تفسير سورة المائدة - 24
عدد الزيارات 3386

عناصر المادة :
تفسير الآية (70)
تفسير الآية (71)
تفسير الآية (72)
تفسير الآية (73)

الكفر يا إخوان يترتب عليه أيش؟ أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره دمه حلال، وماله حلال، ولا يبقى معه زوجه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة، ما هي المسألة كلمة تقال، المسألة خطيرة جدًّا، ثم مع ذلك هؤلاء الذين يكفرون من لم يكفر الله ورسوله، هم يكفرون بماذا؟ بقتالهم المسلمين، قتالهم المسلمين كفر كما جاء في الحديث الصحيح .
وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر حتى أيش؟ يكفر كفرًا أكبر.
فالمهم أن هذه المسائل يجب علينا ألا نتقدم بين يدي الله ورسوله، وألا نكفر من لم يكفره الله ورسوله، وألا نحجم عن تكفير من كفره الله ورسوله، والحمد لله الأمر إلى الله، ما هو لنا ولا لفلان ولا لفلان.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يأتي أناس يقولون: إن الكفر يكون بالأعمال، ويقولون: الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل إذا كان تقرر وصار عامًّا ليس بمسألة واحدة، إنما مقررًا ومشروعًا مستبدلًا بحكم الله عز وجل، يقول: سواء كان عامًّا أو كان في ناحية من النواحي ما دام أنه مقرر: إنه كفر، ويجب علينا أن نكفر من أقر هذا الحكم، حتى لو حكم من تسعين في المئة حكم الله عز وجل، لكنه قرر عشرة بالمئة من أحكامه بغير ما أنزل الله أقرها وناضل عنها، هل هذا صحيح أم ماذا؟
الشيخ: كما قلت لك: ينظر هل هو عن قصد، هل هو عن تأويل، وهل أراد أن يستبدل شريعة الله بشريعة أخرى؟ الناس يختلفون؛ لأن الذي يحكم بغير ما أنزل الله قد يكون ظلمًا، يعني يريد أن يضر المحكوم عليه، ما له غير هذا، هذا معصية من المعاصي، كما لو أخذ ماله بدون حكم، واضح؟ أو يريد مصلحة لنفسه، هو لا يريد أن يأخذ من المحكوم عليه شيئًا، لكن يريد مصلحة نفسه، فيحكم بغير ما أنزل الله، هذا أيضًا لا يكفر بلا شك، هذا يكون فاسقًا، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله غير راضٍ بحكم الله، هذا يكفر؛ لأنه أنكر الشريعة، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله متأولًا إما بنفسه وإما بما يزين له.
ولنضرب لهذا مثلا: بعض العلماء من المسلمين يقولون: مسائل الحياة هذه الشرع جعلها مطلقة، ينظر الإنسان ما هو أصلح للناس ويفعل، ثم يستدلون بأشياء هي شبهات، ما هي حجج، فيقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ووجدهم يلقحون النخيل فقال لهم: «مَا هَذَا؟». كأنه يقول: اتركوها، لا تلقحوها، فتركوها ففسد الثمر، فجاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا له: يا رسول الله، هذا الثمر فسد. قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» .
أخذ بعض الناس من قوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» أنهم أيش؟ يعني الذي يرون أنه من المصلحة يفعلونه، حتى الربا الاستثماري الذي يسمون: ربا استثماري، يقولون: إنه جائز؛ لأن الرسول قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ»، وما دام أن البنك مثلًا يعطي هذا الفقير أموالًا عظيمة ينشئ بها المصانع أو يحرث بها الأراضي أو يتجر بها فهو منتفع، والفقير منتفع، هذه مصلحة للطرفين، وما دامت مصلحة للطرفين فإنه حلال. فيموهون بمثل هذا، فإذا كان الحاكم جاهلًا بالأحكام الشرعية وجاءته بطانة تلبس عليه الأمور ربما أنه يميل إليها، لكن يجب على أهل العلم أن يبينوا أن هذا حرام وأنه لا يجوز، وتقوم عليه الحجة.
الطالب: يقولون: نحن نحكم حكمًا عامًّا، أما التفسير فلا، يقول: الوصول إلى شخص معين بمكانه كل واحد بنفسه ما يستطيع، يقول: ما دام أن القضية معينة وحصلت نقول: هذه كفر أكبر أو أصغر، أم أن الناس إذا كل واحد من فهمه هذه يعني يقول: يصعب علينا يقول: نحن ما نبغي الله عز وجل إلا إذا حكمنا بهذه بمقتضى الأدلة؟
الشيخ: إلا كفرناه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: غلط، هذا غلط عظيم، كيف تحكم بكفره وما بعد تعتمد الشروط، لا بد من الشروط.
طالب: جزاك الله يا شيخ، ذكرنا أن الشرط الأول أن يكون الإنسان قاصدًا بما قال أو فعل، فيه شروط غير هذا يا شيخ؟
الشيخ: العلم داخل في هذا، حقيقة أن الشرط الوحيد الأكيد هو هذا الذي ذكرنا، القصد، الجاهل قد قصد العمل لكن ما قصد المخالفة، ولهذا كان القول الراجح في الحنث في الأيمان أن من حنث في يمينه جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، كما لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا معلقًا فلبسه، ولا يدري أنه الثوب الذي حلف عليه، فليس عليه شيء، أو نسي، المهم أنه قد تكون جميع الشروط التي تذكر تعود إلى هذا.
لكن قد يقول قائل: ما رأيكم بالمستهزئ أيكفر أو لا؟
طلبة: يكفر.
الشيخ: يكفر بنص القرآن، فكيف يتفق هذا مع قولنا: إنه يشترط القصد، نقول: نعم؛ لأن المستهزئ قصد؛ قصد الفعل أو القول، لكن لم يدرِ عما يترتب عليه، نظير ذلك: الإنسان مثلًا جامع في نهار رمضان، يدري أنه حرام، لكن لا يدري ماذا يترتب عليه، لا يدري أنه يترتب على هذا الفعل كذا وكذا، ولكن يعلم أنه حرام، نقول: يجب عليه الكفارة.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٠ - ٧٦] .

تفسير الآية (70)
00:10:42

الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَالجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد).
والضمير في قوله: أَخَذْنَايعود إلى الله عز وجل، وجاء بهذه الصيغة تعظيمًا لنفسه تبارك وتعالى؛ لأنه أعظم العظماء.
وقوله: مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَالميثاق هو العهد الثقيل، كأنه وثق به المعاهد.
