إذا لم تقر لاعن، إذا لم تقر الزوجة فلاعن، يؤتى بالرجل ويقول: اشهد أربع مرات
أن الزوجة هذه قد زنت، فيقول، يشهد، في الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليها، والضمير
هنا يجب أن يكون هنا ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج، لكن هذا من باب تحاشي
الإضافة إلى ضمير المتكلم، لأن اللعنة ما هي على المتكلم، اللعنة على من؟ على
الزوج، ولهذا يقول هو: علي، فيشهد خمس مرات أن زوجته زنت، وفي الخامسة يقول أيش؟
وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، هي تشهد برد كلام الزوج أربع مرات أنه كاذب
وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ومعلوم أن كذبها -على الزوجة-
أشد من كذب الزوج؛ لأن الزوج أقرب منها إلى الصدق، وهي ربما تفعل هذا، يعني تشهد
على أنه كاذب لدرء السمعة السيئة عنها وعن قومها، لكن الزوج لا يمكن أن يراعي هذا،
ولهذا كان الغضب في جانبها واللعنة في جانب الزوج، وبه عرفنا أن الغضب أشد من
اللعنة.
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِإذن اليهود مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق أيش؟ ولم يعملوا به، النصارى الآية هذه
تدل على أن النصارى مغضوب عليهم؛ لأن الخطاب مع من؟ مع أهل الكتاب، ولا شك أن
النصارى بعد تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مغضوب عليهم، ولا فرق بينهم
وبين اليهود، بل هم أخبث من اليهود بالنسبة للمسلمين، والحروب الصليبية إذا قرأها
الإنسان عرف شدة عداوة النصارى للمسلمين، وهم الآن ردء لليهود في وقتنا الحاضر
يناصرون اليهود ويدافعون عنهم، ولا تفتيش على أسلحتهم ولا إنكار على فعائلهم، وهذا
شيء لا يخفى على العميان فضلًا عن المبصرين. إذن غَضِبَ عَلَيْهِينطبق في هذه الآية على من؟ على اليهود والنصارى؛ لأن اليهود بعد
بعثة الرسول علموا الحق والنصارى بعد بعثة الرسول علموا الحق وأنكروه، فيكونون
جميعًا تحت هذه المظلة؛ مظلة الغضب.
وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ: جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَوسبب جعل القردة
هو أنهم تحيلوا على صيد الحيتان المحرم عليهم صيده في يوم السبت، فتحيلوا عليه
ليلتقطوه يوم الأحد، يقول العلماء: يضعون شباكًا في يوم الجمعة، ويوم السبت -سبحان
الله- ابتلاهم الله عز وجل بأن تأتي الحيتان شرعًا على الماء طافحة من كثرتها، لكن
لا يجوز أن يصطادوا؛ لأنه محرم عليهم، فكأنهم عجزوا عن تحمل هذا الحكم، ماذا فعلوا؟
تحيلوا، وضع الشباك يوم الجمعة تأتي الحيتان يوم السبت في ها الشبك، فإذا كان يوم
الأحد أخذوها، الفعل ظاهره الإباحة؛ لأنهم لم يصطادوا يوم السبت، اصطادوا يوم
الأحد، فلما كانت هذه الفعلة المحرمة شبيهة بالحلال مسخهم الله عز وجل قردة؛ لأنه
شبيه بالإنسان، شوف الجزاء من جنس العمل، صاروا قردة، القردة هنا هل هم صاروا قردة
معنًى أو حسًّا؟ حسًّا، صاروا قردة حسًّا، هذا الذي عليه جمهور المفسرين، وهو ظاهر
القرآن، وإن كان بعض المعاصرين ذهب إلى أنهم كانوا قردة معنًى، أي صاروا مثل
القرود، ليس عندهم أفكار بني آدم ولا عقول بني آدم، لكن يقال: الأصل هو أيش؟
الحقيقة، الأصل هو الحقيقة، والله على كل شيء قدير، الذي خلق الإنسان على هذا الوصف
قادر على أن يقلبه على وصف آخر، ولهذا قال: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] فصاروا قردة، لكن هل بقوا؟
الجواب: لا؛ لأن
المقصود من كونهم قردة أن يكونوا عبرة ونكالًا، ولا يلزم من هذا أن تتسلسل الذرية،
ولذلك قال أهل العلم: إنه لا نسل لمن مسخوا حيوانًا من أجل العقوبة، لا نسل لهم، من
مات خلاص (...).
الْخَنَازِيرَأين هذا؟ هل في
القرآن أن بني إسرائيل صاروا خنازير.
طالب:
(...).
الشيخ: لا، غير الآية؟ نعم، نقول: هذه الآية جعل
منهم خنازير، أما أن نعلم كيف كانوا أو بأي سبب ما هو لازم، إذا حكى الله عنهم أنهم
صاروا خنازير فهم خنازير، ولعل -والله أعلم، ولا نقول على الله ما لا نعلم- لعل
هؤلاء الذين قلبوا خنازير، لعل حيلهم كانت على الزنا؛ لأن المعروف أن الخنازير ليس
لها غيرة إطلاقًا، الحيوان غير الخنزير يغار، ما أحد يجيء أنثاه إلا إذا كان
غائبًا، لكن الخنزير ينزل من أنثاه ويقول لصاحبه: اصعد، نعم، يقولون: ليس له غيرة،
وهذه من حكمة الله عز وجل أن حرم الخنزير؛ لأنه ليس له غيرة، فعلى كل حال إن صح هذا
فالله أعلم ما ندري، المهم الآن نؤمن بأن الله جعل من أهل الكتاب أيش؟ قردة
وخنازير.
يقول عز وجل: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ: عَبَدَ الطَّاغُوتَفيها قراءتان، الأولى: عَبَدَ الطَّاغُوتَعلى أن عَبَدَفعل ماض والطَّاغُوتَمفعول به، وعلى هذا فتكون معطوفة على صلة الموصول
وهو قوله: لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَأفهمتم؟ إذن عَبَدَفعل ماض فيها ضمير مستتر يعود على من؟ قوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُوالطَّاغُوتَ؟ مفعول به، يعني: عبدَ الطاغوتَ.
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَعبده عبادة بركوع وسجود
وطاعة فيما يأمر.
