تفسير سورة المائدة - 23
عدد الزيارات 3127

عناصر المادة :
تفسير الآية (68)
تفسير الآية (69)

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما فهمت ما وجه ضعف قول من قال من العلماء أن المراد بـوَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ [المائدة: ٦٦] أنه الكتب السابقة؟ وجه الضعف؟
الشيخ: نعم، وجه الضعف فيه أن الذي نعلم نحن الآن أنهم كُلِّفوا بالتوراة والإنجيل، هذا وجه.
وجه آخر: أن هذه الآية على نسق قوله تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤].
الطالب: بس يا شيخ، ما هو بكفر الناس برسالة واحدة؛ الكفر بجميعها.
الشيخ: بلى، لكن ما أُنزِل إليهم.
ما يقال: هذا مثلًا الكتاب الذي نَزل على نوح؛ نازل على اليهود والنصارى، لكن يجب عليهم الإيمان به، كما أن التوراة والإنجيل ما نَزلت علينا، لكن يجب علينا الإيمان بها.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة: ٥١، ٥٢].

الشيخ: قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍكيف كان اليهود أولياء للنصارى، والنصارى أولياء لليهود، مع أنهم يقولون، النصارى يقولون: لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة: ١١٣]، واليهود يقولون: لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ؟
طالب: هذا في حال اجتماعهم على المسلمين.
الشيخ: نعم، في حال اجتماعهم على المسلمين يكون بعضهم أولياء بعض، أمّا إذا نظر أحدهم كل واحد على حدة، فهم؟
الطالب: بعضهم أعداء بعض.
الشيخ: فإن بعضهم لبعض عدو، أحسنت.
قول الله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَمع أننا علمنا أن الله هدى قومًا ظالمين من اليهود، والنصارى، والمشركين؟
طالب: أي مَن بقي على ظلم؛ أن الله لا يهديه هداية توفيق وتسديد.
الشيخ: لا، ما هو الظاهر.
طالب: مِمَّن علم الله منهم عدم الإيمان.
الشيخ: نعم؛ يعني ممن حقت عليهم كلمة الله، وقضى الله عليهم بالضلال والهلاك؛ فيكون هذا العام أُريد به أيش؟ الخاص.
وفيه أيضًا: التحذير من الظلم، فإن الإنسان إذا ظلم؛ فعسى ألَّا يُهدى -والعياذ بالله- لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فهو كقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥].
الشيخ: قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌما المراد بالمرض هنا؟
طالب: النفاق.
الشيخ: النفاق، ما هو دليلك على أن المراد به النفاق؛ لأنه يطلق على النفاق وعلى غيره؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، نريد من القرآن.
طالب: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠].
الشيخ: لأن الله قال في المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا. طيب، أحسنت.
يُطلق المرض على الكفر، كما في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
ويُطلق على الفاحشة فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢]؛ إذن المراد بالمرض هنا أيش؟
طالب: النفاق.
الشيخ: النفاق؛ لأنهم هم الذين يُسارعون في موالاة اليهود والنصارى، ويقولون: نخشى أن تُصيبنا دائرة.
قوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢] ما المراد بالفتح؟
طالب: النصر.
الشيخ: النصر، أحسنت. أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ؟
طالب: هدايتهم.
الشيخ: هدايتهم، صحيح أو يهتدوا فيأتي الله بأمر ما كان على بالكم، ولا على خاطركم.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٣، ٥٤].

الشيخ: قوله تعالى: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِهل فيها قراءة أخرى؟
طالب: {مَنْ يَرْتَدِدْ}.
الشيخ: نعم، بفك الإدغام.
جواب (من) الشرطية؟
طالب: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ.
الشيخ: ماذا يفيد هذا الجواب، والشرط؟
طالب: أن دين الله عز وجل ليست إقامته موقوفة على هؤلاء، بل إذا تولوا يأتي الله عز وجل بخير منهم، كما في قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨].
الشيخ: نعم، أحسنت، في هذه الآية رد على طائفة معينة من أهل البدع، مَن؟
الطالب: فيه رد على نفاة الأفعال، أفعال الله عز وجل الاختيارية؛ لقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ، وأيضًا فيه رد على فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُفرتَّب إتيان الله عز وجل بالقوم على فعله.
الشيخ: هذا إثبات الأفعال الاختيارية، الصفة الأخرى؟
الطالب: فيه إثبات صفة المحبة؛ محبة لله عز وجل لعبيده، ومحبة العبيد لله عز وجل.
الشيخ: مَن تحفّظ من أهل البدع؛ أنكر ذلك؟
الطالب: أما الغلاة فأنكروا أن الله عز وجل..
الشيخ: أنكروا المحبة.
الطالب: أن الله عز وجل يُحِب أو يُحَب، وأنكر الأشاعرة أن الله عز وجل يحب عباده، وأوَّلوها بالثواب، أو بإرادة الثواب.
الشيخ: طيب، ويش حجتهم؟
الطالب: حجتهم أن المحبة من الصفات الحادثة، أن هذه الأفعال الاختيارية من الأفعال الحادثة، وأنه لو اتصف الله عز وجل بها لكان حادثًا؛ لأن ما قام به الحادث فهو حادث.
الشيخ: طيب، إنكارهم أن الله يُحَب، أيش حجتهم؟
الطالب: الإنكار هذا قول الغلاة أن الله عز وجل يُحَب..
طالب آخر: أن الحب بين مستويان يا شيخ.
الشيخ: متناسبين، بين متناسبين، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق. على كل حال هذا التعليل غير صحيح.
كيف قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَأَذِلَّةٍ عَلَى، ولم يقل: أذلة للمؤمنين؟
طالب: الحروف تتناوب.
الشيخ: هذا جواب لا بأس به، لكنه هزيل.
طالب: أنهم مع حنوهم وعطفهم على المؤمنين، فهم في ذلة (...).
الشيخ: بس قال: عَلَىأَذِلَّةٍ عَلَىيعني كأن أحدًا يقول: (على) تقتضي الاستعلاء؟
طالب: هم في منزلة عالية، وكأنهم فوقهم لمنزلتهم وشرفهم، ومع هذا فهم يُذِلُّون لهم.
طالب آخر: شيخ، يدل على أنهم على شفقة.. على المؤمنين.
الشيخ: يعني كأنه ضمن مع الإشفاق؟ يعني مشفقين على المؤمنين.
طالب: أن الذلة تعديت بـ(على)، فيها معنى القوة مع القدرة، أما باللام فمع العجز..
الشيخ: أيش؟
الطالب: الذلة مع العجز ما هي كمال، لكن كان عن قدرة تسلط، فإذا ذَلَّ الإنسان كان كمالًا في حقه.
الشيخ: إذا كانوا أقوياء على المؤمنين يَستعلون عليهم؟
الطالب: بإمكانهم ذلك، لكن لما مَنعوا أنفسهم من ذلك، كان كمال في حقهم.
الشيخ: هذا وجهان.
طالب: أن هذه الذلة ليس عن ضعف.
الشيخ: هذا قريب من معنى كلام محمد.
