تصرح بأنه على ضلال؟
الطالب: لا، (...) على ضلال
علنًا (...).
الشيخ: (...) على كل حال، أنت إن خصصتهم
بأعيانهم صحيح، لكن إذا قلت: قال بعض الناس: كذا، أو يُقال: كذا؛ ما ينفرون.
طالب: ما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية لهذه
المواقف؛ أولًا: غضبه وإلقاؤه للألواح، تعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، قتله
للرجل الفرعوني، تسرُّعه بالسؤال بقصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال له:
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي [الكهف: ٧٦]؟ فما حكم وصف موسى عليه السلام بالعصبية بسبب
هذه..؟
الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر
مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام
عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا
أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة
والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ
عينه ،
فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز
أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع
منه هذا الشيء.
الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر
إلى نيته..؟
الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك،
هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء
الأدب.
طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن
الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى:
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي [المائدة: ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟
الشيخ:
قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِيفهو وإن كان الرجلان قد
نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه.
طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها وذكرنا
صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما
الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟
الشيخ: الأعمال
الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن
مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل.
طالب: هم يقولون:
إنه سقط في أرض العدو؟
الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في
الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم.
طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...) فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٢٦] وفيهم من
كان مصلحًا مثل: الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا [المائدة: ٢٣]..؟
الشيخ: إي نعم،
العقوبة تعُمّ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥].
طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ
مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا،
فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن
يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟
الشيخ: بعض
المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله
عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن
المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا
بلسانه أشد من وقع النبل عليهم.
طالب: شيخ، (...)
طبعهم هكذا؟
الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا
من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، يعني
المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون.
طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة
عمران بن حصين التي في صحيح مسلم بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما
اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا
تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير ، هل له حجة يا
شيخ؟
الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة،
أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض
الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن
الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...)
أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة
والسلام لما ذكر الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ
إلا الموت ما
غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها.
طالب: المصاب بمرض
قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟
الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب،
هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا
معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم
بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس
كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر
يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب.
طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي
بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟
الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض
الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند
بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه
إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن
هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها
إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا
ينفع فيها إلا القراءة.
طالب: الذي يشك في قراءة القارئ
أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟
الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار
الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)} [المائدة: ٢٧-٣٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمره سبحانه وتعالى أن يتلو عليهم هذا النبأ لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلّغه ويبين لهم القرآن لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
وقوله: نَبَأَ: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر يكون في الهام وغيره. وقوله: نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَهذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، لكن هذين ابنان لصلبه، أحدهما: اسمه هابيل، والثاني: اسمه قابيل.
وقوله: بِالْحَقِّأي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوصف به الخبر، ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو الصدق، وإن كان الحكم فهو العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، فقوله: بِالْحَقِّيعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.
وقوله: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًاهذا متعلق بـنَبَأَأي: نبأهم حين قرَّبَا قربانًا، وهو في محل حال من النبأ؛ يعني: هذه الحال هما قرَّبَا قربانًا، ولم يبينه الله عز وجل هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، لم يبينه الله، ولو كان في بيانه مصلحة لبيّنه الله عز وجل، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان، وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه في التفسير؛ أن ما أبهمه الله فهو مبهم ولا حاجة أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، ويقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله عز وجل. وقوله: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًاالمراد به ما يُتقرب به إلى الله عز وجل.
فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، والمتقبِّل هو الله، وأُبهم للعلم به كما في قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك، وأُبهم للعلم به.
تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، من الذي تُقُبِّل منه؟ هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه؟ إما أن يكون كما ذُكِر عمن سبق أنهم إذا غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علِمَا ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو غير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما علِمَا أن هذا قُبِل وهذا لم يُقبل؛ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِلماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله عز وجل، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه إما بهذا القربان الذي قرّبه، يعني أنه غصبه أو سرقه أو تملّكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَالقائل هو الذي لم يُتقبّل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه.
لَأَقْتُلَنَّكَ؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، يعني: إن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا، يعني لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، والجملة هنا إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَجملة حصرية، طريق الحصر فيها (إنما)، يعني لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي هو الذي قام بطاعة الله، فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور.
قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَوإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أهمية هذه القصة، ووجهه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا؛ لقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ.
