الكتاب وهو أيش؟ الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران: ٣، ٤].
فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي
نزل على عيسى؟
فالجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى، وكذا اليهود -وهم أخبث من
النصارى في الجرأة على الله- حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال عز وجل: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في
أيدي اليهود اليوم، والإنجيل الموجود في يد النصارى اليوم يجب التحرز، وأن يقال:
ليس كل ما فيهما فهو حق، بل فيهما ما هو محرف، وفيهما ما هو منقوص، وربما يكون
فيهما ما هو مزيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن
في الإنجيل هدًى ونورًا؛ لقوله تعالى: فِيهِ هُدًى وَنُورٌوهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي صلى الله
عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: ١٥٧]، وأن النبي
عيسى عليه الصلاة والسلام بشّر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذا من الهدى
والنور.
ومن فوائد هذه الآية: أن الكتب الإلهية
يصدق بعضها بعضًا؛ لقوله: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: التنويه لعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذكر في هذه الآية أن
عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من
التوراة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن في
الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون؛ لقوله: وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
ومن فوائد هذه الآية
الكريمة: الحث على التقوى، وأنها سبب لكل خير ولكل علم؛ لقوله: وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، ولا شك أن التقوى هي
أساس العمل؛ لأن من لم يتقِ الله لا يعمل، ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما
عنده من التقوى.
ثم قال الله عز وجل: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِفي قوله: وَلْيَحْكُمْقراءتان: القراءة الأولى: ما هو مثبت، وهو سكون اللام وسكون الميم: وَلْيَحْكُمْ، والقراءة الثانية: كسر اللام وفتح الميم، والتقدير: {وَلِيَحْكُمَ}.
فعلى القراءة الأولى: تكون اللام، لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ(لام كي).
ولننظر الإعراب على الوجهين: وَلْيَحْكُمْتكون أمرًا من الله عز وجل بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير.
أما على القراءة الثانية {وَلِيَحْكُمَ}، فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَيعني: ليصدق ما بين يديه من التوراة وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.
والحكم: هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان للحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام.
أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِبِمَاأي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام.
و(ما) أيش إعرابها؟ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُشرطية، ولَّا نافية؟
طالب: (...).
الشيخ: موصولة بمعنى: بالذي أنزل الله فيه.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: ٤٦ - ٤٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَإلى آخره.
ما معنى قوله: وَقَفَّيْنَا؟
طالب: (...).
الشيخ: آثَارِهِمْآثار من؟
طالب: (...).
الشيخ: موسى ومن تبعه من النبيين الذين أسلموا.
لماذا نسبه إلى أمه؟
طالب: (...).
الشيخ: هل يؤخذ من هذا أنه إذا وجد ولد ليس له أب أن ينسب إلى أمه، يصح؟
الطالب: (...).
الشيخ: الإنجيل هل يعتبر كتابًا مستقلًا أو متممًا للتوراة؟
الطالب: (...).
الشيخ: متمم. هل هناك دليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هذا ما هو دليل حتى القرآن..، أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]، وأيضًا قال العلماء: إن أكثر ما في الإنجيل مواعظ وقصص وليس أحكامًا مستقلة، وهذا هو الواقع.
قوله: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِإعراب وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ؟
طالب: (...).
الشيخ: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني ومصدقًا أنت؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما يستقيم (...)، هذه الأولى.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) الإنجيل، صحيح.
فِيهِ هُدًى وَنُورٌجملة حالية، ومُصَدِّقًامعطوف على هذه الجملة الحالية فهو حال من الإنجيل.
قوله: وَهُدًى وَمَوْعِظَةًبالنصب، معطوفة، كيف؟ وآتيناه الإنجيل وآتيناه هدًى وموعظة؟
الطالب: (...).
الشيخ: معطوف على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: على (مصدق)، والمعطوفُ على الحالِ حالٌ، كما تقول: جاء زيد راكبًا مسرعًا وضاحكًا، وما أشبه ذلك.
قال الله تبارك وتعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِفيها قراءتان: الأولى: وَلْيَحْكُمْعلى أن تكون اللام لام الأمر، والثانية: {وَلِيَحْكُمَ} على أن اللام لام التعليل.
فإن قلنا: إنها لام الأمر، فإنها مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا لهم: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.
وإن قلنا: اللام للتعليل، فهي معطوفة على مُصَدِّقًا، يعني مصدقًا لما بين، ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله.
وقوله: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِأي: بالذي أنزل الله فيه.
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَنقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: الْفَاسِقُونَ، فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؛ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية؟ هذا على حسب الحال.
