كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا.
قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌما المراد بالنور؟
طالب: القرآن.
الشيخ: القرآن. وَكِتَابٌ؟ نُورٌ وَكِتَابٌ؟
طالب: القرآن المكتوب.
الشيخ: لكن نعت الكتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعت
(الكتاب) على (نور) وهو هو؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني عطف الشيء على نفسه؟
الطالب: إضافة الشيء.
الشيخ: ما هي
إضافة نُورٌ وَكِتَابٌ، والأصل في العطف
المغايرة.
الطالب: النور يطلق على الرسول صلى الله عليه
وسلم، ويطلق على القرآن؛ لأن كله حق.
طالب آخر: (...)
بالقرآن والسنة.
الشيخ: لماذا النور هو ما جاء به
الرسول من الشرع، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، وقيل: إنه القرآن كما ذكرتم، وعلى هذا
فيكون عطف (الكتاب) عليه من باب عطف الشيء على صفته، مثلًا الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) [الأعلى: ٢ - ٤] وهو واحد.
قوله: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِما إعراب مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ؟
طالب:
قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ(من)
هنا مفعول به.
الشيخ: مفعول لأيش؟
الطالب: مفعول لـ(يَهْدِي).
الشيخ:
مفعول لـ(يَهْدِي). وسُبُلَ؟
الطالب: سُبُلَمفعول ثانٍ.
الشيخ: مفعول ثانٍ. ورِضْوَانَهُ؟
الطالب: رِضْوَانَهُأيضًا مفعول.
الشيخ:
مفعول لأيش؟
الطالب: مفعول اتَّبَعَ.
الشيخ: مفعول اتَّبَعَ؟ متأكد؟ توافقون على هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هنا قال: سُبُلَ السَّلَامِوالمعروف أن سبيل الله واحد؟
طالب: المراد شرائع الإسلام.
الشيخ:
المراد شرائع الإسلام، نعم؛ لأن السبيل اللي هو الإسلام مأخوذ من قوله: اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ.
المراد بالهداية هنا هداية التوفيق
أو هداية الدلالة؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: غلط، ما دام تبغي النحو غلط، أنا قلتُ: ما المراد
بالهداية؟ فقلتَ: المراد كلاهما، والهداية مؤنث.
الطالب: كلتاهما.
الشيخ: نعم، المراد
كلتاهما، المراد هداية التوفيق وهداية الدلالة.
يقول عز وجل: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِالظلمات: ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك.
قوله: بِإِذْنِهِالإذن هنا الإذن القدري، والإذن القدري بمعنى
المشيئة وبمعنى الإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩]، معلوم أن الله أذن لهم قدرًا لكنه لم يأذن لهم شرعًا.
ومن الإذن
الشرعي قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١].
ومن الإذن
القدري هذه الآية بِإِذْنِهِ، ومنها أيضًا قوله تعالى:
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، فالإذن نوعان: إذن قدري، وإذن شرعي، والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي
لا يكون إلا فيما يرضاه الله عز وجل، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا
يرضاه، هذا واحد.
والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع؛ إذ إن
الناس قد يمتثلون وقد لا يمتثلون، وأما ما أذن به قدرًا فلا بد من وقوعه.
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍالهداية إذا تَعَدت بـ(إلى) فهي
هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى: وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍيعني: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا
ما لم يكونوا يعلمونه من قبل.
ففي هذه الآية الكريمة فوائد
عديدة؛ منها: خطاب اليهود والنصارى بـ(أهل الكتاب).
وقد يقول قائل: في
هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟
والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم
أهل الكتاب لا إكرامًا لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب
عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ [البقرة: ٤١].
إذن
فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل
الكتاب، زعمًا منهم أو إيهامًا منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه،
نقول، أيش نقول؟ نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريمًا لهم، وكيف يكون ذلك إكرامًا
لهم والله يقول: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٦٠]! لكنه ناداهم
بهذا الوصف أيش؟ إقامة للحجة عليهم وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل؛ لأن أهل
الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: رفع شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: رَسُولُنَا، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل
ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفًا له وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ [الحج: ٢٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول
الله مرسل إلى أهل الكتاب؛ لقوله: قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَاوهو كذلك، حتى أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع به يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من
أصحاب النار ، فهو مرسل إليهم
بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن محمدًا رسول الله مبيِّن؛ يُبَيِّنُ لَكُمْ، فهو عليه الصلاة والسلام سراج منير، مبيِّن للخلق، كما قال الله
تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل
تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب
أهل كتمان للعلم؛ لقوله: كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ.
ومن فوائد الآية الكريمة:
أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن
كتم فقد شابههم، شابههم في أقبح خصلة -والعياذ بالله- وهي كتمان ما جاءهم من
العلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبينها
لهم.
فإذا قال قائل: لماذا لم يبين ويفضحهم؟ قلنا: فضيحتهم فيما بيَّنَ كافية،
والسكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف؛ أي
من تأليف قلوبهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن
ما جاء به محمد رسول الله كله نور يُشِع، إن تأملت أخباره استنرت به، أحكامه كذلك،
وهو نور في الطريق يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله عز وجل، وفي طريقه إلى
معاملة عباد الله.
هو أيضًا نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمد صلى الله
عليه وسلم ازداد نورًا في قلبه وفراسةً، واستنباطًا للأحكام الشرعية وغير
ذلك.
