما هما؟ عيِّنهم.
الطالب: اللام و(قد).
الشيخ: اللام و(قد)، إي نعم، وذكرنا لكم قبله أنه إذا جاء مثل هذا التعبير فالتأكيد بثلاثة مؤكِّدات: اللام، و(قد)، والقسم المقدَّر، والتقدير: والله لقد. أعرفتم؟
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَأي: عهْدهم، والسياق هنا سياقُ غائبٍ؛ أَخَذَ اللَّهُ.
قال: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُهذا التفات من الغَيْبة إلى التكلُّم، ولو كان الكلام على نسق واحد لقال: وبعث.
بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًاأي: جعلنا منهم اثني عشر رقيبًا، اثْنَيْ عَشَرَهذه لسنا نعربها على أن (اثني) وحدها أو (عشر) وحدها لو كانت بغير هذا اللفظ؛ يعني مثل: ثلاث عشرة، أربع عشرة، ثلاثة عشر، أربعة عشر، لا نعربها هذه على أنها الجزء الأول وحده والثاني وحده إلا اثني عشر واثنتي عشرة، فيُعرَب الجزء الأول بحسب العوامل؛ ففي الرفع نجعله بالألف، وفي النصب والجر بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى، وإنما قلنا: إنه ملحق بالمثنى ولم نجعله مثنى حقيقةً لأنه ليس له مفرد؛ إذ إن (اثنا) ليس مفرده (اثن)، لكن مفرده واحد، فلهذا يعربونه على أنه ملحق بالمثنى، ويكون إعرابه بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًّا، ولكنه لا يُضاف إلى عشر، بل يقال: (اثنا) مركَّب مع (عشر)، و(عَشَرَ) مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًانَقِيبًاهذه تمييز، وكلما جاءت كلمة تفسِّر العدد وهي المعدود فأعربها على أنها تمييز؛ مثلًا: ثلاثة عشر رجلًا، نقول: (رجلًا) تمييز، اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًانقول: نَقِيبًاتمييز، ولهذا يقول صاحب الألفية:
| اسْمٌ بِمَعْنَى (مِنْ) مُبِينٌ نَكِرَهْ | يُنْصَبُ تَمْيِيزًا بِمَا قَدْ فَسَّرَهْ |
وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًاوهذا من عناية الله بهم عز وجل أن جعل عليهم العرفاء من أجل أن يوجهونهم ويؤدبونهم.
وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْأي: في النصر والتأييد، وهذه المعيَّة خاصة، وسنتكلم إن شاء الله عليها عند أخذ الفوائد.
ثم قال: لَئِنْ أَقَمْتُمُهذا بدء الميثاق لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَأي: أتيتم بها مستقيمة، والصلاة معروفة، هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتَحة بالتكبير المختتَمة بالتسليم، هذا هو الأصل، وعلى هذا فصلوات النصارى واليهود الآن صلوات محرَّفة؛ فهم كما حرَّفوا في التأويل حرَّفوا أيضًا في الأفعال.
وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَآتَيْتُمُبمعنى أعطيتم، والزَّكَاةَمال واجب في أموالٍ مخصوصة.
وقوله: آتَيْتُمُ الزَّكَاةَإلى مَن؟ إلى مستحقِّيها، ولهذا نقول: إن (آتى) تنصب مفعولين: الأول الزكاة، والثاني محذوف؛ أي: آتيتم الزكاةَ أهلَها. والزكاة هي المال الذي ذكرنا لكم، وسُمِّي زكاة لأنه يزكِّي أخلاق باذِلِه، يزكِّيها يعني ينمِّيها؛ فإنَّ بَذْل المال ينمِّي الأخلاق بلا شك، وإذا أردتَ أن ينشرح صدرك فأكثر من النفقة، لكن بدون إسراف.
وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِيأي: أقررتم إقرارًا مستلزِمًا للقبول والإذعان، هذا معنى الإيمان، هو الإقرار المستلزِم أيش؟ للقبول والإذعان، فمجرد الإقرار لا يُعتبر إيمانًا، ولو كان مجرد الإقرار إيمانًا لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مُقِرٌّ برسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِيو(رُسُل) جمع رسول، وهم الذين أرسلهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء الذين قُصُّوا علينا من بني إسرائيل.