على كل حال، بعضهم قال كما قال الأخ الأول إن أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَيعني مُضَمَّن معنى الشفقة؛ يعني أذلة بشفقة على المؤمنين.
وبعضهم قال: إن هذه تدل على أن الذلة صار من علو، وليس من ضعف؛ لأن الذليل قد يكون ذليلًا لضعفه لا لعلوه، ولكن هذه تفيد أنهم أذلاء مع العلو والرفعة.
في قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌواسع أيش؟
طالب: واسع في كل شيء، واسع في العطاء..
الشيخ: يعني كل صفاته فهي واسعة لا يُحاط بها، في العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، إلى آخره.
طالب: شيخ، يقال: إن الولاية نوعان: ولاية الله لعباده، وولاية العباد لله عز وجل.
أما الثانية: ولاية العباد لله، فبنصرة دينه، وأما ولاية الله لعباده فبحفظهم..
الشيخ: إذن نقول: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [المائدة: ٥٥] يعني إنما الذي ينبغي أن تتخذوه وليًّا، هو الله ورسوله والذين آمنوا، دون اليهود والنصارى.
ثم رغَّب في ذلك، فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المائدة: ٥٦] يعني ليتخذا الله ورسوله وليًّا وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَإذن زال الإشكال، إذا قلنا: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُالمعنى ما الذي ينبغي أن تتخذوه وليًّا إلا الله ورسوله والذين آمنوا.
طيب، في الآية إثبات الحزبية، فهل الحزبية مشروعة؟
طالب: الحزبية بين المسلمين ليست مشروعة، أمَّا التحزب على دين الله، ونصرته، هو الذي يجب اتباعه.
الشيخ: أحسنت، إذن الحزبية بين المسلمين غير مشروعة، بل هي أداة للتفرق، أما الحزبية بين الكفار وبين المسلمين فهي واجبة؛ لأن غير المسلمين هم حزب الشيطان أليس كذلك؟
فالله تعالى جعل لنفسه حزبًا، وجعل للشيطان حزبًا، ولا بد من هذا، لكن بين المسلمين محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الفُرقة.
إذا قال قائل: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَهذه الجملة فيها حصر؛ لأن الغلبة لِمَن؟
طالب: لحزب الله.
الشيخ: لحزب الله عز وجل.
لو أورد عليك إيراد هذا القائل، وقال: إننا نجد أن المسلمين صار عليهم هزائم، وصارت الغلبة لأعدائهم حتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طالب: لكن النصرة النهائية هي للمؤمنين.
الشيخ: يعني فهم الغالبون باعتبار النهاية؟ باعتبار النهاية هذا جيد، هم الغالبون باعتبار النهاية.
طالب: قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران: ١٤٠] هذا دليل أن أحيانًا الفتح، وأحيانًا النصر، وأحيانًا..
الشيخ: يعني أن الغَلبة لا بد أن تكون لها حكمة، غلبة غير المسلمين لا بد أن يكون لها حكمة وهي مثلًا في أُحد سببها؟
طالب: المخالفة.
الشيخ: المخالفة والمعصية، وفي حُنين سببها الإعجاب، فالله تعالى قد يُدير الكفار على المسلمين لحكمة، إما لتقصير المسلمين، أو لغلوهم في أنفسهم، أو لأي سبب، لكن في النهاية -كما قال محمود- تكون الغلبة لمَن: لحزب الله الذين هم أولياء الله.
الشيخ: في قوله: وَالْكُفَّارقراءتان؟
طالب: الْكُفَّارَو{الْكُفَّارِ}.
الشيخ: إعرابهما؟
طالب: إذا قلنا: وَالْكُفَّارَتكون معطوفة على الَّذِينَالأولى، وإذا قلنا: {الْكُفَّارِ} معطوفة على الَّذِينَالثانية، أحسنت تمام.

***

تفسير الآية (68)
00:16:32

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [المائدة: ٦٨ - ٧١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهم يَدَّعون أنهم على حق، وأنهم المقيمون لشرائع الله، ومع ذلك فبعضهم يقول للبعض: ليس على شيء، كما قال الله تعالى عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة: ١١٣].
وكل منهم نفى أن يكون صاحبه على شيء إطلاقًا، أما الله سبحانه وتعالى فهو حكم عدل، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍأي: لستم على شيء من الدين، وإنما نفى أن يكونوا على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي هم عليه باطل حتى يقيموا التوراة والإنجيل، إذن لستم على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي يدعون أنه حق، هو باطل، والباطل عدم، وليس بشيء.
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَحَتَّىهنا غائية؛ يعني إلى أن تقيموا التوراة والإنجيل، أي: تأتوا بها قائمة، فاعلين أوامرها، تاركين نواهيها، مُصدِّقين بأخبارها، هذا معنى إقامتها؛ يعني تكون بثلاثة أمور:
أولًا: فعل الأوامر.
والثاني: ترك النواهي.
والثالث: تصديق الأخبار؛ هذا إقامتها.
التوراة بإزاء اليهود، والإنجيل بإزاء النصارى، ومعلوم أن اليهود لو أقاموا التوراة لآمنوا بعيسى، وأن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْيعني وتقيموا ما أُنزل إليكم من ربكم، ويعني به القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل مما أُنزل، وإذا قلنا: إن المراد بما أُنزل إليكم من ربكم التوراة والإنجيل صار فيه شيء من التَّكرار، وإذا دار الأمر في الكلام بين التَّكرار وبين التأسيس؛ فالواجب: حمله على التأسيس والمباينة، فنقول: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْيعني بذلك القرآن.
فإن قال قائل: القرآن نَزَل على أمة محمد؟
قلنا: نعم، على أمة محمد وهم من أمة محمد، لكنهم من أمة الدعوة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِى نَفْسي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .
قال من هذه الأمة، ويشير إلى أمته عليه الصلاة والسلام، والمراد أمة الدعوة؛ إذن وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْالمراد به القرآن، فإذا اعترض معترض بما ذكرنا، أُجيب بما أجبنا به.
وقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْفي قوله: مِنْ رَبِّكُمْإشارة إلى أنه يلزمهم أن يقيموه، يلزمهم أن يقيموه؛ لأنه نَزل من عند الرب، والرب هو الخالق المالك المدبر، فإذا كان الله هو ربكم لزمكم أن تقيموا ما أُنزل إليكم منه؛ لأنه ربكم، سيدكم، إلهكم وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
ثم قال الله عز وجل: وَلَيَزِيدَنَّهل النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمره الله تعالى أن يقول قولًا، هل نقول إنه قاله؟ أجيبوا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، نقول: إنه قال لا شك؛ لأنه إن لم يقله لم يبلغ رسالة ربه، إذن هو قال لهم ذلك، وأعلن لهم هذا أنهم ليسوا على شيء؛ حتى يقيموا التوراة، والإنجيل، والقرآن.
قال: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًاانظر للاحتراز كَثِيرًا مِنْهُمْيعني لا كلهم.