هو أيضًا نور في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام لا
بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير وجهه؛ ولهذا تجد العلماء
الربانيين تجد لهم في وجوههم نورًا يكاد يكون محسوسًا، أما المعنوي فمعلوم، حتى لو
كان العالم الرباني جلده غير يعني أبيض، فإنه يستنير وجهه، والنور شيء، واللون شيء
آخر.
هو أيضًا نور في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمنًا -جعلنا الله وإياكم
منهم- يفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه من روح الجنة ونعيمها.
هو أيضًا نور يوم
القيامة يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد: ١٢].
إذن
فكلمة (نور) شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي
ينيره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن
مكتوب، مكتوب في أيش؟ ذكرنا أنه مكتوب في المصاحف التي بأيدينا، في اللوح المحفوظ،
في الصحف التي بأيدي الملائكة.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن القرآن الكريم مبين للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وكلمة (مبين) ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن
كانت لازمة فالمعنى: أنه بين بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره،
والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه.
إذا كان مبينًا وتبيانًا
لكل شيء ألا يتفرع على هذا: أنه لا يليق بنا أن نعرض عن تدبره، بل علينا أن نتدبره،
وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في أيش؟ في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها
في كتاب الله ففي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة رسول الله مبينة للقرآن
بأمر الله وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
فإذا لم يكن في القرآن
ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل
أهل الذكر؛ لقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، وإما أن نتوقف.
وإن كان الإنسان
أهلًا للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد، كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا
أخبره بها ثقة فعليه أن يجتهد ويتحرى.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: أن الهداية بيد الله، ولهذا أدلة كثيرة: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف: ١٧]، قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران: ٧٣]، والآيات في هذا كثيرة، الهداية بيد من؟ بيد الله
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦].
وإذا كانت من الله تفرع عن ذلك:
أولًا: أن
لا نسأل الهداية إلا من الله، وأن نلح على ربنا عز وجل بالهداية: اللهم اهدني،
اللهم اهدني، دائمًا، هذه واحدة.
ثانيًا: أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها، بل
هي بتوفيق الله، فيكون فيها رد على من؟ على القدرية، إذا كان الله يهدي معناه أن
لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين بأن الإنسان
مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته.
هل فيها موافقة للجبرية؟ الجواب اسمع:
مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُاتَّبَعَ، فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون:
إن الإنسان لا ينسب إليه فعله.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله؛
لقوله: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ، واذكرها بالعكس: من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛
لأنه ليس أهلًا للهداية.
وعلى هذا فنقول لأي طالب علم: أتريد أن يهديك الله
ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي
الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه.
ومن
فوائد الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ لقوله: رِضْوَانَهُ، والرضا صفة فعلية من صفات الله عز وجل تتعلق
بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله.
وكل صفة من صفات الله يكون لها
سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له
تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبهها كلها من
الصفات الفعلية.
هل رضا الله عز وجل كرضا المخلوق؟ لا؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب عز وجل لا
تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا
ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم في كلام الله ورسوله بمقتضى
أفهامنا، ولا أقول: عقولنا؛ لأن عقولنا تبعٌ، تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن
بمقتضى أفهامنا.
وهؤلاء المعطلة -كما قال شيخ الإسلام- قال: أوتوا فهومًا، وما
أوتوا علومًا، عندهم فهم، لكن ما عندهم علم ولا عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا
زكاءً.
أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوق، أهل
التعطيل يقولون: لا، ما نؤمن بها؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة
نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، هذا واحد، أو نسكت ونقول: لا نعلم
معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين؛ إما أن نعطل وإما
أن نفوض، التفويض المعنوي ما هو التفويض الكيفي، المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب
الخلاصة:
| وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا | فَوِّضْهُ أَوْ أَوِّلْ وَرُمْ تَنْزِيهَا |
الواقع أن هذا ما نزه الله بل بالعكس، نحن نقول: الرضا صفة ثابتة لله عز وجل تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا هو الإثابة والإكرام، وعبَّر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله يقول عن نفسه: إنه يرضى، ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح، لا إله إلا الله! كيف لا يكون وهو الذي أخبر عن نفسه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦]، وهل هذا إلا إلغاز أن يتكلم بكلام سبحانه وتعالى وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية.
ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله عز وجل، نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا، وهي دليل على الرضا، يعني دليل عقلي على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أيش؟ أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء كان من المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين.
وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة، هذه واحدة، ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين، وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة: أما أن تحرف- فهذا ضلال.
ومن الضلال أيضًا أن تفوض: واللهِ (...)، الرضا ما أدري ما هو، أنا أقرأ القرآن ولا أتكلم بشيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وصدق رحمه الله، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا أشرف ما فيه أن نعلم بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة: ألف، باء، تاء، ثاء.
وسبحان الله! كيف يليق برجل مؤمن أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا في القرآن؟ ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨] أي: إلا قراءة، معناه: أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد قراءة.
على كل حال عقيدتنا هذه: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة من غير تمثيل، وبذلك نسلم في عقيدتنا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة؛ لقوله: سُبُلَ السَّلَامِ.
فمثلًا أركان الإسلام كم؟ خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية، كل باب له أناس مختصون به، إذن هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك الشريعة فقد سلم، من أين تؤخذ؟ من قوله: سُبُلَ السَّلَامِ، سلم منين؟ سلم بكل معنى الكلمة؛ سلم في عقيدته، في أعماله، في جزائه؛ لأنه سيؤدي به هذا المسلك إلى دار السلام التي يدعو الله إليها وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥].
