طالب: يدل على أن للجمادات..
الشيخ: إي نعم، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧]، الجمادات لها إرادة،
أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هَذَا أُحُدٌ يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ» ؟
أجب.
الطالب: نعم.
الشيخ:
أليس قال هكذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أليس تسبيح الحصى يُسْمَع بين يدي الرسول عليه الصلاة
والسلام؟
أليس
الله يقول: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]؟ كل هذا يدل على أن الجماد له
إرادة.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلنا: السحت له
وصفان؛ وصف في نفسه لأنه يكره فيه، ووصف في غيره (...).
الشيخ: وَصْف في نفسه أنه هو نفسه لا بَرَكَة فيه، الوصف في غيره
أنه يَسْحَتُ بركةَ غيره؛ يعني المال السحت إذا دخل في مال حلال سَحَتَه؛ قال الله
تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩].
طالب: شيخ أثابك الله، الجَعْل الكوني إذا سيق مساق الاتهام، فهل
يدل على ما يدل عليه الجَعْل الشرعي؟
الشيخ: لا،
الجَعْل الشرعي هو التشريع، والجَعْل الكوني هو بمعنى الخلق.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، من فَسَّر القرآن من عند نفسه، ثم
تبين له أنه ليس على الصواب لا يرجع عن تفسيره ما الذي نقول له؟
الشيخ: نقول: هذا محرف للكلم، الواجب على من فسَّر القرآن أو
فسَّر السنة أو فهم من كلام العلماء فهمًا خلاف الحق الواجب عليه أن يرجع ويعلن
هذا، وهذا رِفْعة له في الدنيا والآخرة.
طالب: أحسن
الله إليك، هل تحريف آيات الصفات أشد من تحريف غيرها من الآيات؟
الشيخ: إي نعم، تحريف آيات الصفات أشد لسببين؛ أولًا: لشرف
موضوعها؛ لأن البحث في أسماء الله وصفاته هو أشرف العلوم حتى كانوا يسمونه الفقه
الأكبر.
الثاني: أنه ليس للعقل فيها مجال، فواجب الإنسان فيها التسليم وعدم
التعرض للتحريف، فالتحريف إذن أشد من أن يحرف الإنسان آية في حكم من الأحكام مثلًا
أو حديثًا، لأن الأول يتعلق بالخالق وهذا يتعلق بالمخلوق.
طالب: قلنا: من يظن فيهم الخير و(...) السنة في أمور كثيرة، لكن
ما هم في بعض الآيات آيات الصفات يؤوِّلونها قلنا: يعذرون في ذلك إذا كان في تأويل
سائغ، وآيات الصفات ليس فيها تأويل سائغ؟
الشيخ: لا،
فيها لأنهم فهموا وهو فهم خاطئ أن إثباتها على ظاهرها يستلزم التشبيه، فمثلًا يقول
إذا قلت: (استوى على العرش) بمعنى أنه علا على العرش واستقر عليه فقد جعلته جسمًا،
والأجسام متماثلة وما أشبه ذلك من الشبهات، وكذلك في مسألة اليدين والعينين، لكن لو
قال: استوى على العرش بمعنى أنه (...) العرش، قلنا: ما يصير لأنه لا يسوغ.
الطالب: التأويل السائغ.
الشيخ: كل
ما له وجه في اللغة فهو تأويل سائغ.
الطالب: هذا ما له
وجه.
الشيخ: لا، له وجه أن الاستواء بمعنى العلو
المعنوي، والعلو المعنوي معناها الملك والقهر (...) وما أشبه ذلك على كل حال هذه
شبهات لهم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرت أن في
قوله تعالى: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ [المائدة: ٤١] هذا قد وقع، هذا فقط إذا وقع لهم أم أن هذا يستمر إلى يوم القيامة؟
الشيخ: كيف؟
طالب: لهم في
الدنيا..
الشيخ: لا، الظاهر هو إذا وقع العذاب في قوم
لسببٍ فمتى وجد هذا السبب استحق أهله هذا العذاب.
الطالب: يعني هذا (...).
الشيخ: بس
ما نقدر نحكم بها على كل واحد بعينه، اللي وقع وقع ومن شاركهم في عملهم استحق مثل
عقوبتهم.
طالب: فقط يهود خيبر وغيرهم.
الشيخ: وغيرهم اللي وقع عليهم الذل في عهد الرسول عليه الصلاة
والسلام (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة: ٤٢، ٤٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِفيها قراءتان؟
طالب: {يُحْزِنْك}، ويَحْزُنْكَ.
الشيخ: قراءتان اتلهما لفظا؟
الطالب: لَا يَحْزُنْكَو{لَا يُحْزِنْكَ}.
الشيخ: لَا يَحْزُنْكَو{لَا يُحْزِنْكَ} اضبطهما؟
الطالب: الأولى بسكون الحاء والثانية بضمها.
الشيخ: خطأ، كلتاهما بسكون الحاء.
الطالب: لَا يَحْزُنْكَالأولى بضم الزاي.
الشيخ: بضم أيش؟
الطالب: بضم الزاي.
الشيخ: بضم الزاي والثانية؟
الطالب: بكسرها.
الشيخ: طيب، ولا يختلفان في غير هذا؟ لا يختلفان في غير هذا؟
الطالب: الأولى ساكنة الياء والثانية مضمومة.
الشيخ: الأولى ساكنة الياء ما يصير ما تستطيع تنطق بهذا؟
الطالب: الأولى مفتوحة الياء والثانية مضمومة.
الشيخ: طيب، تمام، كيف يقول: لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولّا لكل من يُوجَّه إليه الخطاب؟
الطالب: الخطاب هنا للرسول يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ.
الشيخ: للرسول أحسنت، قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَالجملة مستأنفة، ولَّا معطوفة على ما قبلها؟
طالب: مستأنفة.
الشيخ: مستأنفة، كيف تعربها إذا كانت مستأنفة؟
الطالب: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَسماعون تكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره..
الشيخ: خطأ.
الطالب: هم سماعون.
الشيخ: خطأ.
طالب: سماعون صفة لموصوف محذوف هم سماعون.
الشيخ: إي، لكن محله من الإعراب؟
الطالب: مبتدأ.
الشيخ: مبتدأ، وأين الخبر؟
الطالب: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا.
الشيخ: مِنَ الَّذِينَ هَادُواخبر مقدم، قوله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِفيها وجهان؟
طالب: سماعون للكذب أي: يسمعون لمن يكذب عليهم وهم الأحبار أحبارهم يكذبون عليهم.
الشيخ: فتكون اللام للتعدية أو للتقوية كما تشاء؟ الوجه الثاني؟
الطالب: الوجه الثاني سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِأي: يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيحرفونه ويكذبون.