والتفصيل الذي ذكرناه سابقًا: تنزل عليه هذه الآيات:
فمن حكم بغير ما أنزل الله، عادلًا عن حكم الله زاعمًا أنه يساوي حكم الله أو أنفع، فهذا كافر.
ومن حكم بغير ما أنزل الله بالعدوان على المحكوم عليه، فهذا ظالم.
ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه، فهذا فاسق.
ففي هذه الآية الكريمة: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه.
ومن فوائدها: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد، وجه ذلك؟ أن مما أنزل في الإنجيل صفة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد بشّر عيسى به فقال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦].
فلو قال النصارى اليوم: إنهم مؤمنون بالإنجيل، قلنا لهم: لم تؤمنوا؛ لأنكم لو آمنتم بالإنجيل لآمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو مكتوب عندكم في التوراة، والإنجيل يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر، إلى آخره، وأيضًا قد بشّركم به نبيكم عيسى عليه الصلاة والسلام.
فإن قالوا: إن الذي بشرنا به اسمه أحمد، قلنا: هذا اسم آخر لمحمد عليه الصلاة والسلام، فاسمه أحمد ومحمد، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ(جاء) مَن؟ جاء بني إسرائيل بالبينات الدالة على صدقه وعلى تصديق عيسى ببشارته، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وكلمة (جاء) في اللسان العربي المبين تفيد الماضي ولَّا مستقبل؟ الماضي، فيكون الرسول الذي بشّر به عيسى قد جاء.
وهل أحد جاء قبل محمد؟ لا، هم ما ادَّعوا أنه جاء قبل محمد اسمه أحمد، إنما قالوا: ننتظر أن يجيء أحمد، فنقول هذا الذي قلتم: غير صحيح؛ لأنه جاء وليس بمنتظر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وهو صريح جدًّا في قول الله تباك تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤]، وعلى هذا فيكون الإنجيل من كلام الله؛ لأنه نزل من عنده وهو كلام موحى، والكلام إذا أضيف إلى المتكلم فهو كلامه.
ومن فوائد الآية: إثبات العلو؛ علو الله عز وجل، تؤخذ من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: من الظرفية؟ من (ما) الموصولة، هي تؤخذ من (ما) ولَّا من أنزل؟
الطالب: (...).
الشيخ: من أنزل، كيف ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: النزول لا يكون إلا من أعلى، والأدلة على علو الله عز وجل العلو الذاتي أكثر من أن تحصى.
وأصولها خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
أما الكتاب -وهو القرآن- فمملوء لعدة أوجه.
والسنة كذلك: القولية، والفعلية، والإقرارية؛ أما القولية فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» ، ويقول: «رَبَّنَا اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ» ، وأما الإقرارية فقد قال للجارية: «أَيْنَ اللَّهُ» قالت: في السماء. فأقرها بل قال: «إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ، وأما الفعلية: فإنه صلى الله عليه وسلم إذا دعا ربه يرفع يديه نحو السماء ، ولما استشهد ربه على أمته أنه بلغ في يوم عرفة جعل يقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس .
وأما الإجماع: فلم يوجد حرف واحد لا بسند صحيح ولا ضعيف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة أنهم قالوا: إن الله تعالى ليس في السماء، أبدًا.
فلو قال قائل: ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: إنه في السماء؟ قلنا: هذا مكابرة، هم يقرؤون القرآن وفيه ذكر العلو، هل ورد عن أحد منهم أنه خالف ذلك؟ إذن فهم مجمعون عليه، وهذا طريق واضح للإجماع: ما منهم أحد فسر آيات العلو بغير ما تدل عليه في ظاهرها.
أما العقل: فكل إنسان يعلم أن المنزلة العليا خير من المنزلة السفلى، وأن علو المكان خير من أسفل المكان، فالعلو صفة كمال، فيجب أن يكون ثابتًا لله عز وجل.
وأما الفطرة: فاسأل عوام العجائز إذا أردن أن يدعون الله أين تتجه؟ إلى السماء، حتى العجوز العامية بفطرتها تشهد بأن الله في السماء.
وعلى هذا فإن هذه الأدلة الدالة على علو الله عز وجل تُفنِّد قول من يقول: إن الله ليس في جهة، أو يقول: إن الله في كل مكان، وكلا القولين ضلال.
من فوائد الآية الكريمة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فإنه فاسق.
وهذه آخر الآيات الثلاثة: أولاها: فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وثانيها: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وثالثها هذه الآية: فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، فهل هذه الأوصاف صفات لموصوف واحد؟ فيه خلاف:
منهم من قال: إنه موصوف لموصوف واحد؛ لأن الكافر يصدق عليه أنه ظالم، والظالم يصدق عليه أنه فاسق، فالكافر نسميه ظالمًا، فاسقًا، كافرًا.