طالب: بارك الله فيكم، بعض الكتاب المرتدين خرج ببدعة جديدة وهي أن أهل الكتاب ليسوا كفارًا، الآن مثل ذلك يقال فيه: إن من لم يكفر الكافر فهو كافر؛ لأن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة: كفر أهل الكتاب، أم يقال: إنه قد يعذر في هذه المسألة بجهله؟
الشيخ: لا، لا يعذر، هذا من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب -يعني اليهود والنصارى- غير كفار، فقد كذَّب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: نعم، هم كفار، قامت عليهم الحجة، وهم إذا ماتوا على ما هم عليه فهم من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم.
طالب: قلنا في الشرح: إن شيخ الإسلام قال: إن أهل البدع أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، كذا النص؟
الشيخ: صحيح.
الطالب: شيخ، ما قال: أوتوا علومًا وما أوتوا فهومًا؟
الشيخ: لا، بالعكس: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا.
طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أن الإذن هنا الإذن القدري، أليس الإخراج من الظلمات إلى النور أمر محبوب إلى الله عز وجل؟
الشيخ: لا، الخروج أمر محبوب، لكن الإخراج هذا إذن قدري، يأذن الله تعالى أن يخرجوا، ويأذن ألا يخرجوا.
طالب: بارك الله فيكم، ما هو واجب طلبة العلم في هذه المسألة؟
الشيخ: أيها؟
الطالب: يعني عدم تكفير أهل الكتاب، يعني يا شيخ من طلبة العلم من يقول: جربت هذا في المساجد، وجربت في المدارس، يقول: أسأل عن: من الكفار؟ يخرج يعني كثير منهم، أما الصغار فكثير، أما الكبار فكثير، يعني يمكن ربع الموجودين لا يكفر أهل الكتاب يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ما هم كفار.
الشيخ: أعوذ بالله.
الطالب: إي نعم شيخ، هذا منقول بالسند المتصل أنهم لا يعرفون هذا أبدًا.
الشيخ: يحب أن يبين، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن.
الطالب: لا يا شيخ، كثير.
الشيخ: لا لا، يجب أن يبين -بارك الله فيك- أنهم كفار بنص القرآن.
الطالب: إذا كان هذا في بلاد ليست (...)؟
الشيخ: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة: ٧٢]، وهذا الشيء واضح، أليس الرسول قاتل أهل الكتاب؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وأخذ منهم الجزية، ومن لم يسلمها قتله، يقتل مسلمين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
طالب: عدل الكلام في العقيدة، الناس يتكلمون في الرقائق ومثلًا في الأشياء، يعني العقيدة ما عاد يتكلم فيها إلا قليل.
الشيخ: على كل حال يجب أن يبين، إذا كان الآن مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا لكم الآن إن الله يناديهم بأهل الكتاب إقامة للحجة عليهم، لا إقرارًا لما هم عليه، ولا إكرامًا لهم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) [المائدة: ١٧، ١٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَوسبق الكلام على..، والفوائد خلصناها؟
قال الله تعالى: وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وَيُخْرِجُهُمْ: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ.
ومن فوائدها: أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلمًا، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، والافتراء على الله كذبًا من أعظمها ظلمًا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله من أعظمها ظلمًا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤].
المهم أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضًا ظلم؛ لأنه يعمي على الإنسان الطريق، ولا يدري أين يذهب، أين يرجع، كيف يعمل.
وكذلك أيضًا من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشريعة نور، وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، كلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نورًا وتبين له نور الشريعة، نسأل الله أن يبين لنا ولكم ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل، ولست أقصد بـ(الإذن): التي يسمع بها؛ لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي، وإذن كوني، فالإذن الشرعي ما شرعه الله عز وجل، كل ما شرعه الله فقد أذن فيه شرعًا، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به.
الإذن القدري أو الكوني هو ما أراده الله عز وجل، وهذا الإذن لا بد أن يقع؛ لأنه إرادة الله سبحانه وتعالى.
فهنا بِإِذْنِهِهل هو الإذن الشرعي أو القدري؟
طالب: الشرعي.
الشيخ: لا، القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية؛ بالقدر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما تمسك الإنسان بشريعة الله هداه الله تعالى؛ لقوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهذا له شواهد كثيرة في القرآن: أن المعاصي سبب للزيغ، وأن الطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن، ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر علينا كثيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام، ولا يوصل إلى نتيجة؛ لأنه معوج.
ثم قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَلا يخفى أن الجملة الآن مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: اللام، وقد، والقسم المقدر؛ لأن قولك: (ولقد)، يقدر بقولك: واللهِ لقد، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا.
إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئًا محذوفًا هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا عز وجل، أعلمنا ذلك الله؛ لأن الله تعالى قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، واللسان العربي كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله عز وجل.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَوهؤلاء هم النصارى بنص القرآن، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠].
وقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ(هو) ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحيانًا يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه، لكن يؤتى به، كقوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]، فهنا (هم) ضمير؟
طالب: فصل.
