هاتان اليدان توصفان بأنهما يمين وشِمال؟
فيها قولان للسلف: منهم من قال: لا،
وأنكر لفظ الشِّمال الوارد في صحيح مسلم ،
ومنهم من قال: بلى، وكلٌّ منهما له شُبْهة، لكن الصواب أنها تثبت، وأن معنى قول
النبي صلى الله عليه وسلم: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي،
وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» يعني اليُمْن والبركة
والتساوي؛ لأن المخلوق الذي له يمين ويسار أو يمين وشِمال تختلف اليمين والشِّمال،
أليس كذلك؟ تختلفان بالقوة، حتى بالقوة الجسمية تختلفان؛ لكن يدا الله عز وجل
-وأريد التثنية- لا تختلفان، كلتاهما يمين، وهذا هو الصحيح أننا نُثبت الشِّمال
لله، لكن لا على أنها ناقصة عن اليمين، بل كلتاهما يمين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كثرة عطاءِ الله وَجُوده؛
لقوله: مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، لا يمكن أن
تُقبضا بالنسبة للعطاء، بل هما مبسوطتان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ». «مَلْأَى» يعني: مملوءة من الخير
والجود والبركة، «سَحَّاءُ» كثيرة العطاء، «اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» ظرف؛ يعني: يعطي ليلًا ونهارًا،
«لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ» يعني: لا ينقصها ما أنفق
وأعطى سبحانه وتعالى. ثم ضرب مثلًا فقال: «أَرَأَيْتُمْ مَا
أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» الجواب: نعم، رأينا لكن
ما نحصيه، «فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ»
أي:
لم ينقص ما في يمينه تبارك وتعالى، إذن يد الله مبسوطة ملأى سحَّاء الليلَ
والنهارَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عطاء
الله ومنعه تابعٌ لمشيئته؛ لقوله: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤]، فهذا يعطيه أموالًا كثيرة، وهذا يعطيه صحةً كبيرةً
وعقلًا كبيرًا، وهذا بالعكس، وهذا وسط في جميع ما ينفقه الله عز وجل من العطاء
المعنوي والعطاء الحسي، ينفق كيف يشاء.
ويجب أن يكون لديك قاعدة: أن كل شيء
قَرَنه الله بالمشيئة فإنه مقيَّد بالحكمة؛ يعني ليست مشيئةً مجرَّدةً كما ذهب إليه
بعض الجهمية الذين يقولون: إن الله يفعل الشيء لمجرد المشيئة وليس لحكمة؛ لأنه لا
يُسأل عما يفعل؛ ما يقال: ويش حِكمة كذا، ولماذا فعل كذا؟
بل نقول: إن كل شيء
مقيَّد بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ الدليل ما لا يُحصى مما وصف الله به نفسه بأنه
حكيمٌ وأنه أحكم الحاكمين، والمعلوم أن الحكيم لا يصدر عنه فعلٌ إلا
لحكمة.
ثانيًا: أن الله قال: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٢٩، ٣٠] ففي هذا إشارة إلى أن مشيئته
تابعة لحكمته، وعلى هذا إذا وقع شيء في الدنيا من الحوادث الأرضية والسماوية
واستنكرتَه أنت وقلتَ: لِمَ يقع؟ فهنا يجب أن تقول لذهنك الذي فرض هذا السؤال أن
تقول أيش؟ لحكمة، لكن لا يلزم أن نحيط بحِكَم الله عز وجل، كما أن جميع صفاته لا
نحيط بها فكذلك حكمته؛ قد تكون هناك حكمة خَفِيَّة ما تُعلَم إلا بعد زمان، لكن يجب
عليك أيها المؤمن أن تؤمن بأن كل شيء فعله الله عز وجل فإنه لحكمة، لا يمكن أن يكون
لعبًا ولا لهوًا، أعرفت؟
فقوله: كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤] إذا عرفتَ هذا وعرفتَ أن مشيئته مقرونة بالحكمة فلا تقُل: لماذا كان
هذا السيد في قومه فقيرًا، ولا: لماذا كان لُكَعُ بن لُكَعٍ غنيًّا، لا تقل هكذا،
لماذا؟ لأنَّا نعلم أن هذا العطاء وهذا المنع من الله عز وجل وأنه مقرون
بالحكمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس
من لا تزيده الآيات إلا طغيانًا وكفرًا؛ لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [المائدة: ٦٤]، ولا تعجب، القرآنُ ذكر اللَّهُ في آخر سورة
التوبة أنه إذا نزل انقسم الناس في قسمين: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] ولا تعجب أن يكون شيءٌ واحدٌ لقوم دواءً ولقوم داءً؛ فإن هذا كما هو في
المعقولات هو أيضًا في المحسوسات؛ أرأيت المصاب بمرض يمنعه الأطباء مثلًا مِن أكْلِ
التمر، إذا أكَلَه مَرِض، وآخر إذا أكَلَه صحَّ، مع أنه التمر واحد. الدُّهن بعض
الناس يؤمر بالإكثار منه وبعض الناس يُنهى عنه، وأشياء كثيرة، فلا تعجب إذا كان في
المعقولات ما يزيد أقوامًا وينقص آخرين.
ومن فوائد هذه
الآية الكريمة: عناد اليهود وأنهم لا يمكن أن يخضعوا لما نزل من السماء؛
لكونه لا يزيدهم ما أُنزِل على محمدٍ إلا طغيانًا وكفرًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإنصاف والعدل في حكم الله عز
وجل؛ لأنه قال: كَثِيرًا مِنْهُمْولم يقل: أكثرهم، ولم
يقل: كلهم، ولهذا يجب على الإنسان إذا رأى من قومٍ انحرافًا من بعضهم ألَّا يُجري
الحكم على الجميع، بل يقول: كثير، أو: بعض، أو: منهم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه لو
عمَّمَ مع وجود الاستقامة بالآخرين لكان ظالِمًا من وجهٍ وكاذبًا من وجهٍ آخر،
ولهذا تجد الله سبحانه وتعالى يقول: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْولم يقل: أكثر، ولا: الجميع.
ومن فوائد
الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقٌّ؛ لقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فكان النبي عليه الصلاة
والسلام منَزَّلًا عليه، فهو رسول الله حقًّا.
طالب: ما
هو حد الكثير؟
الشيخ: الكثير حسب النسبة؛ يعني مثلًا:
ثلاثة من عشرة، قليل ولَّا كثير؟
طالب: قليل.
الشيخ: لا، كثير؛ ثلاثة من عشرة حوالي الثلث.
ثلاثين من
ثلاثين ألف؟ قليل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض أهل
العلم يقول: إن الحكمة يكشفها الله سبحانه وتعالى للناس يوم القيامة، هل هذا القول
صحيح أو عليه دليل؟
الشيخ: واللهِ ما أدري هذه تؤخذ من
أن الله بيَّن أنه يوم القيامة يبين للناس ما ذُكِّروا به، فالله أعلم، لكن من حكمة
الله عز وجل أنه جعل بعض الحكم خَفِيَّة؛ لأنه لا تتحقق عبودية الإنسان إلا إذا
انقاد لما ظهرتْ حكمته وما لم تظهر، لكن لو كان كل شيء بيِّنًا لكان الأمر واضحًا؛
فإخفاء بعض الْحِكَم لا شك أنه من حكمة الله عز وجل، ولذلك تمام الانقياد أن يقول
الإنسان: سمعنا وأطعنا، ولا يسألَ، وقد نبَّهت على مسألةٍ ربما كانت غائبةً عن كثير
من الناس، وهي أنه إذا قيل: أَمَر اللَّهُ بكذا، أو: أَمَر الرسول بكذا، قال: أيش
الأمر، استحباب ولَّا وجوب؟ ما هو صحيح هذا. كمال العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا،
وتفعل.
نعم إذا تورَّطتَ في الأمر وخالفتَ المأمور أو فعلتَ المحظور حينئذٍ لا
بأس أن تسأل لأجل إذا كان على سبيل الوجوب تستعتب، وإذا كان النهي على سبيل التحريم
تستعتب أيضًا.
