إذا خُوّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان
يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا،
فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من
طمع أو خوف.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن
الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حكم وأقروه وعملوا به يا شيخ، تقصر عقولنا عنه فهمًا
وعملًا، كيف العدول عنه يا شيخ؟
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية
الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل؟ ما فيه دليل (...) آية الرجم؟
الشيخ: سبحان الله! عمر رضي الله عنه موفّق بالصواب، وعنده فراسة
عجيبة، هو نفسه رضي الله عنه قال: أخاف إن طال بالناس زمان أن
يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله ،
وهذا الذي ذكرت الآن هو ما توقعه عمر فهمت؟ وإلا هو يُعلن على منبر الرسول عليه
الصلاة والسلام بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ويكون الأمر على خلاف
ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
طالب: ما مدى صحة قول
من يقول: إن النار دركات؟
الشيخ: يعني معناها يجعل
أسماء هذه بحسب الدركات؟ ما هو صحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد.
طالب: في الدرك الأسفل من النار.
الشيخ: إي، كما أن البيت اسم واحد، وفيه سطح، وفيه مصباح، وفيه
بدروم وغيره.
الفرق بينهما أن مطلق الشيء يعني الجزء منه والشيء منه؛ يعني
معناه أنه يسمى شيئًا، مطلق الشيء يسمى شيئًا، والشيء المطلق يعني الشيء الكامل،
المطلق يعني من غير قيد اللي ما يُقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، ولا شيء،
فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء يعني الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم
يكن كاملًا.
طالب: لذلك قلنا: فيه إطلاق.
الشيخ: لا، بس فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس،
وأن تصف النوع بالإطلاق، الشيء المطلق يعني الكامل، مطلق الشيء يعني معناه أنه ما
يصدق عليه الشيء وإن لم يكن كاملًا.
***
نكمل ما تقدم في النسْخ حتى يكمل البحث فيه. ذكرنا أمس أن النسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، علل لجوازه عقلًا؟طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: يقال في معظم الأحكام: إذا شرعت في زمان معين لأمة معينة، فتصلح له، وقد لا تصلح لغيرها، فيكون من الحكمة أن يشرع لمن بعدها خلاف ما شرع لمن قبلها حيث..
الشيخ: لأن أحكام الله تعالى يُراد بها مصالح العباد، وهي تختلف في كل زمان أو مكان أو حال، فلذلك كان مقتضى الحكمة أيش؟
الطالب: نسخ الأحكام.
الشيخ: نعم، نسخ الأحكام. واقع شرعًا هات مثالًا؟
طالب: قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] ودليل وقوعه؟
الشيخ: إي، وقوعه.
الطالب: الْآنَ خَفَّفَ [الأنفال: ٦٦].
الشيخ: واقع شرعًا.
الطالب: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ.
الشيخ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْبعد أن قال؟
الطالب: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا [الأنفال: ٦٥].
الشيخ: مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآن [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
الطالب: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا.
الشيخ: كمِّل.
الطالب: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ.
الشيخ: صحيح صَابِرَةٌ.
الطالب: يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ.
الشيخ: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [الأنفال: ٦٦] بارك الله فيك.
النسخ يكون نسخ لفظ، أو نسخ حكم، أو نسخهما، نسخ اللفظ؟
طالب: أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم.
الشيخ: نعم، أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم، مثاله؟
الطالب: آية الرجم التي نُسخت فكانت..
الشيخ: الرجم يعني رجم أيش؟
الطالب: رجم المحصَن.
الشيخ: الزاني المحصن، نعم.
الطالب: نُسخت، وبقي حكمها.
الشيخ: كانت تُقرأ في كتاب الله، ثم نسخ لفظها، وبقي حكمها، ما هو الدليل؟
الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن مما أنزل من القرآن آية الرجم (...) هذا الدليل.
الشيخ: كمّل: إن مما أنزل الله تعالى على رسوله آية الرجم قرأناها، وحفظناها، ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن، وكان الحبَل أو الاعتراف . أفهمت؟ إذا قامت البينة وكان الحبل أو الاعتراف.
ما هي الحكمة من نسخ اللفظ دون الحكم؟
طالب: نسخ اللفظ دون الحكم لتذكير العباد بنعمة الله عز وجل.
الشيخ: لا.
الطالب: أو لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها.
الشيخ: نعم؛ لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها؛ حيث عملت بالرجم مع أنه لا يوجد لفظه في كتاب الله، واليهود بالعكس جحدوا آية الرجم حتى إنهم لما جاؤوا بالتوراة وضع الذي يقرأ يده على آية الرجم حتى لا تَبين.
الثاني: نسخ الحكم وبقاء اللفظ، مثاله؟
طالب: الْآنَ خَفَّفَ، الآية في الأول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
الشيخ: أين المنسوخ؟
الطالب: الأول.
الشيخ: الآية الأولى نُسخ حكمها، وبقي لفظها، بارك الله فيك، الحكمة؟
طالب: أن بقاء اللفظ فيه (...) أخرى مثل زيادة الأجر كما في الصلاة.
الشيخ: أن في بقاء اللفظ زيادة الأجر.
الطالب: وأيضًا تذكُّر نعمة الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: التذكير بنعمة الله عز وجل، الثالث؟
الطالب: نسخ الحكم واللفظ معًا.
الشيخ: نعم، نسخ اللفظ والحكم معًا، مثاله؟
طالب: العشر رضعات.
الشيخ: مثل العشر رضعات؟ يعني عشر رضعات نُسخت إلى خمس عشرة رضعة؟!
الطالب: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن ، العشر إلى خمس، الأولى منسوخة لفظًا وحكمًا.
الشيخ: العشر منسوخة لفظًا وحكمًا؛ لأن حكمها نُسخ بخمس ولفظها لا يوجد.
فيه تقسيم آخر للنسخ: النسخ تارة يُنسخ إلى أثقل، وتارة ينسخ إلى أخف، وتارة ينسخ إلى مساوٍ، ثلاثة أقسام: تارة ينسخ إلى أثقل، مثال ذلك: الصوم، أول ما فرض الصوم (...) الناس مخيرون بين أن يصوم الإنسان أو يفدي، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سلمة بن عقبة رضي الله عنه، أول ما نزل الصيام صام من شاء صام ومن شاء افتدى، ثم تعيّن الصوم، أيهما أثقل؟
طالب: الناسخ.
الشيخ: تعيين الصوم؛ لأن المخيّر إن شاء هذا أو هذا، فإذا تعين الصوم صار أثقل.
الثاني: إلى أخف، مثاله: آية المصابرة التي قرأنا إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ [الأنفال: ٦٥] إلى آخره، هذه نسخت إلى أخف، ومما نسخ إلى أخف؛ الصلوات الخمس نُسخت من خمسين إلى خمس.
