الشيخ: .. آذَوا المسلمين وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم،
ثم أسلموا، سقط عنهم الضمان.
طالب: مَرَّ علينا من عظم
الصلاة في الإسلام في التعبد أن الله يتعبد بها العباد، فيها حاجة يا شيخ جرَّبتها،
ما فيه حاجة من حوائج الدنيا والآخرة من الصيام والصلاة وأعمال الدنيا إلا جاهدتني
الأفكار فيها مثل الصلاة، ما الوجه يا شيخ، الحج والصيام وغير الحاجات دي ما فيها
اللي جاهدتني الأفكار فيها مثل الصلاة؟
الشيخ: يعني
تقصد الأفكار في الصلاة، قصدك؟
الطالب: إي
نعم.
الشيخ: إي؛ لأن الصلاة خير موضوع، والشيطان يريد
أن يُفسِد علينا هذه الصلاة، الصلاة لو أتينا بها على الوجه المطلوب لكان الأمر كما
قال الله عز وجل: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]، فتصد الإنسان عن الفحشاء والمنكر، وتعينه
أيضًا على البر، قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: ٤٥]، هذا هو السبب، ولذلك إذا قوي إيمان العبد أتاه الشيطان من كل وجه يوسوس له في
أصل الإيمان، ليش؟ لأنه عرف أنه إذا قوي إيمانه نجا من هذا العدو الخبيث، وإذا ضعف
إيمانه تسلط عليه.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا، سبق لنا في الآيات قول الله عز وجل: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قوله: وَهُمْ رَاكِعُونَماذا قلنا معناها؟
طالب: معناها الخضوع.
الشيخ: معنى الركوع: الخضوع، وليس الانحناء في الصلاة، وهل عندك شاهد من اللغة العربية على أن الركوع بمعنى الخضوع؟
طالب: هو بيت من الشعر لا أحفظه.
الشيخ: بيت من الشعر قاله قائله.
طالب:
| لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَــــــــــــــــــــــــــــــــــلَّكَ أَنْ | تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ |
الشيخ: وهذا يأتي به النحويون شاهدًا على أنه يُبنَى الفعل المضارع على الفتح ولو حذفت نون التوكيد، وأصل (لا تهين) (لا تُهِينَنَّ)، وهذا أصح من تفسيرها بأن المراد..؟
طالب: الركوع المعروف.
الشيخ: ويش الركوع المعروف؟
الطالب: في الصلاة.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الانحناء.
الشيخ: الانحناء في الصلاة؛ لأن الذي يتصدق وهو راكع ليس محل حمد؛ لما يترتب من صدقته في ركوعه انشغاله في أمر خارج عن الصلاة، فلا يُحمَد عليه، والصدقة ليست كالجهاد؛ لأنه يمكن للإنسان أن يصلي وينهي صلاته ثم يتصدق.
#تفسير الآية (56)
قوله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، (من) شرطية يعني: أي إنسان يتولى هؤلاء الثلاثة: الله، ورسوله، والذين آمنوا، أن يتخذهم أولياء، يتولاهم بالمحبة، والمودة، والنُّصرة، وجميع ما تقتضيه الولاية.
فإن قال قائل: مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَهل الله بحاجة إلى أن يتولَّاه؟
فالجواب: نعم، الله ليس بحاجة إلى أن يتولَّاه، لكن الدين بحاجة إلى أن يتولَّاه أهله، ومن تولى دين الله فقد تولى، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: ٧]، من المعلوم أن الله عز وجل لا يحتاج إلى نصر، لكن إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ، أي: تنصروا دينه، يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.
وَرَسُولَهُالرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى من يتولاه في حياته، يتولَّاه ويتولى سُنَّتَه ويدافع عنها، بعد وفاته يكون تولِّي الرسول بمعنى تولِّي سُنَّته ونصرها، كما قلنا: إنَّ تولِّي الله يعني تولِّي دينه، ونصرة دينه.
وَالَّذِينَ آمَنُواتولَّى المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق حتى تقوم الساعة ، يعني: حتى يقرب قيام الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق .
وقوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ، لم يقل عز وجل: فإنه الغالب، قال: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ؛ ليكون دالًّا على شيئين:
الشيء الأول: أن من تولى الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله.
الثاني: إرادة العموم؛ أن حزب الله لا بد أن يكون غالبًا؛ لأن دين الله لا بد أن يكون غالبًا، فالمتمسك بدين الله هو حزب الله، وهو غالب، ولا بد، لكن الغلبة قد تكون في حال الحياة، وقد تكون بعد الموت.
ولهذا نجد الأئمة الذين لم يقدَّر لهم أن يظهروا ظهورًا كاملًا في حياتهم، ظهروا ظهورًا كاملًا بعد وفاتهم، الإمام أحمد، ابن تيمية، وغيرهما من العلماء والأئمة، لَحِقَهُم من الإهانة من ولاة السوء ما لَحِقَهُم، وكانت الغلبة لهم؛ إما في الحياة، وإما بعد الممات.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الحثّ على تولِّي الله، ورسوله، والمؤمنين.
ويتفرع على ذلك، أو هو حقيقةً بمعنى التولِّي أن يكون الإنسان دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاثة: كتاب الله، والثاني: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث: سبيل المؤمنين.
ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، فكن دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاثة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء التام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى المؤمنين، وأنَّ تَوَلَّيهم من أسباب الغلبة، أما تولِّي الله فهو شأن فوق ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى حزبًا، ومَن حزبُه؟ حزبه الذي يقابل حربه؛ لأن الله له حزب، وله حرب، فمن أقام على شريعته فهو حزبه، ومن خالف شريعته فهو حربه، لا سيما فيما نص على أنه حرب لله عز وجل؛ كالربا، وقطع الطريق، وما أشبهها.
فإن قال قائل: أيمكن أن يستدل بهذه الآية من أقاموا الأحزاب في بلادهم؟
فالجواب: لا، لا يمكن؛ لأن المفروض أن المسلمين حزب واحد لا يتفرقون، بل هم إذا تفرَّقوا فقد قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩]، فبرَّأ النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وقال: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، ثم توعَّدهم بقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩]، فإذا كان هذا شأن مَن فرَّقوا دينهم، كل واحد يقول: الدين معي، فكيف يقال: إن إقامة الأحزاب في الدين الإسلامي جائزة؟ لأن الله قال: حزب الله.
نقول: كل المسلمين أيش؟ حزب لله عز وجل، ومن خالف خرج عن هذه الحزبية، لكن لا يعني ذلك أن نقول: إنه لا بد أن تُقام الأحزاب في الدين الإسلامي، ولذلك انظر الآن الأمة التي بَنَت كيانها على قيام الأحزاب ماذا يكون فيها؟ الشر، والبلاء العظيم، حتى إذا صار الحزب المستقيم في الطليعة، وله الغلبة، حصل الشر.