سبحان الله! أنا أعتقد أنه ليس من تمام العبودية أنك إذا أُمرتَ
تقول: ملزم ولَّا غير ملزم. الآن -ولله المثل الأعلى- لو أبوك قال لك: يا فلان روح
اشتري كذا. هل يستقيم أن تقول: ملزم أو غير ملزم؟
طالب:
لا.
الشيخ: ما يستقيم، ولذلك الصحابةُ أنفسهم رضي الله
عنهم لا أعلم الآن أن أحدًا منهم إذا أمر الرسولُ بشيء قال: يا رسول الله، أعَلى
سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ أنا لا أعلم، وإنما يستفسرون أحيانًا،
والاستفسار في موضع الإجمال حقٌّ؛ القلم لما أَمَره رب العرش فقال: اكتُبْ. قال:
ماذا أكتب؟
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، الحصر بعدد قلنا: إنه يتعيَّن ألَّا
يزيد ولا ينقص، هل مثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ» ؟
الشيخ: لا، لولا ورود أحاديث (...) هذا، ثم أيضًا العدد في «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ» هذا من باب حصر الأوصاف ما هو
بحصر الأعيان.
الطالب: مثال غير السبعة يا شيخ.
الشيخ: «ثَلَاثَةٌ لَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ» هذا
ورد لعدة أوصاف، أكثر من ثلاثة.
طالب: أحسن الله إليك،
قلت غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤] قلنا: خبر،
ليس..
الشيخ: ليس دعاء.
الطالب: نعم، عللنا وقلنا (...) فهل هذا تكون قاعدة
(...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا هو الأصل: أن ما أخبر الله
به فهو خبر عن نفسه ووقوعه -وقوع الشيء- إلا إن دل دليل؛ هذا ربما يكون دليلًا على
أن الله علم العباد أن يدعوا، وأما أن الله تعالى يسأل نفسَه أن يفعل فلا
يجوز.
طالب: لما قرأ الأخ وقف بين قول الله: وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة: ٦٤] وقف هنا، ثم قال:
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وهنا في
القرآن علامة أن الأفضل أن نقف، لكن ما يمنعني من الاتصال يا شيخ؟
الشيخ: أولًا أن حسب القواعد المعروفة عليها علامة الوقف اللازم،
أنت الآن تنكر وقفها أو عدم وقفها؟
الطالب: لا،لم
أجزم، قلت: (...) وَقَف، أبغي أعرف لماذا يا شيخ وَقَف؟
الشيخ: لماذا وَقَف، أحسنت، وقف لأن الكلام اللي بعد ليس من كلام
اليهود.
طبعًا أنا أقصد يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ-غُلَّتْ أيديهم- أما لُعِنُوا بِمَا قَالُوافهو مكتوب
عليه وقف لازم؛ ووجه ذلك أن الأول خبر عما كان لليهود، والثاني خبر عن صفات الله
تبارك وتعالى ولذلك قُرِن بـ (بل).
طالب: شيخ، أحسن
الله إليكم، مزيد استفسار عن السؤال الأول، وهو بأن إذا ذُكِر الشيء بعدد فإنه
يتقيد بهذا العدد، فلو كنا في مجال المناظرة قيل: إن هذا غير صحيح بدليل حديث
السبعة وحديث الثلاثة، فكيف يكون الجواب على..؟
الشيخ:
الجواب على هذا: جاءت الأدلة بهذا؛ بالزيادة، يعني لولا الأدلة لقلنا: ما فيه أحد
إلا هؤلاء السبعة.
طالب: (...) الرسول صلى الله عليه
وسلم فأنكروها بعض من يدَّعي الإسلام يا شيخ، هذا يا شيخ يكبر في النفس، ويتصور
الإنسان أنه شيء عظيم يا شيخ، وما أدري يا شيخ (...)؟
الشيخ: (...) لا، هو مسلم إن شاء الله، لكن الإنكار نوعان: إنكار
جحد وتكذيب؛ هذا كفر، وإنكار تأويل وتفسير؛ هذا ما يَكفُر، اللهم إلا إذا كان لا
يمكن بأي حال من الأحوال أن يصح هذا التأويل فربما يكون.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٥، ٦٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ما زلنا في بيان الفوائد المستنبطة من الآيات السابقة وهي قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، ووصلنا فيها إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤] أليس كذلك؟
ففي هذه الآية من الفوائد: إثبات أن المحبة ثابتة لله؛ أن الله يحب، وهي محبة حقيقية أثبتها أهل السُّنَّة والجماعة على قاعدةٍ معروفةٍ وهي: وجوب إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله، وأن الله يحب.
وهل هو يُحَب؟
الجواب: نعم، ويُحَب، وقد صرَّح الله بذلك في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، فالله تعالى يُحَب على ما له من صفات الكمال، وعلى ما له من أفعال الإحسان والإنعام، ولهذا جاء في الأثر: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ» . والإنسان لو أن أحدًا من الناس أحسن إليه لأحبه لإحسانه، فكيف بالخالق الذي أوجده وأمدَّه وأعدَّه، فهو أَوْلى أن يكون محبوبًا.
أما كونه يُحِب فنَعَم، جاء ذلك في القرآن الكريم وكذلك في السنة النبوية، محبة الله تارةً تُضاف للعَمَل، وتارةً للزمان، وتارةً للمكان، وتارةً للعامل، كل ذلك جاء؛ «أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا» ، «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» يعني عشر ذي الحجة، «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، والآيات في هذا كثيرة ومتنوعة.
وهل محبة الله هي ثواب الله أو إرادة ثوابه، أو هي صفة زائدة على ذلك؟
الجواب: الثالث، خلافًا لمن فسَّر المحبة بالثواب أو بإرادة الثواب ممن ينكرون قيام المحبة بالله عز وجل، ولا شك أن هؤلاء ضالون؛ لأنهم حتى إذا قلنا: إنها ثواب، يلزم من الثواب المحبة؛ لأن الله لا يُثيب إلا من يحبه، حتى لو فسرناها بإرادة الثواب يلزم منها المحبة أيضًا؛ لأن الله لا يريد أن يُثيب أحدًا إلا حيث يحبه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الفساد في الأرض؛ لقوله: لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وهكذا كل شيء نفى الله محبته فإنه حرام؛ فالفساد في الأرض حرام، ولكن بماذا يكون الفساد في الأرض؟ هل هو بهدم البيوت وتخريب الأنهار وما أشبه ذلك؟
الجواب: لا، الفساد في الأرض هو المعاصي، هذا هو الفساد في الأرض، ودليل ذلك قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، لكن هدم البيوت بغير حقٍّ من المعاصي فيكون من الفساد في الأرض من هذه الناحية، وعلى هذا فنقول: كل من عصى الله فقد أخذ مِعولًا يخرِّب به الأرض.
من فوائد الآية الكريمة: أن الشيء إذا ثبت لوصفٍ ثبت ضدُّه لضدِّ ذلك الوصف، فعلى هذا نقول: إذا كان الله لا يحب المفسدين فإنه يحب المصلحين، ولا شك أن الله يحب المصلحين؛ قال الله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، وقال تعالى في اليتامى: قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: ٢٢٠]، فالصلح خير يحبه الله عز وجل ويرغِّب فيه ويحثُّ عباده عليه، الإصلاح كذلك خير.