بل بعضهم زادهم القرآن إيمانًا، كما قال الله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٨٣] لكنَّ كثيرًا منهم يَزداد طغيانًا وكفرًا والعياذ بالله.
ولنُعرِب قوله تعالى: وَلَيَزِيدَنَّفاللام هنا واقعة في جواب القسم، في جواب القسم المقدر، والتقدير: والله ليزيدن، والنون للتوكيد، وعلى هذا تكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القَسم المقدَّر، واللام، والنون.
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَمَاهذه فاعل يزيدن.
مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَوهو القرآن طُغْيَانًا وَكُفْرًا، لماذا يَزيدُهم طغيانًا وكفرًا؟
لأنهم كلما كَذَّبوا بآية أو عصوا آية ازدادوا بذلك طغيانًا وكفرًا، وهذا نظير قوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
فهم كلما نزلت آية؛ ازدادوا طُغيانًا، وازدادوا كفرًا نسأل الله العافية.
فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَلا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحزن ويأسى، إذا لم يقم الناس بأمر الله؛ لأنه رسول يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله، فهو يأسف حتى إن الله قال له: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣].
يعني مُهلكًا نفسك ألّا يكونوا مؤمنين، لا تهتمّ، أَدِّ ما عليك وهو إبلاغ الرسالة، والباقي على الله إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
فَلَا تَأْسَأي: لا تحزن وتأسف على القوم الكافرين الذين ردوا رسالتك، وهذا لا شك أنه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام في كونه يحزن إذا لم تُجَب رسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: بيان أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء، وعلى هذا فإذا زعموا أنهم مؤمنون قلنا لهم: كذبتم، لستم على شيء إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل.
ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُعلن براءته من أهل الشرك، ويُبين أنهم ليسوا على شيء حتى نتبعهم؛ لقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.
ومن فوائد هذه الآية: إعطاء كل ذي حق حقه؛ لأنه خاطبهم بأهل الكتاب، مع أنهم حقيقة ليسوا بأهل له، إذ إن أهل الكتاب هم الذين يقومون به، كما تقول: يا أهلَ القرآن؛ يعني الذين يقومون به، فالوصف إذا أُعطي صاحبه فهو عدل.
كما أن فيه فائدة ثانية، وهي: أنه لكونهم أهل كتاب، يلزمهم أن يقيموه.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا تتم إقامة التوراة والإنجيل إلا بإقامة القرآن؛ لأن الله اشترط ثلاثة أشياء: حتى تقيموا التوراة، والإنجيل، وما أُنزل إليكم من ربكم.
فمَن ادَّعى أنه مقيم للتوراة، وهو كافر بالإنجيل، قلنا: هذا غير صحيح، دعوى باطلة، ومن ادَّعى أنه مؤمن بالإنجيل، ولم يؤمن بالقرآن، قلنا: هذه دعوى باطلة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شرف القرآن لكونه نازلًا من عند الله.
ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله، ووجهه أن القرآن ليس عينًا قائمة بنفسها، حتى نقول: إنه مخلوق، بل هو وصف يقوم بالْمُتكَلِّم به، وإذا كان وصفًا لزم أن يكون منزلًا غير مخلوق.
أما قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] فهنا نقول: الأزواج مخلوقة؛ لأن الأزواج أعيان قائمة بنفسها.
وكذلك قوله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] أيضًا الحديد عين قائمة بنفسها، لا يمكن أن تكون وصفًا لله.
أما القرآن فهو كلام، والكلام لا بد أن يقوم بمتكلم، فيكون منزلًا غير مخلوق، كما قال ذلك السلف رحمهم الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوّ الله؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَوالإنزال إنما يكون؟
الطالب: من أعلى.
الشيخ: أيش قلنا؟
الطالب: الإنزال يكون من أعلى.
الشيخ: الفائدة التي عللناها بذلك.
الطالب: إثبات علو الله عز وجل.
الشيخ: نعم، إثبات علوّ الله؛ لأن الله قال: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يلزم من أقرَّ بالربوبية، أن يُقرَّ بالألوهية، والشريعة؛ لقوله: مِنْ رَبِّكُمْيعني من ربكم الذي لا تنكرون ربوبيته، وإذا كنتم لا تنكرون ربوبيته، لزمكم أن تقوموا بأمره.
ومن فوائد الآية الكريمة: إضافة ربوبية الله للكافرين، لكن هذه الإضافة ليست إضافة التشريف، ولكن إضافة إقامة حجة، فأنت مثلًا إذا قلت: إن الله تعالى رب محمد عليه الصلاة والسلام هذه إضافة تشريف، لكن بالنسبة للكفار إضافة لبيان إقامة الحجة عليهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزدادون بالقرآن إلا طُغيانًا وكفرًا، إمَّا بالتكذيب، وإمَّا بالعصيان.
ومن فوائد الآية الكريمة: العدل في كلام الله، وعدم المجازفة؛ لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْولم يقل: كلهم؛ لأن الواقع أن بعضهم يزداد بالقرآن إيمانًا، كما سمعتم في الشرح.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز توكيد الكلام بما يثبت صدقه، وإن كان في الأصل صدقًا؛ لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْمع أن خبر الله وإن لم يكن مؤكدًا صدقٌ بلا شك، لكن ما وجه التأكيد هنا؟
وجهه أنه قد يُستغرب أن يكون هذا القرآن الذي هو هدى للناس، لا يزيد هؤلاء إلا طغيانًا وكفرًا، فلما كان هذا محل استغراب أكده الله عز وجل، لاحظوا لأن تأكيد الكلام إذا كان صادرًا من صادق لا بد أن يكون له سبب، وإلا لكان التوكيد لغوًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم قد يزيد سامعه طغيانًا وكفرًا، وقد يزيده إيمانًا وذلًا، لقوله: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْفإنه يُفهم منه أن بعضهم لا يزيده طغيانًا وكفرًا، بل لا يزيده إلا إيمانًا، وهذا كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر يزيد وينقص، الكفر يزيد وينقص، وجهه؟
طلبة: وَلَيَزِيدَنَّ.
الشيخ: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًاوعليه فيكون هذا شاهدًا مؤيدًا لما يُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .
يعني أنه إذا كان يزيد وينقص، فلا بد أن يكون الأعلى فوق الأدنى، فيكون هناك كفر دون كفر.
هل يمكن أن نقول: وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ربما نقول هذا؛ لأنه إذا كان الكفر يزيد وينقص، وبإزائه الإيمان، فلا بد أن يكون مثله يزيد وينقص.
والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، سواء بالأقوال، أو بالأفعال، أو باليقين، انتبه لهذه الفائدة!
الإيمان يزيد بالأقوال فإن مَن ذَكر الله ألف مرة ليس كمَن ذكر الله مئة مرة مثلًا، أيهم أكثر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كذلك بالأفعال، ليس مَن صلى مئة ركعة كمن صلى مئتي ركعة، الثاني أَزيَد.