الشيخ: ضمير فصل؟ ما الذي أعلمك؟ نصب ما بعده وإلا كان مرفوعًا، هنا إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَلا نحتاج إليه من حيث التمييز بين الصفة وبين الخبر؛ لأن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون الْغَالِبِينَنعتًا للواو من وجهين: أولًا: للقاعدة التي ذكرنا وهي: أن الضمائر لا تُنعت ولا يُنعت بها، والثاني أيش؟ الثاني: أن الْغَالِبِينَمنصوبة، والواو مرفوعة، ولا يمكن أن تكون نعتًا لها.
على كل حال نرجع إلى فوائد ضمير الفصل، ثلاث: أولًا؟
الطلبة: الحصر.
الشيخ: ثانيًا؟
الطلبة: التوكيد.
الشيخ: ثالثًا؟
الطلبة: التمييز.
الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، هنا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَأكدوا تأكيدًا بهذا الضمير أنه المسيح بن مريم، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠]، فكيف يكون الله هو المسيح بن مريم؟! ابن مريم مخلوق ولَّا خالق؟ مخلوق، والخالق هو الله، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟! هذا مستحيل عقلًا، كما هو مستحيل شرعًا.
هم أيضًا قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30] .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ(المسيح) بمعنى: الماسح، والمسيح الدجال بمعنى: الممسوح، انتبهوا للفرق، (المسيح) هنا بمعنى (الماسح).
قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فسمي مسيحًا، المسيح الدجال، (مسيح) بمعنى (ممسوح)؛ لأن عينه ممسوحة، حيث إنه أعور.
وأما من استحب من العلماء -رحمهم الله وعفا عنهم- أن يقال في المسيح الدجال: المسيخ، يعني الممسوخ، وفي عيسى بن مريم: المسيح، فهذا غلط؛ لأن الذي علم أمته أن يقولوا: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» أعلم منهم بذلك، ومع ذلك سماه: المسيح.
وقوله: ابْنُ مَرْيَمَأضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، فأضيف إلى أمه، وسيأتينا في الفوائد -إن شاء الله-: أن من ليس له أب يضاف إلى أمه.
ابْنُ مَرْيَمَمريم بنت من؟
الطلبة: عمران.
الشيخ: وأخت من؟
طلبة: هارون.
الشيخ: أخت هارون؟ إذن هي أخت لموسى وهارون؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وإلا فبينها وبينهما زمن بعيد.
قُلْيعني: يا محمد لهؤلاء قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا-الله أكبر- حجة دامغة: مَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ، إذن فالمسيح بن مريم مربوبٌ مقدور عليه، يقدر الله على أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعًا، فكيف يكون هو الله عز وجل؟ هذا لا يمكن، لو أراد الله تعالى أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا، أحد يملك من الله شيئاً؟ لا أحد يملك، وهذه حجة دامغة.
والدليل على هذا: أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حاول اليهود أن يقتلوه، وفعلًا دخلوا وقتلوا من ألقى الله شبهه عليه، وقالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ [النساء: ١٥٧].
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا(يملك) بمعنى (يمنع)، من يمنع شيئًا أراده الله؟! إِنْ أَرَادَبالإرادة الكونية القدرية، أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَأي: يتلفه بعد أن كان موجودًا، الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَالذي قلتم: إنه هو الله، وَأُمَّهُأيضًا التي أتت به، فيُهلك الفرع والأصل، من الفرع؟ عيسى، والأصل أمه.
فالله تعالى لو أراد أن يهلك المسيح -الذي زعمتم أنه الله- وأصله -الذي هي أمه- ومن في الأرض جميعًا، أحد يملك أن يمنع الله؟ لا، واللهِ ما أحد يملك أن يمنع الله، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: ٤٥]، والقادر على أن يبعثهم بكلمة واحدة كلهم يوم القيامة قادر على أن يهلكهم بكلمة واحدة، ولا أحد يملك منه شيئًا.
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًاجَمِيعًاهذه حال من الْمَسِيحَوَأُمَّهُ، و(مَن) في قوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِيعني: كلهم يهلكهم.
ثم قال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِكل ما في السماوات، كل ما نشاهده فهو مملوك لله، وإذا كان مملوكًا لله تعذر أن يكون هو الله، واضح؟ فاستدل الله عز وجل على أنه ليس الله بأمرين:
الأول: أن المسيح لا يملك أن يدفع شيئًا عن نفسه لو أراد الله أن يهلكه.
والثاني: أن كل شيء في السماء والأرض فهو ملك لله، فكيف يكون هو الله؟! كيف يكون المملوك مالكًا؟! هذا مناقض للعقل والفطرة.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَامُلْكُ السَّمَاوَاتِوهي سبع، والأرض وهي سبع، السماوات بنص القرآن أنها سبع قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، لكن الأرض ليس في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن في القرآن ما يدل على أنها سبع، كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، لو أردنا أن نقول: المماثلة في الوصف، المماثلة في الكِبر، المماثلة في العظم، لكذبنا الواقع؛ إذ لا مقارنة بين السماء والأرض، إذن يتعين إذا امتنعت الكيفية تعينت الكمية، فيكون المراد بقوله: مِثْلَهُنَّأي: في العدد، وجاءت السنة صريحة بأنها سبع أرضين، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ» -أو قال: «ظُلْمًا، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاما بين السماء والأرض. قد يقول قائل: لماذا جعل الله تعالى ما بين السماء والأرض عديلًا للسماء والأرض؟ قلنا: لأن بين السماء والأرض من الآيات العظيمة ما جاز أن يكون قسيمًا للسماوات والأرض وعديلًا لها.