وَعَزَّرْتُمُوهُمْأي: نصرتموهم؛ لأن التعزير يعني النُّصرة، وأصله من التقوية؛ قال الله تبارك وتعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ [الفتح: ٩] تُعَزِّروا من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاقوله: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَأي: بَذَلْتم المالَ محتسبين الأجرَ من عنده؛ لأن المقرِض يعطي القرض على أنه سوف يُردُّ إليه عوضه، فالإقراض لله يعني احتساب الثواب منه، كأنك بذلْتَ الشيءَ ابتغاء مرضاته لتنال بذلك ثوابه.
فإن قال قائل: أَقْرَضْتُمُمع قوله: آتَيْتُمُ الزَّكَاةَهل هو من باب عطف المتغايرين، أو هو من باب عطف العام على الخاص، أم ماذا؟
يرى بعض العلماء أنه من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الزكاة حقيقةً أيش؟ مِن إقراض الله؛ إذا أدَّاها الإنسان محتسِبًا ثوابها فهي من إقراض الله، ويكون ذكر الإقراض -وهو أعم من الزكاة- بعد ذِكر الزكاة ليشمل الزكاة وغيرها.
وقيل: المراد بالإقراض هنا، المراد به: الصدقة؛ أي: ما زاد على الزكاة، وعلى هذا يكون العطف عليها من باب عطف المتغايرين.
وقوله: قَرْضًا حَسَنًاالقرض الحسن: ما كان خالصًا له على وفْق شريعة الله، هذا هو القرض الحسن، وقد بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام الإحسان في عبادة الخالق أنه تمام الإيمان والمراقبة فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
وقوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْهذا جواب، لكن جواب لأيش؟ جواب لقوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ، وهو جواب للشرط التي هي (إِنْ)، أو جواب للقسم المقدر المدلول عليه باللام في قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ؟
طالب: أيهما أصح؟
الشيخ: الثاني، فهو جواب القسم، ولهذا لم يقترن بالفاء، ولو كان جوابًا للشرط اقترن بالفاء، وفي هذا يقول ابن مالك:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ |
فما الذي أُخِّر هنا؟ القسم أو الشرط؟
الطالب: الشرط.
الشيخ: الشرط، إذن الذي حُذِف هو جواب الشرط.
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْأجعلُها مُكفَّرةً بالحسنات التي فعلتم: إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالرسل وتعزيرُهم، إقراض الله قرضًا حسنًا؛ فالسيئات تُكفَّر بهذه الحسنات.
وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُهذه معطوفة على لَأُكَفِّرَنَّ، وإذا جمعت بينها وبين (أُكَفِّر) صار بها النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، النجاة من المرهوب في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْلأنها إذا كُفِّرت لم يُعاقَب عليها، حصول المطلوب: وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
وبالتتبع والاستقراء نجد أن أغلب ما يكون تقديم النجاة من المرهوب ليَرِدَ المطلوبُ على محلٍّ خالٍ مما يُرهب، فتكون التصفية قبل التحلية؛ يعني صفِّ الشيءَ قبل أن تحلِّيه، اكنس المكان قبل أن تفرشه، واضح؟
تأمل الآن في القرآن والسنة وفي غيرها أيضًا تجد أن النفي غالبًا يكون مقدَّمًا على الإثبات؛ (لا إله إلا الله) كلمة الإخلاص قُدِّم فيها النفي على الإثبات ليَرِدَ الإثباتُ على مكانٍ خالٍ من الشوائب.
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُجَنَّاتٍالمراد بها جنةُ المأوى، وهي -كما ترون- تُذكر أحيانًا مفردةً وأحيانًا مجموعةً؛ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا [الحديد: ٢١] جَنَّةٍأيش هي؟
الطلبة: عَرْضُهَاكَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
الشيخ: لا لا، مفردة ولَّا جمع؟
الطلبة: مفردة.
الشيخ: مفردة، وتأتي جَنَّاتكثيرًا مجموعةً، فإفرادها باعتبار الجنس، وجمعها باعتبار النوع؛ لأن الجنة أنواع، وقد ذكر الله تعالى في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢]، أيُّهما أشرف، الأُوليانِ أو الأُخريانِ؟
الطلبة: الأُوليانِ.
الشيخ: الأُوليانِ؟
الطلبة: نعم.