ولا حاجة إلى أن نضرب مثلًا بالجزائر، ومثلًا بتركيا، مثلًا الآن حزب الرفاه لما كاد أن ينتصر ماذا حصل؟ قام الجيش والضباط على هذا الحزب، والآن يحاولون إلغاء هذا الحزب، وعلى كل حال نحن نقول: الدين الإسلامي حزب واحد.
وهل يمكن أن نقيم حزبًا إسلاميًّا ضد حزب شيوعي، أو لا يمكن؟ يمكن، لا بد هذا؛ لأن الله جعل حزبًا لله، وحزبًا للشيطان، أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة: ١٩] هذا لا بد منه؛ لأن بني آدم كلهم حزبان، ما هما؟ الإيمان، والكفر، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، هذا لا بد منه، لكن أحزاب في الحزب الواحد، هذا خلاف الإسلام، ولا يمكن أن يُقام، ولذلك يحصل التفكك العظيم إذا قامت هذه الأحزاب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البشرى لحزب الله، بماذا؟
طلبة: بالغلبة.
الشيخ: بالغلبة، هم الغالبون على أعدائهم، واقرأ قول الله تبارك وتعالى: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف: ١٣] بشِّر المؤمنين بأن لهم النصر.
***
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
في الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان:
الأولى: (هُزُو) بالواو بضم الزاي لا غير هُزُوًا، ولا يصلح أن تقول: (هُزْوًا)، بل لا بد أن تضم الزاي فتقول: هُزُوًا.
وبالهمز قراءتان: {هُزُؤًا} و {هُزْءًا}، فالجميع ثلاث قراءات.
والكلمة الثانية: وْالْكُفَّارَ، فيها قراءتان: {وَالْكُفَّارِ} وْالْكُفَّارَ.
فعلى قراءة الجر تكون معطوفة على أيش؟ على الَّذِينَالثانية مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يعني: ومن الكفار.
وعلى الأولى معطوفة على الَّذِينَالأولى، يعني: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم، ولا تتخذوا الكفار، أفهمتم الآن؟
قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، تأمَّل الآن كم مرت علينا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافي صفحة واحدة، مما يدل على الاهتمام التام فيما ذُكِر في هذه الآيات، حيث كرَّر الله عز وجل النداء للمؤمنين.
لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا، وذكر أصنافهم.
تَتَّخِذُوابمعنى: تُصَيِّروا، وهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول الَّذِينَ، والمفعول الثاني أَوْلِيَاءَ، يعني: لا تتخذوهم أولياء، وهي نظير الآية السابقة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ.
وقوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْأي: صيَّروه، والدين بمعنى العمل هنا.
وقد جاء لفظ (الدِّين) في القرآن الكريم يراد به الجزاء، ويراد به العمل الذي يجازَى عليه.
مثال الأول: قول الله تبارك وتعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، يعني: يوم الجزاء.
ومثاله أيضًا قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧- ١٨].
ويأتي بمعنى العمل كثيرًا، مثل قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]، ومثل هذه الآية، أي العمل الذي تدينون الله به، وترجون عِوَضه من الله، ومنه الدَّين في المعاملات، الاشتقاق واحد، الدَّين في المعاملات دفع شيء لانتظار عوضه.
يقول: هُزُوًا وَلَعِبًا، يعني جعلوه محل استهزاء يسخرون به بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم أنه لعب، واللعب هو الذي ليس له هدف، وليس له فائدة، وقالوا: ويش معنى الإنسان يأتي مثلًا يأتي المسجد يتحرك قائمًا وقاعدًا وساجدًا، وما أشبه ذلك، قالوا: هذا لعب، ليس هذا بدين، ويسخرون به.
وقوله: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَيعني بهم اليهود والنصارى.
وقوله: مِنْ قَبْلِكُمْبيان للواقع، وليس تقييدًا؛ لأنه لم يؤتَ أحد الكتاب معنا، ولا بعدنا، وإنما كل الذين أوتوا الكتاب كانوا قبلنا، ولكن المراد بهم هنا كما هي طريقة القرآن: اليهود والنصارى.
وقوله: وَالْكُفَّارَ، قلنا: فيها قراءتان، يعني: ولا تتخذوا الكفار أولياء سواء اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، هذا على قراءة؟
طلبة: النصب.
الشيخ: اثبتوا، النصب.
على قراءة الجر، يعني: لا تتخذوا الكفار الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا.
وكل من القراءتين مفيدة جدًّا، فهنا نقول: إذا جعلناها بالجر تفيد أن الكفار سوى الكتابيين ممن اتخذوا ديننا أيش؟ هزوًا ولعبًا.
وعلى قراءة النصب تفيد أن نتجنب الكفار، ولا نتولاهم مطلقًا.
لكن فيها إشارة -على قراءة الجر- إلى أن الكفار غير الكتابيين يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا، فيجتمع فيهم السخرية منا، واعتقاد أن ديننا لعب، والكفر.
أَوْلِيَاءَ، جمع (وَلِيّ) أي: منصور، تناصرونهم، وتعينونهم، وتتقربون إليهم، وما أشبه ذلك مما يقتضي أن يكونوا أولياء لنا لا أعداء.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، اتَّقُوا اللَّهَأي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تقربًا إليه تبارك وتعالى.
ولهذا قال بعضهم في تعريف التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله.
فجمع هنا بين العمل، والإخلاص، والعلم؛ أن تعمل بطاعة الله؛ عمل، على نور من الله؛ علم، ترجو ثواب الله؛ إخلاص، ما ترجو الدنيا، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
ولهذا إذا قلنا: إنها اتخاذ وقاية بفعل الأوامر، فلا بد من ملاحظة الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن إخلاص لم تكن طاعة.
وقوله: إِنْ-إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- هذه شرطية من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في إيمانكم فلتتقوا الله؛ لأن الصادق في إيمانه لا بد أن يتقي الله، أن يتجنب محارمه، أن يقوم بأوامره، فإن لم يفعل فإيمانه ناقص ضعيف.
هل الشرطية هنا لها علاقة فيما قبلها بحيث نُقَدِّر جواب الشرط ما قبلها؟ قدِّروها الآن: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟
طلبة: يستقيم.
الشيخ: يستقيم، إذن فهي موصولة بما قبلها.
وأحيانًا تأتي الشرطية غير موصولة بما قبلها، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: ٩]، هذه الشرطية ليست متعلقة بما قبلها؛ لأنه ينعكس المعنى، لو قلنا: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم، يستقيم ولّا لا يستقيم؟ لا يستقيم، ولهذا في الآية الثانية التي قرأتها الآن ينبغي للإنسان أن يقف، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛ لأنك لو وصلت فُهِمَ منه أنه خير إن كنا نعلم، وإن لم نعلم فليس بخير، مع أنه خير على كل حال، لكن معنى هذا: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا هذا، هذا معناها إجمالًا.
