ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه
وتعالى لا يظلم الناس شيئًا وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب؛ لقوله ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا [البقرة: ٦١].
ومن فوائد الآية التي بعدها: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن
المنكر؛ لقوله: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة: ٧٩].
ومن فوائدها: أن
ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده، والعياذ بالله، واعلم أن
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط:
الشرط الأول: العلم بأن هذا
معروف يُؤمَر به وهذا منكر يُنْهَى عنه، فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به
ولا النهي عما لا يعلم أنه منهي عنه؛ لما في ذلك من الافتراء على الله، وصد عباد
الله عما أحل الله لهم، أو منعهم عما أحل الله لهم.
الشرط الثاني: أن يعلم وقوع
هذا المنكر من الشخص المعين؛ لأن الشيء قد يكون منكرًا عند شخص وغير منكر عند آخر؛
فالمسافر يأكل سرًّا وجهرًا في نهار رمضان والمقيم لا يأكل؛ فالأكل منكر في رمضان
منكر عند المقيم غير منكر عند المسافر، فلا بد أن يعلم الآمر والناهي أن هذا الشخص
بعينه وقع في المخالفة، مع الاحتمال يجب الاستفسار؛ دليله أن النبي صلى الله عليه
وسلم رأى رجلًا دخل المسجد وجلس وهو يخطب الناس - عليه الصلاة والسلام - فقال له:
«أَصَلَّيْتَ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ
وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» فلم ينهه عن المنكر الذي هو الجلوس قبل الصلاة حتى علم
أنه لم يصلِّ.
ومن الشروط أيضًا: ألّا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ فإن
تحول إلى ما هو أنكر منه وجب الكف عن النهي؛ لأنك إذا نهيت وأنت تعلم أنه سيتحول
إلى ما هو أنكر فمعنى ذلك أنك دعوت إلى فعل الزائد عن المنكر الأول، والزائد عن
المنكر الأول منكر، يؤخذ هذا من قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨] فتركُ سبِّ آلهة المشركين منكر؛ لأن الواجب سَبُّ
الآلهة والتحذير منها والتنفير عنها، لكن إذا لزم منه ما هو أشد نكرًا وجب الكف؛
لقوله: لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ؛ فلو رأينا شخصًا يشرب الدخان أمامنا لكن نعلم أننا لو
نهيناه عن شرب الدخان لذهب يسرق أموال الناس ويؤذي الناس ويُضايِقُهم فهل ننكر عليه
شرب الدخان أو لا؟ لا ننكر.
وكذلك لو علمنا أو غلب على ظننا أننا لو نهيناه عن
الدخان لذهب إلى رفقة يشربون الخمر فإننا لا ننهاه دفعًا لأعلى المفسدتين
بأدناهما.
كم هذا من شرط؟ ثلاثة شروط، اختلف العلماء في شرطٍ رابع وهو هل يلزم
أن يكون الآمر فاعلًا لما يأمر به؟ أو الناهي تاركًا لما ينهى عنه؟
والصواب أن
هذا ليس بشرط؛ لأننا لو قلنا لمن يفعل المنكر: لا تنه عنه، لزم من ذلك أن نأمره
بمنكرين: ترك الإنكار، وفعل المنكر الذي هو يُمارَس، فنحن نقول: مُرْ بالمعروف
وانْهَ عن المنكر وإن كنت تفعل ما تنهى عنه أو تترك ما تأمر به، وربما يكون أمره
ونهيه سببًا لالتزامه واستقامته؛ حيث إنه يُوَبِّخ نفسه ويقول: سبحان الله، أنهى
الناس عن المنكر وأفعله؟ فيستقيم، وأما قول الشاعر:
| لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ | عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ |
فمراده أن تجمع بين الأمرين؛ (لا تنه وتأتيَ مثله)، وحتى لو فرضنا إنه غير مُسَلَّم، الإنسان الذي يفعل المنكر ويرى المنكر يجب عليه شيئان؛ الأول ترك المنكر، والثاني النهي عنه؛ فإذا تعذر الأمر الأول نقول: يتعذر الثاني؟ لا، الصواب أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وإن كان لا يفعله وأن ينهى عن المنكر وإن كان يفعله.
ولكن هذا سيكون يوم القيامة أشدَّ عذابًا؛ لأن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل وأحكام الشريعة، كيف تأمر بشيء لا تفعله؟ كيف تنهى عن شيء وأنت تفعله؟ ما هذا إلا نوع من الاستهزاء والسخرية؛ ولذلك كان أشدَّ عذابًا؛ حيث أخبر النبي عيه الصلاة والسلام أنه يُؤْتَى بالرجل يوم القيامة فيُلْقَى في النار حتى تَنْدَلِقَ أقتابُ بَطْنِه -والأقتاب هي الأمعاء- فيدور عليها كما يدور الحِمار على رَحَاه، فيجتمع عليه أهل النار ويقولون: يا فلان، ما لك؟ أَلَسْتَ تَأْمُرُنَا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، ولكنِّي آمركم بالمعروف ولا آتِيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه فيُفْضَح هذه الفضيحة، والعياذ بالله.
وليعلَمْ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير تغيير المنكر؛ ولهذا جاءت النصوص مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجاء التغيير مقيدًا بالاستطاعة؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» ؛ لأن هذا -أعني التغيير- لا بد أن يكون من ذي سلطة، كولي الأمر مثلًا ونوَّابه، وكذلك الرجل في أهله يستطيع أن يغير المنكر بيده.
***
طالب: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [المائدة: ٨٠ - ٨٢].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة: ٧٨] إلى آخره، ذكرنا في هذه الآية بحثًا مهمًا فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبَيَّنَّا أن المعروف؟
طالب: المعروف ما أمر به الشرع.