الثالث: النسخ إلى مساوٍ، بالنسبة لفعل المكلف لا فرق بين هذا وهذا كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فهنا الفعل بالنسبة للمكلف واحد، الإنسان لا فرق أن يتجه يمينًا أو شمالًا، فلننظر إذا نسخ من أخف إلى أشد ففيه فائدتان؛ الفائدة الأولى: زيادة الأجر؛ لأن العمل إذا شق على المكلف لا بفعل نفسه واختياره فله أجر يزداد أجره. انتبه للقيد! إذا شق على المكلف أيش؟
طالب: لا بفعله واختياره.
الشيخ: لا بفعله واختياره فهو أفضل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» . يعني على قدر المشقة، أما ما كان بفعل المكلف واختياره فهو إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر، مثال الأول: إنسان قام يتوضأ في البر، وليس عنده إلا ماء بارد، وليس عنده ما يسخن به، فتوضأ بالماء البارد، فيه مشقة ولَّا لا؟
طلبة: فيه.
الشيخ: فيه مشقة، آخر قام يتوضأ وعنده ماء ساخن، وماء بارد فتوضأ بالماء البارد، أيكون أفضل مما لو توضأ بالماء الساخن؟
لا، بل هو إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأن هذا باختياره، إذن النسخ من الأخف إلى الأشد فيه أيش؟
طلبة: زيادة الأجر.
الشيخ: زيادة الأجر، فيه أيضًا بيان حكمة التشريع، حيث يتبين للإنسان أن التشريع في هذه الشريعة الإسلامية يأتي بالتدريج الأسهل فالأسهل حتى لا يصطدم الناس بالشريعة الكاملة، وانظر إلى تحريم الخمر، تحريم الخمر جاء على درجات: درجة تعريض، درجة مؤقتة بوقت معين، درجة محرمة نهائيًّا، التعريض يبينه لنا الأخ، تحريم الخمر بالتعريض؟
طالب: قال الله تعالى: (...).
الشيخ: لا.
طالب آخر: قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩].
الشيخ: قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَالتحريم ما هو الإباحة.
طلبة: التعريض.
الشيخ: التعريض يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فهنا لما قال: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاالعاقل ما يفعل.
التحريم في وقت معين في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؟
طالب: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣].
الشيخ: نعم، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، فهنا حرم شرب الخمر في وقت قريب من الصلاة؛ لأنه إذا شرب في وقت قريب من الصلاة لزم أن تأتي الصلاة وهو سكران.
الثالث: التحريم النهائي في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠].
إذن يتبين بذلك أيش؟
طلبة: حكمة التشريع.
الشيخ: حكمة التشريع في الشريعة الإسلامية، هل هذه الحكمة باقية إلى الآن؟ بمعنى لو رأينا شخصًا يشرب الخمر، هل لنا أن نقول: اترك الخمر بالتدريج أو نقول: الآن؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: إذا أمكن الثاني لا بأس، لكن قال: لا يمكن، فإذا قلنا له بالتدريج، وكذلك شرب الدخان بالتدريج، فهذا لا بأس به إذا لم يمكن إلا ذلك؛ لأنه إذا تعذّر الكمال أخذنا به شيئًا فشيئًا. بقينا بأيش؟
القسم الثالث: المساوي، مثل الاتجاه من بيت المقدس إلى الكعبة، قد يقول قائل: ما الفائدة من ذلك؟
نقول: الفائدة لا يمكن أن يكون هذا النسخ إلا لسبب، فمثلًا أيهما أشرف الكعبة أو بيت المقدس؟
لا شك أن الكعبة أفضل، لكن لو فرضنا أنه لا فرق بينهما إطلاقًا فإن فائدته امتحان المكلَّف واختباره، هل هو تابع لشريعة الله أو هو تابع للهوى؟
فيقول: ليش إن الله ينسخ هذا إلى هذا وهما سواء؟ أنا سأفعل ما شئت.
ففائدة النسخ إلى المماثل أيش؟ اختبار المكلَّف هل يكون منقادًا تمامًا لشريعة الله أو هو متبع لهواه، وبهذا انتهى ما أردنا أن نتكلم عنه في باب النسخ.
طالب: الحكمة من النسخ إلى الأخف.
الشيخ: ما ذكرناها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إي، الحكمة من النسخ من الأشد إلى الأخف واضحة جدًّا؛ وهي التخفيف على الأمة.
***
قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: ٨٧].هذه ثلاث جمل، بل أربع جمل؛ الأولى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوتصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يستلزم انتباه المخاطب، وإصدار الخطاب بوصف الإيمان يدل على أن ما سيُذكر من خصال الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن فيه إغراء للامتثال؛ لأنك إذا وصفت شخصًا بوصف لتأمره أو تنهاه فهذا من باب الإغراء بهذا الوصف، ولذلك تقول لشخص: أنت رجل كيف تفعل كذا وكذا؟!
قولك: أنت رجل؛ يعني مقتضى الرجولة أيش؟ ألَّا تفعل. وتقول: يا فلان، أنت كريم، وهذا سائل؛ يعني فأعطه.
الجملة الثانية: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْهذه ناهية لَا تُحَرِّمُواأي: لا تجعلوه حرامًا، وتحريم ما أحل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فلننظر أيها المراد: خبر، وإنشاء، وامتناع، فالخبر أن يقول: الضأن حرام، يخبر، هذا نقول له: إنك كاذب، لماذا؟ لأن الضأن حلال، وهو قال: إنه حرام كاذبًا.
الإنشاء أن يحرم ما أحل الله كما فعل أهل الجاهلية بالسائبة والوصيلة والحام، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [الأنعام: ١٣٩]. هذا التحريم أيش؟ إنشاء؛ يعني أراد أن يحكم بأن هذا الشيء حرام على جميع الناس، هذا هو الذي يراد بالآية الكريمة، وحقيقته الحكم بغير حكم الله عز وجل.
الثالث: الامتناع؛ يعني أن يقصد الامتناع، هو ما مقصد أنه حرام وما قصد إنشاء الحكم عليه بالتحريم، ولا قصد الخبر، وإنما قصد الامتناع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم: ١]. أفهمتم الآن ولَّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: واضح؟ إذا قال: هذه الخبزة عليَّ حرام، يريد الامتناع، ما قصده أن حكمها حرام في شرع الله، ولا أن يخبر أنها حرام، لكن أراد أن يمتنع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ الدليل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢].
هذه ثلاثة أقسام في التحريم: إخبار، وإنشاء، وامتناع، أيها المراد؟ الإنشاء، ولهذا قال: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ؛ لأنه طيب، ولأنه حلال فكيف تحرّمونه؟!