والإصلاح أنواعٌ متعددة، والناس بالنسبة للأرض على ثلاثة أقسام: صالح، وصالح مُصلِح، وفاسد مفسِد، وإن شئت زِدْ رابعًا: فاسد غير مفسد؛ حتى تتم الأقسام، لكن يلزم من الفاسد أن يكون مفسدًا ولذلك نقتصر على ثلاثة أقسام فنقول: الناس بالنسبة للأرض ثلاثة:
صالح لكنه لا ينفع إلا نفسَه، وهذا يكون في كثيرٍ من العباد، كثيرٌ من العباد صالح في نفسه لكن لا يحاول أن يُصلِح غيره؛ يرى المنكر أمام عينه لا ينهى عنه، يرى التفريط في المعروف أمام عينه لا يأمر به، وهكذا، هذا نقول: إنه صالح وإن كان أيضًا صلاحه فيه نقص؛ لأن من تمام الصلاح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
الثاني: صالح مُصلِح، هذا خير الأقسام؛ هو صالح لنفسه ومصلح لغيره، ولهذا قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، لم يقُل: صالحون، لا بد من أن يكون في الأرض مصلح.
والثالث: الفاسد، الفاسد مفسِدٌ في الأرض، حتى لو فُرِض أنه لم يدعُ إلى فساده وإلى معصيته فإنه مفسد؛ لأنه سببٌ لفساد الأرض.
من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن نزل من عند الله؛ لقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وإذا ثبت هذا لزم عليه أمران عظيمان: الأول: أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن ليس ذاتًا قائمة بنفسها، ولكنه وصفٌ لا يقوم إلا بموصوف -أو إلا بمتَّصف به- وعلى هذا فيفيد هذه الفائدة العظيمة أن القرآن كلام الله، وهذا هو الذي أجمع عليه سلف الأُمَّة والأئمة، وجرتْ فيه الْمِحَن على الإمام أحمد وغيره من علماء السُّنة، فإن من الناس من قال: القرآن ليس كلامَ الله بل هو مخلوقٌ من جملة المخلوقات. ولا شك أن هذا القول يستلزم منه بطلان الشريعة تمامًا؛ لأننا إذا قلنا: إنه ليس كلام الله، لزم أن يكون إذا كُتِب مجردَ نقوشٍ وزخرفةٍ خلقها الله عز وجل على هذا الوصف، وإن سُمِع فهو مجرد أصوات تُسمع لا تدل على شيء كما يُسمع الرعدُ وهبوبُ الرياح وغيرها، ولذلك نقول: إنه يستلزم على القول بأن القرآن مخلوق بطلان الشريعة تمامًا، بطلانُ الأمر والنهي؛ لأنه لا أمر ولا نهي، أقم شيئًا مخلوقًا على هذا الوصف، على هذه الصفة فقط، لا يدل على أمر، لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢] كذلك، شيء مخلوق على هذه الحروف كما تنقش الباب مثلًا، إن سُمع فهو صوت، مجرد صوت، كما نسمع الآن أصوات الرعد وأصوات أزيز الرياح في الأشجار وغير ذلك، فحينئذٍ لا أمر ولا نهي ولا خبر، وهذا واضحٌ جدًّا، لكن من أعمى الله قلبَه لا يعرف أن هذا لازم.
كذلك الفائدة الثانية مما يفيده قوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَالفائدة الثانية: علوُّ الله عز وجل؛ لأنه إذا كان القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته وهو نازل؛ لزم أن يكون المتَّصف به عاليًا، وإلا فلا معنى للنزول، فيكون فيه دليل على إثبات علو الله عز وجل.
والناس في هذه الصفة على ثلاثة أقسام:
قِسْم أثبت علوَّ الله حقًّا.
وقِسم آخر قال: إن الله لا يجوز أن يوصف بالعلو ولا بالسفول، ولا يجوز أن نقول: إنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال. وهذا تعطيل محض، ولو قيل لأحد: صف العَدَم ما وصفه بأدق من هذا الوصف الذي وصفوا به الرب عز وجل.
القسم الثالث قالوا: إن الله تعالى في كل مكان، ولا يجوز أن نقول: إنه في العلو، وكيف يجوز أن نقول: إنه في العلو، وهو يقول: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، ويقول: وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨] وأشباه ذلك من آيات المعية، فلا يجوز أبدًا أن نقول: إن الله عالٍ بنفسه، بل العلو الذي أُثبِتَ لله علو المعنى، وأما المكان فهو في كل مكان. وهؤلاء حلولية الجهمية، يقولون: إنه في كل مكان، والعجب أن عليه كثيرًا من الناس الذين نتصل بهم في المسجد الحرام ويسألون من غير السعوديين، السعوديون -نحمد الله- لا يعرفون هذا القول، أكثر العامة لا يعرفون هذا القول. ويقولون: إن الذي يقرِّر علينا علماؤنا أن الله في كل مكان. ولا شك أن هذا قولٌ إذا تأمله الإنسان وجده في غاية البطلان لمخالفة القرآن والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وهل يمكن أن يرضى أحد أن يجعل الخالق عز وجل في الحشوش والأماكن القذرة؟! لا يمكن، ولازم قولهم أن يكون كذلك؛ في كل مكان: في كل مكان.
أما القول الأول الذي نسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ويبعثنا عليه فهو أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، لكنه محيطٌ بالخلق فكأنه معهم في أمكنتهم، ولا مانع من أن نقول: هو فوق كل شيء وهو معنا لكن ليس في مكاننا. ولهذا أمثلة ذكر شيخ الإسلام رحمه الله مثالًا في الواسطية ومثالًا في الحموية قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والنجم معنا. وفي الواسطية: ما زلنا نسير والقمر معنا. وهذا أسلوب عربي واضح، وكل واحدٍ يخاطب بهذا الخطاب أو يتكلم به لا يمكن أن يعتقد بأن القمر في الأرض ولا أن النجم في الأرض، وإذا كان هذا مخلوق من المخلوقات يحيط بنا وهو معنا وهو فوق، فما بالك بالخالق الذي حدَّث عنه النبي عليه الصلاة والسلام بأنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسيِّ كحلقة أُلقِيَتْ في فلاةٍ من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على هذه الحلقة ، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى.
فعلى كل حال نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء حقًّا؛ أما صفاته فما أحدٌ من المسلمين -فيما نعلم- ينكر علو الصفات، كلهم يقولون: إنه كامل الصفات، لكن يبقى النظر: هل كلهم يُثبتون كلَّ ما ورد من الصفات؟
لا، لكن مَن أثبت له صفةَ كمالٍ فيقول: إنه عالم بهذه الصفة الكاملة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لقوله: مِنْ رَبِّكَ؛ فإن هذه الربوبية خاصةٌ تقتضي العناية التامَّة والأقوى والأشد.
واعلم أن الربوبية نوعان: عامَّة وخاصَّة، اجتمعا في قوله تعالى عن السحرة: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]؛ العامة: بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: كل مَن سِوى الله فهو عالَم، وعلى هذا يكون بِرَبِّ الْعَالَمِينَأي: برب الخلق كله.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَهذه؟
الطلبة: هذه خاصة.
الشيخ: نعم، هذه خاصة، كما أن العبودية كذلك عامة وخاصة:
فالعبودية الكونية عامة، ومنها قول الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]؛ كل مَن في السماوات بالعبودية الكونية عبد لله؛ هل أحد يستطيع أن يمنع المرض إذا قدَّره الله عليه؟ أبدًا. وهل أحد يستطيع أن يرُدَّ مَلَك الموت إذا جاء لقبض روحه؟ أبدًا. ولهذا تحدَّى الله هؤلاء فقال لهم: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]، ما يمكن، لو اجتمع الخلق كلهم أن يردوا هذه الروح التي بلغت الحلقومَ ما استطاعوا، إذن فالكلُّ عبدٌ للهِ بهذا المعنى؛ أي: بالعبودية الكونية.
أما القِسم الثاني؛ العبودية الخاصة، فهي العبودية الشرعية التي منها قول الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًاإلى آخره [الفرقان: ٦٣].