الشيخ: ما أمر به الشرع؛ إمَّا إيجابًا أو استحبابًا.
طيب، المنكر، يعني أنكره الشارع يعني أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: نهى عنه إما تحريمًا أو كراهة، ولكن إذا كان كراهة فإنه لا يأثم من لم ينكره، وإذا كان استحبابًا فإنه لا يأثم من لم يأمر به.
اشترطنا لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطًا، الأول منها؟
طالب: الأول: أن يكون عالمًا بالذي يأمر وينهى.
الشيخ: عالمًا بالذي يأمر وينهى يعني؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني أن يعلم أن ما أمر به معروفٌ وأن ما نهى عنه منكر، هذا من ناحية أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: من ناحية الشرع، ولَّا من ناحية الواقع؟
الطالب: من ناحية الشرع.
الشيخ: من ناحية الشرع، يعني أن يعلم أن هذا معروف أو أن هذا منكر، الثاني؟
الطالب: ألَّا يتحول المنكر إلى منكر أكبر منه.
الشيخ: لا، ودنا نخلص من العلم.
طالب: شيخ أن يكون المنْكَر فاعلُه منْكَرًا عليه؛ فمن كان مثلًا أفطر في رمضان وهو مسافر فلا ينبغي الإنكار عليه، فينبغي أن نعلم أنه ليس بمسافر بحيث أنه أفطر ولا عذر له.
الشيخ: يعني بأن يعلم وقوع المنكَر من هذا الشخص بعينه؛ لأن المنكر قد يكون منكرًا عمومًا لكن بالنسبة لهذا الشخص ليس بمنكَر، تمام. الثالث؟
طالب: ألَّا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه.
الشيخ: ألا يتحول إلى ما هو أنكر منه، مثاله؟
طالب: لو كان إنسان يدخن ونهيناه عن التدخين فشرب الخمر.
الشيخ: ونحن نعلم أنه إذا ترك التدخين سوف يتحول إلى شرب الخمر فهنا لا ننهاه؛ هل لنا دليل على هذا؟ نعم، الدليل قوله تعالى؟
طالب: الدليل قول الله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]
الشيخ: فنهى عن سبِّ آلهتهم..
طالب: لأنه يؤدي إلى سَبِّ الله سبحانه.
الشيخ: إلى سَبِّ الله وهذا أشد من ترك الإنكار عليهم.
مثال آخر لتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه غير اللي ذكره من التدخين وشرب الخمر؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني مثل أن نرى جماعة لصوصًا على شرب الخمر، ولو أننا نهيناهم أو منعناهم منه لذهبوا يسرقون أموال الناس ويعتدون على أعراضهم، فهنا نقول: نَدَعُهم على شُربهم الخمر حتى لا يتحولوا إلى ما هو أنكر. الشرط الرابع ما هو؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني هل يشترط أن يكون الآمر بالمعروف يفعل ما أَمَر به؟
الطالب: (...).
الشيخ: أنه لا يُشْتَرط. هب لنا دليلًا على أنه يجب أن نعلم أن المنكر عليه قد ارتكب المنكر؛ بمعنى أنه إذا كان فيه احتمال ما ننهاه لا ننهاه عن فعله.
طالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُخْطُب فدخل رجل وجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قال: لا. قال: «قُمْ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» .
الشيخ: أحسنت، هذا واضح جدًّا. هل يجب عليَّ أن أُنْكِر على شخص رأيته يمشي إلى جانب امرأة؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني لا أنكر حتى أعلم أن المرأة أجنبيةٌ منه؛ وكيف الوصول إلى العلم؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، سؤاله، كل إنسان بتسأله ولو كان من أفسق العباد يقول: هذه أختي ولّا أمي ولّا زوجتي، لكن هناك قرائن تدل على أنه مرتكب محرمًا؛ وهل يجوز العمل بالقرائن يجوز؟ ويش الدليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني أن الرسول عمل بالقياس، هنا ثلاث قصص، قصة ليوسف، وقصة لسليمان، وقصة للنبي صلى الله عليه وسلم غير مسألة القيام.
طالب: قول الله عز وجل: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَ كُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]
الشيخ: ويش القرينة؟ ما هي القرينة أنه إذا كان من دبر فهي الكاذبة.
الطالب: هي التي جذبته إذن..
الشيخ: جذبته، إذن تمام وإذا كان من قُبُل؟
الطالب: (...).
الشيخ: أن تدافع عن نفسها فانشق قميصه، بارك الله فيك.
طيب، سليمان بن داود؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) حتى يثبت، الصغرى ولّا الكبرى؟
طالب: إحداهما.
الشيخ: إحداهما نعم؟
الشيخ: الصغرى؛ لأن داود عليه الصلاة والسلام حكم به للكبرى، وسليمان عمل بالقرينة ما وجه القرينة هنا؟
الطالب: (...) ووجه ذلك أن بقاءه عند غيرها أولى من أن (...).
طالب: هذا من الرحمة (...).
الشيخ: أحسنت؛ لأن الصغرى رَحِمَتْه، قالت: لا تَشُقُّهُ هو لها، وهذيك قد أكل ولدها الذئب، اقض عليه ما يهمها، أفهمت.
للرسول عليه الصلاة والسلام؟
الطالب: (...).
الشيخ: أسمعتم كلامه؟ قصة خيبر لما طلب النبي عليه الصلاة والسلام مال حُيَيِّ بن أخطب؛ قالوا: إنه أفنته الحرب، قال: كيف؟ المال كثير والعهد قريب، ثم قال: للزبير بن العوام يعني مسه بعذاب، أمر أن يعذبه حتى أقر .