وَلَا تَعْتَدُواأي: تجاوزوا حدودكم؛ لأن الإنسان له حد، فكونه يحلِّل ويحرِّم هذا اعتداء، قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦].
وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَهذه الجملة الثالثة، أخبر عز وجل أنه لا يحب المعتدين في حقه ولا في حق عباده؛ لأن الله عدل أحكم الحاكمين، فلا يحب أن يعتدي أحد لا في حقه ولا في حق العباد.
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا [المائدة: ٨٨].
كُلُوافعل أمر، وهو في معناه مشترك بين الإباحة وبين الوجوب وبين الندب، فمن توقّفت حياته على الأكل فأكله واجب، ومن احتاج، ولكن لا ضرورة فأكله مستحب، ومن كان لا يحتاج، وليس بمضطر فالأمر للإباحة.
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُأي: مما أعطاكم.
حَلَالًاأي: حال كونه حلالًا أي محلَّلًا، فهو مصدر بمعنى اسم مفعول.
طَيِّبًاأي: لا خبيثًا، وهل الوصف هنا وصف ملازم يعني لأن كل حلال طيب، أو المعنى حلالًا طيبًا في كسبه، فالمعنى أنه حلال في ذاته طيب في كسبه؟
الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام مؤسِّسًا أو مؤكِّدًا فحمله على أن يكون مؤسسًا أولى، فنقول: حَلَالًاأحله الله، طَيِّبًاأي: من حيث الكسب.
وَاتَّقُوا اللَّهَأي: الزموا تقوى الله عز وجل.
الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَهذا من باب الحث على التقوى؛ يعني ما دمتم مؤمنين بالله عز وجل فاتقوه، وفي قوله: الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَجملة اسمية تدل على الثبوت؛ يعني أنه قد تقرر عندكم الإيمان بالله، فإذا كان كذلك فاتقوا الله.
في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: النهي عن تحريم طيبات ما أحل الله؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧]. وهذا التحريم هل يعم الأقسام الثلاثة التي ذكرناها؟
نعم، يعمها لكن بعضها أشد من بعض، فالتحريم الإنشائي أشدها؛ لأنه مشاركة لله في حكمه، والتحريم الخبري محرم؛ لأنه كذب، والتحريم الامتناعي أيضًا محرّم؛ لأن الله عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام عليه في قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» .
ومن فوائد هذه الآية: النهي عن العدوان؛ يعني الاعتداء في حق من؟ في حق الله وفي حق العباد.
ومنها: الإشارة إلى أن تحريم ما أحل الله من باب العدوان؛ لأن الله قال: لا تُحرّموا ولا تعتدوا، وهو إشارة إلى أن هذا من باب العدوان، وأيهما أشد أن يحرِّم الحلال، أو أن يحلّل الحرام؟
طلبة: الأول.
الشيخ: أن يحرم الحلال؛ لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قُدّر أنه حرام بناء على الأصل، الأصل في الأشياء أيش؟ الحِلّ إلا الشرائع فالأصل فيها الحذر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى مِنّة الله تبارك وتعالى على عباده فيما أحل لهم.
طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْولو شاء الله عز وجل لحرم علينا، لحرّم علينا طيبات أُحلّت لنا كما حرم ذلك على بني إسرائيل حيث قال عز وجل: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠]؛ يعني بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات، وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يُحْرَم الطيبات تحريمًا قدريًّا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم تأثّر، مرض، هذا يعني أنه يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم، وهذا تحريم قدري ولَّا شرعي؟
الطلبة: قدري.
الشيخ: قدري، إنسان مثلًا فيه السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، يجتنب السكر، هذا التحريم أيش؟
طلبة: قدري.
الشيخ: قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط بل حتى القدري.
ومن التحريم القدري: أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
فإن قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات؟
قلنا: نفيه محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب مطلقًا لم يكن لنفي محبته المعتدين فائدة؛ لأنه أصلًا لا يحب، والذين قالوا: إن الله لا يحب لم ينكروا المحبة، لكن حرّفوها، ففي الآية إذن ردّ على منكري محبة الله عز وجل مثل من؟
الأشاعرة -الذين هم أقرب أهل التعطيل لأهل السنة- ينكرون محبة الله، يقولون: إن الله لا يحب أحدًا، لا يحب ولا الرسول؟! قالوا: ولا الرسول، أليس رسولنا قال: إن الله اتخذني خليلًا؟! قالوا: نعم، لكن زاد ثوابه؛ لأن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسّروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، والحقيقة أننا نسأل الله لهم العفو، وأن يهدي أحياءهم؛ أنهم حُرِموا لذة محبة الله عز وجل، الإنسان إذا شعر بأن الله يحبه يفرح ويزداد في محبة الطاعات وكراهة المعاصي؛ لأنه يعلم أن ربه عز وجل يحبه من فوق سبع سماوات، وإذا كان المعنى يُثيبه فهو يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فحُرموا لذة محبة الله؛ لأنهم أنكروها.
إذن المهم أن في الآية إثبات المحبة، وإذا قال قائل: ما طريق إثباتها؟
قلنا: لأن نفيها عن المعتدين أيش؟ يدل على ثبوت أصلها؛ إذ لو لم يكن أصلها ثابتًا لم يكن فائدة في نفيها عن المعتدين، وهذا نظير استدلال الشافعي رحمه الله على رؤية الله في نفي الرؤية عن الفجار حيث قال عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥].
قال: لو كانت الخلائق محجوبة عن الله كلها لم يكن في نفي حجب الرؤية عن الفجار فائدة، نفي الرؤية عن الفجار دليل على إثباتها لمن؟
طلبة: للأبرار.
طالب: للمتقين.
الشيخ: للأبرار.
ومن فوائد الآية التي تليها: أمر الإنسان بالأكل مما رزق الله، ضده عدم الأكل، عدم الأكل مما رزق الله ثلاثة أقسام؛ الأول: أن يترك الأكل مع خوف الهلاك إذا لم يأكل، فهنا ترك الأكل حرام؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينقذ نفسه، وبهذا نعرف سفه أولئك الذين يُضربون عن الطعام، نعرف سفههم في عقولهم وضلالهم في دينهم، بعضهم يُضرب عن الطعام حتى يحمل إلى المستشفى كالميت، هذا حرام لا شك في هذا، وإذا كان ليس به ضرورة للأكل، لكنه يحتاج إلى الأكل لتقوية البدن، فهنا الأكل أيش؟ مستحب؛ لأنه لو ترك لم يهلك، لكنه في حاجة نقول: لا تمنع نفسك، والثالث: أيش؟ أن يترك الأكل تنزهًا، فهذا يُنهى عنه، ويقال: كل مما أباح الله لك، بعض الناس لا يأكل من طيّب الطعام تزهدًا وورعًا، فماذا نقول عنه؟
نقول: هذا خطأ، أفضل الخلق محمد عليه الصلاة والسلام كان يختار الطيب من الطعام، أليس قد جاؤوا له بالتمر الطيب بدل التمر الرديء؟ بلى، ومع ذلك ما نهاهم، ما قال: ليش تأتون لي بالطيب؟ بل أرشدهم إلى أن يأتوا بالطيب لكن بطريق مباح.