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بين اليهود؛ لقوله: أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة: ٦٤]، وهذا كلامٌ حقٌّ صِدقٌ ليس عندنا فيه شكٌّ، وما نحسبه نحن من اجتماعهم فعلى خلاف الواقع، ولهذا قال الله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر: ١٤]، لا تظن أنهم متفقون أبدًا، ولذلك هم أحزاب شتَّى الآن، وحتى داخل الحزب متفرق؛ لأنهم لا يمكن أن يجتمعوا وقد ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، لكن لاحِظ أن العدوَّينِ إذا كان لهما عدوٌّ ثالثٌ اجتمعا عليه لمقابلة العدو الثالث، فاجتماعهم الآن -اليهود- ليس لأنهم متحابون متآلفون أبدًا، ولا يمكن أن نصدِّق والله يقول: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لكنهم اجتمعوا لهدفٍ واحدٍ ومصلحةٍ واحدةٍ ضدَّ عدوٍّ واحدٍ للجميع، وهذا الاجتماع لا شكَّ أنه اجتماعٌ ظاهريٌّ فقط، مقصود لغيره وليس مقصودًا لذاته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العداوة والبغضاء بين اليهود سوف تستمر، لكن إذا آمنوا تزول أو لا؟ تزول بلا شكٍّ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي» ، والأنصار كما تعلمون بينهم عداوات وبغضاء في الجاهلية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، وسُمِّي بذلك لوجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والوجه الثاني: أنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [يس: ٥٤] وقال: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧]، والثالث: أنه يقام فيه الأشهاد؛ تُستشهد الرسل، ثم الأُمَم، ثم الجلود والأعضاء، ويتبين الأمر وينكشف، ويظهر ما في الصدور، فلذلك سُمِّي يوم القيامة.
هناك قيامةٌ صُغرى لكنها لا تُراد في هذه الآية، وهي موت الإنسان؛ فإن كلَّ من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتهى من الدنيا ودخل في عالم الآخرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى التامَّة للمسلمين بأن اليهود لن تقوم لهم قائمة في الحروب؛ لأنهم كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ولم ينالوا بها مقصودهم، وإن كانوا قد ينالون بعض الشيء لكنهم لن ينالوا المقصود الذي يريدونه بإشعال نار الحرب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: أَطْفَأَهَا، وأَطْفَأَهَامتى يكون؟
الطلبة: بعد إيقادها.
الشيخ: بعد إيقادها، وهذا فِعلٌ متجدِّد، وفيه ردٌّ واضحٌ على الذين منعوا قيام الأفعال الاختيارية بالله وقالوا: إن الله لا يمكن أن يأتي، ولا يستوي على العرش، ولا يتكلم بإرادته ومشيئته، بل كلامه معنًى قائم بنفسه لا يتعلَّق بإرادته، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يغضب. إلى آخر ذلك، كل صفةٍ تتجدَّد فهي عندهم مُلْغاةٌ منتفيةٌ عن الله، حُجَّتهم واهيةٌ جدًّا وداحضةٌ عند الله؛ يقولون: إن الأفعال الاختيارية التي تتجدَّد لا تقوم إلا بحادثٍ. بناءً على قاعدةٍ قاعدةٍ في الحقيقة، هي قاعدةٌ غير قائمة؛ يقولون: الحادث لا يكون إلا بحادث. من أين لهم هذا؟! الحادث يكون بالحادث والقديم، حوادث أفعالنا نحن حادثة قائمة بحادث، لكن حوادث البارئ جل وعلا حادثة لكنها قائمة بأزليٍّ ليس بحادث.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: محبة اليهود للفساد في الأرض وسعيهم في ذلك سعيًا حثيثًا؛ لقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، ومن شاهد الواقع الآن عرف أن الآية منطبقةٌ تمامًا على يهود الوقت الحاضر أنهم يسعون في الأرض فسادًا بكل ما يستطيعون؛ إن استطاعوا بأنفسهم أو بعبيدهم الذين هم عبيدٌ لهم، ولهذا نقول: اليهود الآن عابد ومعبود، اليهود حقيقةً هم عبيدٌ ومُعَبِّدون؛ لأنهم يسخِّرون الدول الكبرى أن تفعل ما فيه مصلحتهم، وهم أيضًا أذناب للدول الكبرى؛ لأن الدول الكبرى آمنةٌ منهم وتريد أن تلقيهم في مكان ما من أجل أن يُفسدوا في الأرض، فهُمْ يسعون في الأرض فسادًا في كل وقت، نسأل الله تعالى أن يكبتهم ويخيِّبهم.
ثم قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْالمراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والكتاب المشار إليه هو التوراة والإنجيل؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.
وقوله: آمَنُوابالقلوب، وَاتَّقَوْابالأفعال، وهذا إذا جمع بين الإيمان والتقوى؛ فالإيمان بالقلب والتقوى بالجوارح، الإيمان سِرٌّ والتقوى علانية، أمَّا إذا أُطلِق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر ضِمنًا.
آمَنُواأي: بما يجب الإيمان به، ومنه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل معروفٌ بأوصافه، يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] و[الأنعام: ٢٠]، هل أحدٌ يجهل ابنه؟ لا، وعلَّقه بالأبناء لأن تعلُّق الإنسان بالابن أقوى من تعلُّقه بالبنت، فتكون معرفته للابن أبلغ من معرفته بالبنت، ولأن الابن يسير معه في تجارته، في حراثته، في كل شيء، فهو يخبر ظاهره وباطنه، لكن البنت محلُّها البيت ولا يخبرها تمامًا إلا أمها، فهُمْ يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يؤمنوا به، فيكون الإيمان عندهم منتفيًا أو ثابتًا؟ منتفيًا؛ لأنهم ما آمنوا، حتى لو قالوا إنهم مؤمنون بموسى إن كانوا يهودًا أو بعيسى إن كانوا نصارى فهم كاذبون.
وأما وَاتَّقَوْافالمعنى: التقوى: اجتناب ما حرَّم الله والقيام بما أمر، وهذا في العلانية، الجوارح؛ الأقوال والأفعال، والتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، هذه هي التقوى.
لَكَفَّرْنَاهذه جواب (لو) لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ.
واعلم أن (لو) تقع اللام في جوابها كثيرًا، وقد تُحذف، وقد اجتمع ذلك في آخر سورة الواقعة؛ فقال الله تعالى في الزرع: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥] وقال في الماء: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، فأثبت اللام في الأول ولم يثبتها في الثاني، أما إذا كان جوابها (ما) النافية فإنها لا تُقرَن بها إلا نادرًا، وأما ما اشتهر عند الفقهاء وعند كثير من الناس وهو قرنُ اللام بـ(ما) فهذا لغة لكنها قليلة، فالأفصح أن تقول: لو كان كذا ما حصل كذا. ولكن لا بأس أن تقول: لَمَا حصل كذا. إذن الإثبات والنفي بـ(ما) متقابلان؛ الأكثر في الإثبات أيش؟
طالب: بلا لام.
الشيخ: لا، الأكثر باللام، والأكثر في النفي بـ(ما) حذف اللام، ومنه قول الشاعر في إثبات اللام:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي |
الشاهد قوله: لَمَا افترقنا، ولكن لا خيار مع الليالي.
وقوله: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْأي: خطيئاتهم؛ يعني: معاصيهم، سواء كانت بترك واجبٍ أو بفعل محرَّمٍ؛ لأن الإيمان والتقوى يُكفِّران السيئات.
وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِهذا ثواب الآخرة؛ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، فانتفى عنهم ما يكرهون بتكفير السيئات، وحصل ما يحبون بإدخال جنات النعيم.
وقوله: جَنَّاتِ النَّعِيمِجمع جَنَّة، وجُمِعت لأنها أنواع، وقد ذكر الله في سورة الرحمن كم نوعًا؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أنواع، والْجَنَّة في الأصل هي البستان الذي كثرت أشجاره حتى صارت تغطي أرضه؛ لأن الأصل في هذه المادة (الجيم والنون) الاستتار والخفاء، ومنه سُمِّي الجِنُّ جِنًّا.