فهذا من العمل بالقرائن وهو كثير في السنَّة، وكثير أيضًا في زمن التابعين من القضاة الأذكياء الذين يعملون بالقرائن، وفي كتاب الطرق الحكمية لابن القيم من هذا الباب شيء كثير، انتهى الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بقي علينا كيف نأمر وكيف ننهى، هل نأمر بشدة أو نأمر بسهولة؟
نقول: هذا ينبني على حال الشخص؛ فالمعاند ليس كالجاهل الأصلي، الجاهل الأصلي نعامله باللطف واللين والإقناع حتى يَقْبَل الحكم، والمعاند أو المجاهر هذا له حكم آخر؛ يدل لهذا أيضًا وقائع وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ منها قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم كلمه بلطف وقال: إن هذه المساجد لا يَصْلُح فيها شيء من القَذَر والأذى .
ومنها قصة معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة مرتين فدعاه النبي صلى الله عليه وعلى وآله وسلم وأخبره بأن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس .
ولما رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب أخذه النبي عليه الصلاة والسلام نزعه من يده، ثم رماه ولم يتكلم معه ولما انصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل: له خذ خاتمك، قال: والله لا آخذ خاتمًا رمى به النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذا ليس له عذر؛ فلكل مقام مقال.
هل هناك فرق بين الأمر والنهي والتغيير؟
الجواب: نعم، بينهما فرق، التغيير إنما يكون لمن له سلطة وولاية ولا يُفْتَح لكل أحد من الناس؛ لأنه لو فُتِحَ لكل أحد من الناس لكانت المسألة فوضى ولكان كل إنسان يرى أن هذا منكر ولو كان الفاعل لا يراه منكرًا يقوم ويغيِّر بيده؛ فالتغيير لمن له ولاية وسلطة؛ الأمير في بلده له ولاية وسلطة، والإنسان في بيته له ولاية وسلطة.
لكن في الشارع لا، في الشارع عليه الأمر والنهي فقط، أما الإلزام بمأمور به أو التغيير لمنكر هذا ليس إليه لما يحدث من الفوضى؛ ولهذا قيَّد النبي صلى الله عليه وسلم باب التغيير بالاستطاعة قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» .
لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما قُيِّدَ بالاستطاعة جاء مطلقًا؛ لأنه يكون ممن له ولاية وممن ليس له ولاية.
الدعوة إلى الله هل هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو هي شيء آخر؟
هي شيء آخر، الدعوة واجبة بكل حال سواء رأيت منكرًا أم لم تر، وسواء رأيت تفريطًا في واجب أم لم تر؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤] فبدأ بالدعوة إلى الخير ثم ثَنَّى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فصارت المراتب الآن ثلاثة؛ الأول: الدعوة إلى الخير وبيان المعروف وبيان المنكر، المرتبة الثانية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المرتبة الثالثة تغيير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكثير من الناس لا يَتَفَطَّن لهذا الفرق ويظنُّ أن الدعوة والأمر والنهي والتغيير كلها سواء؛ آخر ما وقفنا عليه؟
***
{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المائدة: ٨٠] تَرَىيحتمل أن تكون رؤية عِلْمِيَّة ويحتمل أن تكون رؤية بصرية؛ لأن تولي الكافرين يُشاهَد بالعين ويُعْلَم بالقلب.
ثم، هل الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن كان في زمنه أو لكل إنسان؟
الظاهر للعموم، وهكذا ينبغي أن نسلك طريق العموم في جميع الخطابات القرآنية؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى قيام الساعة إلا إذا منع منه مانع فيجب أن نقتصر على ما دل عليه.
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْأي: مِنْ هؤلاء الذين لعنوا من بني إسرائيل.
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوايعني: يتخذونهم أولياء، يوالونهم بالنصرة والمعونة والمساعدة، ومن هؤلاء اليهود حينما ساعدوا قريشًا عام غزوة الأحزاب، عام غزوة الأحزاب فإنهم تولوا الذين كفروا وساعدوهم وعاونوهم.
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواوقيل: إن المراد بـ(الذين كفروا) هم الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ لأن المنافقين مع اليهود في المدينة على خطٍّ واحد يَتَوَلَّونهم ويساعدونهم ويمكرون بالنبي عليه الصلاة والسلام كما يمكر المنافقون.
ولو قيل: إن الآية عامة لكان أولى بناء على القاعدة التي تقررت أنه إذا كانت الآية أو الحديث يدل على معنيين على السواء ولا ينافي أحدهما الآخر، فالواجب حمله على المعنيين توسيعًا للمعاني الشرعية وتبرئةً للذمة؛ لأننا لو اقتصرنا على أحد المعنيين والله ورسوله أراد المعنيين لتعلُّق ذلك (...).
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواكَفَرُواهل المراد كفروا ظاهرًا وباطنًا أو كفروا باطنًا وآمنوا ظاهرًا أو الأمران؟
طلبة: الأمران.
الشيخ: الأمران جميعًا.
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْيعني: لبئس الذي قدمت لهم أنفسهم سَخَطُ الله عليهم، يعني أن سَخَطَ الله عليهم بئس ما قدموه لأنفسهم، وإنما قدموا سَخَط الله لأنفسهم؛ لأنهم فعلوا ما يوجب سُخْطه فكأنهم قدموا لأنفسهم سخط الله عليهم.
أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْوالسُّخْط والغضب معناهما متقارب، وهما وصفان ثابتان لله عز وجل على وجه الحقيقة، وهما غير الانتقام وغير إرادة الانتقام بل هما شيء سابق لإرادة الانتقام وسابق للانتقام.