فتنزه بعض الناس عن الطيبات تورعًا وتزهدًا، نقول: لا، أنت الآن مجانب للورع؛ لأن الورع اتباع الشرع، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، واتباع الشرع مما ينفع في الآخرة، فأنت الآن لا زاهد ولا ورع، نعم، لو فرض أن الإنسان -بصفة خاصة- يجد من نفسه أنه لو اختار الطيبات لحصل الأشر والبطر، فهنا قد نقول: أيش؟ اترك الطيبات لئلّا تصاب بالأشر والبطر، لكننا نعالجه قبل ذلك بعلاج آخر، نقول: لا يجوز أن يحملك التمتع بنِعم الله على الأشر والبطر، فإن عجزت وأبيت إلا أن يحملك نقول: الآن اترك؛ لأن حقيقة بعض الناس إذا لبس ثياب الزينة، المشلح الزين، الغطرة الزينة انتفخ، وصار فيه علو واستكبار، هذا نقول له: اترك هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: اتركها، بينما نقول: لا يتكبر، لكنه يقول: أنا أعجز، نأمره أولًا ألَّا يتكبر، لكن إذا قال: أنا أعجز، نقول: الحمد لله، اترك هذه لمن لا يتكبر إذا لبسها، ولكن هذا علاج خاص كما أننا نعالج الإنسان الذي يتأثر بأكل الطيبات من جهة أخرى فنقول: اتركها ودعها لمن لا يتأثر بها.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مأكله طيبًا؛ لقوله تعالى: أيش؟ حَلَالًا طَيِّبًافالكسب الحرام وإن كان في ذاته حلالًا؛ يعني مثلًا كسب دراهم، الدراهم الأصل فيها أنها اكتساب حلال، فإذا كسبها بحرام قلنا: هي حرام عليك، يحرم عليك أن تأكل منها، لماذا؟
لأنها ليست طيبة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَدَّقَ بِطَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» .
قوله: «بطيّب»؛ يعني بطيب في كسبه وفي ذاته، فإن الله يقبل هذه الصدقة.
طيب إذا كان المال محرمًا لكسبه، فهل يحل لغير الكاسب إذا اكتسبه بطريق مباح؟
الجواب: نعم، وهذه القاعدة دل عليها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل من طعام اليهود وهم معروفون بأيش؟
طلبة: بالربا.
الشيخ: بأكل الربا والسحت، والرشوة، وأكل منه؛ لأنه يأكل بطريق مباح بالإذن؛ أُذن له في ذلك أو أهدي إليه، إلا إذا علمت أن هذا المال هو عين مال رجل آخر، كالسارق إذا سرق شاة وذبحها لك ضيافة وأنت تعرف أنه سرقها، فهنا لا يجوز أن تأكلها؛ لأن هذا محرّم لعينه؛ يعني لعينه من حيث إن هذا الكاسب لم يملك هذه العين، لم يملكها فلا يجوز أن تأكلها، لكن لو يدعوك إلى وليمة من عُرف بأن ماله كله حرام، اكتسبه عن طريق الربا الصريح أو عن طريق الربا الذي اتُّخذ بالحيلة، فهل لك أن تأكل منه؟
نعم، لي أن آكل منه، إلا إذا علمت أنني إذا امتنعت من إجابة دعوته وأكل طعامه صار ذلك سببًا لتوبته فحينئذٍ، نعم، لا يجوز أن أجيبه، ولا يجوز أن آكل من طعامه؛ لأنه إذا رأى الناس قد هجروه فلا يجيبون دعوته، ولا يأكلون طعامه لا شك أن هذا سيؤثر عليه إلا أن يكون قلبه ميتًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالله عز وجل مستلزِم لتقواه؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَأي: فلإيمانكم يلزمكم التقوى، فالإيمان الحقيقي مستلزِم للتقوى، فمن قال: إنه مؤمن، ولكنه لم يتقِ الله فهو إما فاقد الإيمان بالكلية وإما ناقص الإيمان.
فإن قال قائل: إنه يفعل المعاصي، وإذا قيل له: يا فلان، اتقِ الله لا تعصِ الله، قام يضرب على صدره ويقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟
نقول: هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك فيه، وليس عندنا في هذا شك، ولكن لو اتقى ما هاهنا لاتقت اليد والرجل والعين واللسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . فلو كان فيما هاهنا تقوى لظهر ذلك على جوارحه (...).
***
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: ٨٩].
لَا يُؤَاخِذُكُمُأي: لا يعاقبكم ولا يحاسبكم.
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْاللغو ما لم يقصد؛ بدليل قوله: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ.
وقد ذكرنا أن من طرق التفسير أن تُقابل الكلمة إذا كانت خفية بشيء واضح فيتبين معناها بما قُوبل بها، وذكرنا على هذا مثالًا، وهو قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١] فإن (ثباتًا) لا يُفهم معناها بسرعة، لكن إذا قارنتها بالمقابل أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًاتبيّن أن معنى ثُبَاتٍأي: فرادى متفرّقين، هنا قال: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ.
إذن اللغو هو الذي لا يُقصد بأن يجري على اللسان بدون قصد، وهذا يقع كثيرًا، يقول لك صاحبك: أتريد أن نذهب إلى فلان؟ تقول: لا والله، لا أريد الذهاب إليه، أو يقول: اذهب فسلّم على فلان، تقول: لا والله لا أذهب، على سبيل اللغو لا القسم، فهذا على اسمه لغو، لا يترتب عليه حكم؛ ولأن هذا أيضًا من الأشياء التي قد يشق تجنبها.
وقوله: فِي أَيْمَانِكُمْجمع (يمين) وهو الحلف.
وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُأي: بالذي عقدتم، وفي هذه الكلمة ثلاث قراءات: {عَاقَدْتُمُ} و{عَقَدْتُمُ}، والمعنى واحد أي: بما نويتم عقده من الأيمان.
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَفكفارته إذا حلفتم أو إذا حلفتم وحنثتم؟
الثاني؛ يعني أن في الآية شيئًا محذوفًا، فكفارته إن حنثتم فيه أي: التي تُكفّره، ولا يقع فيه مؤاخذة إطعام عشرة مساكين، وأطلق الله الإطعام فيُرجع في ذلك إلى العرف؛ لأن لدينا قاعدة؛ وهي: أن ما جاء مطلقًا في الكتاب والسنة فإنه يُحمل على العرف؛ على عرف الناس.