على كل حال الآية التي معنا: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، نقول: هذا الشرط متعلِّق لما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين حقًّا فاتقوا الله؛ لأن الإيمان حقًّا يحمل على التقوى.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
منها: النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، فتكون هذه أعم من الآية السابقة: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ؛ لأنه انضمَّ إليهم في هذه الآية الكفار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الإغراء التام عن اتخاذهم أولياء، وذلك بإثارة الحميَّة والغيرة في قوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا، يعني: أي إنسان يشعر بأن شخصًا يهزأ به في دينه، ويقول: هذا الدين لعب لا فائدة منه، لا شك إنه سيثور.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إظهار هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والكفار، إظهار عداوتهم للإسلام، وأن عداوتهم ظاهرة، حيث كانوا يسخرون بأهله المتمسكين به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العلم قد يكون وبالًا على صاحبه، من أين تؤخذ؟ من قوله: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، فإن هؤلاء أُعطُوا العلم، ووُصِفَ لهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل وصفًا يجعلهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم ينفعهم هذا العلم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التقوى التي من جملتها البعد عن اتخاذ هؤلاء أولياء؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومن فوائدها: أن الإيمان الحقيقي مقتضٍ لأيش؟ للتقوى؛ لقوله: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
فإن قال قائل: هل التقوى خاصة بالله؟ نقول: أما تقوى العبادة فإنها خاصة بالله، ولا يجوز أن نتقى شيئًا على وجه التعبد إلا الله عز وجل.
وأما تقوى ما يُخشَى منه فهذه تكون لله ولغيره، اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١]، يَوْمًا، ومعلوم أنها ليست هذه تقوى عبادة، يعني: لم يأمر الله عز وجل أن نعبد اليوم بالتقوى، لكن هذا اتقاء ما يُخشَى أيش؟ ما يُخشَى منه.
ويقال: اتقِّ شَرَّ مَن أحسنت إليه، هل تقوى عبادة؟ لا، يعني: احذر، واخش، وليست هذه تقوى عبادة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، عرفنا ولاية الله وولاية رسوله، فما معنى حرب الله وحرب رسوله؟
الشيخ: نعم، الحرب معناها: إعلان المخالفة.
طالب: واحدة أم الثنتين اللي في بعض من الله ورسوله.
الشيخ: يعني: إعلان المخالفة للرسول نوع من المحاربة.
طالب: يا شيخ، كيف يكون حارب الله ورسوله، الله يهزمه، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام أليس حارب الكفار وهزمهم؟
الطالب: بلى، وبعد موته؟
الشيخ: وبعد موته سُنَّته.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بعض الناس يكون معه شريك في العمل أو ما شابه ذلك يكون كافر، ونسميه صديق عمل، فهل هذا من اتخاذ للولاية له؟
الشيخ: تكلمنا على كلمة صديق ورفيق، ولّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: تكلمنا عليها، أتذكرونها؟
الطالب: بلى.
الشيخ: تكلمنا عليها، وبعضكم فسَّر، وقال: صديق تقال للجنس من البشر، والرفيق لجنس آخر، ما أدري، كأنها في مجلس آخر، كأنها في غير مجلسكم، ما أدري، لكن بالتأكيد أننا تكلمنا عليها، وقالوا: الصديق (...).
ومعلوم أن الذين لم يظاهروا علينا ولم يقاتلونا ليسوا كالمحاربين لنا، فهم يقولون: نحن نجامل معهم في العبارة، ولكن لا نقصد أن معنى كونهم أصدقاء أننا نصدُقُهم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عبارة: اتق شر ما أحسنت إليه، صحيحة؟
الشيخ: لا ما هي بصحيحة، حديث يعني؟
طالب: أقصد معناها.
الشيخ: والله في بعض الأحيان نعم، إذا أحسنت إليه ربما يقول: هذا خائف مني، ثم يتوطّاك.
طالب: بالنسبة لمن له أقارب كفار، هل يؤمر بمدافعة الحب الطبيعي، يعني إذا كان أبوه أو ابنه أو أخوه..؟
الشيخ: لا، من له أقارب كفار فإن الحب الطبيعي لا يؤثر على دينه؛ لأن هذا أمر لا بد منه، ولا يمكن الفرار منه.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، لماذا مما علمنا من التجربة يا شيخ أن كل إنسان يريد إعزاز نفسه بأي وسيلة من الدين ولّا من خلف الدين أن المولى صرف قلوب العباد عنه، عن محبته هو، وإن ما يحبه إلا لأنه خائف منه، ومنا من راقب الله سبحانه وتعالى، وخاضع نفسه للأمور الشرعية، عز هو بحب الناس، وعزه الله بشيء بيِّن نخافه يا شيخ، هذه لو الناس اتبعوها المصلحة الدينية ما ضاع لهم من الأمور شيء..
الشيخ: صحيح.
الطالب: ولا كان الناس ضيَّعوا أمر الله وضيَّعوا الإسلام.
الشيخ: هذا صحيح، يُذْكَر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: كنا أذِلَّاء فأعزَّنا الله بالإسلام، فمتى طلبنا العزة بغيره أذلَّنا الله .
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: هُزُوًابألسنتهم، ولَعِبًا..
الشيخ: فيما يعتقدونه.
الطالب: هذا هو الفرق بين الهزو واللعب؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، هل يؤخذ من الآية أن من أدوات حزب الشيطان محاربة حزب الرحمن (...)؟
الشيخ: من علاماتهم، ما فيه شك من علامة حزب الشيطان أن يكون حربًا لحزب الرحمن.
الطالب: اعتماده على الهزو واللعب في محاربة حزب الرحمن.
الشيخ: لا، ذكرنا المقصود بذلك: الإغراء، وإثارة الهمم، والغيرة على البعد عن هؤلاء.
طالب: بارك الله فيكم، ما زالت المسألة لم تثبت، ما وضحت لي؛ مسألة التولِّي، نحن فسرناها فيما أذكر بأنها النصرة.
الشيخ: نعم، المناصرة.
طالب: نعم، المناصرة، فهل هذه المناصرة يجب أن تُقْرَن بالمحبة، أو أنها المناصرة ولو بدون محبة، فإن كان أحد الأمرين فماذا يُحمل فعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما والى خزاعة بحلفه في الحديبية، وجزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: ويش الإشكال؟
طالب: نعم، حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام عاهدهم على النصرة منهم ومنهم؟
الشيخ: لا، هو جعلهم حلفاء يساعدونه ويساعدهم، لكن ما يلزم من هذا المحبة، هو يريد أن ينتصر بهم، وهذا مما يدل على أنه يجوز للمسلمين أن يستعينوا بالنصارى إذا دعت الحاجة.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا.
فما هي الفائدة من قوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا؟
طالب: الإغراء والتحذير للمؤمنين بعدم اتخاذهم أولياء.
الشيخ: إغراء المسلمين بالبعد عنهم وعدم اتخاذهم أولياء؛ لأنهم يستهزئون بدينهم.
الْكُفَّارَفيها قراءتان.
طالب: النصب والجر.
الشيخ: وجِّهْهُما.