وقد بين الله في هذه السورة ما هو العهد الذي أخذ عليهم، وما هو العهد الذي لهم عند الله، فقال الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْهذا العهد الذي أخذ عليهم لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاخمس مواد في هذا الميثاق أخذه الله تعالى على بني إسرائيل، وجعل لهم عهدًا على الله، ما هو؟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْأخذ الله ميثاق بني إسرائيل.
وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًارسلًا منهم من كان من أولي العزم؛ كموسى وعيسى، ومنهم من دون ذلك، أرسل الله إليهم الرسل.
قد قال بعض العلماء: وتحتمل الآية أن العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل هو ما فطر الله الخلق عليه من توحيده تبارك وتعالى، فيكون في قوله: لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَبالتوحيد، وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًابالرسالة للجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل.
أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًاولم يبين الله تبارك وتعالى عددهم؛ لأن المهم الجنس وليس العدد، فماذا كان موقفهم من الرسل؟ قال الله تعالى: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ. زعم بعض العلماء أن في الآية حذفًا والتقدير: وأرسلنا إليهم رسلًا فعصوا. الظاهر أنا أخطأنا.
كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ:
(كلما) أداة شرط، وهي مع كونها شرطية تفيد التكرار، انظر إلى قوله تعالى: كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [البقرة: ٢٠] تفيد؟
طالب: (...).
الشيخ: والشرطية يعني أنهم لا يمشون إلا إذا أضاء لهم، وكُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِهنا كلما جاءهم رسول فريقًا كذبوا، بعض المفسرين زعم أن في الآية حذفا والتقدير: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم عصوا فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. ولكني أرى أنه لا حاجة لهذا التقدير، وإذا لم يكن حاجة للتقدير أيها الإخوة فإن تقديره يكون زيادة لا محل لها. إذن فلا حاجة للتقدير، بل نقول: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا من الرسل وقتلوا فريقًا من الرسل.
فلنعد إلى الآية: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌقلنا: إن (كلما) شرطية تفيد التكرار.
جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىأي بما لا تريده أنفسهم وتميل إليه، لم يستجيبوا، بل كان رد فعلهم كما يقولون إما قتل وإما التكذيب.
فَرِيقًا كَذَّبُواو(فريقا) هنا مفعول مقدم لـ(كذبوا)، وجملة (كذبوا) جواب الشرط، جواب (كلما)، أي: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، ولم يقل: كذبوه؛ لأن منهم من كذب ونجا من القتل، ومنهم من قتل ولن يقتل إلا بعد أن يكذب.
فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَولم يذكر الله تعالى فريقا ثالثًا، وذلك لقلتهم، وهو الإيمان به، يعني: وفريقًا يؤمنون به لكنه قليل، وكما قلنا لكم فيما سبق: إن القليل لا يعتبر، ولهذا يُهمَل ذِكره دائمًا.
فَرِيقًا كَذَّبُواالتكذيب هو رد الخبر، رد خبر المخبر، فإذا قال لك فلان: قام زيد، فقلت: لم يقم، هذا تكذيب؛ لأنك رددت خبره، فهذا هو التكذيب.
وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَالقتل معروفة، وأتى بالقتل بكلمة يَقْتُلُونَإشارة إلى استمرار قتلهم للأنبياء؛ لأن الفعل المضارع يدل على الاستمرار، والماضي يدل على الماضي والانتهاء، وربما يكون في هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنهم لا يزالون يقتلون الأنبياء حتى آخرهم عليه الصلاة والسلام، وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
في هذه الآية فوائد، منها: تأكيد الكلام بالقسم وغيره من المؤكدات، ولو كان المخبر به صادقًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فأكد الله تعالى كلامه بالقسم واللام و(قد).
فإن قال قائل: أليس الله تعالى أصدق القائلين بلا توكيد؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فالجواب: بلى، لكن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ومطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هو البلاغة، فإذا كان كذلك فالقرآن أبلغ الكلام، فإذا اقتضت الحال أن يؤكد الكلام أكد، وهنا الحال تقتضي التأكيد، لماذا؟ لتقوم الحجة على بني إسرائيل بأن الله تعالى أخذ منهم الميثاق وانقسموا إلى فريقين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل ولم يقتصر على ذلك، إذا قلنا: إن المراد بالميثاق الفطرة، بل أرسل إليهم رسلًا تأييدًا للفطرة.
ويتفرع على هذه الفائدة: رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، وأنه لم يكلهم سبحانه وتعالى إلى ما علموه بفطرهم، بل أرسل إليهم رسلًا لتؤكد ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله تعالى بإرسال الرسل أفرادًا وجماعات؛ لقوله: وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًابنو إسرائيل فيهم رسل متعددة، فمثلًا إبراهيم ولوط كانا في أيش؟ زمن واحد، ويوسف وأبوه في زمن واحد، ويعقوب وإسحاق في زمن واحد، لكن ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون فيه نبيان أو رسولان، لماذا؟ لأنه خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام.
من فوائد هذه الآية الكريمة: نقض بني إسرائيل للعهد، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَوحينئذ لم يقوموا بالعهد.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير مما فعلت بنو إسرائيل من تكذيب الرسل والعدوان عليهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص الأنبياء وقومهم لنعلمها تاريخيًّا فقط، بل لنعتبر بها كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني إسرائيل لا تؤمن إلا بما وافق هواها؛ لقوله: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواإلى آخره.
ومن فوائدها: أن المتكلمين الذين بنوا أصول عقيدتهم على العقل كالمعتزلة والجهمية والأشعرية وأمثالهم فيهم شبه من اليهود؛ فإنهم إذا أتاهم النص بما لا يرون كذبوه إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا أو حرفوه إن لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا؛ لأنهم يرون مرجع ما أخبر الله به عن نفسه أيش؟ العقل، فإذا جاء النص بما لا يهواهم حسب عقولهم كذبوه، كذبوه وأنكروه إن استطاعوا التكذيب، ادعوا أنه كذب أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة بالصحيحين وغيرهما، يقولون: أخبار الآحاد لا يمكن أن تثبت بها عقيدة لأنها خبر واحد، وخبر الواحد يلحقه الظن، والظن لا يمكن أن تبنى عليه عقيدة. فإذن يرد أكثر الأحاديث الواردة في الصفات؛ لأن أكثرها أخبار آحاد.
ثم نقول لهم: هل تقبلون خبر الواحد في الأحكام كالأوامر والنواهي؟ سيقولون: نعم، نقول: قبولكم ذلك مع أن الخبر يدل على وجوب أو تحريم أو كراهة أو استحباب، وهذا لا بد منه، بمعنى لا بد أن تصلي وأنت تعتقد أنها أيش؟ فريضة واجب، وهذه عقيدة، لكن هذه عقيدة فيما فرض على الإنسان، أو فيما طلب من الإنسان، وتلك عقيدة فيما أثبت الله لنفسه.