ومنها: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العِبر، وكلما كان الشيء أشد كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا، بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم منذ وُلِد إلى أن تُوفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله وأخلاقه حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له وتُقَوِّي التأسي به عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذه الآية: أن كل ما أخبر الله به فهو حق؛ لقوله: بِالْحَقِّولا يقال: إن هذا قيد، وأنه قد يكون ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام غير حق، بل هذا بيان للواقع؛ فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفَرْق كما بين السماء والأرض؛ إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يُحْرَم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني أيش؟ حُرِم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له الحكم في القبول والرد؛ يتقبل ولا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله تعالى جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا؛ فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عملت على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، فمن وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وُفِّق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرجاء من الإنسان في الله عز وجل ما نشط عن العمل وقام به.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لقبول الأعمال؛ لقوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وهل المراد تقبُّل الأعمال فقط أو تقبّل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم؛ ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن غير المتقي لا يُقبل منه، فهل المراد لا يُقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يُقبل؛ فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب؛ أي: غصب شيئًا وتصدق به فإنه لا يُقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس هذا الذي عمله الإنسان لربه عز وجل، ولو صلّى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي فصلّاها في وقت النهي فإنها لا تُقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته، أما إذا كانت التقوى مختلّة في غير هذا العمل فقد يُحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ، وقد يُجاب ويُتقبل منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة أيهما يرجّح الحسنات أو السيئات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الأفعال؛ لقوله: تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا، ولقوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك، لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعّالًا، لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السماوات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علّمنا الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الترغيب في التقوى؛ لقوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر، وإنما قصد مصلحة الغير؛ لقول هذا الذي تُقُبِّل منه: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ لأن هذه الجملة يا إخوانّا، هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح لأن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.
ثم قال: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِيبسطتها أي: مددتها مدًّا تصل به إليّ.
لِتَقْتُلَنِياللام للتعليل، أي: لأجل أن تقتلني.
مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَيعني أن هذا الرجل قال لأخيه: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني فأنا لن أبسط يدي إليك لأقتلك، والمعنى أنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد ما أنا بمدافع عن نفسي، بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.
إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، لما قال: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَقد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله.
وقوله: أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَأي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، وإنما سُمُّوا بذلك؛ لأنهم علَم على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عز وجل وتمام ملكه وسلطانه وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
في هذه الآية: أن هذا الرجل الذي هُدِّد بالقتل امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأنه قلنا: إنه يحتمل أنه يقول: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، على كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أراده على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله، وبيّن أن القاتل المدافع إذا قُتِل فهو شهيد ، وأن الآخر الصائل إذا قُتِل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه، ولكن العلماء -رحمهم الله- قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة؛ يترتب إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان رضي الله عنه للقَتَلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا اشتبكوا بهؤلاء الخوارج، ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح أن يقال: إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه إذا لم يندفع إلا بالقتل، إلا في حال الفتنة التي يترتب على المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع عن شيء محرم أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك في قوله: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الصائم: «إِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» ؛ ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا، ولكن لأجل الصيام الذي يُنهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابّة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته؛ لقوله: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، ولا شك في هذا؛ أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرجاء هو أقوى الأسباب الموجِبة للطاعة والرغبة فيما عند الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم ربوبية الله عز وجل؛ لقوله: رَبَّ الْعَالَمِينَ.
ثم قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَفيها قراءة عندنا: {لِأَقْتُلَكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ} بفتح الياء، وقراءة أيضًا: {إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ}. قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، والإرادة هي ميل الإنسان أو ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة.
وقوله: أَنْ تَبُوءَأن ترجع.
بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه؟ نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكأن أخاه الذي لم يقاتل وسلِم من الإثم كأنه حَمَّل القاتل إثمه، فيكون المراد بالإثم الذي يمكن أن يكون على القاتل يبوء به هذا الرجل، وليس المعنى أن القاتل يكون عليه إثمان؛ إثم للمقتول لو قتله، وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَأي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمَّله عنه وباء به.
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَتَكُونَمعطوفة على أَنْ تَبُوءَأي: فتكون من أصحاب النار؛ لأنك قتلت نفسًا بغير حق.
وَذَلِكَأي: كونك من أصحاب النار.
جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فكل ظالم فإنه يعذَّب؛ لأن الحق حق الآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلَّد فيها وإلا فلا.