عَشَرَةِ مَسَاكِينَجمع (مسكين)، وهو الذي لا يجد كفايته، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه؛ لأن العادة أن الغني يكون نشيطًا، له شخصية، يقابل الناس، ويتكلم معهم، ويأخذ منهم ويرد، والغالب على الفقير العكس، فلذلك سُمّي الفقير مسكينًا.
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْأي: لا من أجوده ولا من أردئه، من الوسط.
وقوله: أَوْ كِسْوَتُهُمْمعطوف على إِطْعَامُ.
أَوْ كِسْوَتُهُمْوالكسوة ما يكسو به الإنسان بدنه، وتختلف الكسوة باختلاف الأزمان والبلدان والأحوال، ولذلك ترون في مواسم الحج والعمرة اختلافًا كبيرًا في كسوة الناس، فيُرجع في هذا إلى العرف، ففي بلادنا هذه الكسوة عبارة عن قميص وسروال وغطرة وطاقية، هذه الكسوة، وإن نقص شيء من ذلك فالكسوة ناقصة، وقوله: أَوْ كِسْوَتُهُمْولم يقيد من أوسط ما تكسون فيؤخذ بما يُعد كسوة.
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍأي: عتقها، وسمي العتق تحريرًا؛ لأن الرقيق يتحرر به من الملك؛ ملك سيده الذي يفرض عليه أن يكون عبدًا مطيعًا، وفي الآية الترقي من الأسهل إلى الأشد؛ لأنك لو نظرت لوجدت في الغالب أن الإطعام أسهل من الكسوة، وأن الكسوة أسهل من العتق.
فَمَنْ لَمْ يَجِدْأي: فمن لم يجد الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، أو وجد لكن لم يجد من يطعمهم، أو يكسوهم، أو يعتقهم؛ بأن يكون المجتمع غنيًّا، كلهم أغنياء، لا يجد فيهم فقيرًا ولم يوجد أرقاء يمكن إعتاقهم، فإنه يعدل إلى الرابع من أصناف الكفارة، وهو صيام ثلاثة أيام مطلقه لم يقيدها الله عز وجل بالتتابع، والصيام إذا أُطلق فهو مُطلق لا يشترط فيه التتابع، ودليل ذلك أن الله إذا أراد سبحانه وتعالى أن يكون الصوم متتابعًا قيده كما في آية الظهار: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة: ٤]، وكما في آية القتل: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء: ٩٢]، وإذا أُطلق فإنه لا يجب فيه التتابع، لكن قد ورد في قراءة عبد الله بن مسعود اشتراط التتابع، فقرأ رضي الله عنه : (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وعلى هذا فتكون قراءة عبد الله بن مسعود مقيِّدة لهذا الإطلاق (فصيام ثلاثة أيام متتابعة). ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ.
ذَلِكَالمشار إليه هذه الأربعة؛ وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام على حسب ما جاء في الآية من ترتيب وتخيير.
كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْيعني إذا حلفتم وحنثتم، أما إذا لم تحنثوا فإنه لا شيء عليكم، فإذا حلف الإنسان أن لا يفعل شيئًا ولم يفعله فلا شيء عليه، أو أن يفعل شيئًا ففعله فلا شيء عليه.
قال: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْلها ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول: احفظوها من الحنث؛ أي: حافظوا على ألّا تحنثوا.
الثاني: احفظوا أيمانكم؛ أي: لا تكثروا الحلف، لا تجعلوها رخيصة؛ كل شيء تحلفوا عليه، فلا تحلفوا إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك.
الثالث: احفظوها بأن لا تدعوا الكفارة عنها، وهذه المعاني الثلاثة صحيحة، ولا يناقض بعضها بعضًا فتكون الآية شاملة لها.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ، كَذَلِكَأي: مثل ذلك البيان، وعليه فتكون الكاف مفعولًا مطلقًا؛ لأنه أضيف إلى المصدر؛ أي: مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن السياق يدل عليه، ولا شك أن الله بين لنا الآيات الشرعية والآيات الكونية؛ ففي مخلوقاته آيات عظيمة كما قال عز وجل: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠، ٢١].
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تشكروا الله عز وجل على بيان الآيات، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم، هذا أجمع ما قيل فيه، هذا هو الشكر، فيشمل القيام بطاعة المنعِم فيما يُقال، والقيام بطاعة المنعِم فيما يُفعل، والقيام بطاعة المنعِم فيما يُعتقد، فيكون محل الشكر ثلاثة: القلب، اللسان، والجوارح، وعلى هذا قول الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
هذه أوسع آية فيما يتعلق بالأيمان، وإلا فقد جاء في البقرة ما يشابهها مثل قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٥] لكن هذه الآية مفصّلة.
فيها من الفوائد الكثيرة: أولًا: سعة حِلم الله وعفوه حيث نفى المؤاخذة عن اللغو في الأيمان، وذلك لكثرة تكرارها ومشقة التحرُّز منها، وهذا بناءً على أيش؟ على أن المراد بها الأيمان التي لا تُقصد، والتي تكون في عدد الحديث.
وقال بعض أهل العلم: من اللغو في الأيمان أن يحلف على شيء ماضٍ يظنه واقعًا ولم يقع، مثل أن يقول: والله لقد قدم فلان البلد أمس، بناء على أيش؟ على أنه رأى رجلًا يشبهه فظنه إياه، فأقسم أنه قدم ولم يقدم، لكن الصواب خلاف ذلك، وأن هذا ليس من اللغو؛ لأن هذا قَصَد العقد؛ حلف، وأقسم بالله لم يأتِ الرجل، قال: والله لقد جاء، والله لقد رأيته، لكن هذا مما لا حنث فيه؛ لأن الرجل حلف على ما في ظنه وهو واقع، يقول: لا زلت أظن هذا، فهو حلف على ما ظنه؛ ولهذا التعليل لا يفرَّق -على القول الصحيح- بين الماضي والمستقبل، المستقبل مثل أن يقول: والله ليقدمن زيد غدًا، بناء على ما سمعه من الأخبار، أو ما سمعه من نطقه أنه سيقدم غدًا، فقال: والله ليقدمن زيد غدًا، فمضى الغد ولم يقدم، فهذا لا حنث عليه مع أنه عاقد وحالف، لكن نقول: الرجل حلف على ما في ظنه وهو يقول: لا أزال أظن هذا حتى لو انتهى الغد ولم يأتِ فأنا على ظني، وكون الواقع يكون على خلاف ظني هذا ليس إليّ، وليس من فعلي، ولا من تصرفي، ولذلك لو قال: والله ليقدمن زيد غدًا، بناء على أنه سيلزمه بالقدوم ولم يقدم فإنه يحنث، واضح؟
إذن القول الراجح أن اليمين التي يحلفها على ظنه ليست من لغو اليمين، وإنما لغو اليمين ما لا يُقصد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة على ما في القلوب، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وينبني عليه مسائل كثيرة في الأيمان، والطلاق، والبيوع، والأوقاف، وغيرها؛ الدليل على أن العبرة بما في القلوب قوله: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ، وفي سورة البقرة: بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.