كذلك في اليقين، اليقين يختلف الناس فيه، الإنسان نفسه أحيانًا يكون في حالة صفاء، وفي حالة فراغ، ويكون قلبه خاليًا من كل شيء سوى الله، فيجد لذة عظيمة في الإيمان، وقوة عظيمة، حتى كأنه يُشاهد الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» .
ويدل لهذا أن اليقين يختلف، ويزيد، وينقص، أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] هذا وهو إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يقول: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
وهذا شيء مشاهد، ليس الخبر كالمعاينة، لو أخبرك إنسان من أوثق الناس عندك، ومعه مثله أو أكثر، فإن يقينك بهذا الخبر ليس كيقينك به إذا شاهدته، إذن الإيمان يزيد وينقص.
وإذا كان يزيد وينقص، فيجب علينا أيها الإخوة أن نلاحظ إيماننا هل زاد؟ هل نقص؟ فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: مِنْ رَبِّكَفإن هذه الربوبية للتشريف والتعظيم، وبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يزيد فيما أُنزل إليه، ولا ينقص؛ لأنه نزل من ربه الذي اعتنى به أتم اعتناء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يَأْسَ على القوم الكافرين، حتى إن الله تعالى بَيَّن له في آية أخرى، أن ما حصل منهم واقع بمشيئة الله، من أجل أن يَطمئن، كما قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [الأنعام: ١٠٧].
فإذا كان شرك بمشيئة الله، فإن الرسول لا شك سوف يرضى، لكن لا يمنعه من الدعوة إلى الله، قال: فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَِ.
فإن قال قائل: وهل هذا أيضًا يوجه إلى الداعي إلى الله، بمعنى أنه لو جاء أحد يشكو إليك، يقول: أنا نصحت هؤلاء القوم، ولكنهم لم يأخذوا بنصيحتي، بل كابروا، واستهزؤوا، وسَخِروا، هل لك أن تقول: يا أخي لا تأس، لا تحزن، لا يضق صدرك، أو لا؟
نعم، أقول هكذا حتى أُفرِّج عنه، وأُفسح له، ولا يقنط، فلذلك ينبغي للإنسان إذا جاءه أحد من دعاة الخير، أو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يشكو إليه أن يُوسّع له ويُفسح له، ويقول: لا تأسى على هؤلاء، لكن بعض الناس إذا جاءه واحد يشكو، والله الناس خراب، من يبغي يقدرهم إلا الله؟! ونسأل الله العافية ِبيحل بنا غضب ونِقمة، ثم دَخَّل عليه حُزنًا على حزن، وهذا غلط؛ لأن الداعي إلى الله إذا قام بما يجب عليه ما وراء ذلك فهو إلى الله عز وجل.
تفسير الآية (69)
00:38:42

ثم قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوايعني إيمانًا حقيقيًّا، وليس كما قال بعضهم إيمان نفاق؛ لأنه لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، انتبهوا لهذا!
لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، أما قبل أن يُنافِق يمكن أن يكون آمن ثم كفر، كما قال عز وجل في المنافقين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [المنافقون: ٣] لكن يُعبَّر عن المنافِق حال نفاقه بأيش؟ بالإسلام، يمكن يعبر عنه بالإسلام، لكن بالإيمان لا يمكن.
ولهذا ضَعُفَ قول مَن قال: إن المراد بـالَّذِينَ آمَنُواأي: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، نقول: هذا لا يمكن أن يقع التعبير به في القرآن أبدًا.
لكن الذي حملهم على هذا أنه قال عز وجل: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ [البقرة: ١٢٦] فقال: كيف نقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوامَنْ آمَنَ مِنْهُمْيكون هذا تَكرارًا؟
يكون تَكرارًا، لكن يمكن أن نقول: مَنْ آمَنَاسم مشترك، فيكون باعتبار الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ [البقرة: ٦٢] أي: مَن دخل في الإيمان، وباعتبار الَّذِينَ آمَنُواأي: مَن ثبت على إيمانه؛ لأن الإنسان قد يؤمن، ثم يكفر، نسأل الله العافية، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن نقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواهذه (إن) واسمها، أما خبرها فمحذوف، دل عليه ما بعده، والتقدير: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وعلى هذا التقدير يكون قوله: وَالَّذِينَ هَادُوامبتدأ، فتكون الواو للاستئناف، أو معطوفة على محل (إن) واسمها، أفهمتم؟ وَالَّذِينَتكون أيش إعرابها؟ مبتدأ.
الَّذِينَ هَادُوايعني بذلك اليهود، ومعنى هَادُوارجعوا؛ لأنهم قالوا: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا إليك وتبنا.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىالصَّابِئُونَأصل الصابئ هو الذي خالف دين آبائه وأجداده؛ يعني خرج عن دين قومه، فما المراد بهم هنا؟
قيل: إنهم فرقة من اليهود، وعلى هذا فيكون عطفها على الَّذِينَ هَادُوامن باب عطف الخاص على العام.
وقيل: إنهم فرقة من النصارى، وعلى هذا فيكون عطف النصارى عليهم من باب عطف العام على الخاص.
وقيل -وهو الأظهر-: إنهم فرقة مستقلة؛ لأن الله ذكرها على وجه الاستقلال، فالصابئون على دين مخالف لدين اليهود ودين النصارى، ولعلهم أخذوا من هذا الدين، ومن هذا الدين وركبوا دينًا لهم.
وَالصَّابِئُونَالصَّابِئُونَالصابئون معطوفة على الَّذِينَ هَادُواولا إشكال في إعرابها على الوجه الذي ذكرناه، وهو أن الَّذِينَ هَادُوامبتدأ فيكون عُطِفَت على مبتدأ فترفع.
لكن يَرد علينا أنها ذُكرت في آية أخرى بـالصَّابِئِينَ، في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج: ١٧].
فيقال: الفرق ظاهر؛ لأن الآية الأخيرة ليس فيها ذكر الإيمان فيما بعد، إنما فيها ذكر عموم الأجناس من كافر ومسلم، فتكون الصَّابِئِينَمعطوفة على الَّذِينَ آمَنُواعلى اسم (إن)، والخبر يأتي بعد.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىوَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْفهو يفصل بين المؤمنين، وبين اليهود والنصارى، والصابئين والمشركين، فلا تكون نظيرًا لهذه الآية، وإذا لم تكن نَظيرًا لها لم يكن إعرابها كإعرابها.
وَالنَّصَارَىالذين ناصروا عيسى عليه الصلاة والسلام، قيل: إنها مأخوذة من النصرة.
وقيل: إنها مأخوذة من الناصرة اسم بلدة، وفي كل منهما شيء من الإشكال؛ لأن النصارى لا تتطابق في الترتيب مع النصرة ولا مع الناصرة، لكنه لا شك أن المراد بهم بالاتفاق هم الذين تابعوا عيسى عليه الصلاة والسلام.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِإعراب مَنْ آمَنَهل نقول: إنها شرطية؟ أو نقول: إنها اسم موصول؟
في ذلك قولان؛ أحدهما: أنها شرطية، وعلى هذا فيكون جواب الشرط، أيش؟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْوتكون جملة الشرط خبر المبتدأ؛ يعني الجملة الشرطية خبر المبتدأ.