في قوله: إِنِّي أُرِيدُإثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خُلِق البشر؛ أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهرًا وجبرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أريد قتلُه ولم يدافع خوفًا من الإثم؛ فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفًا من الإثم؟ نقول: لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافَع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يُضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يُضرب كثيرًا، وإن رجع بالضرب الكثير لم يُقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يُقتل، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا من ذلك مسألة، وقالوا: ما لم يخف أن يبدُرَه بالقتل، فإن خاف أن يبدره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة؛ يعني مثل لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهرَه على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلًا أو تصيح به، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القتل سبب لدخول النار؛ لقوله: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، وهل هو مخلَّد فيها أبدًا؟
نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلَّد فيها أبدًا، وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفّروه، وأما المعتزلة فلم يكفِّروه، بل قالوا: إنه في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار ولا يخلَّد فيها، ولكن هل يدخل النار قطعًا أو هو داخل في قوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]؟ المشهور من مذهب أهل السنة أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟
الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحًا فإنه يدخل في ذلك، بمعنى أن الله لا يعاقبه على حق المقتول؛ لعموم قول الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٦٨-٧٠]، فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحًا، فإن الله تعالى يتحمّل عنه ولا يعذّبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني نقول: لو تاب هذا القاتل هل تسقط الدية عنه؟
الجواب: لا؛ لأنها حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء -رحمهم الله- بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قُبِلَت توبته ورُفِع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقًّا للآدمي في أمور الدنيا، إذن نقول: القاتل إذا تاب ما الحكم؟ يتوب الله عليه حتى في حق المقتول، فلا يعاقَب على القتل؛ لعموم قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَإلى قوله: إِلَّا مَنْ تَابَ، وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار، بل هو تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله غفر له، وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي، أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق؛ لقوله: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، ويحتمل أن يقال: الظَّالِمِينَهنا عام أريد به الخاص، وهو مَن ظلم مثل هذا الظلم، وهو قتل النفس؛ لأن الظالم قد لا يستحق دخول النار، ولكن الأول أصح؛ لعموم الآية؛ ولأن كل ظالم فجزاؤه دخول النار إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك.
قال الله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِطَوَّعَتْ لَهُأي: سهّلته له أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن -والعياذ بالله- لم تنفعه. طَوَّعَتْ لَهُأي: للقاتل.
نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ؛ لأن نفسه سهّلت عليه القتل.
فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَأي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يُعَبَّر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما كانت أصابته في وسط النهار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من النفس الأمّارة بالسوء؛ لأنها قد تطوِّع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازمًا بالنسبة لنفسه ويقظًا، فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل النفس لا يُخرج من الإيمان؛ لقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل وإن سهّلته نفسه له، فتبقى الأخوة، لكن الله تعالى ذكر الأخوة بعد أن تم القتل، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى قولًا صريحًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة: ١٧٨].
وقتال المؤمن يوجب الكفر؟ يُخرج من الإيمان والأخوة؟
لا؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ٩، ١٠].
وبهذا التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسُّنّة قد يراد به الكفر الأصغر، دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ، وفي الآية الكريمة أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان، وهذا دليل على أن المقاتل لا يكفر، وبه يُعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر الْمُخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس؛ أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون الكفر إلا بدليل يدل على أنه الكفر الأكبر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان بحيث لم يكن له منافس صار من الخاسرين؛ فيستفاد منها: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد.
ثم قال الله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا: أرسله، والغراب هو الطائر المعروف، ولا يقال: لم اختاره الله عز وجل من بين سائر الطيور؟ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها، ولا يمكن الإحاطة فيها.
وقوله: يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِذكر المفسرون أن غرابين اقتتلَا فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض، ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن الغراب إنما رأى هذا كيف يبحث في الأرض من أجل أن يدفن أخاه، وكأن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض أي: يحرثها، حتى يرى هذا القاتل ماذا يصنع في أخيه.
قال: لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، يُرِيَهُأي: ليجعله يرى بعينه.
كَيْفَ يُوَارِيكيف يغطي؟
سَوْأَةَ أَخِيهِأي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفَّن الميت كله لا يخرج منه شيء إلا مَن كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يُكشف رأسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» .
قال الرجل: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ، يَا وَيْلَتَا، الويل: هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل يَا وَيْلَتَا: يا ويلتي، لكن قُلِبَت الياء ألفًا من أجل المد يَا وَيْلَتَامدها عند الصياح، وهنا نادى الويل كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم.