ومن فوائد الآية: أنه لا حنث في اليمين إلا إذا كانت منعقدة.
قال العلماء: والمنعقِدة هي التي يقصد عقدها على أمر مستقبَل ممكن، فإذا لم يقصد العقد فهي لغو، وإذا عقدها على ماضٍ فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام؛ إما أن يعقدها على أمر ماضٍ متيقَّن، فهذا لا شيء عليه، لكنه لا ينبغي إلا عند الحاجة، مثل أن يقول: والله لقد نزل المطر أمس على بلدنا، وهو يعلم أنه نزل، هذا جائز أو غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، لكن الأولى ألَّا يفعل إلا لحاجة.
الثاني: أن يقصد عقدها على ماضٍ يعلم أنه كاذب، فهذه حرام، مثل أن يقول؟ مثِّل.
طالب: اليمين الغموس يعني؟
الشيخ: لا، ما أسألك عن وصف اليمين، مثِّل.
الطالب: على؟
الشيخ: على ما ذكرت.
الطالب: على الذي (...).
الشيخ: على ما ذكرت.
الطالب: مثل: والله لقد صليت أمس في المسجد الحرام، وهو لم يصلِّ.
الشيخ: إي، صحيح مثاله؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، مثل أن يقول: والله لقد صليت أمس في المسجد الحرام، وهو لم يُصلِّ، هذا لا شك أنه آثم؛ لأنه جمع بين إثمين؛ الإثم الأول: الكذب، والإثم، الثاني: الاستهانة باليمين بالله عز وجل، واليمين -كما نعلم جميعًا- هي تأكيد الشيء بذكر مُعظّم، لكن هل هذه يمين غموس أو اليمين الغموس ما تتضمن أكل المال بالباطل أو الاعتداء على الغير؟
طالب: الثاني.
الشيخ: المذهب الأول؛ أن كل يمين كاذبة على ماضٍ فهي يمين غموس، ولا شك أن اليمين على أمر ماضٍ وهو يعلم أنه كاذب لا شك أنها محرمة وأشد مما لو أخبر بدون يمين، لكن الذي يظهر أن اليمين الغموس هي التي يحلف بها الإنسان فاجرًا ليقتطع بها مال امرئ مسلم، مثاله: أن يدعي على شخص بأن في ذمته له ألف ريال، ويقيم شاهدًا؛ شاهد زور ويحلف، فهنا يُحكم له بالألف، هذه اليمين نسميها يمينًا غموسًا؛ لأنه اقتطع بها مال امرئ مسلم، أو يجحد بها مال امرئ مسلم، مثل أن يُدَّعى عليه بألف ريال، ويقول: أبدًا، ليس لك عندي شيء، ويحلف على هذا، فهذه يمين غموس، فالراجح أن اليمين الغموس هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم.
القسم الثالث من الحلف على الماضي: أن يحلف على ماضٍ يظنه واقعًا، وليس بواقع فهذه يسميها الفقهاء فقهاؤنا رحمهم الله، يسمونها لغو اليمين؛ يعني يجعلونها من لغو اليمين، والصحيح أنها ليست من لغو اليمين، وإنما هي من اليمين التي بر فيها؛ لأنه حلف على أيش؟
طلبة: ظنه.
الشيخ: على ظنه، وهو لا يزال على ظنه، ولكن مع ذلك الأوْلى ألَّا يحلف على شيء بناءً على الظن إلا إذا دعت الحاجة لذلك، طيب قلنا: التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن، ما ضد الممكن؟ المستحيل، هذا لا تنعقد عليه اليمين؛ لأنه إذا كان على إيجاده ماذا نقول له؟
نقول: إذا كان على إيجاده نقول: هذا غير ممكن فيحنث في الحال، وتلزمه الكفارة؛ لأنه لا يمكن أن يوجده، وإن كان على عدمه فهو ليس فيه كفارة؛ لأن هذا هو الواقع.
وقال بعض أهل العلم: إن الحلف على المستحيل لا كفارة فيه مطلقًا؛ لأن كونه يحلف على شيء يستحيل وجوده هذا لغو فلا حنث فيه.
بقي علينا أشياء: هل يشترط أن يكون باختياره؟ أي أنه يحلف مختارًا؟
الجواب: نعم، يشترط أن يكون حلفه اختيارًا، فإن أُكره على اليمين لم تنعقد اليمين، ولكن هنا مسألة لو أُكره على اليمين فحلف قاصدًا اليمين؛ يعني وإذا أكره وحلف إما أن يقصد باليمين دفع الإكراه أو يقصد اليمين لكنه مكره عليه، هاتان مسألتان، أحيانًا يحلف ليدفع الإكراه عن نفسه، ويتخلص من عدوان المكره، وأحيانًا يحلف يقصد اليمين، لكن حمله عليها الإكراه، أما إذا قصد دفع الإكراه فلا شك أنه لا حنث عليه، لماذا؟
لأنه لم يقصد اليمين، ما قصد اليمين أصلًا، قصد الخلاص من هذا الذي أكرهه، أما إذا حلف يقصد اليمين، لكن أُلجئ إليه، فهذا فيه خلاف، والصواب أنه كالأول، لا سيما إذا وقع من شخص عامي، العامي إذا أُكره على الشيء فعله، ولا يخطر بباله أنه لدفع الإكراه، أو لأنه أُكره إليه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: يعني هذه إن وقعت فإنما تقع لطالب علم يفهم، فالصواب أن المكره لا تنعقد يمينه سواء نوى بذلك دفع الإكراه أو؟
طالب: عقد اليمين.
الشيخ: عقد اليمين للإكراه، هل يُشترط أن يكون مكلفًا أو لا يشترط؟
الصواب: أنه يُشترط أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلف لا يلزمه شيء لا بأصل الشرع ولا بإلزام نفسه، ولهذا لا ينعقد منه النذر، غير مكلف، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» فلو حلف من له عشر سنوات ألا يشتري شيئًا معينًا فبلغ واشتراه هل يحنث أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن يمينه غير منعقدة، ولو حلف وهو مكلف بالغ، ثم حنث وهو غير مكلّف يحنث؟
طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث أو لا؟
الطلبة: يحنث.
طالب: لا يحنث.
الشيخ: تأمل الآن.
طالب: لا يحنث.
الشيخ: حلف مكلفًا، وحنث غير مكلف.
الطلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليس عليه شيء؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا يتصور؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي؟
الطلبة: مجنون.