والبستان كثير الأشجار جنة؛ قال الله تبارك وتعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف: ٣٢] لكن لا ينبغي أن تقول مثل هذا القول عند العامة؛ لأنك لو قلت: إن الأصل في الجنة أنها البستان كثير الأشجار، لكانت تَقِلُّ عظمةُ الجنة في نفوسهم، ولكننا نفسِّر الجنة التي في القرآن بأنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن هذا يُبقي هيبتها في النفوس وقوَّةَ الرغبة فيها.
وقوله: النَّعِيمِأيُّ نعيمٍ؛ أنعيم البدن، أم نعيم القلب، أم هما؟
الطلبة: هما معًا.
الشيخ: نعم، هما جميعًا؛ نعيم البدن: ينعم الإنسان بكل أنواع النعم، ونعيم القلب: لا يمكن أن يلحقه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، بل هم دائمًا في أُنس؛ ولهذا قال الله تعالى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١١]؛ النضرة في الوجه كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة: ٢٢]، والسرور في القلب، فما بالك بنعيم يكون فيه النضرة التي تبهج الناظر في الوجه، والسرور في القلب الذي ليس فيه حزنٌ ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ، اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين يدخلون جنة النعيم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني الإنسان أحيانًا يجد نفسه، وهو إن كان صالحًا في نفسه، إلا أنه لا يجد عنده القوة والقدرة على الإصلاح، يحسّ بالهيبة والرهبة، فكيف تزول هذه الصفة؟
الشيخ: الحمد لله، هذه تزول إذا قرأتَ قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] وعرفتَ أنك قُمتَ بما استطعتَ، فأنت إذا قمت بما استطعت كأنما قمت بالكمال كله؛ لأنك ممتثل لأمر الله، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، لكن الذي يدخل على الإنسان في هذه المسألة هو التأويل أحيانًا؛ إذ يقول مثلًا لنفسه: المقام هنا، ليس المقام التذكير أو أمر أو نهي، لعلي أتكلم في مكان آخر. أو ما أشبه ذلك، هذا اجتهاد، فالإنسان مأجور عليه، إما أجران وإما أجر واحد، وأمَّا أن يكلِّف الإنسان نفسَه وأن يريد من الناس أن يَصلحوا على يديه هذا مستحيل، بل قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود: ١٢]، ويقول: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣]، ويقول: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: ٦].
الطالب:شيخ، إذا كانت هذه صفة دائمة؟
الشيخ: يحاول يعالج، لا يكُن جبانًا، ولا يكُن ثقيلًا على الناس أيضًا، والإنسان الذي يسأل الله دائمًا التوفيق والحكمة والسداد ييسَّر لذلك.
طالب: حفظك الله يا شيخ، بعض العلماء يقسم علوَّ الله سبحانه وتعالى إلى علوِّ ذاتٍ وقَدْرٍ وقهرٍ، فعلوُّ الصفات في أي الأقسام يدخل؟
الشيخ: الصفات يدخل فيها القدر والقهر؛ إذا قلنا: علو ذات وعلو صفات، شمل القدر والقهر.
الطالب: كيف يدخل فيه علو قهر؟
الشيخ: القهر لأن الله قال في القرآن الكريم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣]، وقال: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران: ١٣٩] هذا علو القهر.
طالب: (...)؟
الشيخ: البغض مذكر والبغضاء مؤنث، والمعنى واحد.
طالب: قلنا: يلزم أن الفاسد في نفسه يكون مفسدًا. لكن يا شيخ نجد أن بعض المفسدين الحقيقيين يكونون مفسدين لآلاف الناس، فلا يُقارَن بمن هو فاسد في نفسه أو عاصٍ.
الشيخ: معلوم، ما فيه شكّ، ما يُقارَن، حتى الإفساد يختلف، حتى من يدعو إلى بدعة أو يدعو إلى فُحش أو غير ذلك يختلف، لكن إذا قلنا: إن الفساد في الأرض بالمعاصي، فكل عاصٍ له نصيب من هذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل القول في المعيَّة كالقول في القرب ونحوه من أنها صفةٌ حقيقية لله تليق بجلاله؟
الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله نص على هذا في العقيدة الواسطية، وهو معنا حقيقةً، وعلى عرشه حقيقةً.
الطالب: الإشكال -حفظكم الله- هو هذا ما نعتقده، ولكن هل يُشكل عليه ما ذكره شيخ الإسلام نفسه من ضرب المثال بالقمر والنجم، فهذا كأنه يقول بأن هذا أسلوب عربي وهو ليس بتأويل، إنما هذا هو المفهوم من السياق كما قلنا: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] ونحو ذلك، فكيف..؟
الشيخ: هذا صحيح، ولهذا يفرق حتى في كلام الناس؛ يقال للرجل: زوجته معه، ويقال: متاعه معه، ويقال: دراهمه معه، ويقال: ساعته وخاتمه معه، هو يفرق، أليس كذلك؟
الطالب: بلى، إذن هما بمعنى واحد.
الشيخ: المعنى واحد، القرب والمعية بمعنى واحد؛ لكن هذا القرب اختلف العلماء المعاصرون رحمهم الله أو علماء الخلف: هل هو ينقسم كالمعية إلى عامة وخاصة أو لا؟ والظاهر أنه لا ينقسم؛ أن القرب يختص بالعابد والداعي فقط كما قال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]، هذا بالنسبة للداعي.
بالنسبة للعابد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ، ولا يمكن أن نقول: إن الله قريب من الكافرين، مثلًا؛ لأن القرب شَرَفٌ ورِفعةٌ، لكن نقول: إن الله مع الكافرين كما قال الله تعالى: وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]، فالذي يظهر لي أن المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، والقرب خاص فقط ولا يكون عامًّا.
طالب: بعض الناس يعبِّرون عن بعض البلاد الجميلة بأنها جنة الله في الأرض، هل يصحُّ مثل هذا التعبير؟
الشيخ: واللهِ يصلح، لكن إذا كان يُفهم منها أنها قطعة من جنة الخلد فلا يجوز، فكل اللِّي في الأرض فهو لله عز وجل، لكن على كل حال عند العامة لا ينبغي أن تعبِّر به، قد يفهمون منه معنى غير صحيح.
طالب: (...) مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: ٧١] وتَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤] (...) في الرد على شبهة هؤلاء مختلف في هذه الآية عن هذه الآية بالرغم أن الظاهر أن الرد يكون واحد..
الشيخ: الإشكال في هذا غير الإشكال في هذا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، يختلف الإشكال.
***
طالب: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.الشيخ: أحسنت.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواإلى آخره.
يستفاد من ذلك: كمال عدل الله عز وجل وأنَّ كل من آمن واتقى ولو بعد الكفر والعناد فإن الله تعالى يتوب عليهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من الذنب يُثاب بثوابين: ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ ثواب الآخرة لقوله: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وثواب الدنيا في قوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى الاختيارية؛ لقوله: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ؛ لأن هذا التكفير متى يكون؟ بعد إيمانهم وتقواهم، فيكون فيه دليل على إثبات أفعال الله الاختيارية، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح وأئمة أهل السنة؛ أن الله عز وجل يفعل ما يشاء في أيِّ وقتٍ وعلى أيِّ كيفية.
وأما من قال: إن الأفعال الاختيارية لا يمكن أن تُنسب إلى الله لأنها حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث. فقوله مردود؛ أولًا: أنه قياسٌ باطلٌ لمصادمته النص، والثاني: أنه قياسٌ غير صحيح؛ مَن قال: إنه يلزم من قيام الحوادث بصاحبها أن يكون حادثًا؟!
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء يكون بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب؛ يشير إلى الأول قوله: لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وإلى الثاني قوله: وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فالأول به النجاة من المرهوب، والثاني به حصول المطلوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات فيها النعيم المطلق الذي يشمل نعيم البدن ونعيم الروح، ويدل لذلك قوله تعالى: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١١]؛ قال العلماء: النضرة في الوجه، والسرور في القلب.
ثم قال الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْوهذا أمرٌ فوق الإيمان والتقوى وهو إقامة التوراة والإنجيل، وذلك بتصديق أخبارهما، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.