ويجوز أن تكون (مَن) اسمًا موصولًا فتكون بدلًا أو عطف بيان لما سبقها، ويكون محلها محل ما سبق؛ يعني يكون محلها بالإعراب محل ما سبق، وعلى هذا فيكون الخبر قوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَورُبِطَت بالفاء؛ لأن الَّذِينَ هَادُوااسم موصول، وهو يشبه الشَّرْط في العموم، مفهوم ولّا؟ مفهوم.
قوله: مَنْ آمَنَما محل آمَنَمن الإعراب؟ إن قلنا: مَنْشرطية، فمحلها الجزم على أنها فعل الشرط، وإذا قلنا: إنها اسم موصول، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِإذا قال قائل: أين العائد على التقديرين؛ على أنها شرط، أو اسم موصول؟
نقول: العائد محذوف، وقد ذُكِر في آية أخرى في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ٦٢] فيكون المحذوف في هذه الآية قد دلَّ على حذفه الآية الأخرى.
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًالا بد من الإيمان بالله، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بكتبه، ورسله، وملائكته، وقَدَره، ويش بقي؟ اليوم الآخر.
فالإيمان بالله متضمّن لخمسة أركان من الإيمان؛ الإيمان بالله وأيش؟ ملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، واليوم الآخر (...)، والحكمة من ذلك أن الأركان الأربعة أُجملت تحت الإيمان بالله، وهذا خُصّ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان على العمل، إذا كان الإنسان في شك من اليوم الآخر -والعياذ بالله- لن يعمل، ماذا يرجو وماذا يخاف؟
فلا يمكن الإيمان حقيقة إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان به هو الذي يحمل على أيش؟ على القيام بشريعة الله، الإيمان بالله عز وجل قلنا: إنه يتضمن الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيرِهِ وشرِّهِ.
وقوله: الْيَوْمِ الْآخِرِهو يوم القيامة، و(أل) فيه للعهد، والْآخِرِيعني الذي لا يوم بعده؛ لأن نهاية مطاف الخلق هو اليوم الآخر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، جعلنا الله وإياكم إلى الجنة.
الإيمان باليوم الآخر، قال شيخ الإسلام رحمه الله: يدخلُ في الإيمان باليوم الآخر الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت.
كل ما أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت فهو داخل في الإيمان باليوم الآخر؛ فتنة القبر، عذاب القبر، نعيم القبر، وكذلك ما يكون بعد قيام الساعة من الحساب، والميزان، والكتب، والصراط، والحوض، والشفاعة، وغير ذلك.
وقوله: عَمِلَ صَالِحًا..
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- تكثر عبارة لمن يشتكي مثلًا سواء في دعوة أو غيرها، يقال: سوّي اللي عليك والباقي على الله. هل تصح هذه العبارة؟
الشيخ: إي، نعم تصح.
الطالب: طيب يا شيخ (...) الكل على الله؟
الشيخ: لا، الباقي يعني ما وراء طاقتك على الله؛ يعني ليس عليك، مثل: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
الطالب: طيب، ما هو حتى عمل الإنسان يعني على الله.
الشيخ: هذا من الله، ولا بد من عون الله عليه، صحيح مثل ما تقول: أعطِ فلانًا عشرة ريالات، والباقي على فلان..
طالب: هذا واضح.
الشيخ: وهذا واضح أيضًا، أنت الآن اللي عليك (...) وبلغت، والباقي على الله، لست مُكلفًا به.
طالب: أكرمك الله يا شيخ، في توحيد الربوبية قالوا (...) الصفات الثلاثة، بأن الله هو الخالق، والرازق، والمدبر، فلماذا اقتصر عليها؟
الشيخ: ما في غيرها، الرب معناه الخالق، المالك، المدبر، ما في غيرها.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرنا أن الكفر يزيد وينقص، ما وجه الذين يستدلون أن تارك الصلاة ليس بكافر، ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» يقولون: هذا كفر يعني دون كفر، فكيف نرد عليهم؟
الشيخ: نرد عليهم بنفس الحديث قال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ» فاصل، فإذا كان هذا بيننا وبينهم معناه فاصل بين الكفر والإيمان، وفيه أيضًا حديث جابر أنه قال عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» .
طالب: يقولون يا شيخ أنه لم يجحدها، متهاون بها أنه لم يجحد الصلاة..
الشيخ: طيب، ما دام الرسول قال: «فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» وأطلق كيف نقيدها؟ وإذا قيدناها بمن جحد الفريضة قلنا هذا غلط، لأن من جحد الفريضة يكفر ولو صلى، والحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا».
وإذا قال: المراد تركها مع الجحد، فنقول: هذا الرجل ألغى الوصف الذي اعتبره الشرع، وأتى بوصف لم يعتبره الشرع؛ لأن الجحد يَكفر به الإنسان بالإجماع، إلا حديث عهد بإسلام لا يدري فهذا يُعلّم.
طالب: أحسن الله إليك، هل صحيح بقول من يقول بأن أمة الإسلام لن يقوم لها قائمة حتى ينزل الله عز وجل عيسى عليه الصلاة والسلام ويُبعث المهدي، فهل هذه المقولة صحيحة؟
الشيخ: والله ما أدري، الظاهر أنها ما تصح، أما في طائفة فقطعًا؛ لأن الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ» .
أما في الكل فلا أدري، ولكن قد يكون، أن حقيقة الأمر إذا رأيت المسلمين اليوم، ولا أدري عن المستقبل، وجدت أنهم في حال لا تستقيم على النصر، متشتتون، متفرقون، وبعضهم يحكم بغير ما أنزل الله، ويستهزئ ويسخر بالدين وأهل الدين، نسأل الله أن يعيد للمسلمين مجدهم.
طالب: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْمَاتفيد العموم، فلماذا لا يحمل عليها القرآن أولًا، والتوراة والإنجيل أيضًا، من باب التوكيد؟
الشيخ: ما حاجة، كونه يذكر القرآن وحده استقلالًا، واستنادًا إلى الآية التي سقناها.
طالب: (...) العموم التوراة أنزلت (...) فما المانع (...)؟
الشيخ: ما حاجة، ما دام نص عليها حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، ما حاجة أن نقول: الظاهر العموم، وجعل هذه الجملة خاصة بالقرآن أبلغ في رفعة القرآن، حتى يكون القرآن موازيًا للكتابين جميعًا.
طالب: نقول: هذا العموم مخصوص؟
الشيخ: إي نعم، نقول: المراد بها القرآن وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤].
طالب: رجل قام يتكلم وكان موضوع كلمته القرآن، وفي أثناء حديثه كان يقول: الذي قال عنه ربه؟
الشيخ: هذا غلط عظيم؛ يعني يتكلم عن القرآن، فيقول: إن القرآن هو الذي قال عنه ربه، هذا غلط، هذا يُوحي بمذهب الجهمية، وإن كان لها وجه في اللغة العربية إذا علمنا أن المتكلم من أهل السنة الأقحاح؛ لأن الرب يأتي بمعنى الصاحب كما قال تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ [الصافات: ١٨٠] والعزة وصف لله عز وجل، لكن بمعنى صاحب العزة.