طالب: مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً.
الشيخ: إي، يعني: سِوَاه؛ لا تعبدوا من دون الله يعني: سِوَاه.
الطلبة: الأوصاف يعني، (...).
الشيخ: طيب، من ينتدب لنا يبيِّن الفروق؟ ابن القيم في النونية ذكر أن الفروق عشرة، لكن قال.. النظم يُعيِيني أن أسوقه، فمن يستطيع أن ينتدب لنا أن يذكر الفروق؟
إذن تُجمع الجنة على جنات باعتبار أيش؟ باعتبار الأنواع، وتُفرد باعتبار الجنس؛ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُيعني الآن جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُلو أننا فسَّرنا جَنَّاتٍبما نفسِّر به الجنات في الدنيا، وقلنا: الجنات بساتين كثيرة الأشجار كثيرة الثمار، لم يذهب الذهن بعيدًا ولاستقلَّ نعيم الآخرة، لكن إذا قلنا: الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه -اللهم اجعلنا منهم- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أيُّهما أشدُّ هزًّا للمشاعر؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني بلا شك، ولهذا قد نعتب على بعض الناس أن يفسِّر جنة المأوى بأنها البستان الكثير الأشجار، وأنها سُمِّيت بذلك لأن أشجارها ملتفٌّ بعضها إلى بعض فهي تستر من فيها، نقول: هذا لا شك أنه يقلِّل من تخيُّل الجنة وأنها شيء عظيم. فنقول: الجنة هي الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. هذا يهزُّ المشاعر، ويُوجب أن يُسارع الإنسان ويُسابق إليه.
وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُمعلوم أنه ليس المراد من تحت أرضها؛ لأن النهر إذا جرى من تحت الأرض أيُّ فائدة فيه؟! ولهذا لا ننتفع بالأنهار الجوفية، ولكن مِنْ تَحْتِهَاقال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها، وما أحسن اطِّراد الأنهُر تحت الأشجار الظليلة والقصور الفخمة العظيمة، لها منظر لا يتصوره الإنسان في الواقع.
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُهذه الأنهار ليست كأنهار الدنيا، أنواعها أربعة: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥] يعني لا يمكن أن يتغير، وأنهار الدنيا تتغير، والثاني: أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد: ١٥] بل هو من أحسن ما يكون مذاقه، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَوقد نفى الله عنها الغَوْل: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧]، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] نَقِيّ ليس فيه شيء مما يكون في عسل الدنيا، هذه أنهار أربعة تجري جريانًا؛ (الماء) ربما يتصور الإنسان كيف يجري، (لبنٌ لم يتغير طعمه) يُتصور كيف يجري؛ لأن اللبن جاري، (خمر) يُتصور أو لا؟ يُتصور، وقد لا يُتصور؛ لأن الخمر ليس كله سواء، الرابع: (العسل) في تصورنا الآن أنه لا يجري، لا يمكن جريانه، لكنه في الجنة يجري، نهرٌ.
ثم إن ابن القيم رحمه الله ذكر في النونية أن هذه الأنهار تجري بغير أخدود فقال:
| أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ | سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ |
الله أكبر! النهر يجري ما له أخدود تمنعه من اليمين واليسار، ولا حُفَر له، على سطح، سطح مكان، ومع هذا أيضًا لا يجري إلا حيث شاء صاحبه يُصرِّفه كيف شاء، ليس هناك عُمَّال ولا عوامل وإنما هي إرادات؛ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف: ٧١].
نقول: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُإذن هنا ميثاق بين متعاقِدَيْنِ؛ عملٌ يسيرٌ في مقابل ثوابٍ كثيرٍ.
يقول: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْفَمَنْ(مَنْ) هنا شرطية، جوابها فَقَدْ ضَلَّأي: فمن كفر بعد هذا الميثاق ولم يقُم بما واثَقَ اللهَ عليه فقد ضل سواء السبيل، الضلال بمعنى الضياع والتيه؛ يعني تاه عن الصراط المستقيم، وسَوَاءَ السَّبِيلِأي: مستقيمه الموصل إلى المراد.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: تذكير هذه الأُمَّة وتذكير بني إسرائيل بما أخذه الله عليهم من الميثاق؛ أما تذكير بني إسرائيل فالأمر فيه واضح؛ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة: ٧٠]، وأما تذكيرنا نحن الأُمَّةَ الإسلاميةَ فلأنه ليس بين البشر وبين الخالق عهدٌ يتضمَّن المحاباة إلا تفضُّلًا من الله عز وجل، إذا قُمْنا بما أوجب علينا فلنا الأجر مرتين حسب ما جاءت به النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذِكْر اللهِ نفسَه بالغَيْبة تعظيمًا وتكبيرًا له جل وعلا، تؤخذ ؟ ما الذي قلته؟
الطالب: (...).