بالنسبة لنا (السَخَط) حال تعتري الإنسان عند وجود ما يثيره من قول أو فعل؛ وتجد الإنسان ينفعل ويختل تفكيرُه حتى إنه يفعل ما لا تُحْمَد عقباه.
والسخط يكون فيه انتقام من الساخط، وقد يعفو الله عز وجل عن المسخوط عليه إذا اقتضت رحمته وحكمته ذلك.
أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَقوله: فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَفيها نوع من التوكيد؛ وذلك بوجود الضمير، وإلا لو قيل: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب خالدون، لاستقام الكلام لكن للتوكيد جاءت كلمة (هم).
و(الخالد) هو الماكث مُكْثًا طويلًا، هذا في الأصل وقد يراد به المكث الدائم حسب الأدلة والسياق.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أنَّ بني إسرائيل قد يَتَوَّلْون الكفار ممن كفرُهم صريح أو خَفِيّ فهم يوالون الكفار والمنافقين -والعياذ بالله- على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعضهم مع بعض، قد لا يكون بعضهم إلى الآخر حبيبًا مستحقًّا للولاية لكن لأنهم ضِدُّ ثالثٍ.
ومن فوائد هذه الآية: التحذير من موالاة الكافرين، وموالاة الكافرين أنواع كثيرة؛ منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك؛ فالتولِّي التامُّ كفر؛ بمعنى أن يكون معهم على الخطأ والصواب، وعلى المسلم وغير المسلم، وعلى دين الإسلام وغيره، هذا لا شك أنه كفر؛ والتولِّي في بعض الأمور كالمعاقدة معهم في أمور اقتصادية مثلًا أو تجارية أو عمل حرث أو زراعة، هذا لا يؤدي إلى الكفر؛ لأنه قد يعامله وقلبه مُنْكِر له مبغض له، بخلاف الذي يقول: إنه معهم على الخطأ والصواب، فهذا لا شك أنه كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْويَتَوَلَّوْنَأيضًا.
ومنها: الاستدلال بالأمور الحسية؛ يعني: أن إقامة الدليل الحسي مما جاء في القرآن الكريم؛ لقوله: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوافإن هذا كما قدمنا في التفسير يحتمل الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سخط الله عز وجل؛ لقوله: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْومذهب أهل السنة والجماعة المتلقَّى من طريق السلف الصالح الصحابة والتابعين إثبات هذه الصفة لله عز وجل، وأنه يسخط ويغضب ويحب ويكره ويبغض ويمقت إلى غير ذلك مما أثبته الله لنفسه.
فمذهب السلف الصالح أننا نثبت هذا لله حقيقة ولكن في علمنا ويقيننا أن ذلك لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١] ولو أننا حرَّفْنا وقلنا: (السُّخْط) هو الانتقام لافترينا على الله كذبًا؛ لأنه يقال لمن فعل ذلك: أين دليلك على أن الله أراد هذا؟ ونحن متعبدون بأيش؟ بظاهر اللفظ، والقرآن عربي ونازل باللغة العربية لو صرفناه عن ظاهره لكنا افترينا على الله كذبا، بأي حجة؟ وما موقف الإنسان من ربه يوم القيامة إذا اعتقد هذا الاعتقاد -أعني اعتقاد أن السخط هو إرادة الانتقام-؟ ما موقف الإنسان؟
فالصواب في هذا المتعين الواجب على المؤمن الذي يريد إنقاذ نفسه أن يُجرِي آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها.
فإذا قال قائل: إن ظاهرها التمثيل؟ قلنا: كذبت، ما يمكن يكون ظاهرها التمثيل؛ لأن التمثيل معنى باطل ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله شيئًا باطلًا بأي حال من الأحوال.
فإذا قال: هذا الظاهر وأَصَرَّ على ذلك؛ قلنا: من أين الدليل لك من أن هذا هو الظاهر؟
إذا قال: إن العقل يمنع أن يقوم السخط بالله أو الغضب بالله أو الكراهة بالله قلنا: عقل مَنْ؟ والعقل لا مجال له في الأمور الغيبية إطلاقًا. وإنما فرض العقل في الأمور السلبية هو التسليم والتصديق؛ لأننا أقل من أن ندرك ما أخفاه الله علينا.
وإذا كان الله عز وجل ينكر على مَنْ يسألنا عن الروح ويقول: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] فما كان أعظم من الروح فهو أولى بالخفاء علينا؛ ولهذا ضرب شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة التدمرية ضرب مثلًا بالروح قال: روح الإنسان مجهولة ولَّا معلومة؟ مجهولة، لا يُعْلَم من أي عنصر هي ولا يُعْلَم كيفية الروح إلا ما جاءت به الشريعة فقط من أن الروح تُقْبَض وتجعل في كفن عند الموت وتحنط ويصعد بها إلى السماء وتقبر، ما عدا ذلك ليس لنا منه علم؛ فإذا كان هذا في شيء مخلوق أي أننا لا ندركه مع أنه شيء مخلوق فما بالك بالخالق المخالِف لجميع الأشياء لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١].
فالواجب على من نَصَحَ نفسه أن يقول في كل ما أخبر الله به ورسوله عن نفسه أن يقول: سمعنا وصدقنا وآمنا؛ لكن على أساس أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
الطالب: هل يمكن أن يقال بمعنى ثالث في تولِّي اليهود للذين كفروا وهو ما نشاهده اليوم من تولِّيهم للنصارى في مقابلةِ المسلمين فإنهم ينصرونهم؟
الشيخ: إي نعم، نعم لا سيما إذا كنا نرى أنها عامة، ما فيه شك؛ لأن النصارى من الذين كفروا؛ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [البينة: ٦] بيان للذين كفروا.