والتوراة هي الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى. لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وهذا يشمل الصنفين من أهل الكتاب؛ يعني اليهود والنصارى، كل منهما يجب عليه إقامة التوراة والإنجيل.
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْوهو القرآن الكريم، وقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْيدل على أن هؤلاء ملزَمون بالإيمان بالقرآن وإقامته، ويدل على أن قوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْهو القرآن قولُه تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤]، وأما قول بعض العلماء: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْيشمل حتى الكُتُب السابقة. ففيه نظر؛ لأن الكُتُب السابقة نزلت على من قبلهم لكنهم مكلفون بالإيمان بها.
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْهذا جواب الشرط، جواب الشرط (لو)، وقد سبق البحث في أن (لو) الشرطية تختص بالأفعال، وأن النحويين قدَّروا في مثل هذا وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَقدَّروا فعلًا وهو: ولو ثبت أنهم أقاموا التوراة، أو: ولو حصل أنهم أقاموا التوراة.
وقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْهذه تشمل عدة أشياء:
أولًا: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْوذلك بنزول الأمطار التي تكون سببًا للنبات الذي يأكلونه، والأمطار تنزل من السماء، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْيعني نبات الأرض، فيكون الله تعالى ذكر سببَ النبات والنباتَ، وهذا كقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦]، هذا وجهٌ ويدخل في الآية.
وقيل: المعنى: أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْمن ثمار الأشجار؛ لأن الأشجار تكون عالية فوق فيأكلون من ثمارها. مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْمن الزروع ونحوها التي تكون بالأرض ليس لها ساق، فيكون الله تعالى بيَّن أنهم سيبارَك لهم في الأشجار والزروع.
وقيل: المعنى: لأكلوا من كل وجهٍ؛ كما تقول: هذا الرجل في نعمة من هامِهِ إلى إبهامه، والمراد أن النعمة تغمره.
وعلى كل حال فالآية تشمل هذا وهذا، كل هذه الأوجه يصحُّ أن تفسَّر به الآية، وقد سبق لنا قاعدة في هذه المسألة مهمة؛ وهي أن الآية إذا احتملت معنيين فأكثر على السواء ولا منافاة بينهما فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، وهكذا الأحاديث أيضًا.
لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَقسمهم الله تعالى إلى قِسمين، أُمَّةٌهنا بمعنى طائفة، وأُمَّة في اللغة العربية لها معانٍ متعددة جاءت في القرآن؛ فتكون بمعنى طائفة كما في هذه الآية، وتكون بمعنى الدِّين مثل قوله تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، وتكون بمعنى الزمن كقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥]، وتكون بمعنى الإمام كما في قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠]. ومما جاء بمعنى الدِّين قوله تعالى عن المشركين: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] أي: على مِلَّة، وهذه أوضح من تمثيلنا بقوله: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]؛ لأنه يحتمل المعنى: الأُمَّة: جماعة من الناس.
على كل حال الأُمَّةُ جاءت في القرآن على أربعة معانٍ؛ الأول: الطائفة، الثاني: الدِّين، الثالث: الزمن، الرابع: الإمام.
يقول: مِنْهُمْ أُمَّةٌأي: طائفة مُقْتَصِدَةٌأي: قائمة بالواجب لا تزيد ولا تنقص.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَأي: كثير منهم سيئة غير مقتصدة بل هي مُفَرِّطة ومُفْرِطة، ولهذا وَصَف العملَ المشار إليه بقوله: سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ؛ فكلمة سَاءَ مَا يَعْمَلُونَتبيِّن أن المعنى: وكثيرٌ منهم غيرُ مقتصدٍ بل مسيءٌ في عمله فساء ما كانوا يعملون، وعليه فيكون سَاءَ مَا يَعْمَلُونَليس خبر كَثِيرٌ، بل خبرها محذوف؛ أي: كثيرٌ منهم سيِّئ العمل لم يقتصد، فساء ما يعملون.
بقي قسم ثالث خصَّ الله به هذه الأُمَّة وهو السابق بالخيرات كما في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر: ٣٢] يعني هذه الأُمَّة -جعلنا الله وإياكم منهم- فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر: ٣٢]، فكأنَّ بني إسرائيل السابقُ بالخيرات منهم قليلٌ بحيث لا يُقام له وزن ولا يُذكَر في التقسيم، وإلا فلا شكَّ أن فيهم سابقٌ بالخيرات، منهم من أدرك الإسلامَ فأسلم، هذا سابقٌ بالخيرات، لكن لما كان السابق بالخيرات قليلًا في بني إسرائيل لم نجد له ذِكرًا؛ لأن الذِّكر إنما يكون لمن كان له شأنٌ في التقسيم، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أن إقامة الشريعة في كل زمانٍ سببٌ لكل خير؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَإلى آخره.
ومنها: أن من أقام الشريعة جُوزِيَ بأمرين: جزاءً في الدنيا، وجزاءً في الآخرة.
ومنها: أنه يجوز ترغيب النفوس البشرية في فعل الطاعات بما يُذكَر من ثواب الدنيا، وانتبه لهذه النقطة، وعلى هذا فلو أن الإنسان عَمِل عملًا صالحًا يريد أن ينال حُسْن الدنيا والآخرة فإنه لا يُلام؛ لأنه لو كان هناك لومٌ ما ذكر الله سبحانه وتعالى ما يحصل من ثواب الدنيا، يعني يبقى ذكره شبيهًا باللغو.
ولهذا على العكس المحارم -يعني المحرَّمات- تجد أن الله تعالى جعل لها روادع تردع عنها حتى لا يفعلها الإنسان؛ فتجد الرجل قد يترك الزنى مثلًا خوفًا من العقوبة، ولولا هذا لَمَا كان للعقوبة فائدة.