الشيخ: ويكذبون فيه، فتكون اللام؟
الطالب: لِلْكَذِبِتعليلية.
الشيخ: للتعليل تمام، هل نأخذ بأحدهما دون الآخر؟
طالب: نأخذ بكلا المعنيين.
الشيخ: بكلا المعنيين على قاعدة؟
الطالب: على القاعدة أن الآية إذا تضمنت معنيين صحيحين ولا مرجح لأحدهما على الآخر أخذنا بالمعنيين جميعًا.
الشيخ: معنيين صحيحين، ولا مرجِّح لأحدهما على الآخر..
الطالب: أخذنا بالمعنيين جميعًا.
الشيخ: ما نقول بقي ثالث؟ ولا منافاة؟
الطالب: بينهما.
الشيخ: تحمل على المعنيين، على الوجه الأول: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِعلى أن اللام للتعدية أو للتقوية ما معناها؟
طالب: اللام للتعدية، الفعل..
الشيخ: إن قولنا: للتعدية أو للتقوية صار المعنى سماعون الكذب.
الطالب: إذا كان العامل ضعيفًا.
الشيخ: دعنا ما أقول: ما السبب للام؟ أقول ما معناها.
طالب: بمعنى أنهم يصدقون الكذب.
الشيخ: نعم، ويكون الكذب مِمَّن؟
الطالب: مِن أحبارهم.
الشيخ: مِنْ أحبارهم، تمام.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِيعني: يسمعون ما يحدثهم به أحبارهم، وهو كذب، هذا إذا جعلنا اللام لأيش؟
طلبة: للتقوية.
الشيخ: للتقوية، على الرأي الثاني أن اللام للتعليل؟
طالب: أنهم يسمعون الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام ثم يحرفونه حسب ما تهوى أهواؤهم.
الشيخ: يعني: لأجل أن يقولوا: سمعنا كذا. وهم كاذبون؟
الطالب: حتى يحرفونه إلى ما عندهم، ما يقرره على العامة من اليهود.
الشيخ: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِيعني يسمعون كلام الرسول عليه الصلاة والسلام يستمعون إليه من أجل أن يكذبوا، ويقولوا للناس قال لنا: محمد كذا وكذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا المعنى، قوله: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَمَن هؤلاء القوم الآخرون؟
طالب: القوم الآخرون الذين هم عامة اليهود الذين لم يحضروا للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هل هم رؤساؤهم أم من عامة الناس؟ طيب يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِمعنى يحرفون؟
طالب: يُغيِّرون ويُبَدِّلون.
الشيخ: يُغَيِّرونه إما لفظًا وإما معنى.
ما معنى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا؟
طالب: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَاالحكمَ المحرَّف فخذوه، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُفاحذروا أي: لا تأخذوه.
الشيخ: يعني: إن وافقكم محمد على ما تريدون فخذوه، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وإلَّا؟
الطالب: فاحذروا.
الشيخ: فاحذروا.
من المعلوم أن الإيتاء والإعطاء إنما يكون في المحسوسات، في المنقولات، لكنه قد يستعمل في المعاني كما هنا؛ لأن معنى إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُيعني: إن وافقكم محمَّدٌ عليه فخذوه وإلا فردوه واحذروا منه، وأصل هذه الآية نزلت في أيش؟ في يهوديين زانيَيْنِ.
قوله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْالإرادة هنا شرعية ولَّا كونية؟
طالب: كونية.
الشيخ: كونية. ما الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية؟
الطالب: الشرعية يحبها الله، والكونية لا يلزم أن يحبها.
الشيخ: الشرعية تكون فيما يحبه الله ولا يلزم منها؟
الطالب: أن يحبه الله.
الشيخ: كيف تقول: فيما يحبه الله، ثم تقول: لا يلزم أن يحبه الله؟
الآن الشرعية تكون في أيش؟
الطالب: فيما يحبه الله.
الشيخ: ولا يلزم منها؟
الطالب: ولا يلزم منها يا شيخ أن تقع.
الشيخ: لا يلزم منه وقوع المراد، الكونية؟
الطالب: لا يلزم منها..
الشيخ: تكون؟
الطالب: تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه.
الشيخ: يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، ويلزم منها؟
الطالب: أن تقع.
الشيخ: يلزم منها وقوع المراد.
قوله تعالى: إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ [الزمر: ٣٨] ما هي الإرادة هنا؟
طالب: الإرادة هنا كونية إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ.
الشيخ: كونية؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، قوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٤١] الخزي في الدنيا؟
طالب: الخزي في الدنيا أن يفضحهم الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الفضيحة في الهزيمة وبيان؟
الطالب: في بيان حالهم.
الشيخ: وبيان حالهم، أما في الآخرة فلهم عذاب عظيم لا يُعْلَم كُنْهُهُ؛ لأنه من الأمور الغيبية.
***
قال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: ٤٢].سَمَّاعُونَخبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم سماعون للكذب أكالون للسحت، هل هذه الجملة تأكيد لما سبق أو هي مغايرة؟
يحتمل المعنيين، يحتمل أن تكون تأكيدًا لما سبق؛ يعني المقام مقام عظيم يحتاج إلى تكرار بيان أوصافهم القبيحة، ويحتمل أن تكون مغايرة لما سبق؛ وذلك بأن نحمل اللام في الأولى على أنها للتقوية وفي الثانية على أنها للتعليل.
الآن نقول: هل الجملة هنا تأكيد لما سبق أو هي غير توكيد؟
نقول: في ذلك قولان لأهل العلم: الأول: أنها تأكيد وإنما احتيج للتأكيد؛ لأن المقام مقام مهم يحتاج أن يؤكد ببيان أوصافهم للحذر منهم؛ ويحتمل أن تكون مغايرة للأولى وذلك بأن نحمل اللام في الأولى على أنها للتقوية وهذه للتعليل أو بالعكس.
وقوله: أَكَّالُونَ(أكالون) هذه صيغة مبالغة تدل على كثرة أكلهم للسحت.
و(السُّحْتُ) فيها قراءتان {لِلسُّحُتِ} بضم الحاء، ولِلسُّحْتِبسكون الحاء، قراءتان سبعيتان.
فما هو السحت، هل هو أكل المال الباطل؟ هل هو أكل الربا؟ هل هو الرشوة؟
الجواب: شامل لكل ذلك، والمعنى العام أن نقول: السحت كل ما اكْتُسِبَ بكسب محرم، كل ما اكتسب بكسب محرم فهو سحت، فيشمل الربا والرشوة والغصب والسرقة وغير ذلك، ووجهه أن الحرام يسْحَتُ الحلال ينزِع بركتَه، أو أنه نفسه أي الحرام سحت ينْسَحت ويزول ولا يكون فيه بركة.