طالب: {الْكُفَّارِ} (...) فيه عطف على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، والمراد أن اتخاذ الكفار أولياء.
الشيخ: المهم هذا توجيهها، وعلى النصب؟
طالب: على (...) الأول، لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا..
الشيخ: على الموصول الأول، توجيههما: على قراءة الجر معطوفة على الموصول الثاني، وعلى قراءة النصب معطوفة على الموصول الأول.
قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، ماذا يفيد قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟
طالب: الحث على الإيمان، حتى يحملهم إيمانهم على تقوى الله.
الشيخ: يعني كالتحدي لهم، يعني: إن كانوا مؤمنين حقيقة فليتقوا الله.
أحيانًا يكون الشرط ليس قيدًا فيما سبق، مثل؟
طالب: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: ٩]
الشيخ: أحسنت، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
ما وجه كونها ليست قيدًا فيما سبق؟
طالب: لأنها (...).
الشيخ: لو قلنا بذلك لكان الحضور إلى الصلاة خير إن كنا نعلم، وإن كنا لا نعلم فليست بخير.
***
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِمبيِّنًا حال هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وكذلك الكفار.
إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِأي: دعوتم الناس إليها بالصفة المعروفة، ولما قَدِم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة، وصار للأمة دولة إسلامية، ومجتمع كبير، تشاوروا فيما بينهم كيف يجمعون الناس إلى الصلاة؟
فمنهم من اقترح أن توقَد نيران إذا دخل الوقت يُعلَم بها دخول الوقت، ورُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من عادة المجوس، ولأن هذه النيران في النهار لا تفيد شيئًا.
اقتُرِحَ ناقوس، فرُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من علامة صلاة النصارى.
اقتُرِح بوق يُنْفَخ، ويكون له صوت، رُدَّ هذا الاقتراح، لماذا؟ لأنه من شعار دين اليهود.
ويَسَّرَ الله عز وجل أن أحد الصحابة وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه رأى في المنام رجلًا معه ناقوس، أو بوق، فقال له: أتبيع هذا؟ قال: لأي شيء؟ قال: لأُعْلِن به للصلاة. فقال: ألا أدلك على خير من هذا؟ ثم أسْمَعَه الأذان، أسمعه الأذان كله، فلما أصبح غَدَا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبره، فقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ»، وأقرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمر عبد الله بن زيد أن يُلقِيَه إلى بلال، وعلَّلَ ذلك فقال: «إِنَّهُ كَانَ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» .
ولم يقل: أَلْقِهِ، ويسكت؛ لأنه لو سكت لكان في قلب عبد الله بن زيد شيء؛ إذ إنه هو الذي رآه، فكان أولى الناس بالقيام به، لكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يبين حكمة الشيء حتى يطمئن القلب، فبَيَّن أنه أندى صوتًا منه، فنادى به.
ونعم النداء! تعظيم لله عز وجل، شهادة له بالتوحيد، شهادة للرسول بالرسالة، دعوة للصلاح، دعوة للفلاح، ختام بالتعظيم، والتوحيد، أي دعوة أحسن من هذا؟ لا شيء، دعوة عظيمة، ولهذا يقول مجيب المؤذن: اللهم رب هذه الدعوة التامة .
حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعلها من شعار البلاد الإسلامية، فكان إذا نزل بقوم انتظر، فإذا أَذَّنُوا ترك قتالهم ؛ لأن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي لا يجوز للمسلمين أن يدعوها، ولا يجوز لغير المسلمين أن يهجم على بلد يؤذَّن فيه، وربما يكون هذا هو علامة كون الدار دار إسلام -أن يُعْلَى فيها الأذان- لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع الأذان كفَّ عنهم، وعلم أن بلادهم بلاد إسلام، ويكون هذا هو الفيصل في معنى دار الإسلام.
الآن إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِبماذا؟ بالأذان.
وقوله: إِلَى الصَّلَاةِكلمة عامة تشمل: الجمعة، والفرائض الخمس، وهل نقول: وغيرها؟
الجواب: لا، لا نقول: وغيرها، إذن هو عام أريد به الخاص، وهو ليس العام الذي خُصِّص؛ لأن العام الذي خُصِّص أريد عمومه أولًا، ثم ورد عليه التخصيص ثانيًا، والعام المراد به الخاص لم يُرَد عمومه أصلًا، أفهمتم؟ وعلى هذا فنقول: الصلاة هنا عام أريد به الخاص.
الاستسقاء لا يؤذَّن له مع أنه يُجتَمع له، العيدان لا يؤذن لهما مع أنه يُجتَمع لهما، الكسوف لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له، قيام الليل في رمضان لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له.
لكن الكسوف اختص بدعوة خاصة حتى لا يلحق بالفرائض التي تتكرر كل يوم، وذلك بأن يقال: الصلاة جامعة؛ لأنه يأتي بغتة والناس غافلون.
إذن إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِست صلوات، صح؟ الصلوات الخمس، والجمعة.
اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا، أي: جعلوا يسخرون ويستهزئون.
وهُزُوًانسيت أن أنبه أن فيها ثلاث قراءات: هُزُوًابضم الزاي إذا كانت بالواو، {هُزْءًا} بسكون الزاي والهمز، {هُزُؤًا} بضم الزاي والهمز، وسبق معنا الفرق بين الهزو واللعب.
قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، ذَلِكَالمشار إليه قولهم، أو اتخاذهم؟ اتخاذهم إياها هزوًا ولعبًا.
بِأَنَّهُمْالباء للسببية، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ، أي: بسبب أنهم، قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، أي: ليس لهم عقول، أي عقول راشدة، لكن لهم عقول مدركة، والفرق بينهما: العقول المدركة هي العقول التي يترتب عليها التكليف، وهو الوصف الذي تجدونه في كتب الفقهاء، من شروط الصلاة مثلًا: التمييز، والعقل، هذا عقل إدراك.
لكن عقل الإرشاد هو الذي انتفى عن كل كافر، كل كافر فليس عاقلًا، عقل أيش؟ عقل إرشاد، ليس له عقل يرشده، عنده ذكاء، وعنده إدراك الأمور، ويعرف من الواقع ما لا يعرفه كثير من المسلمين لكنه ليس بعاقل، لماذا؟ لكفره بالله عز وجل، والعقل يهدي إلى الحق.
إذن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، أي: ليس عندهم عقل إرشاد، ولو عقلوا لعظَّمُوا هذه الصلاة العظيمة التي لا نعلم أن في دين الإسلام شيئًا أعظم منها، ما عدا التوحيد والرسالة؛ لأنها اختصت بخصائص عظيمة.
ولا يخفى على كثير منكم أنها فُرِضَت من الله عز وجل إلى رسوله بدون واسطة، ولم تُفرَض على الرسول وهو في الأرض، بل في أعلى مكان يصله البشر، وأيضًا لم تُفرَض عليه بهذا القدر الكمِّي، يعني: خمس صلوات، بل فُرِضَت خمسين صلاة، تستوعب كثيرًا من الوقت، إن لم يكن أكثر الوقت يقظة.