وعليه فنقول: حتى أخبار الأحكام تستلزم العقيدة؛ إذ إن كل حكم لا بد أن يُعتقَد الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم.
المهم أن أهل الكتاب الذين ردوا ما لا تقتضيه عقولهم يشبهون بني إسرائيل الذين إذا جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا.
إذن نقول من فوائد الآية أيضًا: الحذر من هوى النفس، وأن هوى النفس قد يؤدي إلى الهلاك، وإلى فعل ما يقبح شرعًا وعقلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن بني إسرائيل فريقًا منهم كذبوا الرسل وفريقًا يقتلون الرسل ولا يبالون بذلك؛ لقوله: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.
تفسير الآية (71)
00:25:30

ثم قال عز وجل: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: حَسِبُوابمعنى: ظنوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌفيها قراءتان: القراءة الأولى: ضم النون، والقراءة الثانية: فتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، على قراءة أيش؟ ضم النون، ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفًا، وجملة (لا تكون) في محل رفع خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعلا مضارعًا منصوب بـ (أن) المصدرية.
الشيخ: أقول: فيها قراءتان: {أَلَّا تَكُونُ} بالضم بضم النون، أَلَّا تَكُونَبفتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(تكون) خبرها، جملة (تكون) خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن)، فهنا سلط العامل على ما بعده مع الفصل بـ (لا) النافية.
حينئذٍ يسوغ لنا، أو ينبغي لنا أن نتكلم على (أن): (أن) إذا كان ما قبلها علمًا فإنه يجب الرفع، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ اللام؟
طالب: (ألا يجادل) بالنصب.
الشيخ: (ألا يجادل) بالنصب يتعين، إذا صار (ظن) تقول: علمت ألا يكونوا كذا، وتكون (أن) مخففة من الثقيلة، إذا كان (ظن) جاز فيها وجهان.
في الآية الكريمة: حَسِبُواظنوا، ولذلك جاز الوجهان: النصب والرفع: حَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌوَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌأي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا -وهو التكذيب والقتل- ألا تكون فتنة؛ أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، فاستمروا في طغيانهم.
فَعَمُوا وَصَمُّواعموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه.
ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْبعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفى بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْفصار بنو إسرائيل أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم أيش؟ تاب الله عليهم، ثم رجعوا، لكن ليس كلهم رجع ولكن أيش؟ البعض، عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل.
كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَقال بعض العلماء: إن هذا هو ما ذكره الله تعالى في سورة الإسراء وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْهذا بعد التوبة وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء: ٤ - ٧].
لكن سياق الآية في الإسراء لا يناسب ما في هذه السورة، فالذي في هذه السورة أنهم قتلوا وكذبوا وظنوا ألا يكون لها أثر، ولكن كان لها أثر، ما هذا الأثر؟ لا ندري، الله أعلم. بعد هذا الأثر ما الذي حصل منهم؟ عموا وصموا كثير منهم في هذه الفتنة، يعني عموا عن الحق وصموا عنه، وليس المراد عميت أعينهم الباصرة وآذانهم السامعة، ثم تاب الله عليهم ووفقهم للهداية ثم عموا وصموا بعد ذلك كثير منهم، وليس بلازم أن نعرف ما أبهم الله في القرآن، ما أبهمه الله في القرآن قد يكون فيه مصلحة والمقصود معرفة القصة من حيث هي.
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ: كَثِيرٌ مِنْهُمْقال بعض الناس: إنها فاعل: (عمي وصم)، وإن الواو في (عموا وصموا) حرف دال على الجمع فقط، كهو في قولك: عليكم، عليهم، فهو حرف دال على الجمع، فالواو في (عموا وصموا) حرف دال على الجمع، وهو خلاف المشهور من لغة العرب، ويعبر عن هذه اللغة بأيش؟ بـ (أكلوني البراغيث) وقيل: إن الواو فاعل في (عموا وصموا) وإن (كثير) بدل من الواو بدل بعض من كل، وهذا هو الأقرب؛ أن الله تعالى عمم أولًا ثم أبدل من هذا التعميم بأيش؟ بأنهم كثير، ولّا كلهم؟ كثير، وحينئذ نقول: القرآن الكريم لم يكن على لغة أيش؟ (أكلوني البراغيث).
ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌالبصير هنا تحتمل، يعني تشمل معنيين: المعنى الأول: البصير بالعين عز وجل، والثاني: البصير بالعلم، وقد اجتمع المعنيان في حق الله عز وجل، هو بصير بما يعملون، يراه ولا يخفى عليه، وبصير بما يعملون، يعلمه، أفهمتم؟ لأن المعمول قد يكون ذا جسد فيرى أو غير جسد فلا يرى، وكلاهما يعلم أو لا؟ يعلم؛ فإذن نقول: بصير يشمل معنيين، بصير بمعنى الرؤية، بصير بمعنى العلم. أيهما أعم؟
طلبة: العلم.
الشيخ: الثاني أعم.
في هذه الآية الكريمة: أن من غباوة بني إسرائيل أنهم يظنون ألا تقع فتنة مع كونهم يقتلون الرسل ويكذبون فريقًا منهم، وهذا يدل على الغباوة وعلى أن قلوبهم قد طُبع عليها -والعياذ بالله- فلا تميز بين الأشياء.
ومن فوائدها: التحذير من الأمن من مكر الله، وأن ذلك من خلق اليهود: أن يأمن الإنسان من مكر الله ويظن أنه بمعصيته لا يعقبها عقاب؛ لقوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على المرء بعد عماه وصممه، من أين تؤخذ يا أخ؟
طالب: ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْبعد أن ذكر أنهم عموا وصموا.
ومن فوائد الآية الكريمة: رأفة الله تعالى بعباده، وأنه يتوب على من تاب، وإن شئت فقل: يتوب على من شاء من عباده تفضلًا منه وكرمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان بعد التوبة ورفع الفتنة عنه قد لا يشكر هذه النعمة ويعود إلى عماه وصممه؛ لقوله: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وهذا يشبه قوله تعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٤٣].
ومنها: الحذر من بطر النعمة بالعود إلى الفسوق والكفران؛ لأن الله هددهم بقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عموم علم الله عز وجل بكل عمل؛ فإن كلمة (ما) في مَا يَعْمَلُونَموصولة تفيد العموم.