والمراد بالطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله بتعريف من أجمع
التعاريف؛ قال: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
كل إنسان
يتجاوز الحد في عبادة أحد غير الله فهذا المعبود طاغوت، كل إنسان يتجاوز الحد في
اتباع غير شريعة الله فقد اتخذه طاغوتًا، كل إنسان يتجاوز حده في طاعة سلطان أو
أمير فقد اتخذه طاغوتًا. إذن الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع
أو مطاع، ولهذا ما تجاوز به العبد حده؛ لأن أصل الطاغوت من الطغيان، أصل الطاغوت من
الطغيان.
فإن قال قائل: هذا المعبود كيف نسميه طاغوتًا؟ هذا المتبوع كيف نسميه
طاغوتًا؟ هذا المطاع كيف نسميه طاغوتًا؟ قلنا: الطاغوت هنا بمعنى الطغيان، والطغيان
ليس وصفًا للمفعول، ولكنه وصف للفاعل، للعابد الذي عبد غير الله، أو أطاع غير الله
في معصية الله، أو اتبع غير رسول الله في معصية الله عز وجل.
فيها قراءة
الثانية: {وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ} لكن تكون على هذه
القراءة (الطاغوت) بالجر على أن (عَبُدَ) اسم مفرد؛ كما يقال: السَّبْعُ
والسَّبُعُ، فيقال: العبْدُ وأيش؟ والعبُدُ، فهما لغتان: عبْد وعبُد، وعلى هذا، على
هذه القراءة نقول: {عَبُدَ الطَّاغُوتِ} وتكون معطوفة
على أيش؟ على الْقِرَدَةَ، يعني: وجعل منهم عبد
الطاغوت.
وأهل الكتاب عبد الطاغوت باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون
الله، فإن الله قال عنهم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١] قال عدي بن
حاتم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، لسنا نعبدهم، فبين لهم أن
طاعتهم في معصية الله هي عبادتهم .
قال الله تعالى: أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِالجملة هذه من أحسن ما يكون في تقرير أن هؤلاء شر من المسلمين في المكان، ولهذا لم
تأت جوابًا من الرسول، بل جاءت جوابًا من الله عز وجل، أول الآية: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَيقول القائل:
نعم نبئنا، فذكر الأوصاف، لكن الله قال: أُولَئِكَأي
الموصوفون بهذه الصفات اللعنة والغضب والمسخ والرابع عبادة الطاغوت هؤلاء شر
مكانًا، ممن؟ شر مكانًا من المؤمنين بالله الذين آمنوا بالله وآمنوا بما أنزل إليهم
وما أنزل من قبل شر مكانًا؛ وذلك لأن هؤلاء مكانهم النار والعياذ بالله، وأولئك
المؤمنون مأواهم الجنة.
فإن قال قائل: المعروف أن اسم التفضيل يشترك فيه المفضل
والمفضل عليه في أصل المعنى، فهل في الجنة شر؟ الجواب: لا، ليس فيها شر، لكن هذا
كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ
آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» شرها الآخر ما فيه شر «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا»
، وعكسه مثل قوله تعالى:
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس عندهم خير ولا
حسن المقيل، فمثل هذا التفضيل يقول علماء البلاغة: هو تفضيل ليس في الطرف الآخر منه
شيء، سواء كان في خير أو في شر.
قوله: أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًاهل المراد بالمكان ما يقابل الزمان أو المراد بالمكان المكانة
والمنزلة أو الأمران؟ الأمران، فهم مكانهم شر لأنه النار، ومكانتهم شر لأنهم
الأرذلون.
وَأَضَلُّهذه معطوفة على شَرٌّيعني وأولئك أضل عن سواء السبيل، (أضل) اسم تفضيل منين؟
الطالب: أضل (...).
الشيخ: من الضلال نعم، يعني أشد ضلالًا عن سواء السبيل، أي عن
الطريق المستوية المستقيمة، فهو يشبه إضافة الصفة إلى موصوفها، يعني أن السبيل
السواء، هؤلاء شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل.
وهل في المؤمنين ضلال؟ لا، لكن
نقول فيها مثل ما قلنا في شَرٌّ مَكَانًا. لا
ضلال.
وقد يقول قائل: لعل هذا من باب التنزل مع الخصم؛ لأن الخصم يدعي أن
المؤمنين شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل، فيقال: أنتم شر مكانًا وأنتم أضل عن سواء
السبيل، لكن ما قررناه أولًا واضح ما فيه إشكال أنه قد يأتي التفضيل بين شيئين ليس
في أحدهما شيء من المعنى.
طالب: (...).
الشيخ: صحيح.
الطالب: (...)
الشيخ: صدقت، ويشهد لصدقك قول الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] وما وقع للسلف الصالح حيث
قالوا: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف .
طالب: (...) أن قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧] (...)؟
الشيخ: هذا الحديث ضعيف، ثم لو صح لحمل على النصارى قبل بعثة
الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...).
الشيخ: من جهة؟
الطالب:
(...).
الشيخ: أما إذا قلنا: إن هذا أمر معنوي فقد
يصيبه هذا. قد ينتكس -والعياذ بالله- ولا ينتفع بحق، وإذا قلنا: إنه حسي فكذلك
أيضًا، أليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَمَا
يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ
رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ» أَوْ «يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» .
طالب: (...).
الشيخ: اقرأ آخر
الآية؟ وين هذه؟
الطالب: (...).
الشيخ: النصارى أيوه النصارى اللي في عهد الرسول عليه الصلاة
والسلام، أما نصارى الوقت الحاضر أبدًا، لو يسمعون السنّة من أولها إلى آخرها
والقرآن من أوله إلى آخره ما فاضت أعينهم من الدمع.
طالب: (...).
الشيخ: لا بأس أن يقول،
لكن أنا عندي أنه ما هو مناسب، خصوصًا في مقام الدعوة، تجيء لواحد من اليهود مثلًا
تقول: تعال يا أخ القردة والخنازير آمن بمحمد، ما يصير هذا، لكن على سبيل الخبر قد
يقال بالجواز، عبد الله بن رواحة لما جمعهم ليخرص عليهم النخل قال: إني جئتكم من أحب الناس إلي، وإنكم لأبغض إلي من عدتكم من القردة
والخنازير .