وهذا يدل على محبة الله تبارك وتعالى لها، ولما كان الله يحبها كانت قرة عين الرسول صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، اللهم صَلِّ وسلِّم عليه.
هذه الصلاة العظيمة هل يمكن لأي عاقل عقل إرشاد أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ أبدًا، بل يتخذها مقام التعظيم والاحترام؛ لأن الإنسان إذا جاء يصلي فمن يناجي؟ ومن يقف بين يديه؟ يقف بين يدي الله، ويناجي الله، ليس بينه وبينه أحد، يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فيقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي» .
ثم يأتي برياض، رياض من العبادات؛ قرآن، تكبير، تعظيم لله، انحناء لله، سجود لله، يعني روضة عظيمة من رياض العبادات، فكيف يمكن لعاقل أن يتخذها هزوًا ولعبًا، والله لو أن الإنسان منا قيل له: الآن عندك مقابلة مع الملك، ولَّا مع الرئيس، ماذا يكون؟ يتأهَّب، ويتجمَّل، ويتطيَّب، ويتخذ لذلك عُدَّة واستعدادًا، فكيف إذا كان يريد أن يقف بين يدي الله عز وجل، اللي هو أحب الأشياء إليه، سيكون لهذا تأثير عظيم لو كنا نعقل، لكن العقل عندنا قليل يا إخوان.
نحن نعرف أن الواحد نصف الاثنين، هذا عقلًا، لكن العقل اللي هو عقل إرشاد قليل، بل كثير من المسلمين اليوم -ونسأل الله أن يعفو عنا وعنهم- يأتون إلى الصلاة، ويقيمون الصلاة، جسمًا لا روحًا، ولا تتسلط عليه الشياطين بالهواجس إلا إذا دخل في الصلاة، ثم إذا سلَّم من الصلاة فكأنه سحاب استدبرته الريح، كل الهواجس هذه تروح، ولا يجد لها فائدة أيضًا.
فلذلك كان الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا لا شك أنهم قوم لا يعقلون، والذين يعظِّمونها، ويُنْزِلُونَها منزلتها هم أهل العقل والرشاد.
في هذه الآية الكريمة: بيان لشدة وقع الصلاة في أعدائنا الكفار؛ اليهود والنصارى، وجه ذلك أنه لما ذكر في الآية التي قبلها أنهم يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا خَصَّ الصلاة بعد هذا، وتخصيص الشيء من العموم يدل على العناية به، وعلى شرفه على العموم.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية النداء للصلاة؛ لقوله: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، وكما قلنا: إن النداء يعني بذلك الأذان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النداء للصلاة أمر معلوم بالضرورة من الدين؛ لقوله: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِفكأن هذا أمر أيش؟ معلوم مفروغ منه.
ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا كان النداء للصلاة مشروعًا كان عبادة يتقرب به المنادي إلى الله، أليس كذلك؟ وهو هكذا، فالأذان من أفضل الأعمال، حتى إن الله خَصَّ المؤذِّنين بِخَصِيصَة يوم القيامة ليست لغيرهم، «كَانُوا أَطْوَلَ النَّاسِ أَعْنَاقًا» ، رفع الله رؤوسهم بطول أعناقهم؛ لرفعهم ذِكْرَه بين العباد، فهم يختصون بهذه الْخَصِيصَة التي لا يشاركهم فيها غيرهم.
فإن قال قائل: ما تقولون: أهو الأفضل أم الإمامة؟
فالجواب: أنه أفضل من الإمامة؛ لأن النصوص الواردة فيه أكثر من النصوص الواردة في الإمامة من حيث الفضل.
فإن قال قائل: يرد عليكم إذا كان أفضل من الإمامة فلماذا لم يؤذِّن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يؤذن أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي؟
قلنا: لانشغالهم بما هو أهم، ونحن الآن لا نريد المفاضلة بين الأذان وغيره من سائر العبادات، بل بين الأذان وأيش؟ والإمامة، ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين لو ألزموا أنفسهم بالأذان لكانوا يبقون مراقبين للأوقات مدة طويلة، وفي ذلك الوقت ليست الساعة بجيب الإنسان يُخرِجها ويعرف أن الوقت حضر، من يرقب الشمس يعرف أنها الآن ستزول، أو لا تزول، أو زالت، أو لم تزل، فهم مشتغلون بما هو أهم من التفرغ للأذان.
فإن قال قائل: أفلا يمكنهم أن يوكلوا من يرقب الأوقات، فإذا دخلت جاؤوا؟
قلنا: هذا يُسقط عنهم عناءَ كثيرٍ من الأذان الذي ربما يكون الفضل من أجل هذا المعنى، فيفوت المقصود، فالحاصل أن القول الراجح من أقوال العلماء: أن الأذان أفضل من الإمامة لما سمعتم.
فإن قال قائل: غير المؤذنين أفلا يكون لهم حظ؟
قلنا: بلى لهم حظ، والحمد لله، وهو مشروعية متابعة المؤذن، يعني أنه شُرِعَ لنا أن نقول مثل ما يقول المؤذن، حتى لا يمتاز عنا بعمل ليس لنا منه حظ، وهذا من نعمة الله، ورحمته، وحكمته، أنه لم يُضِع غير المؤذنين من شيء من أجل الأذان، فنحن مأمورون بمتابعة المؤذن أن نقول مثل ما يقول، أيش؟ إلا في حي على الصلاة، حي على الفلاح، ما نقول هذا، لو قلنا مثله لكنا ندعوه، هو الآن يدعونا حي على الصلاة، فإذا قلنا: حي على الصلاة، تعارض النداءان.
لكننا نقول: إذا قال حي على الصلاة، نقول ما يدل على أننا نقول: سمعًا وطاعة، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكأننا قلنا: سمعًا وطاعة، ولكنا نسأل الله أن يعيننا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
فإن قال قائل: إذا ثبت أن الأذان عبادة، فما تقولون في بعض الناس الذين ثبَّطهم الهوى، وصاروا يجعلون مسجلًا عند مكبِّر الصوت، فإذا جاء وقت الأذان فتحوا المكبِّر؟
نقول: هذا خطأ، وغلط عظيم، وتفويت خير على الأمة، وهذا ليس مؤذنًا، لكنه حاكٍ لصوت مؤذن سابق، ولذلك يؤذِّن، أو يجعل المسجِّل بصوت إنسان قد مات، فليس هذا عبادة.
وفي رأيي أنه لا يحصل به أداء الفريضة، إذا لم يكن مؤذن آخر يُسمَع في هذا المكان، لماذا؟ لأن هذا مجرد صوت، ليس رجلًا متعبِّدًا يقوم لله عز وجل بهذا الأذان، فهو مجرد صوت، كما لو جعلنا جرس ساعة إذا سُمِع معناه دخل الوقت.