إذن نقول: مَا بَيْنَهُمَافيه آيات عظيمة، وتجول الناس الآن في الكون وفي الآفاق يدل على أن هناك أشياء من أعجب ما يكون من مخلوقات الله عز وجل؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن ما بينهما بالسماء والأرض.
ثم قال عز وجل: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُهذا دليل ثالث؛ لأن النصارى البلهاء الضلال قالوا: إن الله المسيح بن مريم؛ لأنه خلق بدون أب، وافتدى بنفسه عن جميع الخلق -على زعمهم- أن الخلق كانوا مستحقين للعذاب والعقوبة، وأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام افتدى الخلق بنفسه وصبر على القتل وعلى الصلب، فاستحق أن يكون إلهًا له.
يقول عز وجل: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُوإذا كان يخلق ما يشاء فمن الذي يحجر عليه أن يخلق شخصًا من أم بلا أب؟! يخلق ما يشاء، خلق الله آدم لا من أم ولا من أب، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق بقية البشر من أم وأب، فالله على كل شيء قدير.
ثم قال: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوهذا دليل الرابع، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فبقدرته خلق عيسى من أم بلا أب.
في هذه الآية الكريمة التصريح والتأكيد بكفر من قال: إن الله هو المسيح بن مريم، وهم النصارى، فما بقي شك في أن النصارى كفار، ومن قال: إنهم غير كفار وإنهم مؤمنون فإنه كافر، إن علم ما جاء في القرآن والسنة من كفرهم؛ لأن لازم قوله هذا أيش؟ تكذيب الله ورسوله.
وما أدري -سبحان الله- أيداهنون النصارى من أجل أنهم أقوياء ماديًّا، وينسون من الذي أقدرهم على هذه المادة، من الذي أقدرهم على هذه المادة إلا الله؟! فكيف يخشونهم ولا يخشون الله؟! كيف يداهنونهم، ويبسطون لهم الأرض، ويفرشون لهم ورودًا، ويقولون: أنتم مؤمنون بالله واليوم الآخر، وأنتم على دين، ونحن على دين، واليهود على دين، وكأن الخلاف الذي بيننا وبين اليهود والنصارى كالخلاف الذي بين أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس، سبحان الله! وهذه راجت على بعض الناس، حتى إنه يعني راج بأنه لا يجوز قتل المرتد؛ لأن الناس أحرار، يختار الإنسان من دينه ما شاء لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] سبحان الله! يعني انقلاب -نسأل الله العافية- هذا أشد من التفسق الخلقي؛ لأن هذا يعود على أيش؟ على العقيدة، وأن لا نتبرأ منهم، والله عز وجل يقول: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤].
لماذا نداهنهم؟ إلا نكفرهم ونقول ما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ، ونقول: إن آمنوا بمثل ما آمنا به فقد اهتدوا، وإلا فهم على ضلال.
لكننا -في الحقيقة- لا نستطيع الآن أن نقاتلهم ولا أن نجاهدهم لأسباب كثيرة؛ منها: أنه ليس عندنا حصيلة إيمانية توجب أن نقاتلهم، الإيمان ضعيف في عامة المسلمين، لا أقول: في كل واحد، لا، في عامتهم، الإيمان ضعيف.
ثانيًا: ليس عندنا حصيلة استقامة على دين الله، على العبادات، أين من يصومون النهار ويقومون الليل؟ كثير من المسلمين لا يصلون الصلاة في وقتها، وكثير من المسلمين لا يصلونها أبدًا، ولا يعرفون يتوضؤون، أين الحصيلة؟
الثالث: أنه ليس عندنا غيرة دينية، بمعنى أن نقاتلهم من أجل الدين، كثير من الذين يقاتلون الكفار يقاتلونهم للأرض، أو لآثار حسية كآثار الجاهلية، ما هم يقاتلونهم من أجل أن يقيموا دين الله على أرض الله، لا، وتأملوا هذا تجدونه واضحًا.
وهناك أسباب أخرى لا يطيب لي أن أقولها الآن، لكن تظهر للمتأمل، فنحن الآن في الحقيقة عاجزون عن مقاومتهم، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نداهنهم في ديننا؛ لأنهم هم يودون كما قال الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، يودون هذا، لكن يأبى الله عز وجل -إن شاء الله تعالى- أن نداهنهم في دين الله أبدًا، ولا نداهنهم، نسالمهم ما دمنا ضعفاء، وإلى أن يأذن الله لنا بالقوة ويأذن لهم بالضعف، وأما مسألة الدين لا يمكن إطلاقًا أن نبيع ديننا لهم ولا لغيرهم، ولا يحل لنا هذا.
لكن مع الأسف أنه يوجد الآن من يحطمون الدين باسم الدين؛ الدين الإسلامي دين التسامح، دين التساهل، دين المحبة، ما هو صحيح، التسامح مع من؟ مع إخوانهم المسلمين، أما غيرهم فقد قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير [التوبة: ٧٣]، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ١٢٣]، لكن من مد إلينا يد المسالمة مددنا إليه يد المسالمة إذا كنا عاجزين عن المقاومة؛ لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
أما الدين فلا نرضى أن يصاب بشيء أبدًا، بل نقول: دين الإسلام دين خاص يمتاز عن غيره بأنه يؤمن بجميع الأديان أنها حق من عند الله، لكنها منسوخة بالإسلام.
بعض الناس الجهال يقول: اليهود يؤمنون بموسى، والنصارى بعيسى، والنصارى يؤمنون بموسى أيضًا، ثم يقول: كلٌّ يؤمن بنبيه ويش المانع؟ نقول: اقرأ قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [النساء: ١٥٠] بعدها أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥١]، أكد الله كفرهم أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا.