فَإِنْ جَاءُوكَيعني لتحكم بينهم.
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْالخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته مثلُه لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١].
لكنَّ الفاعل في قوله: فَإِنْ جَاءُوكَهل المراد به أهل الذمة أو المعاهَدون أم كل كافر أم كل مؤمن أم ماذا؟
نقول: أما المؤمن فلا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين، لا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين خصوصًا من وكل إليه ذلك الأمر، مثل؟
طالب: القضاة.
الشيخ: القضاة، لا يجوز لأي قاضٍ إذا ترافع إليه خصمان أن يتعذر بل يجب أن يحكم بينهم، المحكَّم الذي ليس بقاض له أن يحكُمَ وله أن لا يحكم، لكن لو استُفْتِي يجب أن يفتي بشرع الله، أما التحكيم فهو بالخيار إن شاء قَبِلَ وإن شاء لم يقبل، مثل أن يكون نزاع بين قريبين فيقولان: لا نريد أن نصل إلى القاضي، ولكن نحكِّم فلانًا فلا يلزمه أن يحكم، لكن لا شك أنه يتأكد عليه أن يحكم، يتأكد عليه أن يحكم لما في ذلك من فض النزاع وبيان حكم الله عز وجل ولكن لا يحكم حتى يستوثق من الجميع.
أما غير المسلمين فالصواب أن الإنسان مخيَّر إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم سواء كانوا ذميين تحت حكمنا أو معاهَدين منفصلين عنا أو حربيين، والحربي غالبًا لا يمكن أن يأتي؛ لأنه إذا أتى قُتِل لأنه مباح الدم.
فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ(أو) هنا نقول: إنها للتنويع ولَّا للتخيير؟
طلبة: للتخير.
الشيخ: هذه للتخيير، وإذا كانت للتخيير فهو تخيير تشهٍ أو مصلحة؟ نقول: هي تخيير مصلحة سنذكرها في الفوائد إن شاء الله تعالى.
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًالا في الدنيا ولا في الآخرة، إن تُعْرِض عنهم ولا تحكم بينهم فإنهم لن يضروك لكن قد يؤذونك، والأذِيَّة لا يلزم منها الضرر بدليل أن الله سبحانه وتعالى أثبت أن بني آدم يُؤذونه ونفى أن يضرَّه أحدٌ؛ فقال جل وعلا: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي» ، وكذلك في القرآن: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٧٦].
الأذِيَّة ثبتت في القرآن والأحاديث القدسية، قال الله تعالى في القرآن: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧]. وقال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ» ، فالضرر منفيٌّ عن الله عز وجل بالقرآن والأحاديث القدسية والأذية؟
الطلبة: ثابتة.
الشيخ: ثابتة، ومن المعلوم أنه لا يلزم من الأذِيَّة الضرر، بدليل أن الإنسان إذا جلس إلى جنبه رجل آكل بصلًا يتأذى به أو لا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: يضره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يضره، إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًالكن قد يكون أذية أما الضرر فلا.
وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي بـ (لن) فيعم أي شيء، أي شيء لن يضروك لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وَإِنْ حَكَمْتَيعني: إن اخترت أن تحكم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ.
إِنْ حَكَمْتَيعني: رأيت أن تحكم واخترت أن تحكم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِالقسط ما هو؟
طالب: العدل.
الشيخ: العدل حتى لو كان الحكم لكافر على مسلم، صح؟ لو كان لكافر على مسلم يحكم عليه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يحكم عليه بالعدل، حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا: يجب أن يعدل بين الخصمين ولو بين مسلم وكافر في اللفظ واللحظ، والجلوس والتقديم وكل شيء؛ لأن هذا حكم يجب أن يعدل فيه، عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليَخْرُصَ على اليهود الثمارَ، جمعهم وقال: إني جئتكم من أحبِّ الناس إليَّ. من يعني؟
الطلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنكم لأَبْغَضُ إليَّ من عِدَّتِكُمْ من القردة والخنازير -رضي الله عنه، كلمة شجاع- وما حبي له وبُغْضي لكم بموجِب ألَّا أعدلَ فيكم. وإلا من المعلوم أن النفس بالطبيعة البشرية تميل مع من تحب وعلى من تبغض، لكن يقول: لا يمكن أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض ، وعدل فيهم رضي الله عنه.
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَهذا حثٌّ على العدل في كل شيء، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَفي كل شيء يعني العادلين، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في أَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا عَلَيْهِ .
إذن المقْسِط مَن؟
طلبة: العادل.
الشيخ: العادل، ما هو المقسط؟
طالب: العادل.
الشيخ: والقاسط؟
الطالب: الظالم.
الشيخ: الجائر، أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن: ١٥] لكن المقسط هو العادل.
في الآية فوائد كثيرة؛ منها: تأكيد كون هؤلاء اليهود سَمَّاعين للكذب؛ لقوله أيش؟ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ.
فإن قال قائل: يَرِدُ على قولك: (التأكيد) القاعدة المعروفة: أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد حُمِلَ على أيش؟
الطلبة: على التأسيس.
الشيخ: على التأسيس. قلنا: نعم، هذا وارد لكن عليه رَدٌّ، له جواب.
الجواب: أننا إذا قلنا: إنه للتأسيس صارت الجملة الأولى دالة على معنى واحد، والثانية على معنى واحد، وإذا قلنا: للتوكيد صار كل منهما أيش؟ دالًّا على معنيين، فمن ثَمَّ يترجح أن يكون ذلك للتأكيد.
من فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذا الوصف القبيح، وهو أيش؟ الاستماع للكذب أو نقل الكذب؛ لأن الله أكَّد بيان هذا الوصف القبيح من اليهود.
ومنها: أن من اتصف بذلك ففيه شَبَهٌ من اليهود.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوصف القبيح أيضًا وهو أكل المال بالباطل؛ لقوله: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، والله عز وجل ما ذكر هذا الوصف إلا لنَحْذَره.
ومنها؛ أي من فوائد هذه الآية: أن من اكتسب المال الحرام ففيه شبه بمن؟
طلبة: باليهود.
الشيخ: باليهود، فآكلو الربا مشابهون لليهود، آكلو الأموال بالغش مُشابِهون لليهود، آكلو الأموال بالحلف الكاذب مشابهون لليهود، كل من اكتسب مالًا بطريق محرَّم فهو أيش؟ مشابه لليهود، المرتشي مُشابِه لليهود.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مخيَّر بين أن يحكم بين اليهود وألّا يحكمَ؛ لقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، و(أو) هنا للتخيير.