وهذه نقطة ينبغي لنا أن نعرفها، أن الدين الإسلامي عبادة، ذو جسد وروح، ليس مجرد طقوس تُسمَع، أو حركات تُفعَل، بل هو عبادة، فالأذان عبادة، إذن يجب أن يكون عبادة.
ولو أراد أن يقيس قائس على هذا، وقال: ننقل بالشريط صلاة إمام حسن القراءة، حسن الصوت، ونجعل الشريط أمام المصلين، ونخليه يصلي بهم، يصلح أو ما يصلح؟
بالاتفاق ما يصلح، ولا إشكال، مع أنه سيقول: الله أكبر، تكبيرة الإحرام، على أحسن ما يكون، القراءة على أحسن ما يكون، وبيركع الله أكبر للركوع، ويرفع صوته قليلًا سبحان ربي العظيم، لأجل ما يشتبه؛ لأنه ما يُرَى، لكن يقول: بدل ما إنه لا يرونني أرفع صوتي بالتعظيم سبحان ربي العظيم، وهكذا، لا أحد يقول: هذا يجزئ، فالأذان مثله حذو القُذَّة بالقُذَّة؛ لأننا لا نريد مجرد صوت نعلم به دخول الوقت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الصلاة، حيث ينادَى لها، وحتى يعلم الناس دخول وقتها، فيصلوا ويحضروا إن كانوا ممن يجب عليهم الحضور للجماعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القيام للصلاة دليل على أيش؟ على كمال العقل، وأن من لم يهتم بها فإن ذلك دليل على نقص عقله؛ لقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ، فتكون إقامة الصلاة من تمام العقول، والتهاون بها من نقص العقول، كما أنه نقص دين.
***
ثم قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: قل لهم، ناظِرهم، جادِلهم.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ، والمراد: اليهود والنصارى.
هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، هَلْ تَنْقِمُونَ(هل) هنا استفهامية، والمراد بها أيش؟ النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي.
هَلْ تَنْقِمُونَ، أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى لأصحاب الأخدود: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٨].
هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، بماذا تعيبوننا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب؟ لا، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هو عيب؟ لا، ليس بعيب، فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا هو عيب، بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال، وهو الإيمان بالله، وما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم.
ولا بأس أن نقول: تأكيد المدح بما يشبه الذم له صورتان:
الصورة الأولى: نفي وإثبات، تُنْفَى صفة الذم، ويؤتى بعدها بصفة مدح مُثبَتَة، أفهمتم؟
طالب: مثاله يا شيخ؟
الشيخ: ارجع، هذا المثال اللي معنا، الآية، لكن هي أولًا تُنْفَى صفة العيب، ويؤتى بعدها بإثبات صفة كمال، فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، اسمع إلى قول الشاعر:
| وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ نَزِيلَهُمْ | يُعَابُ بِنِسْيَانِ الْأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ |
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، يعني أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن، هذا عيب ولّا مدح؟
طلبة: مدح.
الشيخ: لكن أول ما تسمع: ولا عيب فيهم غير أن، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر:
| وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ | بِهِنَّ فُــــــــــــــــــــــــــــــلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ |
الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: بالشجاعة، هذا ما فيهم عيوب، لكن ينزل عليهم ضيف ينسى كل شيء؛ لإكرامهم الضيف، واحتفائهم به.
وكذلك الآخر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جُبْن، وليس فيهم عيب، إلا أن سيوفهم قد تثَلَّمت من قرع الكتائب؛ لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم.
ثانيًا: أن يُؤتَى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، فهمتم؟ يؤتى بصفة مدح ثم يؤتى بعدها بصفة ذم بأداة استثناء، تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، ويش يكون هذا، مدح ولّا ذم؟ عالم إلا أنه ويش بتتوقع؟ صفة ذم، فإذا به يقال: إلا أنه شجاع، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
لننظر الآية: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، هذا مدح، إذن الخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا.
إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَاوهو القرآن، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُوهو التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والزبور، وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقَم من الإنسان؟ لا، ما يمكن يُنْقَم.
لكن هؤلاء نَنْقِم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أُنْزِل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أُنْزِل إليهم أيضًا، أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أُنْزِل إلينا، وحقيقة أنهم لا يؤمنون بما أُنْزِل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أُنْزِل إليهم لآمنوا بما أُنْزِل إلينا؛ إذ إن ما أُنْزِل إلينا مُصدِّق لما أُنْزِل إليهم، لكن هم لا، يكذِّبون هذا وهذا.
قال: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْمعطوفة على أيش؟ هل هي معطوفة على إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟
يعني: إلا أن، أو على لفظ الجلالة؟
فيها وجهان، لكن الصواب الذي قد يكون متعيَّنًا أنها معطوفة على بِاللَّهِ، يعني: إلا أن آمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله بالكفر.
قد يقول قائل: إذا حملتها على هذا المعنى فهم ينقِمون؛ لأنهم لا يريدون أن أكثرهم فاسق، فينقمون منا أن نؤمن بأن أكثرهم فاسق؟
فيُقال: هذا لا نستحق أن ينقِمُوا منا به؛ لأننا لم نقل: وأنكم فاسقون، بل نقول: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، وهذا هو العدل؛ لأن منهم من كان مؤمنًا، وآمن فعلًا مثل: النجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلَام من اليهود، لكن أكثرهم فاسقون، فهذا عدل، كأنه قال: ما تنقمون منا إلا أن قمنا بما يجب لله، وما يجب في عباد الله، ما الذي يجب لله؟
الإيمان به، وبما أَنْزَل، وما يجب لعباد الله العدل؛ أن نعطي كل إنسان ما يستحق، فأكثر هؤلاء فاسق بلا شك، ونحن نؤمن بهذا، ونؤمن بأن من اليهود من آمن وحسُن إيمانه، ومن النصارى من آمن وحسُن إيمانه، وهذا هو العدل، لم نحكم على الأمة بفعل أكثرها، بل أعطينا كل إنسان ما يستحق.
طالب: شيخ بارك الله فيك، الصورة الثانية يا شيخ من صور تشبيه المدح بما يشبه الذم؟
الشيخ: أنت طالب علم، أليس كذلك؟ إذا قلنا: فلان طالب علم غير أنه مجتهد في العبادة، هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنك إن قلت: فلان طالب علم غير، يتوقع المخاطب أن تأتي صفة ذم، لكنك أنت أعقبتها بصفة مدح.
طالب: شيخ، قولنا: إنه شُرِعَ لمن يسمع المؤذن أن يتابعه، بأنه لم يُحْرَم من الأجر، معنى ذلك أنه يحصل على الأجر الذي يحصل عليه المؤذن؟
الشيخ: لا، ما يحصل، لكن يشارك المؤذن في بعض الثواب، ونظير ذلك من بعض الوجوه أنه شُرِع لمن لم يحج أن يضحِّي، حتى يشارك الحجاج في شيء من أفعالهم كذبح القربان.