طالب: هل هناك فرق بين الموالاة والتولِّي؟
الشيخ: لا فرق بينهما، تولاه ووالاه لا فرق.
طالب: (...) سيارة (...) وهو يعرف أنه لو منعها فهو ليس له ولاية على المرأة ولا على الرجل وهو يعلم أنه لو منعها لا تحدث فتنة ولا شيء فهل له أن يمنعهم؟
الشيخ: والله ما أدري، أتوقف في هذا إذا كان لا يحدث فتنة وهو قادر على المنع فأنا أتوقف فيه؛ لأننا لو فرضنا هذه المسألة وقعت أن رجلًا يمكنه أن يوقف السيارة ويقول: يا فلان، نَزِّل المرأة، مَنْ هذه؟ هذه، وإن حصلت لواحد من الناس قد لا تحصل لآخرين، ثم إن حصلت لواحد من الناس الذين نريد أن نُغَيِّر عليهم قد لا تحصل للآخرين فنتوقف من أجل أن نخشى أن العواقب تكون وخيمة من أناس آخرين.
طالب: عمل المسلم مع الإذاعات الكفرية، نقل أخبار المسلمين إليهم؟
الشيخ: إي نعم، الجاسوسية يعني؟
الطالب: صحافي.
الشيخ: والصحافي ينقل أخبار المسلمين إلى الكفار؟! هذا جاسوس، ما يجوز، والصحيح أن الجاسوس ولو كان مسلمًا يجب أن يُقْتَل، يعني لو تأكدنا أن هذا الرجل يَجُسُّ بأخبارنا إلى أعدائنا وجب أن نقتله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الصحفيون في بلاد المسلمين، كلهم مسلمون أو أغلبهم مسلمون ويتعاملون مع إذاعات أجنبية فلا بد أَنَّ نَقَلَ الأخبار إلى هذه الأنظمة ما يحتاجون إليه من الأخبار وتكون هذه أخبار المسلمين.
الشيخ: لكن هل تضر المسلمين وتنفع الكفار؟ قد يكون مجرد أخبار حوادث فقط.
طالب: إذا كان الجاسوس مسلمًا؟
الشيخ: إي نعم، يُقْتَل ما فيه شك؛ لأن حاطب بن أبي بَلْتَعَة رضي الله عنه إنما مَنَع قتله أنه من أهل بدر؛ فهذا يدل على أَنَّ غير أهل بدر يُقْتَلون، ولا شك أنه يُقْتَل هذا من أعظم الفساد في الأرض.
طالب: مساعدة الكفار في القتال ضد المسلمين ليس حبًّا في دين الكفار، ولكن حسدًا للمسلمين حسدًا لهذه البلد؟
الشيخ: هذا معناه أنه يريد أن يَظْهَر الكفار على المسلمين، هذا لا يجوز، لكن ما رأيكم فيما لو قاتل مع الكفار عدوًّا للمسلمين أشد عداوة من الذين يقاتل معهم، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟
الطلبة: (...).
الشيخ: هؤلاء قوم من الكفار أعداء للمسلمين لا شك، هناك عدو ثالث للجميع وهو بالنسبة لعداوة المسلمين أشد خطرًا من الآخرين، فهل لنا أن نقاتل مع هؤلاء؟ لأن هذا العدو أخطر علينا من الآخر الذي نقاتل معه، أو نقول: لا نقاتله وليتقاتل الطرفان وليغلب الأشد علينا من الآخر؟ الظاهر أننا نقاتل معهم بشرط أن نخشى من أن يتقوى الجانب الذي نقاتل معهم ثم ينقلبون علينا؛ لأن هذا وارد، ربما يفعل هذا، هذا وارد أنه مثلًا إذا قاتلنا معهم وقضى على عدوه بمساعدتنا أن ينقلب علينا ويكون كما قال الشاعر:
| .................... | خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي |
طالب: (...).
الشيخ: يعني هل لنا أن نبحث ونتجسس عن المنكر قاعدة عامة؛ إذا وجدت قرائن فلا بأس وإن لم توجد قرائن فالأصل البراءة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة: ٨١ - ٨٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٨٠]. قوله: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْالخطاب لمَن؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، الأول أولى، العموم أولى.
قوله: يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوامَن المراد بـالَّذِينَ كَفَرُوا؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: قيل: هم المشركون وقيل: الذين آمنوا باللسان وهم المنافقون.
الشيخ:يعني المنافقين؛ لأن اليهود يتولون هؤلاء وهؤلاء.
لو قال لك قائل: لعلنا نجعلها عامة من باب استعمال الاسم المشترك في معنيين ماذا تقول؟
الطالب: هو أولى.
الشيخ: هو أولى.
في الآية إثبات صفة من صفات الله عارض فيها الأشاعرة وأشباههم صفة السخط أين هي في الآية؟
الطالب: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: وماذا تقول في السخط، هل تثبت أن الله يسخط ويغضب ويكره ويحب؟
الطالب: (...).
الشيخ: أسألك أنت؟ ما هو أهل السنة والجماعة؟ هل تثبت هذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: لو قال قائل: المراد بذلك لازمه وهو الانتقام ما تقول؟
طالب: هذا غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، لماذا؟
الطالب: لأن الأصل في ألفاظ الكتاب والسنة تؤخذ على ظاهرها.
الشيخ: إذن، لا يصح؛ لأنه خلاف الظاهر، هذا واحد.
الطالب: الثاني أن الانتقام غير السخط.