تفسير الآية (72)
00:37:52

قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَلَقَدْ كَفَرَهذه مؤكدة بكم؟ بثلاثة مؤكدات: القَسم المقدَّر، واللام، و(قد)، وأكد الله تعالى ذلك جريًا على عادة اللسان العربي في تأكيد ما يستحق التأكيد، وإلا فخبر الله عز وجل حق، ثم إن هذا أيضًا: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَليس خبرًا مجردًا، بل هو خبر وحكم، وحتى إذا قلنا: إنه حكم عليهم بالكفر، فهو مؤكد لئلا يعارض معارض فيقول: ليس هذا بكفر.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَمن هؤلاء؟ هؤلاء النصارى الذين لم يناصروا عيسى ولم يكونوا من حوارييه.
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ-نسأل الله العافية- والشبهة التي أحدثها الشيطان لهم أنه خُلق بلا أب، والعجب أنهم يقولون: إن الله هو المسيح بن مريم ثم يقولون: إن عيسى بن مريم ولد بغي، فيقذفونه من وجه، يقذفون أمه من وجه، وينزهون أمه ويعلونها من وجه آخر حسب زعمهم.
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَكلمة: (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد، من يعرفها؟
طالب: تأكيد..
الشيخ: التأكيد.
الطالب: والحصر..
الشيخ: والحصر.
الطالب: والفصل بين الخبر والصفة.
الشيخ: والفصل بين الخبر والصفة، الفصل يعني التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو صفة.
هنا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ(هو) ضمير فصل يفيد أن هؤلاء أكدوا أن الله هو المسيح، ويفيد حصر الله عز وجل بالمسيح، وأنه لا يتعدى، ويفيد أيش؟ أن المسيح خبر وليس بصفة.
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَالمسيح وصف لرجل من أولياء الله، ورجل من أعداء الله. الرجل الذي من أولياء الله عيسى بن مريم، والرجل اللي من أعداء الله الدجال، وقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسيحًا، حيث أمرنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال ، وأما تكايس بعضهم -يعني: بطلب الكيس- وقوله: إن الدجال يسمى المسيخ بالخاء فهذا باطل؛ لأن أعلم الناس به سماه المسيح، ولا مانع من أن يوصف هذا بالمسيح وهذا بالمسيح، لكن يختلف الممسوح، عيسى بن مريم كان لا يمسح ذا عاهة أيش؟ إلا برئ، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، والمسيح الدجال ممسوح العين، أعور العين، خبيث المنظر، ففرق بين هذا وهذا، وكلاهما مسيح مشتق من المسح.
وقوله: مَرْيَمَهي ابنة عمران، ونُسب عليه الصلاة والسلام إلى أمه لأنه ليس له أب، وإنما أمر الله جبريل أن ينفخ في فرج مريم روحًا فنفخ فيها روحًا، وهو عيسى عليه الصلاة والسلام.
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، قوله: وَقَالَ الْمَسِيحُفي إعرابها وجهان: الوجه الأول أنها حال، وبناء على هذا الوجه يتعين تقدير (قد)، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم وقد قال المسيح: يا بني إسرائيل، يعني كذبهم، والوجه الثاني: أن الواو للعاطفة، ويكون قوله: قَالَمعطوفًا على كَفَرَ، فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ لأنها معطوفة على جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم ولقد قال المسيح بن مريم: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم. والتقدير الأول أبلغ؛ لأن المسيح الذي وُصف بأنه الله رَدَّ على هؤلاء الذين وصفوه، كفروا وقد قال لهم وبيّن لهم أنه عليه الصلاة والسلام عبدٌ فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.
طالب: بارك الله فيكم، الكثير من الصفات التي ذكرها الله عز وجل في بني إسرائيل موجودة في بني إسرائيل الذين يعاصروننا الآن؛ من التعنت والعناد وما إلى ذلك، لكن بعض الصفات -يا شيخ- التي ذكرها الله عز وجل يعني بني إسرائيل الذين هم معنا الآن فيهم خبث لكنهم ما هم بأغبياء، هم الآن يسيطرون على العالم اقتصاديًّا، وحتى متقدمين في الصناعات؟
الشيخ: هؤلاء -بارك الله فيك- أغبياء باعتبار فهم الحق، ما هم أغبياء باعتبار الذكاء، واجعل على بالك دائمًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المتكلمين قال: إنهم أُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء. واذكر قول الله تعالى عن الكفار مع أنهم أذكياء: إنهم لا يعقلون، فهؤلاء في الواقع هم أغبياء باعتبار الشرع، يعني أدنى واحد عامي من المسلمين يعرف أن قولهم: إن عيسى هو الله، جهالة عظيمة، ولهذا وصفوا بالضلال.
طالب: شيخ، قلنا: إن الله ذكر صنفين (...) وسكت عن الثاني، ما يقال يا شيخ: (...).
الشيخ: فَرِيقًا كَذَّبُوا.
الطالب: الآية اللي بعدها.
الشيخ: يعني كذبوا الرسل، بعضهم كذبوا الرسل وبعضهم قتلوا.
الطالب: الآية اللي بعدها؟
الشيخ: اللي بعدها؟
الطالب: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
الشيخ: اللي بعدها ويش مستقلة؟
الطالب: ما هو في سياق واحد؟
الشيخ: بلى لكن مستقل عنه.
طالب: عفا الله عنك، بعض المفسرين ذكر قول الله تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم: ١٢]، قال: المراد بالفرج هنا جيب الدرع؟
الشيخ: وما المراد به في اللغة العربية؟
الطالب: هو الفرج المعروف.
الشيخ: الفرج المعروف، لماذا نحرف؟
الطالب: قالوا: لأن..
الشيخ: وأَحْصَنَتْ فَرْجَهَامشكلة، يعني: ما أحصنت إلا جيب الدرع، والفرج الحقيقي؟
الطالب: قال: هذا من باب بلاغة القرآن.
الشيخ: لا أبدًا، هذا من باب غباوة الرجل، الآن نَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَاهو الذي قد يقال: لا يلزم أن جبريل عليه السلام فتح ثوبها ونفخ في الفرج نفسه، ما يلزم، قد ينفخ من الجيب ويصل إلى الفرج، لكن طريق الحمل هو الفرج لا شك، ليس الجيب.
طالب: أحسن الله إليك، الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى المسيح الدجال يطوف بالبيت ، ماذا يقال في هذا الحديث مع أن المسيح الدجال أقفر من الأرض؟
الشيخ: إي نعم، يقال: ما أدري ويش وجه الحديث؛ لأن الرأيين فيها واحد، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يره حقيقة؛ لأن الدجال بعد الرسل سيأتي فيما بعد، وهو ممنوع من دخول مكة، ولذلك احتج ابن صياد بأنه ليس المسيح الدجال بأنه في المدينة وذهب إلى مكة.