الشيخ: عاقل جُنّ، صح، إذن اليمين لا تنعقد من غير البالغ العاقل؛ لأنه غير مكلّف، واليمين فيه نوع إلزام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه أولًا، وهو اعتبار النية والقصد، وهذا ينبني عليه مسائل من أهمها ما يقع كثيرًا، يطلّق الرجل زوجته بناءً على أنها تكلم الرجال في الهاتف، ثم يتبين أنها تكلم أقاربها، محارمها، فهنا الطلاق يقع أو لا يقع؟
الطلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع، يحلف الرجل ألَّا يقدم هذا البلد؛ لأنه يعتقد أن أميره ظالم فيقول: ما لي وللأمير الظالم! ثم يتبين أن أميره ليس بظالم، فهل عليه شيء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه إنما حلف على نية أن هذا الوصف هو الذي يمنعه من دخول البلد، وقد قال الله تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الحنث إلا إذا كان خيرًا؛ لقوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ، والكفارة لا تكون إلا في مقابلة ذنب أو ما يشبه، ولهذا قال في آخر الآية: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفارة اليمين على التخيير في أشياء ثلاثة: إطعام المساكين، وكسوتهم، وعتق الرقبة، هذا على التخيير، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وما اشتهر عند العوام من أن كفارة اليمين هي الصيام فخطأ ينبغي لطلبة العلم أن يبيّنوا للناس أن الصيام لا يجوز لمن يقدر على واحد من الثلاثة التي قبلها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإطعام مُطلق لا يشترط فيه التمليك؛ لأن الله تعالى لم يقُل: فللمساكين، لو قال: فللمساكين لكان يشترط فيه التمليك كما قال في الزكاة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة: ٦٠]، لكن هنا قال: إطعام عشرة، فإذا كان إطعام عشرة فما يحصل به الإطعام كافٍ، فلو غدَّى المساكين أو عشّاهم أجزأه بلا شك؛ لأنه يصدق عليه صدقًا تامًّا أنه أطعمهم، فإن أعطاهم شيئًا يطعمونه بأنفسهم -أي: يصنعونه بأنفسهم- فهل يجزئ أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الظاهر الإجزاء؛ لأنه إذا أعطاهم مثلًا ما يكفيهم من حب ولحم، وما أشبه ذلك مما يُطعم به الحب فإنه يصدق عليه أنه أطعم عشرة مساكين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أطعم من يأكل الطعام، ولو كان صغيرًا كفى؛ لقوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَفإن كان صغيرًا، المسكين لا يأكل الطعام، فهل يُجزئ أن يُطعمه حليبًا؟ لا؛ لأن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
وإذا قال قائل: إذا لم أجد عشرة مساكين، لم أجد في البلد إلا خمسة، فهل أعدل إلى الصيام أو أكرر على الخمسة؟
فيه احتمال؛ لأن قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْيعود إلى ما سبق، والذي سبق كم العدد؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة، فَمَنْ لَمْ يَجِدْأي: من لم يجد عشرة فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ويحتمل أن يقال: ما دام وجد مساكين فإنه يكرر عليهم الإطعام، فإذا وجد خمسة يكرر مرتين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى الحكمة فيما يشرع لعباده؛ لأنك لو قارنت بين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وعتق الرقبة لوجدت الفرق كبيرًا، لكن لله الحكمة فيما يشرع، فلا يمكن أن يعترض معترِض فيقول: لماذا لم يكونوا عشرين؟ لماذا لم يكونوا ثلاثة كالصيام مثلًا؟
لأنا نقول: هذا حكم الله عز وجل، وهذا من الأمور التعبدية؛ يعني تقدير من يُعطون من الكفارات أمر تعبدي لا مدخل للعقل فيه كعدد الصلوات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على الإنسان يكون الوسط، فالزكاة مثلًا على صاحب الغنم الواجب، شو الواجب؟
طالب: الوسط.
الشيخ: الوسط، الزكاة في الثمار الواجب الوسط.
ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: عدالة الإسلام؛ لأن الوسط ليس فيه حيف لا على من يجب عليه ولا على من يجب له، وهذا لا شك أنه من العدالة.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أطعمهم من أعلى ما يكون، أيجوز أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا أكمل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق على الأهل؛ لقوله: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْيعني كأن هذا أمر مقرر؛ أن الرجل يطعم أهله، وهذا لا شك أنه يجب على الرجل أن ينفق على أهله، قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء: ٣٤] أكمل.
طالب: وَبِمَا أَنْفَقُوا.
الشيخ: وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكسوة مطلقة أيضًا كالإطعام، فما سُمي كسوة حصل به الإجزاء، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن والأمم، هل يمكن أن نقول: فيها أيضًا مناسبة بين الكسوتين: الباطنة، والظاهرة؛ لأن في الإطعام كسوة الباطن، وفي الكسوة كسوة الظاهر، يمكن أن نقول هذا؛ لأن الله تعالى قال لآدم عليه الصلاة والسلام: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى [طه: ١١٨] الجوع عري الباطن؛ خلو المعدة، والعري أيش؟ عري الظاهر، قال: وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىالظمأ حرارة الباطن وَلَا تَضْحَىحرارة الظاهر، وقد يتبادر إلى الأذهان الضعيفة أن يكون القول: ألا تجوع فيها ولا تظمى، ولا تعرى ولا تضحى؛ لأن العري يكشف البدن للشمس والكسوة تستره، لكن البلاغة العظيمة فيما جاء به القرآن.
طالب: شيخ، هل يدخل في اللغو الحلف بغير الله تعالى؟
الشيخ: لا، الحلف بغير الله لم ينعقد أصلًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا ينعقد أصلًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
والحلف بغير الله ليس عليه أمر الله ورسوله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، البيت:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | ......................... |
معناه؟ ثلاثة.
الشيخ: لا، ثلاثة يعني أنكم ملكتم ثلاثة مني:
| ....................... | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أفادتكم يعني أنكم ملكتم هذي؛ ملكتم قولي وقلبي وعملي، واضح المعنى، ويؤيده والضميرَ المحجبَا بالنصب.
الطالب: اللي أشكل عليّ أنها منصوبة لو مرفوعة كان ما أشكل.
الشيخ: إي، أنا أقول: يعني فهمك هو الذي أوجب الإشكال، والشاعر يقول -يخاطب من يخاطب-: إن نعماءكم عليّ، ملكتم بها فؤادي ولساني، فصار يُثني عليكم وكأنكم أسياده، وكذلك الجوارح أخدمكم.
طالب: (...) بقلبه ولسانه والجوارح.
الشيخ: لكن هؤلاء ملكوه بذلك؛ ملكوا هذه الثلاثة بنعمائه، هو هذا المعنى، أرى ألا إشكال في الموضوع من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فقوله: (والضمير المحجبا) يعين أن يكون بالنصب. (...)