الشيخ: الانتقام غير السخط، بل هو نتيجته، ما دليلك على هذا الذي قلت؟
الطالب: قول الله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]
الشيخ: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْآسَفُونَايعني؟
الطالب: أغضبونا.
الشيخ: أغضبونا، طيب هذه اثنان؛ ثالثًا؟
طالب: (...).
الشيخ: خطأ.
طالب: ما دليلكم على (...).
الشيخ: (...) كثيرة مُؤَوَّلة إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨].
طالب: مخالف لتفسير السلف.
الشيخ: أحسنت، مخالف لإجماع السلف، وأنا قلت لكم: هذه الكلمة أو هذا الدليل إنه مخالف لإجماع السلف، وإنه لو طالبكم أحد وقال: أين إجماع السلف، فماذا تقولون؟
طالب: كون الآيات تقرأ على السلف ولا يفسرونها.
الشيخ: كون السلف يقرؤونها ولا يفسرونها بخلاف ظاهرها يدل على أنهم مجمعون على ما دل عليه ظاهرها، وهذا في الحقيقة طريق جيد لنقل الإجماع؛ لأنك لو أردت أن تطلب من كل إنسان أن يثبت لك قولًا واحدا من أقوال السلف قد لا تستطيع؛ لكن تقول: كونهم يقرؤون القرآن والحديث ولم يرد عنهم تأويله يدل على أنهم أخذوه على ظاهره.
***
ثم قال الله تعالى: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} [المائدة: ٨١].
لَوْ كَانُواالضمير يعود على اليهود الذين تَحَدَّث الله عنهم أولًا.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِأي: حق الإيمان، والإيمان مع الكفر بالرسل لا يسمى إيمانًا حتى لو قال: أؤمن بالله، وأن الله تعالى سبحانه حَيٌّ، عليم، قادر، مدبر للأشياء فإن ذلك لا يعد إيمانًا مع الكفر.
وقوله: النَّبِيِّ(أل) هنا للعهد الذهني وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِأي: القرآن، والمُنْزِل له هو الله تبارك وتعالى.
مَا اتَّخَذُوهُمْهذا جواب (لو) مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَأي: ما اتخذوا مَنْ؟ ما اتخذوا الذين كفروا أولياء؛ وكما ترون لم يقترن جواب (لو) باللام؛ لأنه نَفْيٌ و(اللام) للتوكيد والإثبات ولا يتناسب هذا وهذا؛ ولذلك كان الأكثر في جواب (لو) الشرطية إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام وإذا كان منفيًّا أن يتجرد من اللام، فإذا قلت: لو زرتني أكرمتك، صح، لو زرتني لأكرمتك، صح، وأيهما الأكثر؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: لأكرمتك، الثاني؛ وقد اجتمع النوعان في سورة الواقعة، فقال الله تبارك وتعالى في الزرع: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا [الواقعة: ٦٥] لَجَعَلْنَاهُ؛ وقال في الماء: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠] فحذف اللام؛ أما إذا كان جواب (لو) منفيًّا بـ(ما) فإن الأكثر تجرده من اللام وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف: ٢٠] ولم تكن: لما عبدناهم، ووجه ذلك أنه لا يتناسب التوكيد باللام مع الاقتران بـ(ما)، لكن مع ذلك تأتي في اللغة العربية كما في قول الشاعر:
| وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا | وَلَكِنْ لَا خِيَـــــــــارَ مَعَ اللَّيَالِي |
المعنى لو كان الأمر بأيدينا ما افترقنا ولكن تَأَبْى الليالي إلا أن نفترق.
في هذه الآية مَا اتَّخَذُوهُمْجريًا على أيش؟ على الأكثر.
مَا اتَّخَذُوهُمْأي: ما صيروهم أولياء؛ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَأي: خارجون عن طاعة الله، والمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المخرج عن الملة.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن اتخاذ الكافرين أولياء مناف للإيمان بالله ورسوله وكتابه؛ لقوله: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن (النبي) يُطْلَق على (الرسول)؛ في هذه السورة (الرسول) و(النبي) وكلاهما للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ [المائدة: ٦٧] وهنا يقول: وَالنَّبِيِّوفي القرآن الكريم أكثر ما ذكر الرسل بوصف النبوة، اقرأ إن شئت سورة مريم، واقرأ قول الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣].
ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن مُنْزَل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِهذا الإنزال مُعْتَنًى به أكمل عناية؛ لقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢] تأمل قول رب العالمين ليتبين لك عظمة هذا القرآن وأن العالمين مُلْزَمون بقبوله؛ لأنه نازل من ربهم، ثم تأمل قوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣] الروح جبريل؛ لأنه موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، أمين مؤتمن لا يمكن أن يزيد فيه ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر عليه الصلاة والسلام.
أين وعاء هذا المنزل؟ عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٤]، والشيء إذا حَلَّ في القلب لا بد أن يؤثر على البدن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
من فوائد هذه الآية الكريمة: ثبوت علو الله عز وجل ؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِومعلوم أن المنزِل هو الله تبارك وتعالى، والتعبير بالإنزال يدل على علو المنزِل وهو كذلك.
وعلو الله عز وجل ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع ثبوتًا لا شك فيه؛ أما الكتاب فالآيات في ذلك كثيرة متنوعة الدلالة، وأما السنة فكذلك اجتمع فيه أي في العلو الدلالة القولية والفعلية والإقرارية، أنه سأل الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ» قالت: في السماء. فقال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ؛ والفعلية؟
طالب: (...)أشار بيده (...).
الشيخ: لكن هذا ليس بصريح؛ إذ قد يريد بالرفيق الأعلى الذين أنعم الله عليهم.
طالب: (...).
الشيخ: صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشهد الله على إقرار الأمة بأنه بَلَّغَ فيرفع أصبعه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد ، أما القول فلا يحصى.
وأما دلالة العقل على علو الله فكل إنسان عاقل يعرف أن العلو صفة كمال، أليس كذلك؟ العلو صفة كمال سواء كان معنويًا أو حسيًّا؛ والله تبارك وتعالى يقول: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] والعقل يدل على أنه يجب أن يكون للمعبود المثل الأعلى.
أما الفطرة فحَدِّث ولا حرج تجد النساء والأطفال الذين لم يدرسوا يشهدون بفطرهم أن الله تعالى فوق وأنه عال؛ ولا يمكن أن يحيد عن هذه الفطرة إلا من أزاغ الله قلبه، والعياذ بالله.
بقي عندنا الإجماع؛ إجماع المسلمين قبل أن يحدث هذا الخلاف فإنه ما من واحد منهم قال: إن الله ليس في السماء أبدًا لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ وكما قال شيخ الإسلام: هذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآثار عن الصحابة ليس فيها حرف واحد يدل على أن الله في كل مكان، أبدًا؛ ولكن من يضلل الله فلا هادي له؛ والعجب أيها الإخوة وأنتم وافدون من بلاد شتى، العجب أن كثيرا من المسلمين إن لم يكن أكثرهم يؤمنون بأن الله في كل مكان -نسأل الله العافية- ولا أدري كيف يستسيغ الإنسان أن يقول: إن الله في كل مكان، وهو يعرف أنه سوف يدخل المرحاض وبيت الخلاء، فهل يمكن لإنسان عنده مسكة من عقل أن يؤمن بأن الله في المرحاض؟ لا والله؛ لكن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة فلا يهتدون، نسأل الله العافية.
فالواجب عليكم نشر العقيدة الصحيحة حول هذا الموضوع الهام، أنا أخشى إن لقي الإنسان ربه على هذه العقيدة ألَّا يتولاه الله ولا يكلمه الله لأنها عقيدة من أبطل العقائد -والعياذ بالله- ومع ذلك هي الشائعة عند كثير من المسلمين كما أحسسنا به في دروس الحرم حتى إن واحدًا لو أقمته وقلت: أين الله؟ على طول يقول: في كل مكان، كأنه شيء ثابت عنده.
لكن يجب على طلاب العلم أن يعتنوا بهذه المسألة؛ نحن في نجد -والحمد لله- لا نعرف هذه العقيدة، ولا يمكن أن يدور في فكر أي إنسان أن الله في كل مكان؛ لكن البلاد التي أشربت عقيدة الضلال -والعياذ بالله- وصاروا يقرؤون في الكتب يتعلمونها صغارًا ويشيخون عليها كبارًا هم الذين تأثروا بهذا؛ فعلينا أن نعتني بهذه المسألة وبغيرها من المسائل التي شاعت في العالم الإسلامي وهي خلاف الصواب.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه أولًا أن اتخاذ الكافرين أولياء ينافي أيش؟ الإيمان بالله ورسوله وكتابه؛ الدليل: مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ.
من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالمحسوس على المعقول، وإن شئت فقل: بالمشاهد على الخفي؛ وجه ذلك أن الإيمان بالقلب، الإيمان بالقلب ولا أحد يعلم أن الإيمان في القلب لكن الآثار تدل عليه، ما هو الأثر هنا الذي دلنا على أنهم لم يؤمنوا؟ تَوَلِّي الكفار، اتخاذهم أولياء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلق على الكفر؛ لقوله: وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَوهو كذلك يعني قصدي ولذلك شاهد، وهو كذلك يعني لست أريد أن أقرر الآية لأنها معروفة بين أيدينا؛ لكن لها شاهد، اقرأ سورة السجدة، ماذا قال الله؟ قال الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة: ٢٠] في مقابل: الَّذِينَ آمَنُوا [السجدة: ١٩] وإذا جاء الفسق في مقابل الإيمان والوعيد في مقابل الوعد فالمراد به الكفر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاحتراز عند الكلام بمعنى ألَّا تعمم فتقول مثلًا: كل أهل هذه البلدة كلهم فسقة، كلهم فجار، كلهم كذا، لا تعمم؛ لأنك لا تدري ولهذا اسمع إلى عالِم الخفيات جل وعلى يقول: وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَفإياك والتعميم فتقع في الخطر أو في الكذب. هذا آخر الجزء، الدرس القادم إن شاء الله مراجعة.
***
بسم الله الرحمن الرحيم؛ أولا رأيت أن نعود إلى شيء من أصول التفسير في ابتداء كل درس حتى لا ننسى؛ فهل معرفة تفسير القرآن واجبة أو لا؟طالب: معرفة تفسير القرآن، ما هي واجبة.
الشيخ: ما هي واجبة يعني بمعنى أنه لا يجب علينا أن نحاول معرفة القرآن؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني يقول: فرض كفاية؛ ما تقولون؟
طالب: أن ما لا يقوم دين الإنسان إلا به فواجب؛ معرفة أحكام العقيدة، أحكام العبادات التي يمارسها الإنسان فهذا واجب؛ وأما ما زاد على ذلك (...).
الشيخ: نعم، تمام، تفصيل ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو واجب؛ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣] يجب أن نعرف ما معنى إقامة الصلاة، آتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣] كذلك، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، وإن حصل أن الإنسان يتأمل القرآن كلما قرأه ويحاول أن يعرف المعنى بنفسه ثم يرجع بعد ذلك إلى أقوال المفسرين فهذا طيب وهو بهذا يكون عنده ملكة في معرفة تفسير القرآن؛ لأن كون الإنسان يريد أن يفهم معنى آية على طول يذهب إلى كتب التفسير لا ينتفع كثيرًا، يحاول أولا أن يعرف المعنى ثم يعرض ما فهمه على كتب المفسرين فإن طابق فهذا من نعمة الله وإن خالف فليرجع عن تصوره أو عن فهمه لأنّا وجدنا هذا أقوى في معرفة التفسير وأمكن في قلب الإنسان؛ هذه قاعدة.