طالب: أحسن الله إليكم، أعطيتم في تعظيم الله سبحانه وتعالى..
الشيخ: على كل حال، هذه يجب تنزيه اللسان عنها، يجب أن أنصحه، هذا غلط، هذا يُوهم العامة أن القرآن مخلوق.
الطالب: الله سبحانه وتعالى عبر: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًاولم يقل: أكثرهم مع أن اليهود والنصارى أكثرهم..؟
الشيخ: لا، قد يكون أكثرهم مقلدة، ولا (...) كفرًا، لكنه مقلد مع العامة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يصح الدعاء (اللهم إنا هُدنا إليك)؟
الشيخ: بمعنى رجعنا؟
الطالب: رجعنا أو نسأل..
الشيخ: يصح، إذا عُلم المعنى يصح.
طالب: (...) الفعل واليقين، قد يذكر الإنسان الله عز وجل، ويَذكر آخر أقل منه، فيزداد الأول إيمانًا، والآخر لا يزداد؟
الشيخ: نعم، هذا سبب اليقين، سبب اليقين قد يكون بالنسبة لشخص أقل من الآخر، لكن اليقين نفسه يختلف (...).
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ومثلًا الذكر قد يذكر الله ألف مرة، وهذا مئة مرة فيكون الأول أكثر، لكن نعم قد يكون بقلب الثاني الذي لم يذكر الله من اليقين أكثر من ذلك فيكون كل واحد زاد من شيء.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍما معنى هذه الجملة؟
طالب: لا، على حق، ولا على شيء منه، إلا أن تقيموا التوراة والإنجيل.
الشيخ: إي، لكن مش معنى لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ.
الطالب: لستم على حق.
طالب آخر: لستم على شيء من الدين.
الشيخ: لستم على شيء من الدين؛ لأنهم يَدَّعون أنهم أهل الكتاب، وأنهم أهل الدين، فيقول: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍنظيرها؟
طالب: من القرآن؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قوله جل وعلا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة: ١١٣].
الشيخ: نعم، المهم أنهم كل واحد منهم قال للطائفة الأخرى: ليس على شيء، أي ليس على دين.
قوله: حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَبماذا تكون إقامتها؟
طالب: بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار.
الشيخ: أحسنت، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار.
وقوله: مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْما المراد به؟
طالب: المراد به القرآن الكريم.
الشيخ: هل له في القرآن ما يؤيد هذا؟
طالب: نعم، أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣، ٤].
الشيخ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَبارك الله فيك.
كيف يكون ما ينزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا؟
طالب: بالعناد مع كفرهم.
الشيخ: فيزدادون كفرًا. هل يؤخذ من الآية أن الكفر أنواع، زائد وناقص؟
طالب: نعم، يزيد وينقص.
الشيخ: يزيد وينقص، وفي معنى ذلك ما روي عن ابن عباس؟
الطالب: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله: فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَمعناها؟
طالب: لا تحزن على هؤلاء الذين لم يؤمنوا برسالتك، وهذا فيه تسلية..
الشيخ: على الكافرين بك.
الطالب: على الذين كفروا بك، ولم يؤمنوا بما أُنزل إليك، وهذا فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام.
هل في القرآن ما يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يضيق صدره؟
طالب: نعم، قول الله تعالى: فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر: ٨].
الشيخ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر: ٩٧]، وقال تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣].
قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَفي رفع الصَّابِئُونَإشكال؟
طالب: في..
الشيخ: لأن (إن) تنصب الاسم، وترفع الخبر، والمعطوف على اسمها قبل استكمال الخبر يجب نصبه، وهنا قال: وَالصَّابِئُونَإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى؟
طالب: معطوفة على محل اسم (إن).
الشيخ: ما يجوز يُعطف على محل اسم (إن) إلا بعد استكمال الخبر، ابن مالك يقول:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ (إِنّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا

طالب: من آمن.
طالب آخر: خبر (إن) محذوف وتقديره..
الشيخ: لا، الإشكال في الصَّابِئُونَلماذا رفعت، وهي معطوفة على؟
طالب: لأنها معطوفة على مبتدأ، وهو الَّذِينَ هَادُوا.
الشيخ: يعني لم تُعطف على إِنَّ الَّذِينَ؟
الطالب: لا، عطفت على الَّذِينَ هَادُوا.
الشيخ: وَالَّذِينَ هَادُوامنصوبة ولَّا مرفوعة؟ مرفوعة؟ كيف تُرفع وهي معطوفة على منصوب؟
طالب: لأن هنا عطف جملة إلى جملة.
الشيخ: إذن ما محلها من الإعراب الَّذِينَ هَادُوا؟
طالب: مبتدأ يا شيخ.
الشيخ: مبتدأ، صحيح تمام.
ما الذي يُرجّح هذا القول أن الَّذِينَمبتدأ غير معطوفة على إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا؟
طالب: متعلّق بآخر الآية: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِوهذا يَصدق على الذين آمنوا ومن بعدهم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوالا يقال: إن الذين آمنوا من آمن منهم؛ لأنه تحصيل حاصل.
الشيخ: لأنهم مؤمنون، إذن يرجح آخر الآية أن الَّذِينَ هَادُوامبتدأ.
ذكر الله عز وجل: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِوترك عز وجل أشياء من أركان الإيمان مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِذكر ركنين من أركان الإيمان ولم يذكر الباقي؟
طالب: لأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان بالملائكة، والرسل، والكتب، والقدر خيره وشره.
الشيخ: أحسنت الإيمان بالله يشمل الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره.
اليوم الآخر ما هو؟
طالب: هو الذي ليس بعده يوم.
الشيخ: لكن ما هو، عينه؟
الطالب: هو يوم القيامة.
الشيخ: لماذا سُمي اليوم الآخر؟
طالب: لأنه لا يوم بعده.
الشيخ: لأنه لا يوم بعده، أحسنت.
قوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأيش معناها؟ لَا خَوْفٌ{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
طلبة: ما أخذناها.
الشيخ: قال الله عز وجل: وَعَمِلَ صَالِحًايعني عمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح هو ما جمع شرطين: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
وإن شئت فقل: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعته حتى يكون أعمّ، فيشمل الذين آمنوا بالرسل السابقين، واتبعوا شرائعهم، فيقال: العمل الصالح ما جمع بين أمرين الإخلاص لله، والمتابعة للرسول الذي تكون شريعته قائمة، فالعمل الصالح ضده العمل الفاسد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وهذا فات فيه المتابعة.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» وهذا فُقِد فيه الإخلاص.
واعلم أن الإخلاص ليس بالأمر السهل، الإخلاص من أصعب ما يكون حتى إن بعض السلف يقول: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستعيذ بالله أن يشرك بالله وهو يعلم، ويستغفره لما لا يعلم.
فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصخرة السوداء؛ لذلك يجب على الإنسان أن يكون دائمًا يغسل قلبه من أدران الشرك ويتفقّد، حتى لا يقع فيه وهو لا يعلم.
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأولًا في الإعراب، لَا خَوْفٌوَلَا هُمْ يَحْزَنُونَمع أن لَافي مقام النافية للجنس، والمعروف أن لا النافية للجنس تنصب الاسم، وترفع الخبر، كما قال ابن مالك:
عَمَلَ (إِنَّ) اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ

فهنا نقول: (لا) لم تنصب، لأنها كُررت، وإذا كررت أُلغيت، فيكون لَا خَوْفٌلا نافية، ولا نقول للجنس، نقول: ليس عليهم خوف، أي: من المستقبل؛ لأنهم آمنون مطمئنون، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢].
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأي: على ما مضى؛ لأن ما مضى كله قد استوعبوه بطاعة الله فلا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم رضوا بعاقبته وثوابه، ولا يخافون من المستقبل فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
في هذه الآية من الفوائد: أن مِن اليهود والنصارى والصابئين مَن هو مؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٢٦] وهو كذلك فمثلًا اليهود الذين آمنوا بموسى حين كانت شريعته قائمة يدخلون في كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، والنصارى الذين آمنوا بعيسى حين كانت شريعته قائمة كذلك، والمؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم كذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ثواب الله عز وجل لا ينبني على حسب ولا نسب، وإنما ينبني على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣].
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي لنا عند التعبير أن نعبر عن اليهود باليهود، وعن النصارى بالنصارى، لكن صار القِسّيسُون من النصارى يلقّبون أنفسهم بالمسيحيين، ليُضفوا على ما هم عليه من الباطل ثوبَ الحق؛ يعني هم إن انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دينه، ولكن المسيح بريء منهم؛ لأنهم لم يقبلوا بشارته، ولم يصدقوا بها، ولم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى أله وسلم الذي أخذ الله على النبيين الميثاق أنهم يؤمنون به وينصرونه، فوصفهم الحقيقي ولقبهم الحقيقي هو النصارى، وما زال أهل العلم الذين يكتبون في التاريخ من المسلمين وغير المسلمين، ما زالوا يسمونهم بالنصارى، حتى عظمت دولة النصارى، واستولت على كثير من البلاد الإسلامية وسمت أنفسها بمَن؟ بالمسيحيين.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه من أحوال اليوم الآخر، ونعيم القبر وعذابه كذلك، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا كذلك، فكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي؛ لقوله: آمَنَوَعَمِلَ صَالِحًافلو أن إنسانًا كان مقرًّا بالله وباليوم الآخر، وبالملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر، ولكن ليس عنده عمل صالح، فإن عليه الخوف، وله الحزن؛ لأن الله لم ينفِ الخوف والحزن إلا عن مَن آمن وعمل صالحًا.
فإن قال قائل: على هذا التقرير هل ترون أن ترك العمل الصالح -أي عمل يكون- يَكفر به الإنسان؟
فالجواب: لا؛ لأن التكفير شيء، والخوف من الذنوب والحزن على ما فات شيء آخر، ولا نُطلق الكفر إلا على مَن كفَّره الله ورسوله، ولا نطلقه إلا على من كفره الله ورسوله؛ لأن التكفير حكم شرعي يترتب عليه أمور عظيمة، والأحكام الشرعية لا تَتلقى إلا من الشرع، فلا يجوز أن نصف أحدًا بأنه كافر دون أن يكون كافرًا بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، ولا أن نسلب عنه الكفر إذا كان الكتاب والسنة يقتضي كفره، ولكن يبقى النظر إذا جاء إطلاق الكفر في القرآن والسنة، فهل نحمله على الكفر الأكبر أو على الأصغر؟
فالجواب: الواجب أن نحمله على الكفر الأصغر، هذا الواجب؛ لأن الأصل بقاء إسلام المسلم، فلا نخرجه من دائرة الإسلام إلا ليش؟
إلا بيقين؛ لأن اليقين لا يُرفع إلا بيقين، ولا يمكن أن يزال اليقين بالشك، فإذا جاء في القرآن والسنة إطلاق الكفر على عامل عمل كذا وكذا، وشككنا هل المراد الكفر المخرج من الملة أو الكفر الأصغر، فالواجب أن نحمله على الكفر الأصغر، لماذا؟
لأن الأصل بقاء الإسلام حتى نتيقن أنه خرج من الإسلام؛ ولأن التعبير بالكفر في مواطن كثيرة يتيقّن الإنسان أنه الكفر الأصغر بدلالة القرآن والسنة، مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» .
إذا قال قائل: إذن مَن قاتل المؤمنين فهو كافر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قِتَالُهُ كُفْرٌ».
نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاإلى قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ٩، ١٠].
ولو كان المقاتل كافرًا كفرًا أكبر لم يكن أخًا لنا.
وكذلك قال في القصاص فيمَن قتل المؤمن، قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨] أخيه القاتل مع أن قتل المسلم كفر، فيقال: هذا يدل على أن إطلاق الكفر لا يقتضي الخروج من الإسلام، وكذلك يقول: «اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: النِّيَاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِى النَّسَبِ» .
وأمثال هذا كثير، وعلى هذا فنقول: الكفر حكم شرعي لا يجوز إطلاقه إلا على من أطلقه الله ورسوله عليه، ثم الكفر نوعان أيش هو؟
أصغر وأكبر، فإذا علمنا أن هذا من الكفر الأكبر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة قلنا: هو كفر أكبر، وإذا لم نعلم وجب حمله على الكفر الأصغر؛ لأن الإسلام متيقّن، والكفر مع الاحتمال ليس بمتيقن؛ ولأنه لا يمكن أن نستبيح دم المسلم إلا بنص صريح واضح.
فإذا قال قائل: إذا ثبت أن هذا كفر، فهل نحكم به على الشخص المعين أو لا؟
نقول: نعم، نحكم به على الشخص المعين إذا تمت شروط التكفير، فإننا نحكم عليه بأنه كافر بعينه، فلو رأينا رجلًا لا يصلي أبدًا، قلنا: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، للأدلة المعروفة، ولا تخفى على كثير منكم.
فإن قال قائل: وهل نكفره بعينه؟
قلنا: نعم، نكفره بعينه، وندعوه إلى الصلاة إن صلى ارتفع عنه الكفر والقتل، وإن لم يصلِّ قُتِل كافرًا بعينه.
وكذلك لو رأينا شخصًا يسجد للصنم، والسجود للأصنام كفر أكبر مخرج عن الملة، نحكم عليه بعينه بأنه كافر، ونستبيح دمه وماله.
ولو سمعنا أحدًا يسب الله ورسوله، نحكم عليه بعينه أنه كافر، ونستتيبه على القول الراجح، وإذا تاب رفعنا عنه القتل، ووصف الكفر، وإلا قتلناه كافرًا، وهلم جرًّا.