الطالب: (...).
الشيخ: قد يكون الآن
مقام المناظرة بينهم وبين المسلمين ولا شك أن غيرهم أضل منهم، ولهذا أباح الله لنا
من اليهود والنصارى ما لم يبح من غيرهم، أباح لنا نكاح نسائهم، وأباح لنا ذبائحهم
مما يدل على أنهم أرفع مرتبة من المشركين والمجوس.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، من ذلك،
أي من الصراط اللي اتخذوه.
الطالب: (...).
الشيخ: إنه أيش؟
الطالب:
(...).
الشيخ: لا، ما هو الظاهر، لكن فيها إشكال من جهة
التركيب، وهو قوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَكيف جعل مِنْهُمُبضمير الجمع مع أنه قال: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ.
الطالب:
(...).
الشيخ: نعم مَنْاسم
موصول يجوز في ضميرها.
الطالب: (...).
الشيخ: أن يرد على لفظ أو على المعنى، صحيح.
طالب: (...).
الشيخ: هم على خطر،
لكن إذا قلنا: إن القردة والخنازير أمر معنوي فلا إشكال، لكن إذا كان حسيًّا فيخشى
أن يقع بهم ذلك.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، وهابية نسبة إلى هذا المذهب، يظنون أن الشيخ محمد بن
عبد الوهاب رحمه الله أنه ابتدع مذهبًا جديدًا، وهو صحيح هو مذهب جديد بالنسبة لهم
ولشركهم، لكنه بالنسبة لأهل السنة أيش نقول؟ بالنسبة لأهل السنة ليس
مستقلًّا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هو تنقيص لهذا المذهب، لا ما يريدون تنقيص الله
أبدًا، يريدون تنقيص المذهب، لكن (...) ليس بغريب، الرسول وصفوه بأنه ساحر كذاب
مجنون شاعر، بل قال الله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢].
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦١ - ٦٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، في قول الله تبارك وتعالى: وَعَبَدَ الطَّاغُوتَأكثر من قراءة؟
طالب: قراءتان.
الشيخ: قراءتان.
الطالب: القراءة الأولى وَعَبَدَ الطَّاغُوتَعلى أن (عبدَ) في الماضي، والقراءة الثانية: {وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ}؛ لأن (عبد) اسم.
الشيخ: اسم، يعني (عبُد) بمعنى (عبُد وعبْد) كلاهما واحد؛ كسبُع.
الطالب: كسبع.
الشيخ: سُبع، لا.
طالب: (...).
الشيخ: كسبُعٍ وسبْعٍ، نعم.
الشيخ: على قراءة الفعل: عَبَدَ الطَّاغُوتَأين يكون هذا المعطوف على أي شيء؟
طالب: (...).
الشيخ: معطوف على لَعَنَهُ اللَّهُ. نعم يعني: من لعنه الله ومن عبد الطاغوت.
ذكرنا أن أجمع ما قيل في معنى الطاغوت؟
طالب: كل ما تجاوز به العبد.
الشيخ: كل ما تجاوز به العبد حده.
الطالب: (...).
الشيخ: أو مطاع، من قال هذا؟
الطالب: ابن القيم.
الشيخ: ابن القيم رحمه الله.
الشيخ: قوله: أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا، إعراب مَكَانًا؟
الطالب: (...).
الشيخ: تمييز لأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: لما أبهم اسم التفضيل. هل هناك قاعدة في هذا الموضوع؟
الطالب: (...).
الشيخ: تمييزًا له، مثل: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا [الكهف: ٣٤] أَعَزُّ نَفَرًا [الكهف: ٣٤] كذا.
قال الله عز وجل: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا، إِذَا جَاءُوكُمْالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه.
قال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عرض الخطاب بصيغة الاستفهام؛ لأن ذلك أمكن في النفس وأحضر للقلب هَلْ أُنَبِّئُكُمْومثله قوله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: ٢٢١] ومثله قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: ١٠٣].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين سخروا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل؛ لما اتصفوا به من الصفات المذكورة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة بالمنزلة عند الله؛ لقوله: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ.
ويتفرع على هذا: أنه ينبغي لنا ألا ننظر إلى منزلتنا عند الناس، وإنما ننظر إلى منزلتنا عند الله عز وجل، وإذا صححنا ذلك كفانا الله مؤونة الناس.
ومن فوائد هذه الآية: أن اسم التفضيل قد يقع بين شيئين لا يشتركان في أصل المعنى؛ لقوله: بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً؛ لأن المعنى: بأشر من ذلك، وكذلك في الخير: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] ولا خير في مستقر أهل النار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك اليهود، بل أهل الكتاب عمومًا وصموا بهذه الصفات الأربع: اللعنة والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وفي سورة الفاتحة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، والغضب صفة من صفات ذاته عز وجل، لكنه من الصفات الفعلية، وقولنا: من صفة ذاته لأن لا يقول قائل: إن الغضب هو الانتقام، والانتقام شيء منفصل عن ذات الله، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الغضب صفة من صفات الله، ثابت لله حقيقة بلا تحريف، وفسره أهل التحريف بأن المراد به الانتقام أو إرادة الانتقام، فمن أثبت الإرادة قال: المراد به إرادة الانتقام، ومن لم يثبتها قال: المراد به الانتقام، ولكن هذا التفسير مردود:
أولًا: لمخالفته ظاهر اللفظ، والأصل في الأخبار أن تؤخذ على ظاهرها إلا بدليل صحيح.
ثانيًا: أنه مخالف لما عليه السلف، فلم يأت عن الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة حرف واحد يفسر الغضب بالانتقام أو إرادته.
وسكوتهم عن تفسيره بما يخالف الظاهر دليل على أيش؟ على إجماعهم على أن المراد به ظاهره، فيكون تفسيره بالانتقام أو إرادته مخالفًا لإجماع السلف، وهذه قاعدة نافعة تفيدك في كل صفات الله عز وجل.
ثالثًا: أنه يكذبه القرآن؛ لأنه يبطل هذا التفسير القرآن الكريم، وذلك في قول الله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥]، فإن معنى آسَفُونَاأي أغضبونا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، ومعلوم أن الجزاء غير الشرط، انْتَقَمْنَاجواب الشرط، وآسَفُونَافعل الشرط، وجواب الشرط يخالف الشرط بلا شك، فهذه الآية الكريمة ترد عليهم ذلك التفسير.