القاعدة الثانية: إلى ما نرجع في التفسير؟ نرجع إلى كتاب الله يعني أن نفسر القرآن بالقرآن؛ لأن المتكلم به سبحانه وتعالى أعلم بمعناه فإذا جاء تفسير القرآن بالقرآن فلا تعْدُوه؛ والقرآن أحيانًا يفسر الله عز وجل المعنى بالأحكام التي تكون وأحيانًا يفسره بالمعنى المقابل؛ فقوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨] لو أردنا أن نفسرها بالمعنى لقلنا: يوم الدين اليوم الذي تُجازى فيه النفوس بما كسبت لأن (الدِّين) معناه الجزاء؛ لكن الله تعالى بَيَّن ما يكون في ذلك اليوم فقال: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩]، وقال تعالى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ [القارعة: ٩ - ١١] قال: نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: ١١] ففسر الهاوية بالنار الحامية؛ فعلى كل حال نرجع إلى أيش؟ إلى تفسير القرآن بالقرآن؛ ووجه ذلك أن الذي أنزله سبحانه وتعالى أعلم بمعناه.
بعد ذلك نرجع إلى التفسير بالسنة، التفسير بالسنة أنواع لا تحصى؛ تارة يكون بلفظ الرسول عليه الصلاة والسلام، وتارة يكون بفعله وأنواع كثيرة، مثلًا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] «الْحُسْنَى هِي الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ هِي النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ »، هكذا فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذن ليس لنا أن نقول: هل هناك معنى آخر؟ لا، لا نقول هذا؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بذلك وهو أعلم الناس بمعاني كلام ربه تبارك وتعالى.
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» يعني هو أعلى أنواع القوة ولَّا في قوة أخرى غير الرمي؟! لكن أعلى أنواع القوة وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام، الآن أشد ما يكون هو الرمي، ليس الرمي بالقوس وما أشبه ذلك، الرمي يشمل كل رمي يحدث إلى يوم القيامة، الآن القنابل الهيدروجينية والنووية والأشياء هذه كلها داخلة في الرمي؛ إذن القوة فسرها الرسول صلى الله عليه وسلم بالرمي نقول: لا نتعداه، وقد يقال في هذه المسألة بالذات: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يفسرها بمثال، وأن القوة تكون بالرمي وتكون بالكر والفر والخداع وما أشبه ذلك؛ لكن يشكل على هذا الاحتمال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قالها على وجه الحصر قال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» .
إذا لم نجده في القرآن ولا السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأنّا نعلم أن أَعْلَمَ الناس بكلام الله بعد الرسول عليه الصلاة والسلام هم الصحابةُ؛ لأنه نزل في عصرهم وفي لغتهم، ومعلوم أن معاني الألفاظ تختلف باختلاف الأحوال، قد تخاطب بلفظ واحد أمة وتخاطب أمة أخرى، ويكون المراد بالخطاب الأول غير المراد بالخطاب الثاني.
ولا شك أن القرآن إذا كان نزل حيًّا طريًّا في عهدهم وعصرهم وأحوالهم والملابسات التي توجب فهم النص على ما أراد الله لا شك أن هذا يرجح أن يكون المرجع مَنْ؟ أقوال الصحابة، لكن الصحابة قد يفسرون الشيء بالمثال؛ فإذا كان اللفظ يحتمل معنى غير ما قالوا فليكن مفسَّرًا بالمعنى الذي قالوا وبالمعنى الآخر، هاتان قاعدتان مهمتان ونرجو الله تعالى أن يفتح علينا في كل جلسة للتفسير بأخذ قاعدة من قواعد التفسير حتى أن الإنسان ينشط بعض الشيء.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة: ٨٢ - ٨٦]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةًوأظننا فسرنا هذا.
على كل حال، قال الله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواقوله: لَتَجِدَنَّهذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: لَتَجِدَنَّ؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون لَتَجِدَنَّوالخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.
والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.
إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَيحتمل في أَشَدَّأن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا أَشَدَّمفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوايحتمل أن تكون أَشَدَّهي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل أَشَدَّهي المفعول الأول والْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواالمفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.
إذن نقول: أَشَدَّهي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا أَشَدَّمفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةًوالعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية.
وقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوايعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: الَّذِينَ هَادُوا [البقرة: ٦٢] وقولهم: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا.
وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى.
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواالذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له.
قال: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىلَتَجِدَنَّنقول فيها ما قلنا في الأولى.
وهنا قال: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةًولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةًلكن هؤلاء قال: أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةًومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك.
مَوَدَّةً(المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود.
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىنقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في أَشَدَّ.
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىولا سيما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ» فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله.
وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم رسول.
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىالنصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [آل عمران: ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ذَلِكَالمشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِهذه خمسة أشياء.
ذَلِكَأي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا(القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين.
الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد: ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع.
السبب الثاني: وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد صلى الله عليه وسلم لكنه العناد والاستكبار، ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟ . اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤] استكبار واضح، اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَقاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ.
الثالث: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّهذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد.
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّيَقُولُونَأيضا هذا سبب ثالث؟
طالب: رابع.
الشيخ: بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.
الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.