ومنهم من يقول: إن اختلافها على اختلاف الأحوال؛ فهذا حكم بغير ما أنزل الله، فنقول: هو كافر، والثاني: نقول: هو ظالم، والثالث: نقول: إنه فاسق، وهذا هو الأرجح، وجه ذلك: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد.
فإذا كان كذلك فينبغي أن نقول: كل وصف يتنزل على حال من الأحوال:
فمن حكم بغير ما أنزل الله على أن ما حكم به هو السنة والطريق التي يمشي عليها نابذًا حكم الله وراء ظهره، فهذا كافر. ومن حكم بغير ما أنزل الله لعدوان على المحكوم عليه أو على غيره، فهو ظالم. ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ليتوصل إلى غرض يرى أنه مطلوب، فهذا فاسق. فتكون الآيات منزلة على اختلاف الأحوال.
ثم قال الله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِهذا آخر الكتب وأفضلها وأشرفها وأعمها وأنفعها وهو القرآن الكريم.
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّوالمراد بـ(الكتاب): القرآن، فهو (فِعَال) بمعنى (مفعول) أي: مكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب بأيدي الملائكة السفرة، مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، وسمي بذلك؛ لأنه جمعت فيه الأحكام الشرعية والأخبار الصادقة والقصص النافعة، وأصل الكتب: الجمع، ومنه: الكتيبة، لطائفة مجتمعة من الجيش.
وقوله: بِالْحَقِّحال من الكتاب؛ أي: حال كونه متلبسًا بالحق، فيكون ما جاء به القرآن متضمنًا للحق، هذا وجه من معناه.
الوجه الثاني: أنزلناه بالحق؛ أي: أنه حق من عند الله عز وجل، فتكون الباء للتعدية في أنزلنا، يعني: أنزلناه إنزالًا حقًّا، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِوالذي بين يديه من الكتاب ليس التوراة والإنجيل فقط بل هما أقرب الكتب إليه، لكن جميع الكتب قد صدَّقها، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥]، فهو مصدّق لكل ما سبقه من الكتب؛ ولهذا لا يأتي بعده كتاب.
وقوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِمعطوف على مُصَدِّقًا، ومُصَدِّقًاهذه حال من الْكِتَابَ، فيكون الْكِتَابَهو المهيمن، وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِأي: على ما بين يديه من الكتاب.
ومعنى الهيمنة قيل: معناها الشاهد؛ أي: شاهد عليه، وهذا فيه نظر؛ لأن (شاهدًا) يغني عنها (مصدقًا). وقيل: الهيمنة بمعنى: السيطرة والحكم؛ أي أنه حاكم على ما سبقه من الكتب، مسيطر عليها، ناسخ لها، وهذا المعنى أصح؛ لأن القرآن مهيمن على كل الكتب السابقة.
إذن مُهَيْمِنًا عَلَيْهِالصواب: أنه مسيطر وحاكم وناسخ لما سبق؛ ولهذا فَاتْلُ عليه قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُيعني: فبناء على ذلك احكم بينهم؛ أي بين أهل الكتاب وبين المسلمين، بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُيعني والمراد به القرآن.
فإذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بالقرآن؛ لأن القرآن مهيمن مسيطر على ما سبق، يُعارِض ولا يُعارَض، ويَحكُم ولا يُحكَم عليه.
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّهذا القول موجه من الله عز وجل إلى رسوله عليه الصلاة والسلام مع أننا نعلم علم اليقين أنه لن يفعل ذلك، أليس كذلك؟ لكن ليعتبر الناس أنه إذا كان محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهاه ربُّه مرسلُه عن اتباع أهوائهم عما جاءهم من الحق فكيف بغيره؟
ومعنى قوله: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْولم يقل: شيعتهم أو نحوها؛ لأنهم على هوًى، وليسوا على هدًى، فكفرهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هوًى ليس عن عقل ولا عن شرع.
وقوله: عَمَّا جَاءَكَمتعلقة بمحذوف، والتقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، وهذا أحسن من أن يقدر فيه: معرضًا عما جاء به؛ لأن تقديره (معرضًا) فيه شيء من الشدة، لكن (عادلًا) أخف، المعنى واحد لكن ينبغي استعمال الألفاظ المناسبة.
إذن عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّنقول: هو متعلق بأيش؟ بمحذوف، التقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، ولم يقل: عما جاءك أو عما نزل، بل قال: مِنَ الْحَقِّ؛ ليتبين أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق لا يمكن العدول عنه إلى غيره.
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًالِكُلٍّيقول النحويون: إن التنوين هنا عوض، أيش التقدير؟ لكل أمة جعلنا منكم أو لكل واحدٍ، المهم أن هذا تنوين عوض عن محذوف؛ عن كلمة.