وقوله: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ، الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؟! لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، وهذا صرح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
وقوله: أَعَجَزْتُفَأُوَارِيَمنصوبة هنا؛ لأنها جواب الاستفهام.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: ٣٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَإلى آخره.
في هذه الآية من الفوائد: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته؛ لقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا، فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟
الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقة لله وبإرادة الله عز وجل، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته؛ فللإنسان اختيار وإرادة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار؛ أهل السنة والجماعة وفّقهم الله -عز وجل- للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة، أما أهل السنة -والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر، كما في هذه القصة، فالغراب أرشد ابن آدم إلى أن يحفر لأخيه ويدفنه، وصارت سُنّة البشر إلى يومنا هذا إلا من ضل عن الصراط المستقيم كالذين يحرقون موتاهم ويذرونه في اليم وما أشبه ذلك، وإلا فهذا بقي سُنّة البشر إلى اليوم، وهل الميزة بشيء معين يقتضي التفضيل المطلق؟
الجواب: لا، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها، أنه إذا امتاز أحد بشيء فإنه لا يقتضي التمييز المطلق عليه، ومن ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكون في آخر الزمان أيام الصبر للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة ، فهل يقال: إن هؤلاء الذي يكونون في هذه الأيام أفضل من الصحابة على سبيل الإطلاق؟
لا، لكن يتميزون بميزة، كذلك نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يفضّل بعض الصحابة على بعض في قضية معينة، فلا يلزم من ذلك التفضيل المطلق، كما في قوله: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ، فأعطاها من؟ علي بن أبي طالب، وهذا لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأمثال هذا كثير، فيجب أن نعرف الفرق بين الفضل المطلق والفضل المعين، فهل نقول: إن الغربان أفضل من بني آدم؟ لا، وإن كان للغربان فضل في كيفية مواراة الأموات، لكن هذا لا يقتضي التفضيل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ييسر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يطرأ له على بال؛ فإن هذا الرجل ضاقت عليه الأرض، ماذا يصنع بأخيه الذي قتَلَه؟! ففرّج الله عنه ببعث هذا الغراب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب في الدفن ما توارى به السوءة، أي: يغطى به الجسم، لكن العلماء -رحمهم الله- زادوا على ذلك شرطًا لا بد منه، وهو أن يكون الدفن مواريًا للسوءة ومانعًا للسباع وللرائحة، يعني معناه: لا بد أن يمنع السباع أن لا تحفر القبر، وأن يمنع الرائحة أن لا تخرج من القبر، فلو أن الإنسان حفر حفرة يسيرة، ثم وارى عليها التراب، لكنه يسهل على السباع أن تحفره، وتخرج رائحته فإن هذا لا يجزئ، لا بد من تعميق القبر على وجه يمنع السباع والرائحة، وكلما كان أعمق في الأرض فهو أحسن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بدن الميت كله عورة؛ لأن القبر يوارِي البدن كله، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن بدن الميت كله عورة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، ولقوله في هذه الآية: كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، وهذا هو الحق؛ أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان خلافًا لطائفتين مبتدعتين زائغتين، وهما الخوارج والمعتزلة؛ فالمعتزلة قالوا: إن قاتل النفس عمدًا يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين، هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فإنه مخلَّد في النار، أما الخوارج فقالوا: إنه يكفر؛ لأنه ليس هناك إلا كافر ومؤمن، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، وإحداث منزلة بين منزلتين هذه بدعة، والخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأنهم صرّحوا بما يقتضيه الدليل على زعمهم، وصرّحوا بأنه كافر، وأما المعتزلة فلاذوا بهذه الحيلة أنه لا يكفر، لكنه في منزلة بين منزلتين، وكلا القولين خطأ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إظهار الندم الشديد من هذا الذي قتل أخاه؛ لقوله: يَا وَيْلَتَا، وأصله: يا ويلي، ويا ويلتي، وهي كلمة تحسّر وتحزّن، فنأخذ من هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي أن فاعل المعصية إذا لم يتُب منها فإنه يجازَى بالخسران والندم وضيق النفس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار هذا الإنسان القاتل بما اقتضته الحال مع ما فيه ذلك من لومه والقدح فيه؛ لقوله: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي.
ومن فوائد الآية: أن هذا القاتل أصبح من النادمين، على أيش؟ على قتل أخيه، وعلى عجزه أن يكون عارفًا كيف يواري سوأة أخيه، فجمع الندم للأمرين جميعًا.