طالب: شيخ، عفا الله عنكم، هل كل صفة ثبتت بأنها صفة اليهود أو النصارى في الكتاب أو السنة ثابتة لهم إلى يوم القيامة، أو أنه لا بد أن يدل دليل على استمرارها؟
الشيخ: أما أفعالهم فلا تستمر، يعني ما ذكر من أفعالهم قد يكون في وقت نزول القرآن أو قبلهم مما يعلمها الموجودون في وقت نزول القرآن ويتغير، كما أن الآن دين بني إسرائيل اللي هم عليه الآن ليس هو الدين الذي جاء به عيسى ولا موسى.
الطالب: ما مثال الأفعال يا شيخ؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: مثل ماذا الأفعال؟
الشيخ: أفعالهم؟
طالب: نعم.
الشيخ: اقرأ ما عندهم الآن من الكتب المؤلفة تجد أن فيها مخالفة لما نقل الله عنهم في أفعالهم.
طالب: في قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْما يكون المراد يا شيخ من هذا من جاء بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قام عليهم الحق، لا سيما هو قال: (ثم)؟
الشيخ: ربما يكون هذا أو قبله أيضًا، ربما يكون هذا أو قبله من بني إسرائيل الذين سلط عليهم العدو أو أصابتهم الجدوب والقحط وغير ذلك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، أخذنا في الفوائد أن بني إسرائيل نقضوا العهد مع الله سبحانه وتعالى، فيغتر بعض الناس، هل يمكن أن ينسحب هذا العهد ونقول: إنه لا يعاهد على أمور جديدة؟
الشيخ: ما هو صحيح، الرسول عاهدهم لما وصل المدينة كتب بينه وبينهم عهد، لكن نقضوا العهد.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة: ٧٢].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَفما هو الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل؟
طالب: الميثاق هو في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ... [المائدة: ١٢] هذا قول، وقال بعض العلماء: إن الميثاق هو ما فطره الله عليهم من التوحيد له.
الشيخ: طيب أحسنت. قوله: وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًامثل من؟
طالب: مثل عيسى وموسى.
الشيخ: كيف؟ بني إسرائيل موسى وعيسى مرسل إلى بني إسرائيل؟ أجب.
طالب: موسى..
الشيخ: وعيسى.
الطالب: وعيسى عليه السلام..
الشيخ: مرسلان إلى بني إسرائيل؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: تأكد؟
طالب: عيسى نعم.
الشيخ: وموسى؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ويش دليلك؟
طالب: في الآية: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: ٧٨].
الشيخ: ليش جبت هذا ما جبت أيه أصلح من هذا وأحسن من هذا، أحسن بالنسبة لبني إسرائيل؟
الطالب: استحضرتها.
طالب: منها قوله تعالى عن عيسى: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَالآية، وموسى قوله عز وجل عن موسى لفرعون: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٧]
الشيخ: وفي سورة الصف.
الطالب: يا بني اسرائيل..
الشيخ: ذكر هذا وهذا.
وقوله: كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَالمعروف أن (كلما)؟
طالب: شرطية، (كلما) شرطية.
الشيخ: شرطية.
الطالب: تفيد التكرار.
الشيخ: تفيد التكرار، أين شرطها وأين جوابها؟
الطالب: الشرط: جَاءَهُمْ رَسُولٌوجواب الشرط: فَرِيقًا كَذَّبُواهذه جواب الشرط.
الشيخ: وقيل؟
الطالب: وقيل: فعل محذوف تقديره: عصوا، وهذا لا حاجة إليه.
الشيخ: لأن الكلام يستقيم بدونه.
ما الحكمة في قوله: فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَحيث جاء بالفعل المضارع بالقتل وجاء بالماضي بالتكذيب؟
طالب: أنه يفيد الاستمرارية، وإنهم لو جاءهم بعد ذلك رسول لقتلوه، فقد جاءهم كذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحاولوا قتله في تقديم الشاة المسمومة.
الشيخ: قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌفيها قراءتان، ما هما؟
طالب: أَلَّا تَكُونَو{أَلَّا تَكُونُ}.
الشيخ: أَلَّا تَكُونَبفتح النون.
الطالب: نعم.
الشيخ: و{أَلَّا تَكُونُ}.
الطالب: بضمها.
الشيخ: بضمها، وجه القراءتين؟
الطالب: أن إذا كانت مخففة..
طالب: أنا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فيها قراءتان أَلَّا تَكُونَو{أَلَّا تَكُونُ}.
الشيخ: وجه القراءتين؛ لأن هذا الجواب أجاب به زميلك.
الطالب: على قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن) المصدرية، وعلى قراءة {أَلَّا تَكُونُ} تكون (أن) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و(تكون) خبرها.
الشيخ: صحيح ما قال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أشرنا في ضمن أو عند الكلام على توجيه القراءتين أشرنا إلى قاعدة في (أن)؟
طالب: قلت: إذا سبقها العلم يتعين الرفع..
الشيخ: الرفع وأن تكون (أن) مخففة..
الطالب: مخففة من الثقيلة.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وإذا سبقها ظن ففيه وجهان: الرفع والنصب، مثل هذه الآية، وإذا لم يثبت لا علم ولا ظن يتعين النصب..
الشيخ: يتعين أن تكون مصدرية فتنصب المنصوب. بارك الله فيك.
مثِّل فيما يجب فيه النصب؟
طالب: قوله تعالى: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء: ٨].
الشيخ: لا.
الطالب: ما يجب النصب؟
الشيخ: اللي بعدها لا.
طالب: يا شيخ، يعجبني من الطالب ألا يجادلك.
الشيخ: يعجبني من الطالب ألا يجادلَك، ما يجوز أن تقول: لا يجادلُ؟
طيب، ومثالها بعد العلم؟
طالب: هذه الآية.
الشيخ: لا، هذه ما تدل على العلم، ولهذا لم يتعين فيها النصب ولا الرفع.
طالب: أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه: ٨٩].
الشيخ: أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًاومثالها بعد الظن والتي يجوز فيها وجهان؟
طالب: الآية يا شيخ.
الشيخ: أي آية؟
الطالب: التي بعدها وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ.
الشيخ: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌصحيح.
ما هي الفتنة التي حسبوا ألا تكون؟
طالب: الأولى أن يقال: يبقى النص على وجهين.
الشيخ: إي، ويش هي الفتنة؟
الطالب: تسليط الأعداء عليهم.
الشيخ: بعبارة أعم: أي عذاب يعاقبون به، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةًأي عذابًا لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥].
في الآية إشكال في قوله: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْما هو؟
طالب: الإشكال وجود..
الشيخ: ما هو الإشكال.
الطالب: وجود فاعلين..
الشيخ: وجود فاعلين.
الطالب: الإشكال أنه أتى بالضمير واو الجماعة ثم أتى بعدها بقوله: كَثِيرٌفأشكل..
الشيخ: طيب يعني فاعلين لفعل واحد؟ طيب أيش الجواب؟
الطالب: الجواب أحد شيئين: إما أن يقال: إنها على لغة: أكلوني البراغيث، فيكون الفاعل هو قوله: كَثِيرٌوالواو علامة للجمع، وهذا على اللغة غير المشهورة.
الشيخ: وهل يصح أن نقول بها في القرآن؟
الطالب: وجهنا يا شيخ أنه لا يصح.
الشيخ: نعم وجهنا أنه لا يصح؛ لأن القرآن باللسان العربي مبين.
الطالب: الوجه الثاني: أن يكون الضمير الواو فاعلًا وتكون كَثِيرٌبدل بعض من كل.
الشيخ: أحسنت، وهذا أصح، طيب وحينئذ لم يكن فاعلان لفعل واحد.
قوله عز وجل: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَما المراد بالبصير هنا؟
طالب: هنا يحتمل..
الشيخ: يشمل.
الطالب: يشمل أمرين.
الشيخ: البصيرة، وهي بالعلم، وصفة البصر. والإدراك يعني إدراك البصر، بصر العين وبصر العلم.
قوله: بِمَا يَعْمَلُونَهل يشمل الفعل والقول أو الفعل فقط؟
طالب: يشمل القول والفعل.
الشيخ: كيف كان القول عملًا؟
طالب: القول عمل.
الشيخ: كيف عمل
الطالب: عمل اللسان.
الشيخ: إي أحسنت عمل اللسان، لكن لا يكون القول فعلًا؛ لأن الفعل خاص بالجوارح.
قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَوأخذنا هذا، صدر الآية أخذناه.
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَذكرنا أنه يجوز أن تكون الجملة حالية، وعلى هذا يتعين تقدر (قد)، أي: وقد قال المسيح، ويجوز أن تكون الواو عاطفة ويكون (قال) معطوفًا على قوله: لَقَدْ كَفَرَ، يعني: ولقد قال لهم المسيح.
وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَنداء، إشارة إلى بلاهتهم وغفلتهم وأنهم لا يخاطبون إلا بالنداء، ولا ينتبهون ويستيقظون إلا به.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ: اعْبُدُوافعل أمر من العبادة، والعبادة تطلق على شيئين: الأول: فعل العابد، والثاني: مفعول العابد، فعلى الأول فعل العابد نقول: هي التذلل لله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى الثاني نقول: هي اسم جامد لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمثلًا يصلح أن نقول: إن فعل المصلي عبادة، ويصلح أن نقول: إن الصلاة عبادة، وأصلها من قولهم: طريق معبد، أي أيش؟ مذلل مسهل ميسر، فمثلًا المسفلت نسميه طريقًا معبدًا، الطريق الذي لم يسفلت ولم يوطأ نسميه ليس طريقًا معبدًا.
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْطيب اعْبُدُوا اللَّهَهنا الأليق أن نجعل العبادة بمعنى فعل العابد أو بمعنى مفعوله؟ اعبدوا الله هي أقرب هنا لفعل العابد.
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْذكر العبادة ثم ذكر الربوبية إشارة إلى أن الربوبية تستلزم الألوهية، أي أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن أقر لله عز وجل بالربوبية لزمه أن يقر بالعبادة؛ لأن الرب يجب أن يكون معبودًا؛ لأن له الأمر، له الحكم، فإذا كان كذلك يجب أن يعبد كما شرع.
وقوله: رَبِّي وَرَبَّكُمْبدأ بنفسه ليعترف عليه الصلاة والسلام بأنه عبد مربوب وليس ربًّا كما يقولون.
وقوله تعالى: اعْبُدُوا اللَّهَمر علينا كثيرًا بالنسبة لكلمة (الله) أن أصلها الإله، لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حذفت الهمزة في (الناس) من (الأناس)، وكما حذفت الهمزة في (شر) من (أشر)، وفي (خير) من (أخير).
اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْالرب أيضًا سبق لنا كثيرًا أنه هو الخالق أيش؟ المالك المدبر الذي له السلطان.
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِهذا من باب التحذير، الجملة هنا استئنافية للتحذير.
إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِبأن يعبد غير الله فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَأي منعه منها؛ لأن التحريم بمعنى المنع، ومنه مكة حرام، المدينة حرام، ومنه حريم البئر، أي: ما قرب منها، لمنع الناس من تملكه.
فإذن حَرَّمَبمعنى: منع، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَأي دخولها، والجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه -جعلني الله وإياكم منهم- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وماذا يكون إذا حرم الله عليه الجنة؟ أين يكون؟
قال: وَمَأْوَاهُ النَّارُأي الذي يأوي إليه كما يأوي الإنسان إلى منزله: النار، وهي الدار التي أعدها الله لأعدائه التي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] فقد جمعوا بين القوة والامتثال لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَلا يعجزون عنه، كلما أمروا به فهم قادرون عليه، ثم مع ذلك ليسوا قادرين عليه على وجه الضعف، بل هم غلاظ شداد. أجارنا الله وإياكم منها.
وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍأشار عليه الصلاة والسلام بقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍإن كانت هذه الجملة من قول عيسى، وإن كانت من قول الله فهي بيان استحقاقهم لدخول النار، وأنهم إنما استحقوا دخول النار لكونهم ظلمة لشركهم، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤].
وقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍهنا هل يمكن أن نقول: إنه إظهار في موضع الإضمار، يعني بمعنى أنه لو كان في غير القرآن لقيل: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما له من أنصار؟ يمكن أن يقال هذا، لكن أظهر في موضع الإضمار من أجل أن ينسحب على هؤلاء وصف الظلم، أي أنهم ظلمة، ومن أجل التعميم، أي أن النار ليست لهؤلاء فقط، بل لكل ظالم وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
وقوله: مِنْ أَنْصَارٍأي من مانعين العذاب عنهم؛ لأن الناصر هو الذي يمنع العدو عنك ويساعدك عليه.
في هذه الآية الكريمة: نص صريح في كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم؛ لقوله: لَقَدْ كَفَرَ.
ومن فوائدها: توكيد الحكم بما يدفع الشك؛ لقوله: لَقَدْ كَفَرَ؛ فإن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و(قد).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام القرآن يؤتى بها غالبًا بحكم عام، بمعنى لو شاء الله تعالى لقال: لقد كفر النصارى، لكن الله قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، سواء كانوا من بني إسرائيل الذين هم النصارى أو من غيرهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا كفر إلا بعد قيام الحجة، بناء على أن الواو في قوله: وَقَالَ الْمَسِيحُحالية، يعني أنهم كفروا وقد بين لهم الأمر وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إقرار الإنسان على غيره غير مقبول؛ لأنهم ادعوا أن الله هو المسيح، وعيسى بن مريم أنكر ذلك، قال: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، فأنا لست إلهًا تعبدونني، بل أنا وأنتم على حد سواء، كلنا مربوبون لله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: المنقبة والشرف العظيم للرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث أنكر عيسى أن يكون هو الله في هذه الجملة العظيمة: وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْوهذا مقام الرسل وأتباعهم الذين لا يريدون العلو في الأرض ولا الفساد، وانظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: ما شاء الله وشئت، هل أقر هذا؟ لا، أنكره وقال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» ، وهكذا أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، لا يريدون من الناس أن ينزلوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله عز وجل، بل إن أتباع الرسل كلما أنعم الله عليهم بالاتباع ازدادوا تواضعًا للخلق وتواضعًا للحق.
من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العبادة، يعني بمعنى أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يأمرون بعبادة الله في كل ملة؛ لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ.
ومن فوائدها: إقامة الحجة على أهل الشرك، حيث أشركوا بالله مع أنه أيش؟ ربهم، وأن الأصنام ليس لها شأن في الربوبية إطلاقًا، فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، أموات غير أحياء.
ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال الملزم للخصم، وأنه ينبغي للإنسان عند المجادلة أن يتبع أوضح الأدلة وأشدها إلزامًا للخصم؛ لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، لم يقل مثلًا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قال: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، إلزامًا لهم بأيش؟ إلزاما لهم بعبادته؛ لأنهم مقرون بالربوبية، وهذا كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، فقال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُإلزامًا لهم بالعبادة؛ لأن الله هو الذي خلقهم وهو الذي يحكم فيهم ويحكم بينهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظ لعيسى في الألوهية والربوبية؛ لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَهذا في الألوهية، رَبِّي وَرَبَّكُمْفي الربوبية، فعيسى بن مريم ليس له حق في الألوهية ولا في الربوبية، وغيره من الرسل؟
طلبة: ليس لهم حق كذلك.
الشيخ: وغيرهم من الناس؟ كذلك، وبهذا نعرف ضلال أولئك القوم الذين يدعون أن أولياءهم هم الذين يدبرون الكون وهم الذي يصرفونه، وأنهم على ضلال مبين. نسأل الله العافية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرك موجب للخلود في النار؛ لقوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مأوى للخلق إلا أحد أمرين: إما الجنة، أيش؟ وإما النار، ما فيه شيء وسط، كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس بعد الإيمان إلا الكفر فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، وفي الجزاء: مِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]، أي: ومنهم سعيد، ما فيه ثالث.
فإن قال قائل: ماذا تقولون فيما جاء في القرآن الكريم من أصحاب الأعراف؟
فالجواب سهل، نقول: أصحاب الأعراف يُحبسون في مكان مطل على أهل النار ومبصر لأهل الجنة، يعني: محبوسون على حسب ما تقتضيه حكمة الله، ومآلهم إلى الجنة، كما قال عز وجل: لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف: ٤٦]، فصار هؤلاء -أعني أصحاب الأعراف- مآلهم إلى الجنة، فليس للخلق إلا داران فقط: النار أو الجنة، ولهذا قال السفاريني رحمه الله في عقيدته:
وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةْ فِي دَارِ نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةْ

ومن فوائد الآية الكريمة: أن التحريم يكون شرعيًّا ويكون قدريًّا.
بل نقول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن التحريم يكون قدريًّا، وجهه؟ قوله: فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَيعني تحريمًا قدريًّا لا شرعيًّا؛ لأنه ليس باختيار الإنسان.
وهل يرد التحريم على وجه التحريم الشرعي؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: ٣]، ومنه: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجنة وإثبات النار؛ لقوله: الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ.
ومن فوائدها: أن المثوى الأخير للخلق هو إما الجنة وإما النار، وأما القبور فليست المثوى الأخير، بل هي زيارة يمكث فيها الناس ما شاء الله حتى تقوم الساعة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الشرك ظلم؛ لقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، وقد جاء ذلك صريحًا في القرآن الكريم؛ فقال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين لا ناصر لهم؛ لقوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، و(من) هنا -كما يعرف أهل اللغة العربية- حرف جر زِيد لإفادة العموم والتوكيد.
فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا النفي المؤكد مع أن الكفار قد يُنصَرون، والمشركون قد ينصرون؟
فالجواب: أن هذا نصر موقَّت ليبتليَ الله به المؤمنين وليس نصرًا دائمًا، قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦]، وقال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨]، ولا يمكن أن يتناصر الكفار في دفع العذاب عنهم يوم القيامة، وحينئذ فلا إشكال؛ لأن النصر الذي يحصل لهم أيش؟ نصر موقَّت، يريد الله به أن يمتحن المؤمنين.
تفسير الآية (73)
01:19:01

ثم قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍهؤلاء طائفة أخرى من النصارى، النصارى الذي تحدث عنهم الآية الأولى ماذا قالوا؟ قالوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَيعني أن المسيح والله رب العالمين واحد، هؤلاء غيرهم، قالوا: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍثالث ثلاثة، من هؤلاء الثلاثة؟ ذكرهم الله تعالى في هذه السورة: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦]، إذا كانا إلهين من دون الله والله صاروا ثلاثة، إذن ثالث ثلاثة هم: الله، والمسيح، وأمه، هؤلاء هم الثلاثة، فسر ذلك القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وأما ما قيل: إنه الابن والأب وروح القدس، ففيه نظر، يعني لا نفسر بالقرآن، وإن كان قد يكون منهم أو من المتأخرين منهم من يقول: إن هؤلاء هم الثلاثة ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
قال الله تعالى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌالوقوف على ثَالِثُ ثَلَاثَةٍْمتعين؛ لأنه لو وصل لفهم المخاطب أن قوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌمن قول هؤلاء الكفار.
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌهذه بمعنى (لا إله إلا الله)، لكن تختلف عنها في الإعراب، مثلًا نقول: (ما) نافية، ويكمل الإعراب العربي منكم.
طالب: وما من إله إلا الله..
الشيخ: (ما) نافية.
الطالب: (ما) نافية، و(من) حرف جر زائدة.
الشيخ: ليش زائدة؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: زائد إعرابًا مفيد معنًى.
الطالب: (إله) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد، و(إلا) أداة الاستثناء، و(إله) خبر.
الشيخ: نقول: أداة استثناء ولّا نقول: أداة حصر؟
الطالب: تفيد الحصر.