الرابع: أننا إذا تنزلنا وقلنا: إنه الإرادة -إرادة الانتقام أو الانتقام- فإن لازم ذلك أن يكون هناك غضب؛ لأن إرادة الانتقام أو الانتقام نفسه لا يكون إلا عن فعل شيء لا يرضاه المنتقم، وهذا يكون نتيجة للغضب، فهم مهما فروا لا بد أن يلزمه إثبات الغضب لله عز وجل.
هنا عبارة تذكر يذكرها حتى بعض المحققين يقولون: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذه العبارة فيها حق وباطل، أما الحق فقولهم: طريقة السلف أسلم، وأما الباطل فقولهم: طريقة الخلف أعلم وأحكم؛ لأن هذه جملة الأخيرة تناقض الأولى تمامًا؛ لأنه كيف تكون السلامة مع الجهل أو السفه؛ لأن ضد العلم الجهل، وضد الحكمة السفه، فكيف يمكن أن يكون هناك سلامة بدون علم وحكمة، فمتى كانت طريقة السلف أسلم لزم أن تكون أعلم وأحكم. ويدل على هذا أن السلف والحمد لله مملوءة كتبهم بتفسير آيات الصفات وأحاديثها، لم يأت عنهم كلمة واحدة يقولون: والله لا نعرف هذا المعنى، لا نعرف معنى الآية، لا نعرف معنى الحديث، أبدًا، بل كانوا يقولون: المعنى معلوم والكيف مجهول، ويقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف، فطريقة السلف إذن أسلم وأعلم وأحكم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قدرة الله عز وجل على مسخ الإنسان قردًا وخنزيرًا؛ لقوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ. وهل هذا الجعل جعل كوني أو جعل قدري؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، الكوني والقدري واحد، كوني أو شرعي؟ كوني، فقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً [البقرة: ٦٥] هذا أمر كوني وليس أمرا شرعيًّا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لا يستعصي على الإنسان طلب الشيء من الله عز وجل ما دام ليس في طلبه عدوان، يعني ولنضرب لهذا مثلًا برجل مريض بمرض السرطان، بعض الناس يقول: مرض السرطان مرض لا يرجى برؤه، وهذا هو الغالب لا شك، لكن بعض الناس ييئس ويقول كيف أدعو الله أن يبرئني من هذا المرض، والعادة أنه لا يبرأ منه، وهذا غلط عظيم؛ لأن الذي أوجد المرض قادر على رفعه، والذي خلقك ولم تكن شيئًا قادر على أن يعيدك كما كنت، ولهذا لما قال زكريا عليه الصلاة والسلام: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨] قال الله تعالى: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ [مريم: ٩] وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩] فلا تيئس، الله على كل شيء قدير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله تعالى في العقوبة، حيث يجعل الجزاء من جنس العمل، وسيأتينا في قول اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] أنهم عوقبوا هم بأيش؟ بغل اليد، فالجزاء دائمًا يكون من جنس العمل، الجزء بالجزء والكل بالكل سواء في الثواب أو في العقاب، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» ، وهذا في الثواب، في العقاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» ؛ لأن التفريط حصل في الأعقاب، توضأ الصحابة رضي الله عنهم على عجل، فكانوا يمسحون أقدامهم ولا يسبغون، فنادى عليه الصلاة والسلام: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَفِي النَّارِ» ، فهنا الجزاء كان جزئيًّا على قدر المخالفة.
هنا الحكمة في جعلهم القردة والخنازير سبق أن قلنا: إن القرد أقرب ما يكون للإنسان، والحيلة التي فعلوها أقرب ما تكون للحل والإباحة ولكنها محرمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من عبد غير الله فقد عبد الطاغوت، يعني عبد عبادة الطاغوت.
فإن قال قائل: هل يشمل هذا ما جاء في الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» ؟
قلنا: نعم، إذا جعل المال هو أكبر همه فإن هذا نوع من العبادة.
فإن قال قائل: على هذا التقدير يكون عيسى عليه الصلاة والسلام طاغوتًا؟ نسأل الله العافية.
الجواب: لا؛ لأن معنى عبد الطاغوت أي عبد عبادة الطاغوت، يعني الطغيان، فالطغيان الآن يعود على من؟ على العابد أو المعبود؟ على العابد، ولما أنزل الله تبارك وتعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩] قال المشركون للرسول عليه الصلاة والسلام: إذن عيسى بن مريم في النار؛ لأنه ممن عبد من دون الله؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ[الأنبياء: ١٠١] وبين أن تمثيلهم بعيسى ما هو إلا جدل، قال: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اتصف بهذه الصفات فهم شر الناس مكانًا؛ لقوله: أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا.
ومن فوائدها: أن من اتصف بهذه الصفات فهو أيضًا أضل الناس سبيلًا؛ لقوله: وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
قال الله عز وجل: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّاالخطاب جَاءُوكُمْللنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والفاعل منافقو اليهود، يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: آمَنَّا، لكن بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ: دَخَلُوا بِالْكُفْرِ)(الباء) هنا قالوا: إنها للملابسة والمصاحبة، يعني متلبسين بالكفر، وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِأي بالكفر متلبسين، فهم عند الدخول وعند الخروج على الكفر، حتى لو قالوا: آمنا، فإن قلوبهم لم تؤمن، منافقون، وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِمن قبل، خرجوا بالكفر ويخرجون إذا دخلوا عليكم بالكفر أيضًا، حتى قال بعضهم يناصر بعضًا مع المسلمين: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: ٧٢، ٧٣].
وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ: أَعْلَمُمنكم بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَأي يخفون من الكفر، واسم التفضيل هنا على بابه، وهكذا كلما جاء هذا الوصف بهذه الصيغة فهو على بابه اسم تفضيل، وقد غلط من فسره باسم فاعل حيث قال: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ، قال: والله عليم أو عالم بما كانوا يكتمون؛ لأنه إذا قال: عليم أو عالم لم يمنع المشاركة، لكن إذا قال: أعلم أيش؟ منع المشاركة، أعلم ما فيه أحد مثله، لكن هم فروا من شيء فوقعوا في شر منه، قالوا: أعلم، إذا قلت: أعلم فإن القاعدة: أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الصفة.
فنقول: نعم لا شك أن الرب عز وجل والمخلوق مشتركان في أصل الصفة، وهي العلم، ولا بد من هذا، إثبات العلم للمخلوق جاء في القرآن: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، لكن الذي يمتنع أن تجعل علم المخلوق كعلم الخالق، أما أن يشتركا في أصل الصفة فهذا لا بد منه، حتى الحياة، حتى القدرة، حتى السمع، حتى البصر، لا بد من الاشتراك في أصل المعنى، فنقول: أنتم منعتم من أن يكون اسم التفضيل على بابه خوفًا من الاشتراك في أصل المعنى، لكن إذا قلتم: عالم أو عليم سويتم بين الخالق والمخلوق؛ لأن المخلوق يطلق عليه عالم، يطلق عليه عليم، أليس كذلك؟ فلهذا لا يمكن أن تجد إنسانًا خرج عن مدلولات النصوص من الكتاب والسنة إلا وقع في شر مما حذره.
من فوائد هذه الآية: التحذير من المنافقين؛ لأن الله لم يقص علينا قصصهم أو حالهم إلا لنحذر، لا لنعلم فقط، لنحذر.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى بما في القلوب؛ لقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَفإثبات العلم بما في القلوب ثابت لله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لنا أن نحكم إلا بما ظهر؛ لأن الله لم يخبرنا إلا لنحذر، ولو أننا بقينا على ما يبدو لنا لكان هؤلاء أيش؟ مؤمنين حسب ما يقولون، لكن الله أخبرنا بهذا لنحذر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المرء من أن يبطن في قلبه ما يخالف لسانه، وهذه مسألة يجب علينا أن نعالج أنفسنا منها، احذر أن تضمر في قلبك ما يخالف ما تنطق به بلسانك أو تفعله بجوارحك، يجب أن تصفي القلب أولًا وتطهر القلب ثم بعد ذلك تبني أعمالك على حسب هذه التصفية.
ثم قال الله عز وجل: وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
تَرَىالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن المراد بالرؤية هنا البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون كَثِيرًامفعولًا أول ويُسَارِعُونَمفعولًا ثانيًا.
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْأي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم يقولون: إنهم مؤمنون يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِيعني يتسابقون إليه أيهم أسرع، وَالْعُدْوَانِ، الإثم فيما يتعلق بحق الله عز وجل، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي، ومنهم من فسر الإثم بالكذب، والعدوان بالظلم، ولكننا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل.
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَيعني يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، وما هو السحت؟ السحت: كل كسب محرم فهو سحت. فيدخل في ذلك الربا، ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت.
ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين:
الوجه الأول: أنه لا بركة فيه.
الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود.
فهو شر في نفسه، شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان نُزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني يُبتلى بالشح.
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(اللام) هذه في جواب القسم، والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، (بئس) تعمل عمل (ليس)، أين خبرها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، قلت: تعمل عمل (ليس)، وهي تعمل على أن ما بعدها فاعل والمخصوص محذوف، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، يعني أن عملهم مذموم، يصدق عليهم هذا الوصف: بِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ما الذي عملوا؟ مسارعة في الإثم ومسارعة في العدوان، أكل السحت، ونعم هذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم.
لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ: لَوْلَابمعنى: هلّا، فهي أداة تحضيض، ومثلها مثل قوله تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور: ١٣] أي: هلّا جاءوا، فـلَوْلَابمعنى هلّا.
يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: الرَّبَّانِيُّونَالمربون وَالْأَحْبَارُالعلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبر و حِبر، وهو في الاشتقاق مع البحر موافق له، فالباء والحاء والراء في البحر وفي الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم واسع العلم، الربانيون إذن مَن؟ المربون، سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار هم العلماء الكبار.
عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَيعني أن الله عز وجل حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والمسيح ابن الله، من القائل: عزير ابن الله؟ اليهود، والمسيح ابن الله؟ النصارى، هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب كما مر علينا أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول ويستمعون له للكذب.
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَيعني أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا أو غير ذلك.
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَيقال في إعرابها ما قيل في الجملة قبلها، لكن الفاعل في يَصْنَعُونَهنا ليس عائدًا على ما تعود عليه الواو في يَعْمَلُونَالأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار.
قال: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، والصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فِعل بترتيب، يكون فِعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل، بخلاف الفعل المجرد؛ وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به، يريدون أن يبقوا وجهاء في قومهم؛ لأن الشيطان يقول لهم: إن نهيتموهم صرتم أعداء لهم، ولم تحصل لكم الرئاسة، فلذلك تجدهم يعملون هذا العمل عن ترتيب وعن سياسة كما يقولون.
في الآيتين فوائد، منها: أن من أوصاف هؤلاء اليهود أنهم يسارعون في هذه الأمور الثلاثة: الإثم، والعدوان، وأكل السحت.
ومن فوائدها: أن من سارع في الإثم والعدوان وأكل السحت ففيه شبه من اليهود.
ومن فوائدها: أن هذا العمل عمل مذموم يستحق عليه فاعله أن يُذم؛ لقوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
ومن فوائدها: تحريم قول الإثم وتحريم العدوان وتحريم أكل السحت؛ لأن الله تعالى ذم هذا العمل وقدح فيه. فإن قال قائل: الآية الكريمة عبرت بالأكل، أرأيت لو كانوا لا يأكلون السحت لكن يستعملونه في اللباس والفرش والمساكن والنكاح فهل يدخلون في أكلهم السحت؟
الجواب: نعم لا شك، لكنه عبر بالأكل لأنه هو الغالب، ولأنه أعلى ما يمكن أن ينتفع به الإنسان بالمال، أعلى ما يمكن أن ينتفع فيه بالمال هو الأكل؛ لأنه يغذي البدن، لكن اللباس لا يغذي البدن، يقي البدن، صح؟ كذلك المساكن، النكاح، لكن الذي يغذي البدن وينميه هو الأكل، فعبر به لهذا الوجه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الكسب المحرم، وجهه أن الله سماه سحتًا، فاحذر أن تخسر الدنيا والآخرة بأكل المحرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج أن نذم الأفعال المكروهة بقطع النظر عن فاعليها، لقوله تعالى: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
أما الآية التي بعدها ففيها فوائد، منها: عظم مسؤولية المربين والعلماء؛ لقوله: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَفجعل الله اللوم على الربانيين والأحبار لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم من نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على العلماء والمربين الواجب عليهم النهي عن المحرم، لكن هل عليهم أن يهدوا الناس؟ لا؛ لقول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢]، ولقول الله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢]، ولقوله: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد [آل عمران: ٢٠]، فالإنسان إذا نهى أبرأ ذمته، سواء امتثل من نهاه أم لم يمتثل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سوء صنع هؤلاء العلماء والربانيين؛ لقوله تعالى: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
ومن فوائدها: أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق بقطع النظر عن مكانتهم الشخصية، حتى لو فرض أنهم أهينوا أو أذلوا بسبب ذلك فالعاقبة لمن؟ العاقبة لهم، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩].
طالب: ما هو الفرق بين المخصوص (...) وفاعله؟
الشيخ: المخصوص: هو المقصود بالذم أوالمدح، والفاعل: هو الذي قام به الفعل، والمخصوص يكون مبتدأ، والفاعل يكون في ضمن الجملة، فمثلًا إذا قلت: نعم الرجل زيد، أو بئس الرجل زيد، أين الفاعل؟
طالب: الرجل.
الشيخ: وأين المخصوص؟ زيد، ولهذا نعرب (زيد) مبتدأ مؤخرًا، و(نعم الرجل) الجملة خبر مقدم.
طالب: (...).
الشيخ: الفاعل (...) لبئس الذي يعملون، وإن شئت فاجعلها مصدرية، ويكون الفاعل المصدر، أي لبئس عملهم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم (...) عملهم عمل؟
طالب: المحرف للصفات، إذا نوقش يقول: بأننا إنما نحن نؤول هذه الصفات حتى لا يتوهم الناس (...)، وإن كنا لا نرى التأويل (...).
الشيخ: نقول لهؤلاء: اقرءوا قول الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] هذه واحدة، ونقول: لستم أحرص على هداية الخلق من الرسول وأصحابه ولم يفعلوا هذا، ونقول: إذا أثبتم هذه اقرءوا عليهم قول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] واضربوا لهم الأمثال، قولوا: اليد الآن نشاهد المخلوقات لها أيدٍ متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، أليس كذلك؟ والوجه والعين، كل الصفات في المخلوق متفاوتة، أفلا يمكن إذا ظهر التفاوت بين المخلوقات أن يكون التفاوت بين المخلوق والخالق؟ بل هذا من باب أولى وأشد.
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: اللي بعدها: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ.
الطالب: (...).
الشيخ: الحكم يدل على محكوم عليه.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم؟ لأنهم الساسة.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، المفاضلة بين أحوال الصحابة رضي الله عنهم وحال هؤلاء فأيهما أشد (...) بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَأي مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية ويكون المعنى عمل من لعنه الله.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وجه ذلك أن الفعل يطلق على كل فعل، سواء عن قصد أو غير قصد، حتى البهيمة لو أكلت قلنا: فعلت، لكن الصنع ما يكون إلا بتدبير وتنسيق وإصلاح.
طالب: (...).
الشيخ: الواجب إنكار المنكر، سواء غلب على ظنه أن يفعل أو لم يغلب، لكن بشرط، بشروط معروفة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، إذا كان بغير حكمة ففعله منكر يجب أن ينكر.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، اليهود هم الذين يدعون أنهم أتباع موسى عليه الصلاة والسلام، وسموا بذلك قيل: إنه من قوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] أي من الهود، وهو الرجوع، وقيل: إنه نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكنها عربت فصارت يهود، وأيًّا كان فالمراد به من ينتسبون إلى موسى عليه الصلاة والسلام.
قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌأولًا قالوا: يَدُ اللَّهِولم يقولوا: (يدا) بالألف؛ لأنهم يريدون أن ينقصوا صفة الله عز وجل في ذاتها وفي تصرفاتها، أما في ذاتها فمعلوم أن ذا اليدين أكمل من ذي اليد الواحدة، وأما في تصرفاتها فقولهم: إنها مغلولة؛ أي: محبوسة عن الإنفاق، وذلك أن اليد إما أن تكون مغلولة مضمومة إلى العنق بحيث لا تنبسط حتى تعطي، وإما أن تكون مبسوطة تعطي، ولهذا قال الله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩]، يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌأي محبوسة عن الإنفاق، كما قالوا أيضًا في وصف آخر: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١]، فوصفوا الله مرة بالبخل ومرة بالفقر -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- لأنهم أهل مال وأهل طمع ويريدون أن يغدق الله عليهم المال على حسب ما يريدون، فإذا لم يكن المال على حسب ما يريدون قالوا: هذا بخل من الله أو فقر منه يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
قال الله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْلأن الجزاء من جنس العمل فغلت أيديهم، وهذا خبر وليس دعاء؛ لأنه صادر من عند الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يخبر ولا يدعو، فأخبر أن أيديهم غُلت، أي: حُبست عن الإنفاق، ولهذا نقول: إن أشد الناس بخلًا هم اليهود من جميع الأمم، ولا يمكن لليهودي أن يبذل دينارًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بدينارين، أو فلسًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بفلسين، لا تفكر في غير هذا؛ لأنهم قد غلت أيديهم.
وَلُعِنُواأي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عنها بسبب هذا القول، ولهذا قال: بِمَا قَالُوا، والباء هنا واضح جدًّا أنها للسببية، وأما (ما) فيحتمل أن تكون مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية فالتقدير: ولعنوا بقولهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: ولعنوا بما قالوه، ولو جاء الضمير (قالوه) لتعين أن تكون اسمًا موصولًا لكنه حذف، على كل حال سواء جعلناها مصدرية أم موصولة فإنها تفيد أن هذه العقوبة التي حلت بهم بسبب قولهم.
قال الله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ: (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي شيء أبطل؟ قولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌفقال: بَلْ يَدَاهُ، ولم يقل: يده، لأن له يدين اثنتين سبحانه وتعالى، مَبْسُوطَتَانِيعني غير مقبوضتين فضلًا أن تكونا مغلولتين.
مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ: يُنْفِقُيعني يعطي المال كَيْفَ يَشَاءُأي على أي كيفية شاء؛ إن شاء بسط وإن شاء قدر، قال الله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦] فقد يعطي وقد يمنع على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس على حسب ما يريده الإنسان، ولهذا قد يريد الإنسان كسبًا كثيرًا بعمل من الأعمال ولكنه يُخذَل، وقد يعمل عملًا يسيرًا لا يظن أنه يكسب فيه كثيرًا ويكسب فيه شيئًا كثيرًا.
قال الله تعالى: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا(زاد) هنا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول: كَثِيرًاوالثاني: طُغْيَانًا، وأما قوله: مَا أُنْزِلَفـ(ما) هنا فاعل، يعني أن ما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يزيد كثيرًا منهم وليس كلهم طغيانًا على عباد الله وفي حق الله وكفرًا بالله عز وجل.
اللام في قوله: وَلَيَزِيدَنَّاللام واقعة في جواب القسم، وعليه فالجملة مؤكدة، مؤكدة بكم؟ بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، تقديره: والله، واللام، ونون التوكيد، وإنما أكد الله ذلك لأهميته، ولئلا ينكر منكر أن يكون النازل شفاء لما في الصدور -وهو القرآن- يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا، لكن لا تعجب، إذن طغيانًا في حق من؟ في حق الله وحق العباد، وكفرًا أي بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فلن ينتفعوا بما أنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَيحتمل أن تكون الواو استئنافية، وأن تكون معطوفة على قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، ومعناها أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةأي وضعناها، بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَالعدو ضد الولي، والبغيض ضد الحبيب، أي أن الله سبحانه وتعالى ألقى بينهم البغضاء في القلوب والمعاداة في الأبدان والأقوال، لا أحد ينصر أحدًا ولا أحد يوالي أحدًا ولا أحد يحب أحدًا، بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَإلى متى؟ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِيعني إلى آخر الدنيا، واليهود بعضهم عدو لبعض وبعضهم بغيض لبعض؛ لأن الله تعالى أخبر بأنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وخبره حق ووعده صدق.
كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ: كُلَّمَا أَوْقَدُوا، كُلَّمَاهذه شرطية، فعل الشرط فيها أَوْقَدُواوالجواب أَطْفَأَهَا اللَّهُ، أي كلما أرادوا الحرب وأوقدوا نارها فإن الله يطفئها ولن تقوم لهم قائمة، بل هم مخذولون.
ويدل لهذا قول الله تعالى في آية أخرى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ١١٢]، قال العلماء: الحبل من الله: الإسلام، والحبل من الناس: العهد والميثاق. وقيل: الحبل من الناس المساعدة، والسبب الذي يعزون به؛ لأن الحبل يطلق على السبب، كما في قول الله تعالى: اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران: ١٠٣]؛ أي: بدينه الذي هو سبب للسعادة.
إذن نقول: إن الله سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء اليهود كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُأي لم ينالوا بها مرادهم، وليس المعنى أنها لن تقوم الحرب، تقوم الحرب، وقد قامت بينهم وبين المسلمين في عدة وقائع لكن النتيجة أن الله يطفئها ولا يحقق لهم ما يريدون من أكل هذه النار لعدوهم.
كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا: يَسْعَوْنَأي يلقون فيها الفساد، وعبر بالسعي إشارة إلى مسارعتهم في هذا، ولهذا كان اليهود أفسد أهل الأرض في الأرض؛ لما لهم من الوقائع، ومن أراد أن يطلع على شيء من ذلك فليراجع كتاب: إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَولم يقل: لا يحبهم، لإرادة العموم وبيان العلة، فمثلًا لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَمن اليهود وغير اليهود، أيضًا يفيد أن الله لا يحب هؤلاء لأنهم مفسدون، فيكون هنا أعم، كل مفسد فإن الله لا يحبه.
في هذه الآية الكريمة: بيان عدوان اليهود وأنهم يصرحون بالعدوان والاعتداء حتى في حق الخالق عز وجل؛ لقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.
وفيها أيضًا: أن اليهود يقرون بصفات الله عز وجل الحقيقية؛ لأنه لا يقال: يد أحد مغلولة إلا لمن له يد، فيكون إقرار اليهود بالصفات الخبرية أحسن من إنكارهم، وإن كان اليهود ليس لهم دين، لكن يجب أن يقبل الحق من أي إنسان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى حرص اليهود على المال، وجه الدلالة؟ أنه لم يحملهم على هذا القول إلا أيش؟ إلا الجشع والطمع.
ومن فوائد الآية الكريمة: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن البخل، ووجه ذلك أن الله عاقبهم على هذه المقالة، ولا يعاقب تبارك وتعالى إلا على شيء محرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى بخل اليهود؛ لقوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وقد سبق قبل قليل أن هذا خبر وليس دعاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود ابتلوا بهذين الأمرين: البخل واللعنة، فهم أبعد الناس عن رحمة الله أو من أبعد الناس عن رحمة الله؛ لقوله: وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا، ولم يبين الله سبحانه وتعالى من اللاعن لإفادة العموم، أن الله يلعنهم ويلعنهم اللاعنون أيضًا، وهذا كقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] بعد قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لإفادة العموم وأن هؤلاء مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل أولياء الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب، تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لقوله: بِمَا قَالُوايعني أن الله سبحانه لم يغل أيديهم ويلعنهم إلا بسبب قولهم، ففيه إثبات الأسباب، والأسباب نوعان: حسية وشرعية، وكلاهما ثابت. من الأسباب الشرعية أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار، هذا سبب شرعي، من الأسباب الحسية ما نجده في الكون، كون النار محرقة، والصقيع مجمدًا للماء وما أشبه ذلك، هذه أسباب حسية، الأكل سبب للشبع ولا تحصى أفراده.