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًاجَعَلْنَايعني: صيرنا، شِرْعَةً وَمِنْهَاجًاالشِّرعة: ما يشرع، وأصلها: شرعة الماء، والمنهاج: ما يُنهَج، وأصله: الطريق، كل أمة لها شرعة تناسب حالها ومكانها وزمانها.
وَمِنْهَاجًاتسلكه هذه الأمة: إما الكفر، وإما الإيمان، كل أمة هكذا، فشرائع اليهود والنصارى مناسبة لحالهم وزمانهم ومكانهم، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مناسبة لكل أمة في كل زمان وفي كل مكان، فيكون قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًابعد توحيد الشرعة والمنهاج يكون من باب إفحام الخصم؛ أي: أن هؤلاء الذين يقولون: إن شريعة محمد غير مقبولة؛ لأنها تخالف شرائعنا، وغير صحيحة؛ لأنها تخالف شرائعنا، نقول: أنتم لكم شرائع خاصة مناسبة، ونحن أمة محمد لنا شرائع خاصة مناسبة، وأنتم الآن تعتبرون من أمة محمد باعتبار أيش؟ الدعوة.
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةًسبحانه وتعالى؛ لأن بيده الأمر، فلو شاء الله لجعل الشرائع واحدة يكفر بها من يكفر ويؤمن بها من يؤمن، ولكنه سبحانه وتعالى له الحكمة فيما شرع؛ ولهذا قال: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ(يبلو) بمعنى يختبر، فِي مَا آتَاكُمْأي: من الشرائع، سواء كانت سهلة ميسرة أو كانت صعبة مشددة.
فالأول: يبتلى هل يشكر أو لا يشكر؟ والثاني: يبتلى هل يصبر أو لا يصبر؟ لأننا نعلم أن الشرائع مختلفة في يسرها وعسرها.
فالشرائع الميسرة يبتلى بها بأيش؟ بالشكر، هل يشكر هؤلاء الذين ييسر عليهم أم لا؟ وأما المشددة فيبتلى بها بالصبر، هل يصبرون على هذه الشرائع ويقومون بها أو لا؟ ولهذا قال: لِيَبْلُوَكُمْأي: يختبركم، فِي مَا آتَاكُمْمن أين؟ من الشرائع.
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِأي: بادروها بالسبق إليها، و(الخيرات) جمع (خير)، والمراد بها: كل ما جاءت به الشريعة الإسلامية فإنه خير؛ ولهذا ما من نبي بعثه الله إلا ودل أمته على الخير وحذرها من الشر .
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًاالمرجع إلى الله سبحانه وتعالى، كل الخلائق مرجعها إلى الله.
وهل المراد المرجع في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، مرجعنا إلى الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن مرجعنا إلى الله وهو الذي يحكم بيننا، وهو الذي يحكم علينا، ويحكم فينا، أما في الآخرة فكذلك يفصل بيننا يوم القيامة؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.
وفي قوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْفائدة بلاغية وهي: الحصر، وذلك في تقديم الخبر؛ لأن القاعدة عندنا: أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
يقول: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(ينبئ) بمعنى: يخبر. وهل النبأ والخبر معناهما مترادف، أو بينهما فرق دقيق؟
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس في اللغة شيء مترادف، يعني مئة في المئة، بل لا بد من فرق، وإلا لكان في اللغة العربية شيء من الحشو، لا بد من فرق، حتى: أسد، درغام، وغضنفر، وما أشبه ذلك، وإن كان مدلولها واحدًا لكن لا بد أن يكون كل واحد منها مشتملًا على معنى دقيق يفرق بينه وبين الآخر، هذا النبأ.
والإخبار قيل: إن الإخبار ما لم يكن هامًّا، والنبأ لا يكون إلا في الأمور الهامة، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١] أيش؟ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ٢]، قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [ص: ٦٧]، فالنبأ يكون في الأمور الهامة العظيمة والخبر يكون في أي شيء، فيكون الخبر على هذا أعم أو لا؟ أعم.
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَأي: بالذي كنتم تختلفون فيه، وحينئذٍ يحصل الفصل بالعدل عز وجل، ويتبين من هو على حق أو ليس على حق.
في هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: الضمير يعود على مَن؟ أَنْزَلْنَا؟
الطالب: (...).
الشيخ: والمنزل كلام، أليس كذلك؟ فيفيد أن القرآن كلام الله تعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل، من قوله: أَنْزَلْنَا، والإنزال لا يكون إلا من؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على القرآن، من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) بِالْحَقِّ: أن القرآن حق ونازل بالحق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنقبة العظيمة للرسول عليه الصلاة والسلام، أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، وهذا يفسره قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مصدق لجميع الكتب مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، تصديقه لما بين يديه ذكرنا أنه على وجهين؛ يعني: حاكمًا بصدق الكتب المنزلة السابقة، ومصدقًا لما أخبرت به من نزول القرآن.
طالب: بعض البلاد تدرس في جامعاتها علمًا يسمى بعلم الأديان، والمتخصص فيه يكون على علم بالشريعة الإسلامية وعلى علم بغيرها من شرائع كاليهودية والنصرانية، فإذا سئل المتخصص في تلك البلاد التي قد يوجد فيها نصارى أو يهود، سئل عن حكم من أحكام شريعة هؤلاء السائلين، ولنفترض أنهم يهود مثلًا أو نصارى فهل يجيبهم، ويكون بذلك أفتاهم في دينهم، أم يجب أن يقول لهم هذه الفتوى غير صحيحة؟
الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله- أنه إذا رفع إلينا فإننا نحكم بما أنزل الله؛ لأن حكم الذي هم عليه منسوخ غير مرضي عند الله عز وجل، حتى في الإخبار؛ لأنك إذا أخبرته حكمت له.
طالب: (...)؟
الشيخ: الفرق بين (إلى) و(على): أن (على) تفيد الاستعلاء وأن (إلى) تفيد الغاية، يعني فهو من علو وغايته النبي عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...).
الشيخ: القرآن كله علم، قال الله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] قبل أن ننزل عليه الوحي، وقال تعالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣] فهو علم وحق.
طالب: (...) في إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم (...) الأنجيل بذلك؟
الشيخ: هذه إن استشهدنا بها على الخصم الذي ينكر رسالة النبي عليه الصلاة والسلام وهو نصراني مثلًا نعم نأتي به، نستشهد؛ لأن هذا حجة عليه؛ ولهذا يقول الله عز وجل: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة: ١٤٥].
طالب: أحسن الله إليك، هل يكون مثل من أفتى بغير ما أنزل الله (...)؟
الشيخ: إي نعم، الأوصاف واحدة، لكن أن تعرف أن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم.
طالب: (...)؟
الشيخ: كلمة وَهُدًىهذا من باب التوكيد.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، فِيهِ هُدًىالأول هو الثاني، لكن النور ما يحصل من آثار هذا العلم.
طالب: (...)؟
الشيخ: الفرق بين الشرعة والمنهاج: الشرعة: شريعة الله، والمنهاج: سلوك المرسل إليه ونهجه، يعني قد يؤمنون وقد يكفرون، وأما الشريعة فثابتة؛ ولهذا يقال: نَهَجَ فلانٌ نَهْجَ فلانٍ؛ أي سلك مسلكه.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، نحن نقول: هذه حجة على أم رأسه (...)، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، الإنجيل فيه وجوب اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله ذكر بعدها وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، وهذا من ضلال النصارى ألا يفهموا ما أنزل الله على رسله.
طالب: (...)؟
الشيخ: على أحد القولين: عندما نجعل هذه الصفات لموصوف واحد يكون الفسق هو الكفر.
طالب: (...)؟
الشيخ: النصارى هم بنو إسرائيل.
طالب: (...)؟
الشيخ: التوراة والإنجيل كلٌّ منهما كتاب لنبي إسرائيل؛ لأن الرسول يرسل إلى قومه خاصة ما عدا النبي صلى الله عليه وسلم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون [المائدة: ٤٩، ٥٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُإلى آخره.
من فوائد الآية الكريمة: أن جميع ما في القرآن حق، إن كان خبرًا فهو صدق؛ وإن كان قصصًا فهو نافع، وإن كان أحكامًا فهو عدل، كل الذي في القرآن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب؛ لقوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب الحكم لما أنزل الله في القرآن إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب؛ لقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لكن يشمل الأمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب وغيرهم من الكفار؛ لقوله: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ.
ومن فوائدها: أن مخالفة أهل الكتاب لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم تبنَ على دليل صحيح ولا على عقل رجيح، وإنما بنيت على هوى باطل؛ لقوله: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء قبيح أن يبين قبحه، وأن ينقل الناس إلى ما هو خير منه؛ لقوله: عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، كأنه قال: لا تتبع أهواءهم واتبع ما جاءك من الحق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على المسلمين أن تكون لهم شخصية قائمة لا يتابعون الناس فيكونون أذنابًا لأعداء الله، بل يجب أن تكون لهم شخصية قائمة لعزة الإسلام؛ لقوله: عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء الرسولَ صلى الله عليه وسلم فهو حق.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى نوّع الشرائع بحسب الأمم؛ لقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً.