ثم قال الله تبارك وتعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ.
مِنْهنا للتعليل.
وأَجْلِبمعنى: سبب؛ أي: من سبب ذلك.
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَأي: كتابة شرعية.
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَوإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق.
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، والمشار إليه في قوله: ذَلِكَأي: ما جرى من قصة ابني آدم، وذلك أن ابن آدم الذي قتل كان هو أول مَن سَنّ القتل في البشرية، وكان عليه بكل نفس تُقتل بغير حق كفل من الوزر، فيكون قتله لهذه النفس كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن وزر كل نفس مقتولة بغير حق يكون عليه مثلها.
وقوله: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، هذا القيد قيد لا بد منه؛ لأن القتل قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، القتل قد يكون قتل نفس بنفس، وذلك القصاص، فإن القصاص قتل بحق، والقصاص ليس على إطلاقه؛ بمعنى أننا نقتل نفسًا بنفس، بل لا بد من شروط، لا بد لثبوت القصاص من شروط؛ منها: أن لا يكون القاتل أعلى من المقتول في الدين والرقّ والملك، هذا شرط لا بد منه، ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: الدين، والحرية، وإن شئت قل: الرقّ، والملك، فإن كان أعلى منه فإنه لا يُقتص منه، مثاله: كافر قتله مسلم، هذا لا يمكن أن يُقتل؛ لأنه أعلى منه، القاتل أعلى من المقتول، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ، مثال الحرية والرّقّ: أن يقتل شخص حُرّ رقيقَ رجلٍ آخر، هذا أيضًا لا يُقتل، لماذا؟ لأن هذا حُرّ وهذا عبد، فالقاتل أعلى، فلا يُقتل به، الملك مثل: أن يكون للمكاتب عبد مملوك اشترى عبدًا مملوكًا يتجر به، ثم قتله، فهنا كلاهما عبد؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فهل يُقتل هذا المكاتب بهذا الرقيق؟
الجواب: لا؛ لأنه مالكه، كلاهما عبد، لكن هذا مالك، لا بد من قيود.
قوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِوالله تبارك وتعالى أطلق الفساد، والمراد بالفساد الفساد الذي تعم مفسدته لا الفساد الخاص، فلو أن شخصًا أحرق دكان آخر، هذا فساد لكنه لا يُقتل بذلك، لكن المراد الفساد العام، مثاله: قُطّاع الطريق الذين يعرضون للناس على الجواد والطرق فيغصبونهم المال مجاهرة بقوة السلاح، هؤلاء لا شك أنهم مفسدون في الأرض، ومن ذلك عند كثير من العلماء شارب الخمر إذا جُلِد، ثم جلد، ثم جلد، ولم ينتهِ فإنه يُقتل، ومن ذلك اللصوص الصائلون، المهم أن الفساد العام هذا يُقتل صاحبه؛ لأنه أفسد في الأرض. فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًاكأنما قتل الناس جميعًا وهو لم يقتل إلا واحدًا، و(كأن) هنا للتشبيه، فما وجه الشبه؟ قيل: إن هذا في المستحِلّ لقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، والمستحل لقتل نفس محرمة كأنما قتل جميع الناس؛ لأن المراد الجنس، كما قلنا في الذي يكذِّب رسولًا: هو مكذِّب لجميع الرسل، فهذا الذي قتل فلانًا لاستحلاله قتلَه وهو معصوم يكون كالذي قتل الناس جميعًا؛ إذ إنه استحل قتل جنس النفس المعصومة، فيكون كقاتل الناس جميعًا.
وقيل: إن المعنى من قتل نفسًا ممن يكون في قتله فتنة كقتل السلطان وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا قتل السلطان صارت الفتنة، وصار الناس يقتل بعضهم بعضًا، فيكون هذا قتل نفسًا كأنما قتل الناس جميعًا. وقيل: المعنى كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه إذا قتل نفسًا قُتِل بها، ولو قتل عشرة قُتِل بهم، ولو قتل الناس جميعًا قُتِل بهم، بمعنى أنه لن يخرج عن القتل ولو قتل الناس جميعًا أو قتل بعضهم، فيكون المعنى أن عقوبة القاتل بالقصاص لا فرق فيها بين أن يقتل واحدًا أو يقتل جميع الناس.