وهل الأسباب مؤثرة بنفسها؟
الجواب لا، لكنها مؤثرة بإرادة الله عز وجل بما أودع فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الذي تدل عليه دلالات الكتاب والسنة والعقل، وأما من قال: إنه لا تأثير لها فقد قال قولًا يضحك منه السفهاء، ومن قال: إنها مؤثرة بطبيعتها فقد قال قولًا منكرًا، أما الأول الذي يقول: إنه لا تؤثر فهذا قولا يضحك منه السفهاء، فيقول مثلًا: إذا أكل إنسان وهو جائع ثم شبع، ليس سبب شبعه الأكل، لكن حصل الشبع عند الأكل، وإلا هو ما أشبعه، وإذا وضعت ورقة في النار فاحترقت فالنار لم تحرقها، إنما احترقت عند النار، سبحان الله! ولو ضربت زجاجة بحجر وانكسرت فالحجر لم يكسرها، انكسرت عنده لا به، هذا شيء أدنى صبي يعرف أن هذا غلط.
والذين قالوا: مؤثرة بطبيعتها أيضًا أشركوا بالله، أثبتوا خالقًا مع الله، وهؤلاء نرد عليهم بأن الله تعالى خالق كل شيء، وبأن الله تعالى قد يغير حقائق هذه الأشياء.
ومن ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال للنار التي أُضرمت، وكانت سعيرًا عظيمًا، ليُلقَى فيها إبراهيم، وأُلقي فيها، قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم. هذا يدل على أن الأسباب لا تؤثر بذاتها، إنما تؤثر بما أودع الله فيها من القوى، وإلا فقد يوجد موانع، حتى الأسباب الشرعية قد يوجد لها موانع، سبب الإرث القرابة مثلًا، وإذا كان قريب مخالفًا لقريب في الدين لم يرث منه.
فالمهم أن نقول: من أثبت أن الأسباب تؤثر بذاتها فهو مشرك، ومن نفى تأثيرها مطلقًا فهو سفيه، بقي أن نقول: تؤثر بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة التي قد تتخلف بإرادة الله ومشيئته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: بِمَا قَالُوا، فإن قوله: بِمَا قَالُوايفيد فحوى الخطاب وقوة الخطاب أنهم إنما عوقبوا بمثل ما فعلوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليدين لله عز وجل؛ لقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ.
ومن فوائدها: أنهما اثنتان لا زيادة فيهما ولا نقص فيهما؛ لأن المحصور بعدد يتعين ألا يزيد عنه ولا ينقص، فمثلًا عنده دراهم، يحتمل كم؟ ثلاثة وعشرة ومائة وألفًا، لكن ثلاثة دراهم، أيش؟ لا يحتمل زيادة ولا نقصًا، فكل شيء محصور بعدد فإنه يقتضي ألا يزيد عنه ولا ينقص. إذن الله عز وجل له يدان اثنتان، وهذا ما أجمع عليه السلف لدلالة القرآن والسنة عليه.
فإن قال قائل: ألم يقل الله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون [يس: ٧١]؟ ألم يقل الله: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١]؟
فالجواب: بلى، لكن الجواب عن الآية الأولى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَالا يراد بها اليد الحقيقية، بل المراد مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاأي مما عملنا، لكن العرب يطلقون اليد على الفاعل، انظر إلى قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، ومعلوم أن كسبنا لا يختص باليد، يكون باليد وأيش؟ وبالرجل واللسان والعين والأنف والفرج والقلب، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فالتعبيرات الموجودة في كلام العرب تكون في القرآن، ولذلك لو أن المراد باليد هنا حقيقة اليد دون الفاعل لكانت الإبل أشرف منا، لأننا نحن خلقنا بأيش؟ بالكلمة، إلا آدم خلقه الله بيده، والإبل على تقدير أن المراد أمر الله تعالى بيده خلقت باليد، أما المفرد فلا ينافي التعدد؛ لأن من القواعد المعروفة أن المفرد المضاف يعم ما يقتضيه مدلوله، فمثلا لو قال رجل: امرأتي طالق، وعنده امرأتان، طلقت المرأتان، إلا إذا أراد واحدة، ولو قال: عبدي حر، وعنده أعبد، أعتق الأعبد كلهم، إلا بنية، فعليه نقول: المفرد لا ينافي التثنية، لماذا؟ لأنه مضاف فيعم، والجمع لا ينافي التثنية؛ لأنه ليس المراد به حقيقة اليد، بل المراد به الذات، يعني مما عمله الله عز وجل، ولكنه جمع، جمعت بـ(أيدينا) للتناسب بين المضاف والمضاف إليه، فإن (نا) موضوعة للجمع أو للتعظيم، فجُمعت الأيدي تعظيمًا لها وتفخيمًا لها ولمراعاة المضاف إليه، بحيث يتناسب الكلام بعضه مع بعض، المهم أن نثبت أن لله يدين.
وهنا أسئلة: هل هما حقيقيتان أو لا؟
الجواب: نعم هما حقيقتان، يدان حقيقيتان، ومن فسرهما بالقوة فقد قال على الله ما لا يعلم، بل ما دل النص على خلافه، ولذلك نقول: كل محرِّف للنص عن ظاهره فقد ارتكب خطيئتين: الأولى: صرفه عن ظاهره المراد به، والثاني: إثبات معنى لم يرد به، أليس كذلك؟ إذن المراد اليدان الحقيقيتان.
سؤال ثان: هل هذان اليدان تماثلان أيدي المخلوقين؟
لا يمكن؛ لأن كل صفة ظاهرها التمثيل، وأقول: ظاهرها باعتبار الظاهر السطحي، فإنه مردود بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
السؤال الثالث: هل اليد هذه تأخذ وتَقبِض وتهز أو لا؟
الجواب: نعم؛ لأن ذلك ورد به السنة، بل ورد به القرآن: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] .
هل هاتان اليدان توصفان بأنهما يمين وشمال؟
فيها قولان للسلف، منهم من قال: لا، وأنكر لفظ الشمال الوارد في صحيح مسلم ، ومنهم من قال: بلى، وكل منهما له شبهة، لكن الصواب أنها تثبت وأن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» يعني اليمن والبركة والتساوي؛ لأن المخلوق الذي له يمين ويسار أو يمين وشمال تختلف اليمين أو الشمال، أليس كذلك؟ تختلف بالقوة، حتى بالقوة الجسمية تختلف، لكن يد الله عز وجل -وأريد التثنية- لا تختلف، كلتاهما يمين، وهذا هو الصحيح أننا نثبت الشمال.