وشُرِعَ له أيضًا أن يتجنب الأخذ من الشعور، والأظافر، والجلد، كل هذا لأجل أن يعرف الناس حقوق الله عز وجل.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، مر معنا بالأمس في تفسير قوله تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٦] التأكيد على عدم مشروعية التعددية الحزبية بين المسلمين، يظهر الآن -بارك الله فيك يا شيخ- في كثير من المجلات الإسلامية مقالات لما يسمى بأهل الفكر المسلمين تنص على ما يلي:
أولًا: أنه يجوز التعدد الحزبي؛ لأن هناك تعددًا مذهبيًّا مقبولًا عند المسلمين، هذه واحدة.
الثانية: قال بعضهم بالحرف: إن الخوارج يمثِّلون أول تعددية حزبية مقبولة في ظل الدولة الإسلامية، فما توجيهكم؟
الشيخ: أما أولًا فيقال: إن تعدد المذاهب، ما هي إلا تعدد أقوال فقط، لكن لا يتحزبون، وإن كان وُجِد من المتعصبين من المذاهب ما يقتضي أن يكون تحزبًا، لكنهم مستحقون للذم، وإلا وُجِد في العصور الوسطى تعصب، حتى إن بعض الحنابلة يضربون الشافعية، والشافعية يضربون الحنابلة، لكن هذا منكَر بلا شك، هذه واحدة.
أما مسألة الخوارج فالخوارج يقاتِلون على أنهم مسلمون، ومع ذلك فإن كثيرًا من علماء السلف أخرجهم من الإسلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» .
أما مسألة الفكر وما الفكر هذه، فالفكر إن كان مخالفًا لما جاء به الإسلام فهو فكر باطل مردود على صاحبه، وهذا مثل قول الكفار: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢]، وإن كان فكرًا صوابًا فلا بد أن يكون في الإسلام، ولا يقتضي التحزبية.
طالب: في الأذان الذي ورد فيه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم يكونون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة ، هل هذا فيمن يداوم دائمًا على الأذان، أو أنه فيمن أذَّن في بعض الأحيان (...)؟
الشيخ: الظاهر أنه المؤذِّنون الذين دائمًا يؤذِّنون، يعني من يسمى مؤذِّن، وإلا لقال الرسول: من أذَّن كان أطول الناس.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، انتشر بين الناس اليوم قول: لا إله إلا الله، بعد الإقامة، وصاروا يجعلون هذا سُنَّة، يعني شاع في كثير من المساجد حتى إنهم يضجون بها ضجًّا يعني يستغرق المسامع؟
الشيخ: هذا بارك الله فيك مبني على صحة الحديث، وهو متابعة المقيم، والصحيح أن الحديث ضعيف، وأن متابعة المقيم ليست بسُنَّة، ومنها أيضًا أن يقال: أقامها الله وأدامها، فلا يقال: أقامها الله وأدامها، ولا يقال: لا إله إلا الله، في آخرها، ولا يقال بعد ذلك: اللهم رب هذه الدعوة التامة.
الطالب: شيخ، هم ما يردِّدون أصلًا، كثير منهم سُئِل هل تردد مع المؤذن، قال: لا.
الشيخ: صحيح هذا من جهلهم.
الطالب: طيب يُنْكَر وبدعة هل تُنْكَر؟
الشيخ: يبين هذا غلط، وليس من المشروع.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، من المعلوم أن غير سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تُقبَل في الإسلام؟
الشيخ: صحيح.
الطالب: ولكن الناس اليوم من يدَّعون الأحزاب يصوِّبون رأيهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ، سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي متعددة، سنة واحدة، ملة واحدة، كيف يا شيخ، يسيغ في قلوبهم هذا؟
الشيخ: قل: اللهم اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطك المستقيم، اللهم أَرِنَا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه.
طالب: شيخ، ذكرنا أن القول الراجح أن الأذان أفضل من الإمامة، هل هذا من حيث الأجر أو المرتبة؟
الشيخ: لا، من حيث الأجر، ومن حيث المرتبة أيضًا، الإمام صحيح أنه متبوع، لكن المؤذن يلحق مشقَّات عظيمة، وفي الزمن السابق يصعد المنارة الطويلة خمس مرات في اليوم والليلة، ثم المؤذن مشكِل إذا تأخر أيش؟ فضح نفسه، كلٌّ يعرف أنه ما حضر، والإمام ليس كذلك.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًاأخذنا فوائدها.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِالاستفهام هنا بمعنى؟
طالب: المدح.
الشيخ: بمعنى المدح، يعني: ما تنقمون منا إلا كذا.
ومثل هذا الأسلوب يسمى؟
طالب: تأكيد المدح بما يشبه الذم.
الشيخ: تأكيد المدح بما يشبه الذم، ذكرنا أن له صورتين؟
طالب: الصورة الأولى أن يأتي بصفة ذم..
الشيخ: منفية.
الطالب: أن يأتي بصفة ذم ثم يأتي بعدها بصفة مدح..
الشيخ: مُثْبَتَة.
الطالب: كقول الشاعر:
| وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ نَزِيلَهُمْ | يُعَابُ بِنِسْيَانِ الْأَحِبَّةِ وَالْوَطَـــــــــــــــــــــــــــنْ |
الشيخ: نعم، والصورة الثانية؟
طالب: يأتي بصفة مدح ثم يستثني بعدها صفة ذم.
الشيخ: صفة ذم؟
الطالب: نعم، يأتي بصفة مدح ثم يأتي بعدها بصفة ذم، مثلًا أن تقول: هذا رجل عالم إلا أنه مجاهد.
الشيخ: إلا أنه جاهل؟
الطالب: مجاهد.
الشيخ: كل هذا صفة مدح، يعني أن يؤتى بصفة مدح مُثْبَتَة، ثم باستثناء صفة مدح أخرى، كذا؟ طيب، فلان عالم إلا أنه شجاع، هذا مدح ولّا ذم؟
طالب: مدح.
الشيخ: تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنك إذا قلت: فلان عالم إلا، يتوقع السامع أنك ستأتي بصفة ذم.
قوله: إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ، ما المراد: بـ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ؟
طالب: التوراة، والإنجيل.
الشيخ: التوراة، والإنجيل فقط؟
الطالب: والزبور.
الشيخ: والزبور، ثلاثة.
الطالب: صحف إبراهيم وموسى.
الشيخ: وغيره؟
طالب: يتناول كل ما (...).
الشيخ: يتناول كل كتاب أنزله الله على كل رسول: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥].
قوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَويش معنى الآية؟
طالب: (...).
الشيخ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، هل هي معطوفة على أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟
طالب: على لفظ الجلالة، آمنا بأن أكثركم فاسقون.
الشيخ: إي، ما فيها قول ثانٍ؟
طالب: فيه قول ثانٍ: أنها معطوفة على أَنْ آمَنَّا.
الشيخ: والمعنى؟
طالب: آمنا ولكنكم فاسقون.