هؤلاء النصارى واليهود الآن يقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، اليهود يدعون أنهم يؤمنون بموسى، والنصارى يدعون أنهم يؤمنون بعيسى، ويكفرون بمن؟ بمحمد، محمد الذي قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْمن يخاطب؟ الأنبياء، أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِيعهدي الثقيل، قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١].
إذا كان أنبياؤهم قد أخذ عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد فهم من باب أولى، ومع ذلك يكفرون بمحمد عليه الصلاة والسلام، ويقولون: نحن مؤمنون.
ثم نقول لهم: أنتم في الحقيقة ما آمنتم برسلكم؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم موجود في التوراة والإنجيل، مكتوبًا عندهم: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، موجود هذا، بل قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦]، مثل ما يعرف الرجل ابنه يعرف أن محمدًا رسول الله، ومع ذلك كفروا، كيف نقول: هؤلاء مؤمنون؟!
ثم نقول: إن الله تعالى حكم على كل إنسان كفر برسول أنه كافر بجميع الرسل، حتى بمن لم يأت من الرسل فهو كافر به، قال الله تعالى في قوم نوح: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] قوم نوح، من بعث رسولًا قبل نوح؟ لا أحد، ومع ذلك قال الله: إنهم كذبوا المرسلين.
فهؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون بموسى وبعيسى، نقول: أنتم الآن كافرون بموسى وعيسى، كافرون الكفر العام والكفر الخاص؛ أما العام فكل من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، أما الخاص فإن رسلكم جاءت كتبهم صريحة في أن محمدًا رسول الله حقًّا، وعرفتموه كما تعرفون أبناءكم.
نحن أطلنا في هذا وخرجنا عن موضوع التفسير؛ لأن يعني الدنيا أمامي مدلهمة في مثل هذه الأفكار الخبيثة الرديئة، التي يريدها بعض من ليس عندهم إيمان، إلا أن يشاء الله، ويجب علينا أن نقاوم هذا الفكر مقاومة تامة بقدر ما نستطيع، هذا جهاد ما هو بالسيف، لكن جهاد بالرأي والفكر، لا يجوز السكوت على هذا إطلاقًا.
فالحاصل أن هذه الآيات الكريمة كفَّر الله تعالى كفرًا مؤكدًا من قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام لكون الله وصفه بأنه مسيح، والمسيح علمٌ لقبٌ، أما اسمه العلمٌ بلا لقب فاسمه عيسى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز انتساب الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وأخذ المحققون من أهل العلم أن من ليس له أب فإن عصبته أمه إذا لم يكن له عصبة؛ لأنه نسب إليها وجعلت بمنزلة الأب، أما إن كان له عصبة فأمه تأخذ فرضها، والباقي لعصبته.
فإذا كان هناك ابن لامرأة ليس له أب؛ إما أنه ولد زنا، أو أن أباه نفاه والتعن لنفيه أو لم يلتعن، على خلاف، المهم أنه ليس له أب، ثم تزوج وجاءه أبناء، أمه هنا ليس لها إلا فرضها وهو السدس، والعاصب هنا أبناؤه.
أما لو مات هذا الابن عن أمه وإخوانه -إخوانه من أمه ليس لأب- فإخوانه من أمه يأخذون فرضهم: إن كان واحدًا فالسدس، وإن كانوا أكثر فالثلث، وأمه تأخذ الفرض والباقي تعصيبًا، لماذا؟ لأنها بمنزلة الأب.
وهذا القول هو الراجح: أن من ليس له أب فعصبته أمه.
فإن قال قائل: إذا كان للإنسان أب فهل يجوز أن ينسب إلى أمه؟ نقول: إن كان المراد الانتساب المطلق فهذا لا يجوز، وإن كان الانتساب لأنه اشتهر بها لكنه معروف أنه ولد فلان، فهذا لا بأس به، فمثلًا عبد الله بن بُحينة، بُحينة اسم أمه، واسم أبيه مالك، ومع ذلك يطلق عليه هذا الاسم.
كما نقول أيضًا في الانتساب إلى الجد: إذا كان للجد شهرة والانتساب إليه يعد شرفًا دون أن ينقطع الانتساب إلى الأب، فلا بأس بذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» ، صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله في قومه، وهو سيد معروف فلا بأس، لكن بشرط أن لا ينسى الأب، أما إن نسي فلا يجوز؛ لأنه يترتب على هذا مسائل حكمية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة الرد على النصارى؛ حيث قال الله عز وجل: الْمَسِيحَوَأُمَّهُ، المسيح الذي يرونه إلهًا يقول الله عز وجل: لو أراد الله أن يهلكه ما استطاع أحد أن يمنعه، وهذا لا شك أن فيه صدمة قوية على النصارى أن يقال في معبودهم وإلههم: إن الله تعالى قادر على أن يهلكه، وإذا أراد أن يهلكه فلا أحد يملك منعه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أراد الله شيئًا فإن الشرف والجاه والرئاسة -ولو في الدين- لا تمنع مما أراد الله؛ لأن المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك يقول الله عز وجل: فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَقلنا: إن هؤلاء هم النصارى، وإن هذه الآية الصريحة في أنهم كفار، وتكلمنا على ذلك بكلام طويل ليس له مساس بالتفسير لكن له مساس بالواقع.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن نساء أهل الكتاب ولو كانوا كفارًا لكنهم منتسبون لأهل الكتاب حلال، خلافًا لمن قال من العلماء: إنهم بعد أن بدَّلوا وغيروا وأشركوا فنساؤهم حرام، والصواب: أن نساءهم حلال ولو كانوا قد بدلوا وغيروا وكفروا وأشركوا، كطعامهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على أهل الباطل بالأدلة السمعية والعقلية؛ لأن الله رد عليهم بأدلة سمعية عقلية.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال سلطان الله عز وجل، وأنه لا أحد يمنعه مما أراد؛ لقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.
ومن فوائده: أنه عند المناظرة ينبغي أن تبدأ بأول من يحتج به المناظر، وأنه على خلاف ما ناظر عليه، وجهه: أن الله بدأ بذكر إهلاك المسيح وأمه الذي يعتقد هؤلاء أنه إله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ومن فوائدها أيضًا: اختصاص هذا الملك بالله؛ لقوله: وَلِلَّهِ، وجه الدلالة: أنه قدم الخبر، ومن القواعد المقررة عند أهل البلاغة وأهل الأصول: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إن الله تعالى أضاف الملك إلى غيره في غير ما آية من كتاب الله، فما الجمع؟ قلنا: ما أضاف الله إليه الملك فإنه ملك قاصر من جميع الوجوه، مثل قوله تعالى: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون: ٦]، ومثل قوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور: ٦١]، ومثل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النور: ٣٣]، والآيات في هذا متعددة، فيقال: الملك المضاف إلى المخلوق ليس كملك الله عز وجل، هو ملك قاصر لا يشمل كل مملوك.
وهو أيضًا قاصر في التصرف فيه؛ إذ إن الإنسان لا يملك التصرف كما يشاء فيما هو ملكه، لو أراد إنسان أن يتلف ماله وقال: هذا ملكي، أنا لي أن أتلفه، قلنا: حرام عليك، ليس لك أن تتلفه؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولو أراد أن يعتدي على ملك غيره، لقلنا: لا يمكن؛ لأن ملكك محصور، وبهذا نعرف أن الملك التام هو ملك الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن ما بين السماء والأرض فهو خلق عظيم، حتى جعله الله تعالى عديلًا -أو إن شئت فقل: قسيمًا- للسماوات والأرض، دليله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى له المشيئة المطلقة؛ لقوله: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وقد فسر الله تعالى هذا في بعض المواضع مثل قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: ٤٩، ٥٠]، وهذا من جملة كمال ملكه وتمام خلقه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأنه إذا كان الله مالك للسماوات والأرض وما بينهما وهو خالق ما يشاء، فالإنسان مما في السماوات والأرض، فتكون أفعاله مخلوقة لله.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) [المائدة: ١٨، ١٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أخذنا إلى قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوأخذنا فوائدها.
من فوائد الآية الكريمة لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ: بيان عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
والقدرة: أن يفعل الفاعل ما أراد بدون عجز، وثَمَّ شيئان: قدرة، وقوة، وبينهما فرق، فالقوة تكون من ذوي الإدراك وغيرهم، فيقال: الحديد قوي، ويقال: فلان قوي، وأما القدرة فلا تقال إلا فيما له إدراك؛ إذ لا يقال عن الحديد مثلًا: إنه قدير.
ثانيًا: أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، وهي من هذه الناحية أخص من القدرة؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، قد يكون الإنسان مثلًا يقدر على أن يحمل هذا الكيس فوق ظهره لكن مع التعب والمشقة، هذا نقول: إنه قادر، ولا نقول: إنه قوي، وإذا أخذه بسهولة ولم يتعب منه، قلنا: إنه قوي، ويلزم من قوته أن يكون قادرًا.
وفي هذه الآية أيضًا: دليل على أن القدرة تتعلق بكل شيء، فهو على كل شيء قدير من إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتغيير الشيء وتحويله إلى شيء آخر، والهداية والإضلال، وغير ذلك، كل شيء فهو قادر عليه.
ويتفرع من القدرة على الشيء: أن يكون عالمًا به؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مع القدرة إلا وهو عالم به، فتكون هذه الصفة متضمنة لصفة العلم، ومعلوم أنها متضمنة لصفة الوجود، متضمنة لصفة الكمال؛ لأن بعض الصفات يستلزم صفات أخرى.
ثم قال الله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُاليهود: أتباع موسى الذين يدعون أنهم متبعون له، والنصارى: أتباع عيسى الذين يدعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لكن الأبناء هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة، أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا، وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فيكون قوله: وَأَحِبَّاؤُهُمن باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المراد بالأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه أولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات، وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: أَبْنَاءُ اللَّهِ، يعني: كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز، وما إلى ذلك، قلنا: أَحِبَّاؤُهُتكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص.
قال الله تعالى مفندًا دعواهم: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة الخصم، ثم يؤتى بما يثبت خلاف قوله، هنا قال: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً:
الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنبًا في جانب والده، بل يكون سميعًا مطيعًا له، لا عاصيًا مذنبًا.
الثاني من جهة الأبوة: التعذيب، التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك.
فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين: الأمر الأول: أنهم أذنبوا، والثاني: أنهم عذبوا، فكيف تقولون: إنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون؟! ثم كيف يكون حبيبًا لكم وهو يعذبكم فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟!
ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم فقال: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، لما قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُقال: بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَكسائر البشر.