طالب آخر: أن الله ذكر نفسه بالغَيْبة تعظيمًا.
الشيخ: نعم، وتكبيرًا؛ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُما قال: لقد أخذنا، وهذا كما يقول الملِك لجنوده: إن الملِك يأمركم أن تفعلوا كذا. ما يقول: إني آمرُكم. يقول: إن الملِك يأمركم. نظير هذا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أساليب البلاغة الانتقال من أسلوب إلى آخر لتنبيه المخاطَب، تؤخذ من قوله: وَبَعَثْنَابعد قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ، ولا شك أن تغيُّر الأسلوب يوجب الانتباه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله تعالى خلق أعمال العباد؛ لقوله: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا؛ لأن النقباء مفتِّشون، وإذا كان الله هو الباعث لهم لزم أن تكون أفعالهم أيش؟ مخلوقة لله.
يؤخذ من الآية الرد على القَدَرية في قوله: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ، إذن هم قاموا بأمر مَن؟ بأمر الله، القَدَرية يقولون: إن أفعال العبد ليست مخلوقة لله ولا لله فيها تعَلُّق.
أيضًا يؤخذ منها الرد على الجبرية بقوله: نَقِيبًا؛ لأن النقيب هو المنقِّب، فأضاف الله الفعل إليه، وهذا يدل على أن الإنسان غير مجبور. وهذا مُقَرَّر -والحمد لله- عدة مرات؛ أن نصوص الكتاب والسنة تدل على بطلان قول القدرية وبطلان قول الجبرية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للناس أن يتَّخذوا نُقَباء يرجعون إليهم في أمورهم؛ عند النزاع يكونون مُصلحين، وعند الإشكال يكونون موضحين، وما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يُؤَمِّروا أحدهم من أجل أن يوجِّههم ويدبِّر شؤونهم ولا تكون أمر فوضى.
ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل بأنه ناصِرهم؛ تؤخذ من قوله: وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ.
واعلم أن الله تعالى وصف نفسَه بالمعيَّة في عدة آيات، فمرةً ذكرها عامةً، ومرةً ذكرها خاصةً بوصفٍ، ومرةً ذكرها خاصةً بشخصٍ، وكلُّها حقٌّ.
فالعامة مقتضاها الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا ومُلكًا وغير ذلك، ومن هذا قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧].
ومن ذِكْرها -أي: المعيَّة- مقيَّدةً بوصفٍ مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]، لكن هذه تقتضي مع الإحاطة العامة تقتضي النصر والتأييد والدفاع، إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨].
الثالث: مقيَّدة بشخصٍ؛ مثل قوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه الله عنه لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠].
هذه المعيَّة هل هي حقيقة، أو هي مجاز عن العلم والإحاطة والنُّصرة والتأييد وما أشبه ذلك؟
الجواب: الأول، هي كسائر الصفات؛ أنها حقيقة، وأنها تقتضي في كل موضع ما يناسبها، لكن هل إذا قلنا: إنها حقيقة، هل تُنافي ما ذُكِر من علو الله؟ لا، أبدًا؛ هو معنا وهو على عرشه، وليس (معنا) أنه في الأرض كلَّا؛ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]، ومَن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يتصور عاقل فضلًا عن المؤمن أن يكون معنا في أماكننا، لكن هو معنا وهو عالٍ، ولا مانع؛ لأن الله بكلِّ شيء محيط، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رفع الصحابةُ أصواتهم بالتكبير قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» -«أَصَمَّ» لا يسمع، «وَلَا غَائِبًا» لا يرى- «إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» ، «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ، نحن نؤمن بهذا، لكن ليس معنى ذلك أنه سبحانه وتعالى في نفس المكان؛ لأنك لو قلت هكذا لكنت ممن عمل بالنصوص ونظر إليها نظر الأعور -أي: من جانب واحد- ولهذا لما نظرتْ الجهميَّة إلى هذا من جانب واحد قالوا: إن الله معنا في نفس المكان، في كل مكان، لكنهم غفلوا عن العلو، ونحن نقول: إن الله تعالى معنا حقيقةً وعلى عرشه حقيقةً، ولا منافاة.