الشيخ: إلا أن آمنا بالله وأن أكثركم فاسقون، كذا؟ يعني: وإلا أن أكثركم فاسقون، وهل هذا محل انتقاد وعيب وكراهة؟
طالب: لا، ليس محل عيب، بل إنكار عليهم، كيف تنقمون منا هذا، وهذا ليس محل عيب، ولا كراهة، الإيمان بالله ليس محل عيب، وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَأيضًا هذا ذنبكم (...).
الشيخ: نعم؛ لأنكم مخالفون لهذا، وفي قوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْاحتراز منين؟
طالب: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْفيه ناس غير فاسقة.
الشيخ: نعم، مثل من؟ مثِّل بواحد من النصارى، وواحد من اليهود؟
الطالب: النصارى والذين هادوا اليهود.
الشيخ: لا، مثِّل بشخص معين، اذكر لي شخصًا معينًا من النصارى آمَن؟
طالب: النجاشي.
الشيخ: النجاشي، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: ومن اليهود؟
الطالب: عبد الله بن سلَام.
الشيخ: عبد الله بن سلَام، بارك الله فيك.
***
من فوائد هذه الآية الكريمة: تحدي أولئك الذين ينقمون من أهل الخير خيرَهم؛ لقوله: هَلْ تَنْقِمُونَإِلَّا، وهذا ليس بمحل نَقْمٍ أو كراهة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الأمة لها فضل ومزية على الأمم السابقة؛ لأنها تؤمن بالله، وما أُنْزِل إليها، وما أُنْزِل من قبل، وهذا لا يوجَد في الأمم الآخرين، لا يوجد إلا في هذه الأمة، ولهذا قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، ولا يمكن أن نكون شهداء على الناس إلا إذا كانوا سبقونا حتى نعلم ما حصل لهم.
إذن فيستفاد من هذا: فضيلة هذه الأمة؛ لكونها تؤمن بالله، وما أُنْزِل إليها، وما أُنْزِل من قبل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صريحًا فلا يداهن؛ لقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، وهذه المقابلة الصريحة بوصفهم بالفسق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: الاحتراز الذي يراعَى به العدل؛ لقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، ولم يقل: وأنكم فاسقون؛ لأنه لو كنا نؤمن بأنهم فاسقون كلهم لكان هذا محل نقد، لكننا لا نقول إلا أن أكثرهم فاسقون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يراد به الكفر، وهذا واضح حتى في القرآن، في غير هذه الآية ما يدل على أن الفسق يُراد به الكفر، ويراد به الخروج عن الطاعة مما دون الكفر، فقوله تبارك وتعالى في سورة السجدة لما قال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْأَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة: ١٦-١٨] المراد بالفاسق هنا: الكافر؛ لقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ٢٠]، والذي يكذِّب بالنار فسقه كفر؛ لتكذيبه خبر الله عز وجل.
الفسق الذي لا يُخرج من الملة مثل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦].
إذن المراد بهذه الآية وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، المراد: فسق الكفر؛ لأنهم كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم قال الله عز وجل: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، قُلْيعني: يا محمد، هَلْ أُنَبِّئُكُمْيا أهل الكتاب، أي: أخبركم بالأمر العظيم؛ لأن النبأ إنما يُراد به الشيء الهام العظيم، كما قال تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [ص: ٦٧]، وقال تعالى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢]، بخلاف الخبر، الخبر قد يكون في أمور تافهة، لكن النبأ لا يكون إلا في أمور هامة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأن أحد اشتقاقاته من النَّبْوة، والنَّبْوة بمعنى الارتفاع.
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ، المشار إليه صلاة المسلمين، التي اتخذها هؤلاء هزوًا ولعبًا، وقالوا: ما هذا العمل؟ ما هذا اللعب؟ يستهزئون، ومعلوم أن الاستهزاء بالعمل يستلزم الاستهزاء بالعامل.
فقال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ، مَثُوبَةًأي: عاقبة، وهي منصوبة على التمييز؛ لأنها مفسِّرة لما انبهم من التفضيل في قوله: بِشَرٍّ؛ لأن أصل الشر (أشر) اسم تفضيل، والاسم المنصوب بعد اسم التفضيل المفسِّر له يسمى عندهم تمييزًا، مثل أن تقول: محمد أكثر منك علمًا، فـ (علمًا) هنا تمييز؛ لأنه مفسِّر للمبهَم من اسم التفضيل.
إذن مَثُوبَةًنعربها على أنها أيش؟ على أنها تمييز، والمثوبة بمعنى: العاقبة؛ لأنها من (ثاب، يثوب) إذا رجع، فهي بمعنى العاقبة والمآل.
عِنْدَ اللَّهِوهذا هو المهم، المهم المنزلة عند الله عز وجل، لا عند الخلق، إذا كانت منزلتك عالية عند الله وخير فهذا هو المهم، وهذا هو المطلوب.
واعلم أنه متى كنت في منزلة عالية عند الله فسوف تكون في منزلة عالية عند الخلق، والعكس بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» .
بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، (من) هذه اسم موصول، وهي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو من لعنه الله، هذا شر المثوبة عند الله من حصلت عليه هذه النكبات العظيمة.
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُأي: طرده وأبعده عن رحمته، وهم اليهود والنصارى، لعنهم الله، قال الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [المائدة: ٧٨]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» ، فهم ملعونون، مطرودون من رحمة الله كما لُعِنَ إبليس، لكن هم يُرْجَى أن يؤمنوا، أما إبليس فلن يؤمن، هذا هو الفرق، وإلا هم ملعونون مطرودون عن رحمة الله عز وجل.
الثاني: وَغَضِبَ عَلَيْهِ [المائدة: ٦٠] والغضب -غضب الرب عز وجل- أشد من لعنته؛ لأن الطرد والإبعاد عن الرحمة قد يصحبه غضب، وقد لا يصحبه، يكون المقصود حرمان هذا الإنسان من الجنة وإن لم يكن غضب، فالغضب أشد، ويدل على أن الغضب أشد قوله تبارك وتعالى في آيات اللعان، اللعان سببه؟
طالب: اللعان سببه أن يرمي الرجل زوجته بالزنا.
الشيخ: أحسنت، سببه أن الرجل يرمي زوجته بالزنا، وأنتم تعلمون أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بزنا إلا وهو صادق؛ لأن هذا يُدَنِّس فراشه، ومن ثَمَّ صارت الشهادات قائمة مقام الشهود، غير الزوج لو رمى امرأته بالزنا، قلنا: إما أن تقيم أربعة شهود، وإلا حَدٌّ في ظهرك، الزوج ما يحتاج نقول له كذلك، نقول: لاعِن، إذا لم تقر الزوجة فلاعن، يُؤتَى بالرجل ويقول: اشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت، فيقول، يشهد، في الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه، والضمير هنا يجب أن يكون ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج، لكن هذا من باب تحاشي الإضافة إلى ضمير المتكلم؛ لأن اللعنة ما هي على المتكلم، اللعنة على من؟ على الزوج..