فعلى كل حال نقول: إن الإنسان إذا قام بقلبه إرادة الدنيا لكن لا على أنها هي الباعث للعمل فلا حرج عليه؛ أليس الإنسان يقرأ الأوراد؟ لماذا؟ ليتحصَّن بها من شرور الإنس والجن، تجد الذي يقرأ الورد قد يغيب عن باله أنه يريد أن يتقرب إلى الله بالتلاوة، وإنما يريد التحصن، لماذا؟ لأن النفوس البشرية ضعيفةٌ تحتاج إلى أمرٍ ماديٍّ يساعدها على فعل الخيرات، ويدل لهذا الأصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض المغازي يجعل سَلَب القتيل لمن قتله تشجيعًا له ، فقول بعض الناس: إنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئًا من الدنيا. هذا غير صحيح، بل قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠] يعني نعطيه في الدنيا والآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على أهل الكتاب أن يُقيموا القرآن كما يجب أن يُقيموا التوراة والإنجيل؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وهو كذلك؛ ولهذا نقول لأهل الكتاب الذين يدَّعون أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر نقول: إنكم إن لم تؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ما نفعكم ذلك الإيمان؛ لأنكم لم تُتِمُّوا إيمانَكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، ووجه ذلك أن القرآن صفةٌ؛ لأنه كلامٌ، والكلام لا بد له من متكلم؛ لأن الصفة لا بد لها من موصوف، وإذا كان لا بد للقرآن من المتكلم به فمَن الذي تكلم به؟ هو الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علوِّ الله تعالى؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ؛ لأنه إذا كان القرآن صفة الله نازلًا منه لزِم أن يكون الله تعالى عاليًا، وهذا والحمد لله -عند من أنار الله بصيرته ولم تحتوشه الشياطين وكان على الفطرة التي فطره الله عليها- أمرٌ لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمرٌ فطريٌّ، وهو علوُّ اللهِ تعالى علوَّ الذات، ومرَّ علينا كثيرًا أن المنكرين لعلوِّ الذات انقسموا إلى قِسمين: قسمٌ قال: إن الله تعالى في كل مكان، في السماء والأرض، هو نفسه ذاته في كل مكان. وقسمٌ آخرُ قالوا: لا يجوز أن يُوصَف بأنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شِمال ولا منفصل عن العالم ولا متصل بالعالم. فالأوَّلون غلوا في إثبات صفةٍ من الصفات وهي المعيَّة، والآخرون غلوا فيما يدَّعونه تنزيهًا للرب عز وجل، إذن نأخذ من هذا أنه يجب علينا أن نؤمن بعلوِّ الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامة الدليل على أهل الكتاب أنه يلزمهم أن يؤمنوا بالقرآن؛ لقوله: مِنْ رَبِّهِمْ، فإنَّ لازِمَ كونه ربًّا لهم أن يقوموا بأمره ويلتزموا حُكمه لأنه ربٌّ، والربُّ لا بد له من مربوب، وهو سبحانه وتعالى السَّيد، والإنسان عبدٌ، فلا بد أن يقوموا بمقتضى هذه الربوبية فيؤمنوا بما أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ نِعَم الله عز وجل التي في الأرض منها ما هو عالٍ ومنها ما هو نازلٌ؛ لقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ، بل منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفيٌّ؛ فالمعادن التي في الأرض خَفِيَّة، والأشياء الظاهرة على وجه الأرض ظاهرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انقسام أهل الكتاب إلى قِسمين: قِسمٌ أيش هو؟ مقتصدٌ، قائمٌ بالواجب، تاركٌ للمحرَّم، لكن ليس عنده سبقٌ إلى الخيرات، وقِسمٌ آخرُ سيِّءٌ مسيءٌ في عمله؛ إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرَّمات؛ لقوله: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان منقبة عظيمة لهذه الأُمَّة، وهي أن هذه الأُمَّة قسَّمها الله إلى ثلاثة أقسام: منهم ظالِمٌ لنفسه، ومنهم مقتصدٌ، ومنهم سابقٌ بالخيرات، أمَّا أهل الكتاب فلم يُقسَّموا إلا إلى قسمين: المقتصد، ومسيء العمل وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] انتبه للنداء وللوصف الذي وُجِّه إليه النداء: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، قدَّمنا كثيرًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُوصفه بالرسالة إشارةً إلى أن هذا الوصف مقتضاه وإن لم يؤمَر بالإبلاغ أن يكون مبلِّغًا لأنه رسول.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُويعني به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني، أمَّا في قوله: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] فـ(أل) للعهد الذِّكْري.
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُيعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَبَلِّغْأي: اجعله بالغًا؛ بمعنى أن تؤدِّيه إلى من أُرسِلْتَ إليه، وهو صلى عليه وسلم أُرسِلَ إلى الجِنِّ والإنسِ منذ بُعِثَ إلى يوم القيامة، وعلى هذا فيكون تبليغه إمَّا مباشرًا كالذين رأوه وسمعوا منه، وإمَّا بواسطة من خَلَفه في أمَّته عِلمًا ودعوةً، وهم العلماء؛ فالرسول بلَّغ البلاغَ المبينَ، عليه الصلاة والسلام.
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَمَااسمٌ موصولٌ، واسم الموصول يفيد العموم؛ أي: جميع ما أُنزِل إليه.
وقوله: مِنْ رَبِّكَإشارةٌ إلى أن كونه مربوبًا لله عز وجل يستلزم أن يُبَلِّغ، ثم أيضًا فيه شيءٌ آخر وهو أن ربوبية الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام ربوبية خاصة.
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَما الذي أُنزِل إليه؟ القرآن، كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وتبليغ الرسول عليه الصلاة والسلام يشمل تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات يفسرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كانت مجملة أو غامضة؛ فهو يفسرها بقوله ويفسرها بفعله عليه الصلاة والسلام.
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُهذا كلام شديد؛ إِنْ لَمْ تَفْعَلْأي: تبلِّغْ كل ما أُنزِل إليك فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُحتى فيما بلَّغته مما كتمته فإنه لا يكون بلاغًا؛ لأن جحد بعض ما أُنزِل كجحد الكل؛ الإيمان لا يتبعض، ما يمكن تؤمن بشيء وتنكر شيئًا، ولهذا قال: إِنْ لَمْ تَفْعَلْأيش تفعل؟ تُبلِّغ ما أُنزِل، كلَّ ما أُنزِل فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُحتى فيما بلَّغْتَ لم تُبلِّغ؛ لأنه لا بد أن تُبلِّغ أيش؟ جميعَ ما أُنزِل، ولهذا بلَّغَ عليه الصلاة والسلام كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه لَوْمٌ عليه عليه الصلاة والسلام؛ قال الله تبارك وتعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧] هذه فيها لومٌ عظيمٌ، هذه لو قيلت لواحدٍ منا لطار من الغضب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه اللوم عليه، ولهذا قالت عائشة: لو كان محمدٌ كاتمًا شيئًا مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ.
يقول: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُأي: رسالة ربك، وأضاف الرسالة إليه سبحانه لأنه المرسِل، وقد تُضاف الرسالة إلى الرسول فيقال: هذه رسالة محمد؛ لأنه مُبَلِّغها، فتُضاف إلى الله باعتباره المرسِل وإلى الرسول باعتباره المبلِّغ.
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِيعني: إن كنتَ قد تُخفي شيئًا خوفًا من الناس فلا تَخَفْ؛ فإن الله يعصمك من الناس؛ أي: يمنعك من الناس أن يضرُّوك بشيء، وهذا هو الذي حصل والحمد لله، وإلا فما أكثر الذين يريدون قتله عليه الصلاة والسلام؛ أوَّلَ ما قدم المدينة كان يخاف؛ تقول عائشة: في ليلةٍ من الليالي لم يَنَمْ الرسول عليه الصلاة والسلام، سهِر، وقال: «اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِكَ يَحْرُسُنِي» -أو كلامًا نحو هذا- فما أن فرغ من دعائه إلا وفيه حِسّ السلاح، فقال: «مَنْ هَذَا؟». قال: سعد بن مالك -يعني سعدَ بن أبي وقاص- قال: «مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟» قال: خفتُ عليك يا رسول الله فأتيتُ أحرسكَ . بعثه الله عز وجل فصار يحرسه، وفي بعض الروايات لكن ليس في الصحيحين أن حذيفة أيضًا جاء معه، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية أمرهم أن يتفرَّقوا ؛ لأن الله التزم عز وجل بأن يعصمه من الناس، ومعلوم أن الله إذا التزم بمثل هذا فإنه محروس أشد من حراسة بني آدم وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَيعني أنه لن يُسَلَّط عليك -لو سُلِّط- إلا كافر.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَأي: لا يُصلح شأنهم حتى يصلوا إلى ما يريدون، وعلى هذا فيكون قوله: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَأي: لا يدُلُّهم إلى ما يريدون من قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحتمل أن المعنى: لا يهديه هداية دين، ويكون لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَالذين قضى الله عليهم بالكفر والموت عليه، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧].
في هذه الآية قراءة في قوله: فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ}؛ أما على قراءة الإفراد فلا إشكال فيها، وأما على قراءة الجمع فلماذا جُمِعتْ والرسالة واحدة؟
نقول: باعتبار الشرائع التي جاءت بها هذه الرسالة؛ لأنها جاءت بأعمال وأقوال واعتقادات، أعمال قلوبٍ وأعمال جوارح، جاءت بفعلٍ وبتركٍ، فكل نوع يُعتبر رسالة، فصحَّ الجمع.
في هذه الآية الكريمة فوائد منها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ.