الوجه الرابع: أن من قتل نفسًا فكأنما قتل (...) جميعًا هذا في عقوبة الآخرة؛ لأن من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولا أعظم من هذا الجزاء، لو قتل نفسين فكذلك، لو قتل الناس جميعًا فكذلك، هذا أعظم جزاء أنه في جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، لكن المعنى الأول أظهر المعاني؛ أن من قتل نفسًا عمدًا بغير نفس أو فساد في الأرض فإنما يقتلها مستحلًّا للقتل، ثم إذا استحل القتل بنفس واحدة محترمة فكأنما استحله في جميع الناس.
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قوله: مَنْ أَحْيَاهَاأي: أنقذها من الموت، وليس المعنى أنه نفخ فيها الروح؛ لأن ذلك لا يكون إلا لمن؟ إلا لله عز وجل، لكن المراد: من أحياها أنقذها من القتل، وهذا يشمل أشياء:
أولًا: لو همّ الإنسان بقتل شخص وطوّعت له نفسه قتل أخيه، ثم استيقظ ورأى أن ذلك حرام، ثم كفّ عن هذا القتل، يكون هذا أحيا النفس، بعد أن طوّعت له نفسه قتله تراجع، هذه واحدة.
ثانيًا: دفع الصائل الذي يريد أن يقتل شخصًا، فيدفعه ويكون هنا أحيا نفسًا أنقذها من القتل.
ثالثًا -يعني من المعاني-: أن يقع شخص في هلكة كحريق أو غرق أو هدم، فيأتي شخص آخر فينقذه، فهذا أحيا النفس، أليس كذلك؟ أحيا نفسًا، يكون كالذي أحيا الناس جميعًا، في أي شيء؟ في الثواب الذي يُثاب عليه أو في حسن نيته بإنقاذ هذه النفس المعصومة، فيكون كأنه أنقذ الناس جميعًا؛ لأن طويته حسنة ونيته نية الرحمة، فإذا رحم واحدًا من الخلق كأنما رحم الناس جميعًا.
وقوله: عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَلماذا خصّ بني إسرائيل؟ خص بني إسرائيل؛ لأنهم أكثر الناس قتلًا في الأنبياء وفي قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، فخصّهم بذلك لكثرة العدوان فيهم.
فإذا قال قائل: وهل أيضًا كثرة الإحياء موجودة فيهم؟ قلنا: لا، لكن قد يُذكر الشيء مع مقابله لتمام التقسيم.
ثم قال: وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْالجملة هنا مؤكدة باللام، وقد، وقسم مقدَّر، وهذه الصيغة لها أمثلة كثيرة في القرآن، فنقول في مثل هذا التركيب: إنه مؤكد بكم؟ ثلاثة مؤكدات: القسم المدلول عليه باللام، واللام، وقد.
وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ، رُسُلُنَاالذين أرسلهم الله عز وجل؛ فأضاف الرسل إليه؛ لأنه الذي أرسلهم، وربما نقول: وتشريفًا لهم؛ لأن الرسول يشرف بشرف مرسله، فالله سبحانه وتعالى شرّفهم بإضافة رسالتهم إليه جل وعلا، وقد تأتي الرسالة مضافة إلى المرسَل إليه، جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ، ولا مضادة أو ولا تناقض بينهما، فهم رسل الله؛ لأنه؟
طلبة: أرسلهم.
الشيخ: ورسل إلى الخلق؛ لأنهم بلّغوهم رسالة الله عز وجل. وقوله: بِالْبَيِّنَاتِهذه صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالآيات البينات؛ أي: الواضحات الظاهرات التي لا يأتي بها إلا رسول من عند الله، وقد جعل الله عز وجل آية الرسل مناسبة لعصرهم كما ذكر أهل العلم في كون موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالعصا وباليد؛ لأنه في عهده انتشر السحر، فأتى بآيات لا يمكن للسحرة أن يعارضوها، وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في زمن ترقّى فيه الطب، فأتى بآيات لا يمكن للطب أن يعارض هذه الآيات، وهي: إحياء الموتى، إخراجهم من القبور، إبراء الأكمه والأبرص، ومحمد صلى الله عليه وسلم بُعِث في قوم قويت فيه البلاغة وانتشرت وصاروا يتفاخرون فيها، فجعل الله أعظم آياته عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن الكريم الذي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله بل ولا الجن، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّبعد هذه البينات الواضحات التي أتت على مهل بعد ذلك.
إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ، هنا يقول: ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَأي بعد إتيان الرسل بالآيات البينات الواضحات يكون كثير منهم مسرفين في الأرض، وهنا نسأل عن إعراب مُسْرِفُونَ، نعم؟
طالب: خبر (...).