فإن قال قائل: هل يتصور العقل أن الشيء يُطلَق عليه أنه معك وهو بعيد عنك؟
قلنا: نعم؛ أولًا: أنه يتصور في الأمور المخلوقة؛ فالقمر يقول المسافرون: إنه معنا، والنجم يقولون: إنه معنا، والشمس يقولون: معنا، وأين أمكنة هذه؟
الطلبة: في السماء.
الشيخ: في السماء؛ يعني العرب تقول: القمر معنا، والقطب معنا، والجدي معنا، يقولون هكذا ويعبِّرون عن هذا على أنه حقيقة ومحلُّه في السماء، ولا يُعدُّ ذلك تناقضًا. ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعيَّة حقيقةً والعلو حقيقةً، فهل يُقاس الخالق بالمخلوق؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يُقاس، يقال: نُثبت لله ما أثبته لنفسه من علوِّه ومعيَّته ونعلم أنه لا تناقض، بل هو عالٍ ومعنا، ولا منافاة.
إذن الجواب على هذا نقول: أولًا: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية:
(أ) أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض؛ إذ لو كان لَمَا صَدَق قولُه تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، هذه واحدة؛ كل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما.
ثانيًا: لا تناقض ولا منافاة بين المعيَّة حقيقةً والعلو حقيقةً أبدًا؛ لأننا نُحِسُّ بالواقع المشاهَد المتَّفَق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء: إنه معنا، وهو في مكانه في السماء بعيدًا عنه.
ثالثًا: على فرض أن هذا ممتنع في المخلوق فليس يمتنع للخالق؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته؛ فهو علِيٌّ في دُنُوِّه، قريبٌ في عُلُوِّه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة المباركة، ألا وهي العقيدة الواسطية، وبه أيضًا نَسْلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تُؤَوِّلون؛ لأنك إذا قرأت: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] كل هذه الضمائر تعود إلى مَن؟
الطلبة: الله.
الشيخ: إلى الله، ما الذي يُخرِج المعيَّة عن هذا؟ ما الذي يُخرجها؟
طالب: لا شيء.
الشيخ: إذا كان خَلَقَ السَّمَاوَاتِأي: الله، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِأي: الله، يَعْلَمُ مَا يَلِجُأي: الله، وَهُوَ مَعَكُمْأي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام أن يُصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة؛ مثل أن يعتقد الإنسان أنه معنا؛ أي: في مكاننا، أو أنه على السماء؛ يعني أن السماء تُقلُّه، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السماوات الأخرى تُظِلُّه، هذا يجب أن يُصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلوِّ، وعُلُوُّه من لازم ذاته، وهو من الصفات أيش؟ الذاتية التي لا ينفكُّ عنها كما لا ينفكُّ عن سمعه وبصره، انتبهوا لهذا، لكن وَرَد عن السلف رحمهم الله عن كثير منهم أنهم فسَّروا المعيَّة بالعِلم، وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالِمًا بك، ولا شك أن هذا تفسير صحيح غير منكر، والتفسير باللازم تفسير صحيح، لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات ثلاثة أنواع: دلالة تضَمُّن، ودلالة مطابَقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطُرُّوا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول كما قال هؤلاء الجهمية: إنه معنا هاهنا. يعني في الأرض.
فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف أن المعيَّة يعني: العلم، ونحن نقول: هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير بأيش؟ باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثير من الآيات، ولا يُعدُّ هذا خروجًا عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي يُنكَر على الإنسان أن يؤوِّل تأويلًا مخالفًا للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابَقة، والتضمُّن، والالتزام.
المعيَّة الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨]، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه لا لأنه قويٌّ قادر، ولكن لأن الله معه، فإذا اتقى الإنسانُ ربَّه التقوى حقيقة فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد، وإن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي في الحقيقة ينقصنا هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير؛ وهم اليهود.