ومن فوائدها: مَنْقبةٌ عظيمةٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث كان رسولًا لمن؟ لله عز وجل، هذه منقبة، الناس الآن فيما بينهم يُكرَم الرسولُ لإكرام مرسِلِه، وإذا كان مرسِلُه ذا شأن في المجتمع كان كونه رسولًا له أيش؟ شرفًا له، إذن فالرسول عليه الصلاة والسلام في نداء الله له بهذا الوصف منقبةٌ عظيمة له وشرفٌ عظيم، وإذا كان وصف العبودية شرفًا فوصف الرسالة أشد؛ لأن الرسالة متضمِّنة للعبودية وزيادة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليه، وقد حصل هذا، وشهدت له الأُمَّة بذلك ولله الحمد؛ ففي أكبر مجتمع اجتمع فيه الرسول عليه الصلاة والسلام بأُمَّته في يوم عرفة قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. ثلاث مرات وهو يقول: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» فيقولون: نعم. فيُشهِد الله: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . وشهادة صدر هذه الأُمَّة تنسحب إلى بقية الأُمَّة إلى يوم القيامة؛ فنحن نشهد بالله أنه بلَّغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام وبلَّغ الرسالة كاملةً.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الرافضة الذين يقولون: إن ثلث القرآن لم يُبَلَّغ وأنه مكتوم.
فنقول: كل القرآن مُبَلَّغ والحمد لله ولم يبقَ شيء، وقد ذكر ذلك المفسرون رحمهم الله وقالوا: هذا فيه ردٌّ على الرافضة؛ لأن الرافضة يعتقدون أن ما بين أيدينا من القرآن ليس هو القرآن، وأن محمدًا كتم بعضه -والعياذ بالله- أو مَن بعده كتموا أيضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله؛ لقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
وفيها أيضا: إثبات العُلوِّ، وسبق قريبًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: مِنْ رَبِّكَ.
ومن فوائدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم -وحاشاه- لو كتم شيئًا مما أُنزِل إليه لم يكن أدَّى حقَّ الرسالة، من أين تؤخذ؟ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.
ومن فوائدها: وجوب إبلاغ الشريعة على أهل العلم؛ وجه ذلك أن العلماء ورثة الأنبياء، وإذا كانوا ورثة الأنبياء وجب عليهم أن يقوموا بحق الإرث فيبلغوا ما علموا من شريعة الله وجوبًا؛ إما بالقول وإما بالفعل، إما بالكتابة وإما بالإشارة، بأيِّ وسيلة، يجب عليهم أن يبلِّغوا ما أُنزِل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومِن ثَمَّ يجب أن تذكروا ما أقوله لكم كثيرًا: أنه قد تجب السُّنن على طالب العلم، السُّنن التي هي سُنن تجب على طالب العلم؛ لأن هذا من إبلاغ الرسالة؛ يعني لو أن إنسانًا طالبَ علم معتبَرًا عند الناس قام يصلي وترك رفْع اليدين مثلًا عند تكبيرة الإحرام مثلًا، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، أو ركع ركوعًا على غير وجه مشروع؛ لعددته آثِمًا؛ لأن هذا الفعل الذي أخلَّ بالسُّنَّة فيه سيكون حُجَّةً، حُجَّةً لمن؟ للناس، لو كان هذا مشروعًا ما تركه فلان، كذلك الأفعال التي تكون مكروهة في حق غيره قد تكون في حقه محرَّمة، كما أنه يجب أيضًا على طالب العلم أن يفعل ما يعتقد الناس أنه حرامٌ من أجل أن يعرفوا أنه ليس بحرام؛ يعني بعض الناس يقول: أيّ حركة في الصلاة تُبطِل الصلاة. فنقول: إذا وجد سبب الحركة -يعني السبب الذي يبيحها- فليفعله العالِم حتى يبيِّن للناس، لكن في هذه الحال إذا خاف أن يُقتدى به يبيِّن بالقول أنه فعل ذلك لحاجة، وأن الحركة في الصلاة إذا كانت للحاجة فلا بأس بها، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تأكيد الله عز وجل على إبلاغ شريعته؛ لأن هذه الكلمة أو الجملة وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَشديدة جدًّا، مما يدل على أن الله عز وجل لا يرضى لعباده أن يتركوا شريعتهم غير مبلَّغة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم شيء من الشريعة ككتم جميعها؛ لقوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وهذا من فوائد القراءة الثانية {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ} لأنه قد يقول قائل: هو بلَّغ الرسالة فيما بلَّغ، فإذا قال: {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ} شمل الذي بلَّغ والذي لم يُبَلِّغ، فهذه من فوائد القراءة الثانية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام في عصمته من الناس؛ في قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ.
وهل هذه مطْلقة، أو مقيَّدة بما يحصل به البلاغ؛ يعني يعصمك من الناس حتى تبلِّغ الرسالة؟
إن نظرنا إلى ظاهر الآية قلنا: إنها مطلقة؛ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وإن نظرنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أُهدِيتْ إليه شاةٌ مسمومةٌ في غزوة خيبر وأكل منها وأثَّرت في لَهَواته، وكان أثرها مشاهَدًا، وفي مرض موته أخبر أن أكلة خيبر ما زالت تعاوده وقال: «هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ» . الأبهر: عِرقٌ في الظَّهر متصل بالقلب إذا انقطع هلك الإنسان، فهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام مات بسبب السم الذي حصل من هذه المرأة اليهودية، وقد قيل: إنها أسلمت. فإذا كان كذلك يجب أن تُقيَّد الآية؛ يعصمك من الناس إلى متى؟ حتى تبلِّغ الرسالة، وفِعلًا بلَّغ الرسالة، وأنزل الله على رسوله نعيه في قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ١ - ٣] والحديث -يعني حديث الشاة- في البخاري ، ذكره تعليقًا جازمًا به، والحديث المعلَّق عند البخاري يكون صحيحًا عنده، ما هو عند كل أحد، عنده، وقد ذكره معلَّقًا بصيغة الجزم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن القلوب بيد الله عز وجل وأن أفعال الخلق تابعة لإرادة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: يَعْصِمُكَ؛ لأن عصمة الرسول من الناس تنقسم إلى قسمين: إما عدم الإرادة بأن يصرف الله القلوب عن قتله؛ وإما بالعجز بأن يحاول الفاعل ولكن يعجز، وهذا حصل؛ لعلَّكم تذكرون قصة بني النضير: لما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بهم كادوا له؛ قالوا: اجلس حتى نأتي لك. ثم انبعث واحد منهم بطبق الرحا من أجل أن يلقيه على الرسول عليه الصلاة والسلام وهو جالس، فأخبره جبريل بهذا، فقام ودخل المدينة ، هذا عصمة من الإرادة ولَّا عدم القدرة؟
الطلبة: من عدم القدرة.
الشيخ: من عدم القدرة، وإلا فقد أرادوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين وإن كادوا لأولياء الله فإن الله سبحانه وتعالى لا يهديهم؛ لقوله: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ، هذا على تفسير أيش؟ أن المراد بالهداية دلالتهم على تنفيذ ما يريدون، وقد قال الله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦] يعني كيدًا أعظمَ من كيدهم، وقال تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]، أما على الاحتمال الثاني أنه لا يهديهم هداية شرع فيكون فيه دليل على أن من قضى الله عليه بالكفر فإنه لا يستطيع أحد أن يهديه؛ لأن الله لا يهدي القوم الكافرين.
ومن فوائد الآية: أن من علم الله تعالى منه الكفر فإنه لا يُهدَى ولا يوفَّق، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥].
طالب: بارك الله فيكم، ما فهمت وجه ضعف قول مَن قال مِن العلماء: إن المراد في: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْأنه الكتب السابقة، وجه الضعف فيه.
الشيخ: نعم، وجه الضعف فيه أن الذي نعلم نحن الآن أنهم كُلِّفوا بالتوراة والإنجيل، هذا وجه.
وجه آخر: أن هذه الآية على نسق قوله تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤].
الطالب: شيخ، ما هو كفر الناس برسالة واحدة كالكفر بجميع الـ..؟
الشيخ: بلى، لكن ما أُنزِل إليهم، ما يقال: هذا -مثلًا- الكتاب الذي نزل على نوح نازل على اليهود والنصارى. لكن يجب عليهم الإيمان به، كما أن التوراة والإنجيل ما نزلت علينا لكن يجب علينا الإيمان بها.