الشيخ: خبر (إن)؟ ما هي خبر (إن) بَعْدَ ذَلِكَ؟ توافقون على هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: واللام هنا لم تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن فِي الْأَرْضِمتعلق بـمُسْرِفُونَ، والمعروف أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكن قالوا: إن اللام هنا مزحلقة، والأصل أن تقع قبل (إن)، لكنه كره العرب أن يجتمع مؤكدان في محل واحد، فزحلقوا -كما يقول النحويون- زحلقوا اللام حتى وضعوها في الخبر، ولذلك صح أن نقول: إن قوله: بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَمتعلق بـمُسْرِفُونَ. والإسراف هو تجاوز الحد بتعدي حدود الله عز وجل وانتهاك حرماته، وعدم المبالاة بتكذيب الرسل وقتلهم.
ففي هذه الآية فوائد؛ منها: إثبات العلة للأحكام الشرعية، من أين تؤخذ؟ من قوله: مِنْ أَجْلِ، وهذه من أقوى صيغ التعليل، وإثبات العلة وهي الحكمة لا شك أنها من كمال الله عز وجل، أن الله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة، ولا يقدّر شيئًا إلا لحكمة، وأما من قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة لله، وأن الله يفعل لمجرد المشيئة، ويشرع لمجرد المشيئة، فإن هذا قول باطل من نحو ألف وجه كما ذكره بعض العلماء، ثم إنه تنقّص لله عز وجل أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على غير حكمة، وقد أبطل الله تبارك وتعالى ذلك في آيات متعددة وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩]، وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥]، وذكر الله تعالى أنه يُنزل من السماء ماء يحيي به الأرض بعد موتها، والآيات في هذا كثيرة والنصوص كثيرة، وإثبات الحكمة لله هو غاية التنزيه عن النقص والعيب خلافًا لمن قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى وشرعه، لماذا؟ قالوا: لأنك لو أثبت العلة لله لجعلت الله تعالى يفعل لغرض، والغرض ممنوع، ولهذا من عباراتهم السائرة الباطلة: سبحان من تنزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض. يمكن هذه العبارة لو سمعها العامي لبكى؛ لأنها يعني مزوّقة ومزخرفة، سبحان من تنزه عن الأبعاض والأعراض والأغراض، ماذا يعنون بالأبعاض؟ الوجه، واليد، والعين، والقدم، والساق، ما يمكن أن يكون له هذه؛ لأن هذه أبعاض، الأعراض: الأفعال؛ لأن الفعل عرَض، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، وما أشبهها، الأغراض: الحِكَم، إحنا نقول: سبحان من اتصف بما يليق به، ومن أعظم ما يليق به الحكمة، أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على الحكمة.
إذن نقول: الحكمة ليس فيها نقص، فإذا قال قائل: إذا جعلتم الحكمة من صفات الكمال فأوجِبوا على الله ما تقتضيه الحكمة، واجعلوا الله تعالى يجب عليه أن يشرع هذا الشيء، أن يوجب هذا الشيء، أن يحرم هذا الشيء؛ لأن الحكمة تقتضيه، وحينئذٍ تكونون قد أوجبتم على الله تعالى أنتم بعقولكم؟
فنقول: هذا خطأ، لكن نعلم أن ما شرعه الله فهو لحكمة، ولسنا نحن الذين نوجب على الله أن يفعل، ولسنا نحن الذين نجعل هذا الشيء لهذه الحكمة المعينة، وإذا كان الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الرحمة، أفلا يوجب على نفسه أن يفعل الشيء إذا اقتضته الحكمة؟ لأنه مقتضى هذا الوصف، فنحن نقول: لا نوجب على الله بعقولنا شيئًا؛ لأن عقولنا أقصر وأنقص من أن تدرك أن هذه هي الحكمة، وأنه يجب الحكم لهذه الحكمة أنقص من هذا، لكن إذا علمنا أن الله أوجبها أو حرّمها علمنا أن ذلك لحكمة.