فإن قال قائل: هل التخيير على إطلاقه؟
فالجواب: لا، بل هو مقيَّد بالمصلحة، والقاعدة عندنا أن التخيير إذا كان للتَّيْسِير على المكلف فهو للتشهِّي يفعل ما شاء، وإذا كان للمصلحة وجب اتباع المصلحة (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة: ٤٢، ٤٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة في هذه الجملة: أن من أعرض عن شيء بأمر الله فإن ذلك لا يضره؛ لقوله: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْيعني: فلم تحكم فلن يضروك شيئًا.
ولكن هل انتفاء الضرر يجب أن يكون في الحال أو في المستقبل بمعنى أنه ربما يتضرر لأول وهلة ثم تكون العاقبة له؟
الجواب: الثاني؛ لأن الإنسان قد يتضرر بأول وهلة ثم تكون العاقبة له وحينئذ يكون كأن لم يتضرر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِيعني: إن أردت أن تحكم كما خيرناك فاحكم بينهم بالقسط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يراعيَ في حكمه قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًّا ولا فقيرًا؛ لقوله: بِالْقِسْطِوهذا يعني أن ينظر إلى القضية من حيث هي قضية لا من حيث إنها قضية فلان بن فلان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ أي: أن الله يحب.
الطالب: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢].
الشيخ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وهل هذه المحبة مجاز عن الثواب أو هي محبَّة حقيقة؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، يتعيَّن الثاني، ففيها إثبات أن الله تعالى يحب.
ومن أهل التأويل مَنْ قال: إن الله تعالى لا يحب. قال ذلك تأويلًا لا تكذيبًا، يعني هو لم يقل: إن الله لا يحب، بل قال: إنه يحب لكن معنى المحبة كذا، ويجب أن تفرقوا بين الطريقين، الذي يقول: إن الله لا يحب هذا كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، والذي يقول: إنه يحب لكن معنى المحبة كذا فهذا ليس بكافر، ففرق بين إنكار المحبة تأويلًا وإنكارها تكذيبًا وجحودًا، هم يقولون -الأشاعرة ومَن وراءهم من المعتزلة وجميع المتأولين- يقولون: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، هذا واحد، ولأن المحبة تتجدد لأنها معلقة بأوصاف وأسباب، والله تعالى مُنَزَّه عن الحوادث، إذن ما معنى المحبة؟
قالوا: معناها الثواب، ولم يَعْلَم المساكين أنه يلزم من إثبات الثواب إثبات المحبة؛ إذ لا يمكن ثواب بلا محبة أبدًا، فهم وإن فرُّوا من إثباتها لفظًا فإنها تلزمهم إلزامًا.
المهم أنهم يقولون: إن المحبة بمعنى المثوبة. فقيل لهم: إن الله يقول: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ؟ قالوا: نعم يُحِبُّهُمْيثيبهم، وَيُحِبُّونَهُأي: يفعلون ما يُثِيبُهم عليه، ولكن هذا لا شك أنه مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، فما من السلف أحد قال: إن المحبة بمعنى الثواب.
فإذا قال قائل: وهل عندكم نص من كل واحد من السلف أن المحبة بمعناها الحقيقي؟ قلنا: لا، لكن كون هذه النصوص ترد عليهم ولم يرد عنهم تفسير بخلاف ظاهرها يدل على أنهم أيش؟ أجمعوا على إثباته، ولا حاجة أن يُنْقَل إجماعهم على كل مسألة بعينها، لكن ما دامت نصوص الكتاب والسنة تَرِدُ عليهم ولم يأت عن أحد منهم ولا حرف واحد أنهم أَوَّلُوها بخلاف ظاهرها فإن هذا يدل على أنهم مُجْمِعُون على إثباتها.
أما قولهم: إن هذا يلزم أن تقوم الحوادث بالله عز وجل، فنقول: وليكن، نحن نؤمن بأن الله تعالى يفعل ما يشاء وأن صفاته منها ما يتجدد ومنها ما لا يتجدد بمعنى، منها ما يحدث بأسباب ومنها ما لا يحدث بأسباب، فالعلم مثلًا أزليٌّ أبديٌّ، لكن المحبة ليست كذلك، إذا كان الله يحب هذا العبد فمحبته لهذا العبد متى كانت؟ بعد وجود أسباب، أسباب المحبة؛ فمحبته لهذا العبد المعين حادثة ولا مانع، وقيام الأفعال الاختيارية به من كمال صفاته ولا شك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات تفاضل محبة الله عز وجل، إثبات تفاضل محبة الله؛ وجه الدلالة أن المحبة هنا عُلِّقَت بوصف؛ وما هو؟
طلبة: القسط.
الشيخ: لا، يعني الإقساط لأن (مقسطين) من الرباعي، الإقساط، وإذا كانت كذلك فإن المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، أرأيتم لو قلت: أكرم المجتهد من الطلبة، فإن إكرامك يزيد بزيادة الاجتهاد وينقص بنقصه.
إذن، إثبات كون الله يحب المقسطين يدل على تفاضل محبة الله عز وجل، وأنه يحب أحدًا أكثر من أحد ويحب أحدًا ولا يحب أحدًا، كيف الدلالة؟! إي نعم.
طالب: لأنها هنا معلقة بوصف يزيد بزيادته الوصف..
الشيخ: تمام، وهذه القاعدة في كل شيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإقساط أي على العدل، وجه ذلك؟
طالب: أن الله عز وجل يُحِبُّ المقسطين، إثبات محبة الله عز وجل للمقسط أي العادل، وهذا يستلزم الوجوب والحث عليه.
الشيخ: يعني كون الله يخبر أنه يحب المقسطين يتضمن أيش؟ الحث على هذا، هذا ليس مجرد خبر، بل هو خبر يراد به أيش؟ الحث والإغراء على العدل.
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ(كيف) هنا استفهام، والمراد به التعجيب؛ يعني اعجَبْ، كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله وهم يَدَّعون أنهم مؤمنون بها؟ فإن هذا من التناقض، إذا كان لديهم كتاب يهتدون به ويدعون أنه هو كتابهم وشريعتهم ودينهم فكيف يتحاكمون إلى غيره؛ هذا مما يوجب الشبه في تحكيمهم للرسول عليه الصلاة والسلام وأنهم ما أرادوا الحق، لو أرادوا الحق لرجعوا إلى الكتاب الذي عندهم لأنهم يعتقدون أنه أيش؟ حق، كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ.
إذن المسألة الآن مسألة اشتباه وأنهم لم يريدوا حقيقة التحكيم، وهذا هو الواقع؛ لأنهم لما زنى منهم الزانيان أَتَوْا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يريدون أن يوافقهم فيما أحدثوا هم في عقوبة هذه الفاحشة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم الزانيين، ثم أنكروا ذلك وقالوا: هذا خلاف ما عندنا. ما الذي عندكم؟ قالوا: عندنا أنا نسوِّد وجوه الزانيين ونطوف بهما في الأسواق خزيًا وعارًا، فأخبره عبد الله بن سلام أو غيره بأن التوراة تنص على أن الزانيين يُرجمَان، فقال: «ائْتُوا بِالتَّوْرَاةِ» فأتوا بها وجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ لأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، فرفع يده وإذا فيها آية الرجم توافق ما حكم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَقَامَ، أظنه: حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوهُ، أو: مَنْ أَحْيَا حُكْمَكَ بَعْدَ أَنْ أَمَاتُوهُ.
فالله عز وجل يعجِّب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَيعني: بعد أن حكموك وحكمت تولوا وأبوا حتى جيء بالتوراة فإذا هي مطابقة تمامًا لحكم النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَالمشار إليه التحكيم.
وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَيعني: ما هؤلاء بالمؤمنين، وأتى بأولاء مقرونة بالكاف الدالة على بُعْد المشار إليه، وهذا لدُنُوِّ منزلتهم وليس لعلوها؛ يعني: ما هؤلاء المنحطون الذين نزلوا إلى أسفل السافلين بالمؤمنين فهم لا آمنوا بالتوراة ولا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وإعراب هذه الجملة على من عنده فقه في العربية، مَن؟
طالب: (ما) نافية تعمل عمل ليس.
(أولئك) اسم إشارة مبنيٌّ على الكسر في محل رفع اسم (ما) والكاف زائدة؟
الشيخ: زائدة!
الطالب: يعني: للخطاب.
الشيخ: وهل تزاد الكاف؟ إن هذا لعِلْمٌ جديد! قل لي: نعم، قد تزاد يا رجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] بعض النحويين قال: إن الكاف زائدة.
الطالب: الباء حرف جر.
الشيخ: إذن، كمل، الكاف ويش تقول فيها؟ زائدة ولَّا حرف دال على الخطاب؟
الطالب: دال على الخطاب، والباء حرف جر زائد. (المؤمنين) خبر (ما).
الشيخ: خبر (ما)؟
الطالب: مجرور.
الشيخ: مجرور، خبر (ما)؟! ما تقول: تعمل عمل ليس؟!
طالب: لا، هي مجرور بالباء، حرف جر زائد.
الشيخ: ما يمكن تقول: خبر (ما) مجرور.
الطالب: خبر (ما) مجرور، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.
الشيخ: الياء العامل فيها حرف الجر الزائد.
الطالب: ونقدر الإعراب.
الشيخ: أيش هو، ياء مقدرة؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش ما عندنا حركة.
طالب: حركة الإعراب لحرف الجر الزائد.
الشيخ: ما عندنا حركة، اللي عندنا ياء، وهي من علامات الإعراب الحرفية لا الحركية؛ يعني ياء مقدرة على الياء الج لوبة لحرف الجر الزائد.
لماذا لا نقول: ما دامت الياء هي الياء سواء كان الاسم منصوبًا أو مجرورًا؟
قالوا: لأجل إحكام القواعد، ولَّا حقيقة لم يتغير، اللفظ لم يتغير سواء قلت: إن الباء حرف جر زائد أو إنها منصوبة؛ لأن علامة النصب في جمع المذكر السالم وعلامة الجر واحدة وهي الياء، لكن يقولون إتقانًا للقواعد: لا بد أن تقول هكذا.
قوله: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَهنا نفى الله عز وجل أن يكون هؤلاء مؤمنين، وأتى بحرف الجر الزائد، وقد ذكر علماء البلاغة أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وعليه فتكون الباء هنا وإن كانت زائدة إعرابًا زائدة معنى وهو التوكيد، إذا قلت: ما زيد قائمًا، وما زيد بقائم، فالثانية أوكد، وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: العجب من هؤلاء اليهود الذين يحكِّمون النبي صلى الله عليه وسلم طلبًا للرخصة وعندهم التوراة.
ومن فوائدها: أن من استفتى عالمًا طلبًا للرخصة ففيه شبه من اليهود؛ ولهذا قال العلماء: يحرم الاستفتاء طلبًا للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص فقد تزندق، وصفة تتبع الرخص أنه إذا أفتاك عالم ولم تُرِد فتواه ذهبت إلى عالم آخر ليفتيك بما يناسبك، وهذا لا شك أن المستفتي إنما أراد اتباع الهوى دون الهدى؛ لأنه لما أفتي بما يرى هو أنه الحق، كيف يرى أنه الحق؟ لأنه لم يستفت هذا العالم إلا وهو يعتقد أن فتواه أيش؟ حق وشريعة فلما لم يوافق ما يهواه ذهب يستفتي آخر فصارت حاله تنادي بأنه لا يريد الهدى وإنما يريد الهوى، نعم، لو أن الإنسان استفتى عالمًا في مكانه في بلدته لا يرى عالمًا أحسن منه لكن من نيته أنه لو حصل له أن يستفتي من هو أعلم لفعل، فهنا نقول: لا بأس أن يأخذ بقوله، وإذا ظفر بعالم أوثق منه عنده فليستفته، ويكون هذا بمنزلة استعمال التراب عن الماء عند العجز عنه، وبمنزلة أكل الميتة عند العجز عن أكل المذَكَّاة، وعليه فيفرق بين شخصين سألا عالمًا ثم استفتيا غيره، أحدهما سأل هذا العالم؛ لأنه لا يرى في بلده من هو أعلم منه ومن نيته أنه إذا ظفر بمن هو أوثق استفتاه، فاستفتاء هذا للعالم الثاني أيش حكمه؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز، والثاني استفتى العالم الذي في بلده على أن فتواه وهي الحق لكنه تثاقلها ثم استفتى عالمًا آخر لعله يجد رخصة، هذا لا يجوز، شوف اثنان عملهما واحد لكن حكمهما مختلف.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تناقض اليهود؛ وذلك بطلبهم الحق مع أن أداة الحق عندهم، حكَّموا الرسول مع أن التوراة فيها حكم الله أي فيها ما يعتقدون أنه حكم الله.
ومن فوائد الآية: أن ما جاء في التوراة فهو حكم الله، ولكن متى هذا؟ قبل أن تُبَدَّل وتُغَيَّر ويخفى منها ما يخفى ويُبْدَى منها ما يبدى؛ قال الله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١] (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٤، ٤٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، اذكر الفوائد اللي أخذتم؟
طالب: آخر فائدة يا شيخ..
الشيخ: لا كلها، رؤوسها.
الطالب: الأولى -يا شيخ- العجب من هؤلاء اليهود الذين جاؤوا يستفتون النبي صلى الله عليه وسلم، وعندهم التوراة فيها حكم الله.
الشيخ: العجب ولا التعجيب؟
الطالب: العجب.
طلبة: التعجيب.
طالب: العجب.
الشيخ: التعجيب؛ يعنى: الله يعجِّبنا يقول: اعجبوا من هؤلاء.
الطالب: الثانية: أن من استفتى عالمًا طلبًا للرخصة ففيه شبه باليهود؛ ولذلك قال العلماء: يحرم استفتاء العالم طلبًا للرخصة.
الشيخ: يحرم.
الطالب: يَحْرُم استفتاء العالم طلبًا للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص تزندق.
الثالثة: تناقض اليهود وذلك بضربهم مع أن أداة الحق عندهم.
الرابعة: أن ما جاء في التوراة هو حكم الله، ولكن ذلك قبل أن تُحَرَّف أو تُبَدَّل.
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُإلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأحكام التي في التوراة هي حكم الله؛ لقوله تعالى: فِيهَا حُكْمُ اللَّهِلكن هذا في التوراة الثابتة، وأما بعد أن حرِّفت وغيِّرت وأُخْفِيَتْ فالحكم متغير؛ لقول الله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عُتُوُّ اليهود، وأنهم بعد أن يتبيَّن لهم الحق يَتَوَلَّوْن، نأخذه من قوله: ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من طلب الفتوى تتبعًا للرخصة فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.
لكن هل ينتفي عنه أصل الإيمان أو كمال الإيمان؟
الظاهر الثاني، أنه ينتفي عنه كمال الإيمان.
ثم قال عز وجل: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ(إنا) معلوم أنها للجماعة ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها التعظيم قطعًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إله واحد كما قال الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: ١٦٣]، وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨].
وقوله: أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَأي: من أعلى؛ لأن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جل وعلا كتبها بيده بألواح نزلت من السماء على موسى عليه الصلاة والسلام وجاء بها مكتوبة بالألواح.
فِيهَا هُدًى وَنُورٌالهدى العلم والنور آثار هذا العلم؛ وذلك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد نورًا وبصيرة في دين الله عز وجل، فالهدى العلم والنور آثار العلم.
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَأي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور.
النَّبِيُّونَوفي قراءة: {النَّبِيئُونَ} فعلى قراءة {النَّبِيئُونَ} يكون مفردها نبيئًا، وتكون مشتقة من النبأ بمعنى الخبر، وعلى قراءة حذف الهمزة قيل: إنها مشتقة من النبوة وهو الشيء المرتفع؛ وذلك لارتفاع منزلة النبيين، وقيل: إنها من النبأ، لكن سُهِّلَت الهمزة فكانت ياء فصارت (النبي)، (النبيون).
والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم في أعلى مراتب الخلق وعلى أنهم أَتَوْا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩].
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواالذين أسلموا يعني الإسلام التام الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح؛ يعني الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا، ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله عز وجل.
قال الله تبارك وتعالى عن يوسف: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٣١] فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح.
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوامتعلقة بـ يَحْكُمُيعني يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود.
لِلَّذِينَ هَادُوابمعنى رجعوا وذلك في توبتهم من عبادة العجل؛ فإن هذا رجوع إلى الله عز وجل.
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُقيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بل بينهما فرق، الفرق أن الرباني هو الذي أتم العبودية لله وربَّى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحَبْر بالنسبة للعلم.
و(الأحبار): هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فـ (الحبر) واسع العلم؛ قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق مع البحر، لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب؛ هذا يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ لأن (حبر) (بحر) كل واحدة منهما حروفها ثلاثة متفقة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: وعلى هذا فيكون الحبر هو واسع العلم الذي عنده علم واسع، والربَّاني من دونه، لكنه يُرَبِّي الناس على عبادة الله عز وجل ويربيهم أيضًا على العلم.
وقد قيل في غير هذه الآية: إن الربَّاني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأنه أقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره.
قال: بِمَا اسْتُحْفِظُوا، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواإلى قوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوايعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله؛ أي: بما جُعِلُوا حُفَّاظًا عليه، يعني: أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم من؟ هم العلماء، الأحبار والربانيون؛ ولهذا قال: بِمَا اسْتُحْفِظُواأي: بسبب ما استُحْفِظُوا من كتاب الله.
وقوله: اسْتُحْفِظُواأي: جُعِلُوا حُفَّاظًا عليه.
مِنْ كِتَابِ اللَّهِوالمراد بها التوراة؛ لقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌالتوراة.
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَوأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه سبحانه وتعالى كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفًا وخلفًا.
وَكَانُوا عَلَيْهِأي: على الذي استُحْفِظُوا شُهَدَاءَ؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله وينشرونها بين عباد الله فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم.
قال: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِلَا تَخْشَوُا النَّاسَأي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم، واخشوُا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنى فيهم الشريف تركوه وإذا زنى فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًايعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو هذا الثمن القليل؟ هذا الثمن القليل إما الجاه وإما الرشوة، فهم يحكمون بغير شريعة الله طلبًا لبقاء شَرَفِهِم وجاهِهِم وسيادتهم أو من أجل مال يُبْذَل إليهم رشوة؛ ولهذا قال: لَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.
الثمن القليل إذن إما رتبة وجاه وشرف، وإما أيش؟ مال بالرشوة، ووصفه الله بأنه قليل؛ لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: ٧٧].
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَأي: أَيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم فأولئك هم الكافرون.
(أولاء) مبتدأ، و(هم) ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ لأنهم قالوا: إن ضمير الفصل له ثلاث فوائد:
الأولى: إفادة الحصر.
والثانية: التوكيد.
والثالثة: الفرق بين الخبر والصفة؛ ولهذا سُمِّيَ ضميرَ فصلٍ، يظهر هذا بالمثال؛ إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيرًا آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، هو يعني لا غيره؛ فهو يفيد الحصر ويفيد التوكيد أيضًا، ويفيد الفرق بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن تكون الفاضل صفة أيش؟ لزيد ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ويش شأنه؟ ما شأن زيد الفاضل؟
طالب: الخبر.
الشيخ: يتوقع الإنسان الخبر، فإذا جاءت زيد هو الفاضل، لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة بل تتعين أن تكون خبرًا.
وهل له محل من الإعراب؟ ليس له محل من الإعراب، هو حرف بصورة الضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠] مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب؛ إذ لو كان له محل من الإعراب لكان مبتدأ، والغالبون خبر لكنه ليس له محل من الإعراب.
ولهذا نقول إِنْ كَانُوا هُمُ(كانوا) الواو اسم كان، والْغَالِبِينَخبرها.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة؛ لقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ.
ومنها: شرف التوراة؛ حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، ولكن كما قلت لكم في التفسير: المراد بالتوراة التي لم تُغَيَّر ولم تُبَدَّل.
ومنها: أن في التوراة هدى ونور؛ لقوله: فِيهَا هُدًى وَنُورٌفي القرآن الكريم قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥]، فالقرآن كله هدى وكله نور وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، التوراة في هذه الآية قال الله تعالى إن: فِيهَا هُدًى وَنُورٌوهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن هذه جعل فيها هدى ونورًا والقرآن جعله هو الهدى والنور في هذه الآية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى؛ لقوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلًا للتوراة وتحقيقًا للعمل بها.
ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم، الإنجيل مُكَمِّل للتوراة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام؛ لقوله: النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، والمراد هنا الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلامًا ظاهريًّا فقط كما في قول الله تبارك وتعالى في قصة لوط: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، فجعل الذين فيها -في البيت- جعلهم من المسلمين.
ومن المعلوم أن امرأة لوط ليست مسلمة بل هي كافرة، لكنها قد خانت زوجها فأظهرت الإسلام؛ ولهذا قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] خانتاهما ليس بفعل الفاحشة، ولكن بإخفاء الكفر عنهما.
فالمهم أن الإسلام قد يُطْلَق على من أظهر الإسلام وإن كان قلبه منطويًّا على الكفر، لكن إسلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عكس ذلك، إسلام الأنبياء هو استسلام لله ظاهرًا وباطنًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا عذر لليهود في الخروج عن شريعة الله؛ لأن الله تعالى قَيَّضَ لهم الأنبياء الكثيرين يحكمون لهم بالتوراة، لكنهم عاندوا وكفروا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل العلم ورثة الأنبياء في إظهار حكم الله والدعوة إلى شريعته؛ لقوله: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أهل العلم وأنهم هم حفظة شريعة الله؛ لقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِوهذا أمر لا شك فيه أن العلماء هم حفظة شريعة الله، هم ورثة الأنبياء، هم الذين يلزمهم الدعوة إلى الله على بصيرة ونشر شريعة الله.
من فوائدها: أنَّ كُتُبَ الله عز وجل هي أصل العلوم التي يدعو بها من حفظها عبادَ الله؛ لقوله: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وعليه فتكون التوراة من كُتُبِ الله أو لا؟ نعم، تكون من كتب الله لا شك، من الكتب التي يجب علينا أن نؤمن بها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلماء شهداء على شريعة الله موثوقون مُؤْتَمَنُون، هذا هو الأصل لكن قد يخرجون عن الأصل، قد يخرجون عن هذا الأصل وهو الشهادة على شريعة الله عز وجل التي ينشرونها بين الناس.
لكن هل كل عالم كذلك؟ لا؛ ولهذا نقول: العلماء ثلاثة أصناف؛ عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة. ثلاثة أصناف؛ عالم الملة هو الذي يحرص على حفظ الملة ونشرها بين الناس والدعوة إليها وهذا هو العالم حقيقة، وعالم الأمة الذي يرى ما يصلح للناس فيُفْتِيهِم به ولو خالف الحق لأنه يريد أن يسلك في هذه الأمة ولا يبالي، والثالث عالم دولة وهو الذي يرى ما تريده الدولة فيدعو إليه ويحكم به ويحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما تريده الدولة.
وقد ظهرت دعوة قبل سنوات إلى الاشتراكية بسبب تأثير الشيوعيين على بعض البلاد العربية فظهرت دعوة الاشتراكية وتأميم الممتلكات، وصار بعض العلماء يحاولون أن يجدوا لهذا المنهج شيئًا يؤيده من القرآن والسنة، فصاروا يأتون بالآيات والأحاديث البعيدة عن مرادهم ليثبتوا هذا، حتى سمعنا من يقول: إن قول الله تبارك وتعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [الروم: ٢٨] يعني أنتم والعبيد الذين تملكونهم أنتم سواء؛ وهذا لا شك أنه تحريف، لأن معنى الآية أن الله تعالى ضرب لنا مثلًا من أنفسنا هل السيد يرضى أن يشاركه عبده في خصائصه وحقوقه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌبناء على أنهم شركاء لكم وهذا لا يمكن أن تُقِرُّوا به، فكذلك الرب عز وجل هل يرضى أن يكون أحد من خلقه شريكًا له؟ لا يرضى كما أنكم أنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في الرزق، هذا معنى الآية، واستدلوا أيضًا بأحاديث «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ» وما أشبه ذلك.
نسمِّي هؤلاء العلماء أيش؟ علماء دولة يعني يَرَوْن ما تريده الدولة فيصرفون الناس إليه، نسأل الله العافية.
لكن العلماء الربانيون الذين استحْفَظَهُم الله على كتابه لا يمكن أن يسلكوا هذا المسلك؛ فالعلماء ثلاثة أصناف، اذكر أصنافهم؟
طالب: عالم ملة، وأمة، ودولة.
الشيخ: عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة، أيهم أحسن؟
الطالب: الأول؛ الملة.
الشيخ: الأول هو عالم الملة، نعم بارك الله فيك.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم خشية الناس في إطاعة شريعة الله، لقوله: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِواعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم سببًا لكون الإنسان يخشى الناس دون الله فقال عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥] الشيطان يأتي مثلًا إلى ضعاف الدين وإلى ضعاف الهمة والعزم يقول: لا تفعل هذا، إذا فعلت تقوم عليك الأمم تنكر عليك الأمم، فيخاف، والمؤمن حقًّا لا يخاف يقول: ما دمت على بصيرة وعلى دين فأنا لا أخاف إلا الله عز وجل؛ ولهذا قال: لَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المُنْحَرِف عن الدين وعن نشر العلم يَنْحَرِفُ لأحد سببين؛ السبب الأول خشية الناس، والسبب الثاني: الطمع في الدنيا؛ يؤخذ من قوله: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًافلو أنك تأملت أسباب الانحراف -وأعني بذلك انحراف العلماء- لوجدته يدور على شيئين: إما الخوف من الناس، وإما أيش؟ طلب الدنيا والرئاسة والمال وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أَنَّ مَنْ لم يحكُم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون؛ لقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
واختلف العلماء رحمهم الله؛ هل المراد بهذا العموم الخصوص؟ يعني أن المراد بذلك اليهود فقط؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله أو المراد العموم؟
منهم من قال: إن المراد بهذه الآية اليهود؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله فهم كافرون، ومنهم من قال: إنها عامة. والصحيح أنها من حيث الحكم عامة حتى لو نزلناها لفظًا على اليهود لأن السياق في ذمهم، فإننا نقول: إذا ثبت هذا الحكم في اليهود ثبت في غير اليهود من باب العموم المعنوي الذي هو القياس؛ يعني الآن مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَإن قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص وأن المراد بذلك اليهود قلنا: هذا دلالة الآية لفظا، لكن إذا قلنا بالعموم بقطع النظر عن السياق صارت الآية تدل لفظًا على الشمول لليهود وغير اليهود، وعلى القول بأنها للخصوص نقول: يلحق بذلك من لم يحكم بما أنزل الله من غير اليهود إلحاقًا أيش؟ معنويًّا.
ولكن اعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله إما أن يكون لطمع، وإما أن يكون لكفر بما أنزل الله، وإما أن يكون لعدوان وظلم على الغير.
فإن كان لطمع فإنه فاسق كقاض تنازع عنده رجلان فأعطاه أحدهما رشوة فحكم بغير ما أنزل الله، ليش؟ طلبًا للرشوة والطمع، هذا نقول: إنه فاسق.
الثاني: رجل تنازع عنده رجلان تخاصم إليه رجلان وكان بينه وبين أحدهما عداوة حكم عليه والحق معه، نقول أيش؟ هذا ظالم معتدٍ ليس له غرض في الحكم عليه، لكن يريد أن ينتقم منه؛ لأنه يكرهه أو بينه وبينه سوء تفاهم.
الثالث: أن يحكم بغير ما أنزل الله كراهة لما أنزل الله أو اعتقادًا منه أن ما حَكَمَ به خير من حُكْمِ الله عز وجل، أو أنه مُخَيَّر بين أن يحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل الله، فهذا يكون كافرًا، يكون كافرًا خارجًا عن الإسلام؛ لأنه كره الإسلام أو ظن أن غَيْرَه أحسن منه أو أن غيره مثله، والله عز وجل يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، فإذا حكم وهو يعتقد أنه مثل حكم الله فقد كَذَّبَ ما تدل عليه الآية وهو قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا، وإذا اعتقد أنه خير منه فهو أشر وأقبح من الذي قال: إنه مساوٍ له.
طالب: بارك الله فيكم، ما هو الضابط في أن الإنسان يخشى الله عز وجل ولا يخشى الناس؟ ثم إذا نظرنا في الجهة الثانية نجد مثلًا في بعض البلاد حكامًا يصادمون هذا الحق، متى يتوجب على الإنسان ما يخشاهم ويصدع بالحق مهما كان الأمر؟ ومتى يكون الأمر فيه سعة؟ الإنسان..
الشيخ: إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على نفسه، فهذا هو الذي خشي الناس، أما إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على الحق وأنه لو جهر به ضادَّه الوالي الذي عنده، وقمع هذه الدعوة وربما يتوصل الأمر إلى غيره فهذا لا حرج أن يؤخر الدعوة إلى وقت يمكنه فيه أن يجهر بها.
طالب: أيهما أعظم الذي حكم بغير ما أنزل الله بطمع أو الذي عنده (...)؟
الشيخ: الثاني أعظم؛ لأن الأول له منفعة قد تدعو النفس إليها، وأما الثاني ليس له غرض إلا العدوان فهو أشد وأعظم بلا شك.
طالب: أليس يا شيخ من اعتقد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو كره حكم الله يَكْفُر وإن لم يحكم؟
الشيخ: إي نعم، لا شك، إذا اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله أو أنه مثل حكم الله فهو كافر؛ لأنه مكذب، ويكون كفره هنا كفر تكذيب، وقد ذكرنا فيما سبق أن الكفر يدور على شيئين: هما: الجحد والاستكبار.
طالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يجلس الإنسان مع العاصي ويريد نصحه، لكن قد لا تتوفر الفرصة لنصحه؛ إما لوجود آخرين يعني ضيوف وكذا، أو لأنه ما جرأ على أن ينصحه في هذه اللحظة، هل يجوز له أن يجالسه حتى يستطيع النصح فيما بعد؟
الشيخ: إذا كان لا يمكنه اللقاء به إلا في هذه الحال فربما يسمح له أما إذا كان يمكنه فليقم عن المعصية وينصحه في وقت آخر.
الطالب: قد تحصل مفسدة بينه وبين الآخر لا سيما إن كان من ذوي الأرحام يقوم من مجلس الضيوف الذي هو يعني دعاه إليه..
الشيخ: يستطيع يقوم، الإنسان يستطيع يقوم مُوَرِّيًا إما أن يضع يده على أنفه كأنه أرعف، وإما أن يقول هكذا يعني أيش؟
الطلبة: وجع الرأس.
الشيخ: وجع الرأس، يستطيع؟
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَاإلى آخره، وأظن لم نكمل فوائد الآية التي قبلها، أليس كذلك؟
طالب: لا، كملناها يا شيخ.
الشيخ: لا، ما كملناها، إذا كنا كملناها، فما الفرق بين الخشية والخوف؟
طالب: الخشية أخص من الخوف.
الشيخ: إي، ما الفرق؟
الطالب: الفرق أن الخشية تكون عن علم، وأما الخوف فلا، الفرق الأول، الفرق الثاني..
الشيخ: الفرق الأول: الخشية مع علم، والخوف؟
الطالب: قد يكون..
الشيخ: نعم، قد يكون لا، والثاني؟
الطالب: الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المَخْشِيِّ، وأما الخوف قد يكون لضعف الخائف..
الشيخ: لضعف الخائف، وإن لم يكن المَخُوفُ قويًّا.
الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف؛ ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء كلها مشتقة من الشيء القوي.
قوله: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًامعنى (لا تشتروا بها)؟
طالب: المرادفة.
الشيخ: لا لا.
طالب: لا تستبدلوا.
الشيخ: وما المراد بالثمن القليل؟
الطالب: عرض الدنيا.
الشيخ: عرض الدنيا من جاه أو رئاسة أو مال أو غير ذلك، كلها قليل كما قال تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧].
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَهذه أخذنا فوائدها؟
الطلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: إذن، هذه الآية من أَشْكَلِ ما يكون على أهل العلم في قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَفمن العلماء من قال: هذه في اليهود خاصة؛ لأن الآيات في سياق التثريب على اليهود، فكأن الله قال: إن هؤلاء اليهود كفار.
ومن العلماء من قال: إنها أصلها في اليهود لكنها عامة لأن لفظ (مَنْ) صريح في العموم مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ.
والصحيح أنها عامة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولكن هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه، أو الكافرون الخارجون عن الملة؟
هذه محل خلاف أيضًا؛ فمن العلماء من قال: أولئك هم الكافرون فيما حكموا به كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون بما أيش؟
الطلبة: حكموا به.
الشيخ: حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة.
وقيل: هم الكافرون أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مشروط بقيود أو أنه مُقَيَّد بشروط؛ الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله، والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله.