والبشر هم بنو آدم، وسموا بشرًا؛ لأن أبشارهم بَادِيَة، بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أن أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بَادِيَة لحكمة عظيمة؛ ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفًا، وحياءً وخجلًا، فأراد الله عز وجل أن يجعل أبشارهم بَادِيَةً حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقوون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حسًّا فهم مستحقون له أيضًا معنًى، فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى. بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَأي: من سائر المخلوقات.
ثم قال عز وجل: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُفالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقًا للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئًا على شيء بدون سبب، وعلى هذا فقوله: لِمَنْ يَشَاءُأي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له، وهو التائب من الذنب.
وكذلك من منَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة، وهو المذكور في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨].
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُيعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنب، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] لا ظلمًا: بزيادة السيئات، ولا هضمًا: بنقص الحسنات.
وعلى هذا فيكون التعذيب المقرون بالمشيئة مقيدًا بما إذا اقتضت الحكمة أيش؟ أن يعذب، ومن ذلك أنتم أيها اليهود والنصارى، فقد شاء الله تعالى أن يعذبكم، وفعلًا عذبكم بذنوبكم؛ لأنكم عصيتموه.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُهذا تقدم الكلام عليه في الآية التي قبلها، لكن اختلف ختم الآيتين؛ فهناك قال: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لأن المقام مقام رد على الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، أما هنا فالمقام مقام تهديد ووعيد فقال: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُأي: المرجع، لا إلى غيره، وإنما قلت: لا إلى غيره، من أجل تقديم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر: إليه المرجع لا إلى غيره، فليست المسألة مسألة دعوى أنكم أبناء الله وأحباؤه، وإنما المسألة مسألة عمل؛ إما سيء، وإما حسن.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.
ومنها: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
وقد أنكر من هذه الأمة صفة المحبة لله وقالوا: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، قالوا: المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسروها بأحد المعنيين؛ لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات، وهؤلاء من؟ الأشاعرة، يقولون: ما في محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب.
اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود يدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيرًا من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل أنهم شعب الله المختار، ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام، وبهم ظهر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه. والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوى.
ومن فوائدها: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولًا، ثم تأتي بما يثبت قولك؛ ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء –أي: اختلافهم- تجدهم يذكرون أولًا الرد على القول المقابل لأقوالهم، ثم ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الله لليهود والنصارى لم ينقطع ولن ينقطع؛ لقوله: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْلم يقل: فلم عذبكم؛ ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والبنوة أعظم من دعوى النصارى، وهم -إن شاء الله- سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين، وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون، حتى إن اليهودي يختبأ بالشجرة فتنادي المسلم: هذا يهودي فاقتله .
طالب: هل يمكن أن يقال في قوله تبارك وتعالى: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِأن اليهود أرادوا بذلك حقيقة البنوة وأن منهم ابن لله، مثلًا كما قال الحسن بن أبي الحسن البصري: خطبنا علي، ويقصد أهل الكوفة، وإلا فهو لم يكن موجودًا، وكما نقول نحن: انتصرنا على الكفار يوم بدر، ونحن لم نكن أصلًا موجودين؟
الشيخ: أما لو كانوا كلهم من ذرية عيسى لا بأس، كلهم من ذرية عزير لا بأس، لكن ليسوا كذلك.
الطالب: هل من دليل يا شيخ؟
الشيخ: ما رأيت أحدًا قال بهذا، يعني أنت تريد المعنى: وقالت اليهود: منا أبناء الله، وقالت النصارى: منا أبناء الله، لا.
الطالب: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِحيث إن عزير (...)؟
الشيخ: لا، ما أرادوا.
طالب: ألا يمكن الأخذ من الآية هذه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُبعد عدم إنكار الله عز وجل لصفة هذه الدعوى الرد على الأشاعرة؛ فإن الله عز وجل لم ينكر مسألة المحبة وإنما أنكر كونها واقعة عليهم، هل يمكن أن يكون دليل في الرد على الأشاعرة؟
الشيخ: سبحان الله! إحنا ما قلنا هذا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: قلنا: هم يعرفون من صفات الله ما لا يعرفه هؤلاء المنكرون، إذا قلنا: هذا أفضل من يكون دليلًا على هذا.
طالب: قلت: الأشاعرة قالوا: إن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، (أو) هنا احترازًا من أي شيء؟ ما فهمت؟
الشيخ: يعني بعضهم هذا، وبعضهم هذا، بعضهم قال: المحبة هي الثواب، وبعضهم قال: هي إرادة الثواب.
الطالب: أن إرادة الثواب أو الثواب نفسه من جملة الأفعال؟
الشيخ: إي نعم، التعليل أنهم فسروا بهذا وبهذا؛ لأنهم قالوا: الإرادة يثبتونها هم، يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، فالثواب يكون شيئًا مخلوقًا، بائنًا عن الله، مفعولًا من مفعولاته، ليس صفة من صفاته، والإرادة صفة من صفاته وهم يثبتونها.
طالب: شيخ، هل يمكن أن يؤخذ من قوله تعالى: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُأن الحق يؤخذ ممن جاء به؟
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنه لم ينكر عليهم إثباتهم لصفة المحبة.
الشيخ: أصلًا ما هي محل جدل حتى نقول: ما أنكروا، محل الجدل أنهم ادعوا هذه الدعوى، ولا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وقد مر علينا هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ الحق من الشيطان، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قبله من اليهود أيضًا.