***
قال الله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ، فيها قراءات؟طالب: فيها ثلاث قراءات، الأولى: عَقَّدْتُمُقراءة، والثانية: {عَاقَدْتُمُ}، والثالثة: {عَقَدْتُمُ}
الشيخ: طيب، وكلها بمعنى واحد، قوله: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُهل فيها حذف؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: نعم؛ لأنه لو حذف..
الطالب: لا يجوز (...).
الشيخ: بمجرد الحال تمام قوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَهل هو مقيد بكمية أو نوع معين؟
طالب: (...) غير مقيد.
الشيخ: طيب مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَمو هذا تقييد؟
الطالب: في هذا قيد.
الشيخ: لأنه من أوسط ما نطعم أهلينا، هل يلزم في الإطعام أن نملكهم إياه؟
الطالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم على القول الراجح، نعم، بل إطعامهم مطبوخًا أولى من تمليكهم لموافقته ظاهر الآية.
قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْيجد أيش؟
طالب: فمن لم يجد (...).
الشيخ: تمام؛ يعني تشمل من لم يجد من يطعم، أو يكسو أو يعتق، ومن ليس عنده شيء يُطعم به، ويكسو ويعتق، هل الأيام متتابعة؟
طالب: (...).
الشيخ: لماذا لم نقل: إنها متتابعة وإن لم تقيد؟
طالب: (...).
الشيخ: لأن الله لو أراد التتابع لذكره، كذا؟ لكننا نقول: إن قراءة ابن مسعود رضي الله عنه تقيد هذا.
ما معنى قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ؟
طالب: احفظوها من الحنث.
الشيخ: احفظوها من الحنث، هذه واحدة.
الطالب: (...).
الشيخ: أي: لا تكثروا الأيمان.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني إذا حنثتم فكفّروا، بارك الله فيك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من إطعام هذا العدد؛ أي عشرة، وكسوتهم، فلو كرّر الطعام على واحد عشرة أيام لم يجزئ؛ لأن الله نص على العدد فيجب اتباع ما نص الله عليه، هذا وقد قال العلماء رحمهم الله: إنه قد يُعيَّن المدفوع إليه أو المعطى دون المدفوع كما في هذه الآية، المطعَمون كم؟
طالب: عشرة.
الشيخ: والإطعام غير مقيّد، ما يقال: صاع ولا مُدّ، وقد يقيد المعطى يعني المدفوع دون المدفوع إليه كما في زكاة الفطر من رمضان؛ فإن المدفوع مقيد كم؟ صاع من طعام، والمدفوع إليه لم يُقيّد، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع من الفطرة لعدة فقراء، ويجوز أن تعطي فطرًا لواحد.
القسم الثالث: أن يُقدّر المدفوع والمدفوع إليه كما في فدية الأذى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه: «تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» . فقيد المعطى يعني المدفوع والمدفوعة إليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفّارة اليمين لا تُعطى للمؤلفة قلوبهم، ولا تعطى للغارمين، وإنما هي إطعام المساكين، كما نقول ذلك أيضًا في زكاة الفطر؛ فإنها لا تدفع إلا للفقراء فقط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام عدل الله عز وجل في إيجاب الأوسط؛ لأنه لو أوجب الأكمل والأعلى لكان في هذا ضرر على من؟
طالب: المعطي.
الشيخ: نعم، على الحالف، ولو أوجب الأدنى لكان فيه ضرر على الْمُعْطَى المدفوع إليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكسوة مطلقة لم تخصص بشيء معين ولا بعدد معين؛ يعني لا يعطى ثوبين أو ثلاثة أو عشرة، فما يحصل به هذا المسمى وهو الكسوة يحصل به براءة الذمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الحنث في اليمين أمره عظيم، ولهذا لا يكفّره إلا عتق الرقبة التي يحصل بها عتق المعتِق من النار، لكن الله تعالى لحِلمه ورحمته خفّف عن العباد؛ دليل ذلك قوله: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تقدير العبادات كمية ونوعًا وكيفية موكول إلى الشرع، ولذلك لا يتقابل أو لا يتساوى إطعام عشرة مساكين مع صيام ثلاثة أيام، أليس كذلك؟
لو نظرنا إلى كفارة الظهار لكان الواجب صيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، فجاء الإطعام في الفقير يقابل صيام يوم، لكن هنا يختلف الوضع، ولعل السبب -والله أعلم- أنه في كفارة الظهار الإطعام بدل عن الصيام؛ لأنه من لم يستطع الصيام أطعم، وإذا كان بدلًا عن الصيام، فالحكم أن صوم كل يوم يُطعَم عن مسكين كما في العاجز عن الصيام عجزًا لا يُرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، أما في كفارة اليمين وفدية الأذى فليس الأمر كذلك؛ لأن الأمر فيه على التخيير، فكلٌّ من خصال الكفارة نوع مستقل بنفسه، أفهمتم هذا أو لا؟ الإطعام في كفارة الظهار بدل عن الصوم، أفهمتم هذا أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الصوم شهران، والغالب أن تكون ستين يومًا، فكان بدلها إطعام ستين مسكينًا كما نقول في رمضان إذا عجز الإنسان عن الصيام عجزًا مستمرًّا فإنه يطعم أيش؟ عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الإطعام بدل عن الصيام، في كفارة اليمين إطعام عشرة أو صيام ثلاثة أيام، لكن كل واحد مستقل أيش؟ مستقل بنفسه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لما كان كل واحد مستقلًّا بنفسه صار كل واحد مختصًّا بوصف يناسبه حسب حكمة الله عز وجل، فدية الأذى إطعام ستة مساكين أو صيام أيش؟ ثلاثة أيام؛ لأن صيام ثلاثة أيام ليس بدلًا عن إطعام ستة مساكين، وإطعام ستة مساكين ليس بدلًا عن الصيام؛ إذ إن الإنسان مخير بين هذا وهذا، فكل واحد منهما مستقل بنفسه؛ يعني قسم مستقل بنفسه، هذا ما ظهر لنا والله أعلم بما شرع.
ومن فوائد الآية الكريمة: دفع توهُّم العوام من أن كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام، ولهذا تجد بعضهم يقول: أنا ما أنا بصايم ثلاثة أيام، فيمنعه صيام ثلاثة أيام من الحنث، فيقال: الأصل أن الواجب إطعام عشرة مساكين.
لو قال قائل: هل يجوز أن نُلزم الغني بصيام ثلاثة أيام؛ لأنها أشق عليه من إطعام عشرة مساكين؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز هذا، ولذلك غلط بعض العلماء الذين أوجبوا على أحد الملوك في كفارة الظهار، أوجبوا عليه أن يصوم شهرين متتابعين وقالوا..