الشيخ: نعم أداة حصر.
الطالب: أداة حصر، و(إله) خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، و(واحد) صفة.
الشيخ: بارك الله فيك.
أبطل الله هذا القول؛ قولهم: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍبقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وهذا خبر من أصدق المخبرين، خبر مؤكد بماذا؟ بحرف الجر الزائد وبالحصر.
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌولا يمكن أن يكون أكثر من إله؛ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، أليس الله قال هكذا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وكذلك أيضًا بيّن في آية أخرى في قوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًايعني لو كان كذلك لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَوانفرد بمخلوقاته وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١]، يعني إذا انفرد كل إله بما خلق، وكل إله يريد أن تكون الألوهية له؛ لا بد أن يقع بينهم قتال، وإذا وقع بينهم قتال علا بعضهم على بعض، أحيانًا يعلو هذا وأحيانًا يعلوا هذا، ومن المعلوم أن العالي هو المستحق أن يكون إلهًا وحده، وأن المعلو عليه لا يستحق أن يكون إلهًا. وانظر الآن لو خرجتم لسفر وأمّرتم زيدًا وعمرًا، كلاهما أمير، ويش يكون؟
طالب: فوضى.
طالب آخر: واضطراب.
الشيخ: فوضى واضطراب، ولا يمكن أبدًا أن تكون الآلهة متعددة، لو تعددت لفسدت الدنيا كلها، ولهذا قال: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌمؤكد، أكد ذلك -الوحدانية- بقوله: وَاحِدٌ، من هو؟ الله عز وجل.
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَهذه فيها إشكال في الإعراب.
طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا في أصحاب الأعراف: إنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فيحبسون في مكان بين الجنة والنار، هل معنى هذا يا شيخ أن من زادت له سيئاته واحدة أنه لا بد أن يدخل النار؟
الشيخ: لا، الناس أقسام: من له سيئات بلا حسنات، هذا إلى النار ولا إشكال فيه، ومن له سيئات زائدة على الحسنات، له سيئات وحسنات والسيئات زائدة، فهذا مستحق لدخول النار، مستحق ولا نجزم، وقد ينجو من النار بشفاعة؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة قسم الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وقسم ثالث: تساوت حسناتهم وسيئاتهم، هؤلاء هم أصحاب الأعراف، لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، والقسم الرابع: من ترجحت حسناته على سيئاته، هذا لا يدخل النار ويكون من أهل الجنة، فهذه أربعة أقسام، لا يخرج الناس عنها.
هل يمكن أن نقول: وقسم عنده حسنات بلا سيئات؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: من؟
طلبة: الأنبياء.
الشيخ: يمكن أن نقول: رسول الله عليه الصلاة والسلام أخبر الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحينئذ يلاقي الله عز وجل يوم القيامة بأيش؟ بحسنات ولا سيئات، فتكون الأقسام خمسة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرنا أن أصحاب الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة وإلى أهل النار، وذكرنا في الآخر أن مآلهم إلى الجنة، فهل نقول بهذا النظر إلى النار كنوع من العذاب أو كيف (...)؟
الشيخ: إي معلوم، ولهذا قال: وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ [الأعراف: ٤٧] بما يدل على أنهم لا يريدون النظر إليهم، لكن تصرف الأبصار صرفًا قهريًّا، إذا صرفت قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٧].
الطالب: من غير اختيار يكونون؟
الشيخ: هذا ظاهر القرآن إِذَا صُرِفَتْ.
طالب: جزاك الله خيرًا، فسرنا الآية قوله جل وعلا: قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍبما جاء في آخر السورة وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فإن قال قائل: الآية الثانية فيها اتخاذ عيسى وأمه من دون الله، وليس مع الله؟
الشيخ: لا، إلهين من دون الله، يعني مع الله؛ لأن النصارى يقرون بالله عز وجل ويقولون: الآلهة ثلاثة.
طالب: في قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوامعروف في اللغة أن (كفر) تأتي بمعنى غطَّى، فهل يعتبر هذا تأويلًا يمنع من أن نقول: إن من قال: الكفر دون كفر مخرج من الملة، كأنه تأويل، لكن يمنع من تكفيره.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني بعض الناس يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَبمعنى أنه غطى الحق، لا بمعنى أنه كفر الكفر المخرج..
الشيخ: لا، ما يكون، هذا غير مقبول.
أقول: لا يقبل هذا الكلام، الكفر شرعي ولغوي، فأصل الكفر في اللغة: من الستر.
الطالب: هل يكون المسوغ لعدم تكفيره مثلًا فقال: إنه لا يكفر..
الشيخ: الذي يقول: إن من قال: إن الله ثالث ثلاثة غير كافر، هو الكافر، أيش هذا أنت ما عندك عقل ولا عندك علم؟ سبحان الله!
الطالب: لا، هل هنا تأويل يا شيخ؟
الشيخ: ما فيه تأويل، وإذا أول الإنسان إذا قال واحد: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢]، قال: المراد لا تقربوا النكاح بعقد صحيح، نطيعه؟
الطالب: لا.
الشيخ: اترك هذه الاحتمالات هذه.
طالب: لا عندنا حتى إشكالية..
الشيخ: كيف؟
الطالب: فيه مشكلة واقعة بسبب هذا الشيء، بسبب هذه النقطة.
الشيخ: المشكلة واقعة، حتى الكفار قالوا للرسول: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥].
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، هل العلم بس هو الشرك إلى شرك أكبر وشرك أصغر، ودلائل القرآن تدل على أن الشركين قسم واحد، هل قسم الشرك يا شيخ أنه بمعنى (...) الشرك الأصغر يخرجون من النار بعد عذاب ولّا يضاعفهم فوق بعض بالعذاب؟
الشيخ: الشرك الأصغر -بارك الله فيك- لا يوجب الخلود في النار، لكن هل هو داخل تحت المشيئة، يعني إن شاء الله غفر له -أي لصاحبه- أو لا؟ فيها احتمالان؛ فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] يحتمل أن المراد الشرك الأصغر هو الأكبر، وأن يكون الشرك الأصغر لا بد له من توبة، ويحتمل أن المراد إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِيعني الشرك الأكبر الذي قال الله فيه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ لْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٣ - ٧٧].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍوظني أننا تكلمنا على الآية، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوافيها تأكيد؟
طالب: ثلاثة توكيدات..
الشيخ: ثلاثة توكيدات.
الطالب: الأول: القسم المقدر، اللام، و(قد).
الشيخ: بارك الله فيك، لماذا يؤكد الله تعالى كلامه بالمؤكدات مع أنه عز وجل أصدق القائلين؟
طالب: (...) أن هذا خبر، والخبر يفيد..