وسبق لنا في التفسير: أن المصالح تختلف باختلاف أحوال الناس وباختلاف أزمنتهم، وباختلاف أيش؟ أمكنتهم.
وهل هذا يكون بالنسبة للشريعة الإسلامية بأن يكون الله قد جعل لكل حال حكمًا؟ أشرنا في الشرح أو التفسير إلى ذلك وقلنا: حتى في الشريعة الإسلامية تختلف أحكامها بحسب الأزمان والأمكنة والأحوال، وذكرنا لذلك أمثلة: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، أدِّ الزكاة إذا كان عندك مال زكوي، وإلا فلا شيء عليك، حج البيت إن استطعت، وإلا فلا شيء عليك، صم إن استطعت، وإن عجزت عجزًا مستمرًا فأطعم، وهلم جرًّا، تجد أن الشريعة الإسلامية نفسها تختلف باختلاف الأحوال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في المنهج في استقبال هذه الشرائع؛ لقوله: وَمِنْهَاجًا، فمنهم كافر ومنهم مؤمن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم قدرة الله جل وعلا وأن بيده الأمور الشرعية والكونية؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةًيعني: على ملة واحدة، ولكنه سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة فيما قدّر وشرع.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية، من يعرف؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لأن جعلهم على أمة، يعني على دين واحد، وهذا يقتضي أن يكون تدينهم لله لمشيئته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرائع ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، أي: اختبار وليست ابتلاء من البلاء بل من الاختبار؛ لقوله: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ، فالشرائع للابتلاء، وخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢]، فتبين بهذا أن شرائع الله وأحكام الله القدرية كلها ابتلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على السبق إلى الخير؛ لقوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِيعني: خذوا بها أيكم أسبق.
فإن قال قائل: المنافسة في الخيرات ألا تستوجب الحسد، بمعنى أن يكره الإنسان أن أحدًا يسبقه؟
فالجواب: لا؛ لأن كراهة أن يسبقه أحد لا تستلزم أن تكره إذا مَنَّ الله على أحد فسبق، والحسد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على الغير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرجع إلى الله تبارك وتعالى شرعًا وقدرًا؛ لقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْفالمرجع إلى الله شرعًا هو الذي يحكم بيننا، وقدرًا فإن الأمر كما قال الله: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله تبارك وتعالى لأفعال العباد؛ لقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
فإن قال قائل: وهل الحكم للكافرين على المؤمنين أو للمؤمنين على الكافرين؟
فالجواب: الثاني؛ للمؤمنين على الكافرين؛ لقول الله تبارك وتعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، وهذا من غرائب الحكومة أن يبين للخصم أنه غالب قبل التحاكم، لكن هذا له حكمة وهو أن ينضم الخصم إلى الطرف الثاني، فالكفار والمؤمنون خصماء، ومن الغالب؟ المؤمنون، هنا بيَّن الله أنه سيكون الفصل ويغلب المؤمنون، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا، بيَّن ذلك؛ حثًّا للكافر أن ينضم إلى صف المؤمنين؛ لأنه إذا تبين له أنه خاسر وأن الجولة والمعركة للمؤمن فسوف ينضم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لبني آدم من الاختلاف، وهذا هو الواقع، وقد دلت عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢] لا بد من الاختلاف، والمرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: ٥٩].
ثم قال الله عز وجل: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُيعني: وأنزلنا إليك الكتاب فاحكم بينهم بما أنزل الله، وَأَنِ احْكُمْمعطوفة على قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَأَنِ احْكُمْالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي (أن) قراءتان: الضم، والكسر؛ {وَأَنُ احْكُمْ} وَأَنِ احْكُمْكلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليكم، بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُولا تحكم بينهم بما عندهم.
وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير ويقولون: إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يقتل.
يتحاكمون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ؛ لأن ما أصّلوه من هذا الأصل الباطل هوًى محضٌ، وإلَّا فحكم الله بين الخلق سواء.
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَشوف هذا كلام الله مع الرسول، احذرهم يعني: كن معهم على حذر، وتخوف أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.
في إعراب أَنْ يَفْتِنُوكَوجهان: الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من (الهاء) في قوله: وَاحْذَرْهُمْ، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وتعرفون أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام، الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم أيش؟ فتنتهم؛ لأن (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر.
والوجه الثاني: أن تكون (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد.
ومعنى أَنْ يَفْتِنُوكَأي: يصدّوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى الصد جاءت في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] فتنوا بمعنى أيش؟ بمعنى صدوا، إذن أن يفتنوكأن يصدُّوك.
عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَوإذا كان التحذير عن بعض ما أنزل فعن الجميع من باب أولى، عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْاعن حكمك بما أنزل الله، فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْوهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى المشيئة، أَنْ يُصِيبَهُمْأن يلحق بهم المصيبة بالإعراض، بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْلا بكلها، وبعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْوالذنب: ما خالف به الإنسان ربه فهو ذنب، سواء كان بترك الواجب أو بفعل محرم.
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَالجملة هذه كالتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام بألَّا يحزن؛ لأن كثيرًا من الناس فاسقون، لكن (اللام) في قوله: لَفَاسِقُونَللتوكيد، وفاسقون بمعنى خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فَسَقَت الثمرة، إذا خرجت من كُمِّها.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا؛ لقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليهم، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا، فإننا لا نهتم به ما دمنا على صراط المستقيم، فإن الله يقول: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: ٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أيًّا كان.
لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقًا للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه، أو نأخذ به لأنه شريعة؟ الثاني ولّا الأول؟ الثاني لا شك.
من ذلك -وهو مثل عجيب- بعض الناس لما سمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَالِفُوا الْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ» قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن أيش؟ يطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث خالفوا أن نحلق اللحى؛ لأنهم يعفون لحاهم؟
فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقًا للفطرة لا تقليدًا لنا، وإذا كانوا يطلقون وفقًا للفطرة فإننا نطلقها نحن وفقًا للفطرة واتباعًا للسنة والشريعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا من؟ المسلمين عما أنزل الله عليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم بهذا في عهد الرسول فالأمر في عهدنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله عز وجل من القوة والعزيمة في دين الله ما لم يعط غيره، فما بالك؟ أتموا.
طلبة: بغيره.
الشيخ: بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [الإسراء: ٧٣]، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء: ٧٤، ٧٥]، والمخاطب رسول الله عليه الصلاة والسلام فما بالك بمن دونه؟ يكون الحذر منهم أشد وأشد.
ولولا أن الله ثبته -ونسأل الله لنا ولكم الثبات- لكان يركن إليهم شيئًا قليلًا، ولو ركن إليهم شيئًا قليلًا؟ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة؛ ولهذا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ؛ ولهذا قال بعض السلف: من حرم قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه.
فإذا رأيت من نفسك إعراضًا عن شيء من دين الله فاعلم أن هناك ذنبًا انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة بذلك فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْفاستغفر الله للنتيجة والسبب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق؛ لقوله: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ.
وهل المراد بـ(الناس) هنا أهل الكتاب، أو العموم؟
إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خفّ الإشكال، وإن قلنا: العموم صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقًا موجبًا لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ» ، كلهم في النار وواحد من ألف في الجنة، جعلني الله وإياكم منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله:
| يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا | فِي الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ |
ما ينالها من بني آدم في الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس من؟ أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص.
ماذا كان شعور الصحابة لما قال: إنَّ أهلَ النار تسعُ مئةٍ وتسعٌ وتسعون؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَينِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، مِنْكُمْ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ أَلْفٌ»، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فكبروا بذلك فرحًا ، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» ، يكون النسبة الثلثين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية اليوم على هذا المنهاج لسادت العالم، لكنها عندها ضعف الشخصية وضعف الإيمان، فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته ويعز دينه، إنه على كل شيء قدير.
طالب: (...) حتى الإنسان أحيانًا (...)؟
الشيخ: الاستغفار، والصلاة مكفرة لا شك، أهم شيء الاستغفار وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ١٣٥].
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، (...) إذا رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فهي (...) الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
طالب: (...)؟
الشيخ: الناس نعم؛ لأنه إذا قال: كثير من الناس فليس الأكثر، إي نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الإنسان في بلاد الكفار، فهل له التحاكم إليهم (...) حقه؟
الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يصل إلى حقه إلا بهذا فليتحاكم إليهم، لا على نية أن حكمهم صحيح، لكن على نية أنهم كالشرطة يستخرجون له حقه من هذا الظالم، ولو لم نقل بذلك لضاع حقه، ففرق بين أن يحكمهم على أن حكمهم شريعة وبين أن يحكمهم ليخلص حقه، ويعتقد أن حكمهم باطل في الأصل؛ يعني ليسوا حكامًا شرعيين، فيكونون له بمنزلة أيش؟ بمنزلة الشرطة يستخلصون له حقه.
طالب: أحسن الله إليك، رجل يقوم بآخر الليل لكنه ترك قيام الليل وذلك لطلب العلم في أول الليل، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ (...)» ؟
الشيخ: أيهما أفضل العلم أو التهجد؟
الطالب: العلم.
الشيخ: إذْن ترك شيئًا مفضولًا لفاضل، لكن من الممكن أنه يأتي بالأمرين جميعًا، يعني لا يجهد نفسه في أول الليل، ولا يجهد نفسه في آخر الليل أيضًا، يأتي من هذا بقليل ومن هذا بقليل، والأمر سهل، لو تقدم بنصف ساعة قبل الفجر تمكن من أن يصلي ما شاء الله مع الوتر.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٤٩ -٥٠].الشيخ: سبحانه وبحمده، من يعرف إعراب أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه وجهان، الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: بدل من الضمير، بدل أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: بدل اشتمال، والوجه الثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: من أن يفتنوك.
قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَالاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك، وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، و(الفاء) هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها أصل في الكلام، وهنا لا نجد شيئًا بين الهمزة و(الفاء)، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان للنحويين:
الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فإن هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعب من جهة أخرى؛ إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدر، وأحيانًا يشق عليك ذلك كثيرًا، أو تعجز أن تقدر شيئًا مناسبًا.
والقول الثاني: أن (الفاء) مزحلقة عن مكانها، وأن أصلها قبل الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: فأحكم الجاهلية، وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه، لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق.
وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِأضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِيعني الحكم الموصوف بأنه جهل؟
نقول: كلا المعنيين حقّ، لكن الثاني أعمّ؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل، سواء كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهل هو عدم العلم، كل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمدًا فهو جهالة.
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَأي: يطلبون، ولا يخفى أن (حكم) منصوب، وعامله (يبغون)، فهو مفعول مُقدّم لـ(يبغون)، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدَّم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني كأن هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا: أن تقديم ما حقه التأخير مفيد للحصر.
ثم قال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا(مَنْ) اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي؛ إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكمًا، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ؛ إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشربًا بالتحدي؛ يعني كأن المتكلم يتحدى يقول: أروني حكمًا أحسن من حكم الله، فلهذا نقول: إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ إذ إنه يتضمن النفي والتحدي.
مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا؟ الجواب: لا أحد أحسن من الله حكمًا؛ لأن حكمه جل وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده تبارك وتعالى بشيء يكون ضررًا أو عاقبته ضررًا، أبدًا لا يمكن؛ لأنا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة.
مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا؟ الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَيوقنون بالله وبأسمائه وصفاته وبما تقتضي هذه الأسماء والصفات، هؤلاء لا يرون حكمًا أحسن من حكم الله.
أما من عنده ضعف في اليقين فإنه قد يرى أن حكم غير الله أيش؟ أحسن من حكم الله؛ ولهذا كان الخلفاء الراشدون كانوا لا يتعدون حكم الله أبدًا، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زلّ عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق؛ لذلك نقول: إنَّ تبيُّنَ حسنِ حكم الله إنما يكون لمن؟ للموقنين.
أما ضعيفو اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر واختلفت الأمة واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، إصلاح العصر إنما يصلح بهذه القوانين التي وضعها جهال أو كفار أو أتباع لهؤلاء، وإلا لا يمكن أن شخصًا يكون موقنًا بالله عز وجل وبما له من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام أن يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، بل ولا يرى أن حكم غير الله مثل حكم الله؛ ولهذا جاءت الآية: مَنْ أَحْسَنُ، و(أحسن) اسم تفضيل، يعني فلا يمكن لأي حكم من الأحكام أن يساوي حكم الله، فضلًا عن أن يكون أحسن من حكم الله.
في هذه الآية الكريمة: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، يؤخذ من أين؟ من قوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
ويؤخذ منها أيضًا؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية، ويدَعُوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة.
ومن فوائد هذه الآية: أن كل حكم مخالف لحكم الله فهو حكم جاهلي.
وبناء على ذلك: هل يصح أن نصف المسلمين اليوم بجاهلية القرن الثامن عشر أو لا يصح؟ أجيبوا يا جماعة.
نعم، كثير من حكام المسلمين يصح أن نصفهم بأنهم جاهلية هذا العصر، يعني هذا القرن الثامن عشر.
الطلبة: القرن العشرين.
الشيخ: ما نعترف بالقرن العشرين نحن نعترف بالقرن الهجري.
الطلبة: الهجري الخامس عشر.
الشيخ: الخامس عشر؟ الثامن عشر هداكم الله!
الطلبة: الخامس عشر ١٤١٨.
الشيخ: صحيح الخامس عشر، إحنا أخذنا ١٨ على أنه القرن، لا شك أن هؤلاء في أحكامهم وقوانينهم المخالفة للشريعة لا شك أنهم جاهلو هذا القرن الخامس عشر، هم جاهلون شاؤوا أم أبوا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله أحسن الأحكام؛ لقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا.
ويترتب على هذا: أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق، أي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم..