فإذا قال قائل: هل توجبون على الله أن يوجب إذا اقتضته الحكمة؟
الجواب: نعم، لكن بإيجابه على نفسه، هو وصف نفسه بأنه الحكيم وأنه أحكم الحاكمين، أما نحن فلا نوجب ذلك بعقولنا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الله نفسه جل وعلا، في قوله: كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وأمثلة هذا كثيرة في القرآن، وقد استدل النصارى بهذه العبارة وهي إضافة الشيء إلى الله تعالى بنون التعظيم أو بضمير الجمع، استدلوا على باطلهم بأن الله ثالث ثلاثة، ولا غرابة في ذلك أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، أما نحن فنقول: إن الله تعالى قال: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، ويقول الله تبارك وتعالى لعيسى بن مريم: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ضاعف العقوبة على كل من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، حيث جعله كالذي قتل الناس جميعًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تخصيص معين في الحكم وإن كان عامًّا؛ لكونه أكثر الناس عملًا به، وجهه أن الله خص هذه الكتابة على بني إسرائيل مع أنها عامة؛ لأنهم هم أكثر من انتهكوا حرمات الله عز وجل بقتل النفوس.
ومن فوائد الآية الكريمة: قتل النفس بالنفس؛ لقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ. لكن لا بد من شروط، لا بد من شروط القصاص:
منها: ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في الدين والحرية والملك، وقد سبق شرحه، فهل يقتل اليهودي بالنصراني؟ نعم؛ لأن الكفر ملة واحدة، وبالمجوسي أيضًا.
ومنها -أي: من شروط القصاص-: انتفاء الولادة، بألا يكون القاتل والدًا للمقتول، فإن كان والدًا له فإنه لا يُقتل به، وذلك لوجهين:
الأول: ما جاء في الحديث: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» .
والثاني: أن الوالد هو الأصل في وجود الولد؛ إذ لولاه لم يوجد الولد، فلا ينبغي أن يكون الفرع سببًا لإعدام الأصل.
هل يُقتل الولد بأبيه؟ نعم، يُقتل، وذهب بعض العلماء إلى أن الوالد يُقتل بولده إذا كان قتله عمدًا عدوانًا واضحًا، وهذا هو القول الراجح، بل هو المتعين؛ لعموم قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥]، وكذلك جاء في السُّنة: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ» ، وما ذُكِر من منع قتل الوالد بالولد ما ذُكر له من الأدلة فهي ضعيفة، أولًا: الحديث ضعيف: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ»، الثاني: على تقدير صحته يُحمل على ما إذا كان هناك شبهة، وذلك لأنه يندر جدًّا أن يتعمد الوالد قتل ولده، يندر جدًّا، وعلى هذا لما كان الخطأ محل ظن بالنسبة لقتل الوالد لولده ارتفع حكم القصاص، هذا متى نقول ذلك؟ إن صح الحديث، أما إذا لم يصح فقد كُفِينَاهُ، وأما التعليل بأن الوالد هو سبب وجود الولد فيقال: نعم، هو سبب وجود الولد، لكن قتلنا للوالد بولده ما السبب في قتل الوالد بولده؟ الوالد، فهو السبب في قتل نفسه، ثم نقول: نزيد هذا القول قوة إذا قلنا: إن قتل الوالد لولده من أعظم قطيعة الرحم، أليس كذلك؟ والرسول أخبر بأن من أعظم الذنوب: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» ، فهذا من أعظم الذنوب، فكيف نجازي هذا الوالد بأن نرفع عنه القتل؟ فالصواب -بلا شك- أن الوالد يُقتل بولده، سواء كان الوالد هو الأم أو الأب، لكن إذا تحققنا العمد.
الشرط الثالث: أن نعلم أنه عمد، فإن كان شبه عمد بأن ضربه بآلة لا تقتل غالبًا فإننا لا نقتله، حتى لو مات بها، فلو ضربه بعصا، سوط مثلًا، ثم هلك لا يُقتل به؛ لأن الأصل العصمة، وكون هذا الذي ضُرِب بالعصا يموت إنما ذلك لخلل في نفسه وعدم تحمله، والعصا لا يقتل مثله غالبًا، فلهذا لا يمكن أن يُقتل به، أما ما سبق في قولنا: الحرية والملك، فاعلموا أن هناك خلافًا في قتل الحُرّ بالعبد، والصواب قتل الحر بالعبد؛ لعموم الأدلة الدالة على أن النفس بالنفس، والحديث الوارد: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» ضعيف، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» ، فإذا كان الإنسان يُقتل بعبده وهو ملكه، فقتله بعبدِ غيرِه من باب أولى، والصواب أنه يُقتل الحر بالعبد، والمالك بالمملوك، لكن بشرط أن يكون القتل عمدًا عدوانًا واضحًا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس؛ لقوله: أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ، ومن ذلك قطع الطريق، يعني هؤلاء الذين يعرضون الناس بالسلاح في الطرقات..