وأما ظن بعض الناس أنه لا يُكفَّر أحدٌ بعينه، إلا إذا جاء في القرآن والسنة أنه كافر بعينه، فهذا غلط عظيم؛ لأننا لو أخذنا بهذا القول ما بقي أحد كافرًا، نعم، لا نحكم له بالنار إلا إذا عين في الكتاب والسنة، وهناك فرق بين الحكم بالكفر، وبين أيش؟
الشهادة له بالنار، فإننا لا نشهد له، لو شهدنا بأنه كافر لا نقول إنه في النار بعينه، لكن نقول: هذا كافر، وكل كافر في النار، هذا صحيح، كل كافر في النار، وأهل السنة والسلف أنكروا الشهادة لمعين بألقاب المدح والثناء، ولم يُنكر التعميم، خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إنكم تقولون: فلان شهيد، فلان شهيد، ولعله حَمَّلَ بعيره -يعني غلولًا- لا تقولوا: شهيد، ولكن قولوا: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد ، فيجب أن تعلموا الفرق بين الحكم بالكفر وبين أيش؟
وبين الشهادة بالنار، ذكرنا أنه يُحكم بكفر المعين إذا تمت شروط التكفير، شروط التكفير لا بد من معرفتها:
أولًا: أن يكون الإنسان قاصدًا لما قال أو فعل، أن يكون قاصدًا لما قال أو فعل، فإن لم يكن قاصدًا فلا شيء عليه لأنه مغلوب، وجميع الألفاظ التي يُغلب عليها الإنسان لا حكم لها لا في الكفر، ولا في الطلاق، ولا في العتق، ولا في الوقف، ولا غيرها فإنه لا حكم لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» .
وقال الله عز وجل: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥] فلا بد من القصد.
بناءً على ذلك لو أكره الإنسان على الكفر، فإنه لا يكفر بنص القرآن مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦].
ولو أن الإنسان قال كلمة الكفر من شدة الغضب، فإنه لا يكفر، لماذا؟ لعدم القصد، هو ما قصد أن يتكلم بهذا، لكن غُلب عليه حتى تكلم فلا يكفر.
ولو أن الإنسان قال كلمة الكفر من شدة الفرح -عكس الأول- فإنه لا يكفر؛ لأنه مغلوب ولم يقصد، والحديث في هذا صريح في قصة الرجل الذي أضل راحلته، وعليها طعامه وشرابه حتى أيس منها، فنام تحت شجرة، فإذا بالناقة قد حضرت فأخذ بزمامها، وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ، وليس عليه شيء، كلامه هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأنه أيش؟ عن غير قصد، لكن مع الفرح الشديد أخطأ.
ومن ذلك أيضًا الخطأ في التأويل، لو أن الإنسان فعل ما يُكفِّر تأويلًا، وظنًّا منه أن هذا هو الحق فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد الكفر، وإنما فعل هذا الشيء أو قال هذا الشيء بناء على أنه حق وحلال، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس نفورًا منه، ويشهد لذلك قصة الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه، ويلقوه في اليم وقال: والله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين.
فهذا إنما أمر بهذا الشيء خوفًا من عقاب الله، وظنًّا منه أنه لو بعثه الله لعذبه عذابًا شديدًا، فجمعه الله عز وجل، وسأله لماذا فعلت؟
قال: يا رب، جعلت هذا خوفًا منك، فغفر الله له . اللهم لك الحمد، غفر الله له؛ لأنه إنما فعل هذا خوفًا من عقاب الله عز وجل، فظن أن هذا لا يضره، ومنه على بعض التفاسير فعل يونس عليه الصلاة والسلام وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء: ٨٧] وألا نضيق عليه أشد من الضيق الذي حصل له، والذي حصل له من الضيق أشد.
ولكنه عليه الصلاة والسلام لا شك أن هذا ما قاله إلا عن تأويل أو ما ظنه إلا عن تأويل، وهذه مسألة مهمة، وعليها بنى الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين عنه، بنى عليها أن الخوارج ليسوا كفارًا، لماذا؟
لأنهم استباحوا دماء المسلمين بأيش؟ بتأويل، هم يرون أنهم يتقربون إلى الله بقتل المسلمين؛ لأنهم لا يرون أنهم على حق، أي أن المسلمين ليسوا على حق، فهم متأولة.
ومن العلماء من أطلق كفرهم بناء على الأحاديث الواردة فيهم، والآخرون قالوا: هذا في الخوارج المعينين الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب، وليس كل خارج يكون كافرًا، فالمهم الآن ويش اشترطنا؟ القصد، وهذا من أهم شيء.
الجاهل، الجاهل غير قاصد للمخالفة، وانتبهوا لهذه المسألة ترى مهمة جدًّا جدًّا، القصد، الجاهل الذي يسجد للصنم ظنًّا منه أنه ليس حرامًا؛ لأنه عاش في بلد الكفر، وكان حديث الإسلام فظن أن هذا لا يضر، فهل نقول: إنه كافر؛ لأنه مشرك أو لا؟
لا نقول هذا حتى نعلمه أن هذا شرك، فإذا أصر على ذلك وقال: إنه وجد آباءه على ذلك صار كافرًا.
الزنا حرام بإجماع المسلمين، فلو أنكر أحد تحريمه؛ لأنه لم يعرف الإسلام، أسلم حديثًا فإنه أيش؟
لا يكفر؛ لأنه لا بد من العلم، وهذا تدل عليه أحاديث كثيرة وآيات كثيرة، قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥].
وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩] ومَن الظالم؟
الظالم الذي يفعل المخالفة عن قصد وعلم، وأما من فعلها عن جهل أو خطأ في تأويل أو غيره فليس بظالم، فلا بد من مراعاة هذه الأشياء لئلا تزل القدم فتُكفر من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كفرت من لم يكفره الله ورسوله باء الكفر عليك -نسأل الله العافية- كما جاء في الحديث الصحيح: «أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» أي: رجع عليه.
عكس ذلك من لا يُكَفِّرُون بترك الأعمال أبدًا حتى ما جاء به الشرع لا يقرون به، فيقولون: إنه لا كُفْرَ إلا في الاعتقاد فقط، وأما الأعمال فليس فيها كفر، يزني، يسرق، يقتل، يترك الصلاة، يترك الزكاة، يترك الحج، هو لا يكفر، وهذا خطأ.
ودائمًا الحق يكون بين طرفي نقيض، إما إفراط، وإما تفريط، والواجب علينا أن نتعبد لله عز وجل بما نذكر من أحكامه، وبما نفعل من شريعته، فلا نذكر من أحكامه ما لم يذكره، إذا كان الله يقول: لَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦]، فكيف بالذي يقول: هذا كفر وهذا إسلام، هذا أشد؛ لأن الكفر يا إخوان يترتب عليه أيش؟
أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره، دمه حلال، وماله حلال، ولا يبقى معه زوجة، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة.
ما هي المسألة كلمة تُقال، المسألة خطيرة جدًّا، ثم مع ذلك هؤلاء الذين يُكفرون مَن لم يكفره الله ورسوله هم يَكفرون بماذا؟
لقتالهم المسلمين، قتالهم المسلم كفر كما جاء في الحديث الصحيح، وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يَحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر.