تفسير سورة المائدة - 29
عدد الزيارات 2841

عناصر المادة :
تفسير الآية (92)
تفسير الآية (93)
تفسير الآية (94)

طالب: بارك الله فيك، بعضهم يأخذون بحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي بالخمر، (...) يقول: يقاس عليها غيرها للاستعمال فقط لغير التداوي من باب أولى؟
الشيخ: يقاس عليها؟
الطالب: الاستعمال فقط في غير التداوي؛ كالعطور وغيرها من باب أولى يعني.
الشيخ: لكن التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز التداوي بها، حتى للعطش لا يجوز أن تشرب الخمر للعطش. وعللوا ذلك بأن الخمر إذا شربها الإنسان للعطش لا تزيده إلا عطشًا. ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش، ولا يسلِّم أنها لا تزيده إلا عطشًا. لكن إذا غصت باللقمة وليس عنده إلا كأس خمر، وغص، إما يموت ينخنق ولّا يشرب الكأس ويمشي اللقمة، ماذا يصنع؟ يستعملها؟ إي نعم، يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى في آية عامة: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩]. هذه أعم من قوله لما حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به حين قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣] الآية، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِأعم.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين [المائدة: ٩١ - ٩٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مبينًا ما يريده الشيطان من بني آدم: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِما هو ضد العداوة؟
الطالب: الموالاة.
الشيخ: الموالاة. والبغضاء؟ المحبة، يعني المحبة ضد البغضاء، فيريد أن تشتت القلوب والأبدان، وأظن أخذنا الفوائد.
طالب: خمس فوائد.
الشيخ: من أين خمس فوائد؟
الطالب: كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين، هذه آخر واحدة، أقولها كلها؟
الشيخ: طيب.
الطالب:
-إثبات إرادة الشيطان.
-سوء إرادة الشيطان ببني آدم.
-أن تفرق الأمم من مرادات الشيطان.
-أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان.
-كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين.
الشيخ: أحسنت.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وجه ذلك أن الله تعالى أخبر أن الخمر والميسر سبب للعداوة والبغضاء، وهذا لا شك فيه، ولا أحد ينكره إلا السفيه، كل يعلم أن من غمس في البحر فإنه يغرق، وأن من ألقي في النار فإنه يحترق، أليس كذلك؟ أنكر قوم الأسباب، وغلا قوم في إثباتها، فأما الذين أنكروا الأسباب فزعموا أنهم بإنكارهم ينزهون الله تعالى عن الشريك، فغلوا في التنزيه، وأما الذين أثبتوا الأسباب على أنها الفاعلة فهؤلاء أشركوا مع الله.
أما أهل الحق فقالوا: إن الأسباب لها تأثير، ولكن من الذي جعل لها تأثيرًا؟ هو الله، فتأثير الأسباب ليس بنفسها، ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة.
ويدل لهذا أنه توجد أسباب موجبة للشيء بإيجاب الله إياه، ومع ذلك قد يرتفع هذا الإيجاب، من ذلك: النار محرقة، ولما أُلقي فيها إبراهيم قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، فانتفى الإحراق وانتفت الحرارة، فصارت بردًا وسلامًا، لو كانت الأسباب مؤثرة بنفسها لاحترق إبراهيم عليه الصلاة والسلام. كذلك الرجل الذي يقطعه الدجال جزلتين ثم يقول له: قم، فيقوم، نحن نعلم أن الدجال لم يكن هو السبب في إحيائه، بل ذلك إلى الله عز وجل، ولهذا إذا قتله في الثالثة لم يستطع أن يقتله، لا يسلطه الله عليه بعد ذلك.
إذن نقول: الأسباب لها تأثير، ولكن لا بنفسها، بل بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة، والأدلة في هذا شرعًا وعقلًا وواقعًا لا تحصَى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما صد عن ذكر الله فهو من أوامر الشيطان، وذِكر الله تبارك وتعالى سبق لنا أنه؟
طالب: أنه محفوظ من الله عز وجل.
الشيخ: لا (...).
طالب: يكون بالقلب.
الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح، فكل ما صدك عن ذكر الله بهذه الأشياء فهو من أوامر الشيطان وإراداته.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصلاة؛ لتخصيصها بالذكر من بين ذكر الله عز وجل، وهذا يدل على شرفها وفضلها على غيرها، كما في قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤] الروح هو جبريل، وهو من الملائكة، لكن خصه الله تعالى بالذكر لشرفه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من صد الشيطان إيانا عن الصلاة، إما أن نتلهى عنها بأموالنا أو بأولادنا، أو بلغونا أو بجدنا، بأي شيء، وإما أن نفعلها بأجسامنا دون قلوبنا، فاحذر الشيطان أن يصدك عن الصلاة.
ومن فوائدها: أنه كلما وقع في قلبك التثاقل عن الصلاة فاعلم أنه من الشيطان ومراد الشيطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن الخمر والميسر؛ لقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، ووجه التأكيد أنه أتى بصيغة الاستفهام، يعني فهل بعد هذا البيان تنتهون أو تستمرون؟ ماذا كان جواب الصحابة يا إخوان؟ انتهينا انتهيا .
تفسير الآية (92)
00:10:34

ثم قال الله تبارك وتعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة: ٩٢]، أطيعوا: فعل أمر من الإطاعة، وهي الانقياد، والمراد بالانقياد هنا فعل الأوامر واجتناب النواهي، وعليه فإذا قال الإنسان: ما المراد بطاعة الله؟ نقول: فعل أوامره واجتناب نواهيه.
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَالخطاب لا شك أنه لهذه الأمة، وعلى هذا فتكون (أل) في الرسول للعهد، أي العهود؟ الذهني، يعني أطيعوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله عز وجل.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الله أرسله؟
نقول: الدليل على أن الله أرسله: ما أيده به من المعجزات التي أعظمها القرآن الكريم، ثم ما يشاهد من الآيات الحسية التي لا يقدر بشر أن يأتي بها، لا الرسول ولا غيره، آيات واضحة على رسالته، وهي أكثر من أن تحصَى.
ومن أراد المزيد من ذلك فعليه بمراجعة آخر كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد عقد فصلًا مفيدًا جدًّا في آيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أراد المزيد أيضًا فعليه بما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية في آخر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر كثيرًا من الآيات في السماء وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، ولا حاجة إلى أن نذكر شيئًا كثيرًا منها، لكنها موجودة والحمد لله.
وينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الآيات؛ لأن الإنسان بشر، والشيطان حريص، قد يهاجم القلب ويضعف الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا راجع الآيات ازداد بذلك إيمانًا، فعليكم بها.
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوااحذروا: أي من معصية الله ورسوله، يعني احذروا المعصية، معصية الله ورسوله، ولم يأمرنا الله تعالى بشيء إلا لمصلحتنا، ولم ينه عن شيء إلا لمضرتنا.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْأي أعرضتم عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله؛ فإنكم لن تضروا الله ولا رسول الله، لن تضروا الله ولن تضروا رسول الله، أما كون الإنسان لا يضر الله بمعصيته فأمر ظاهر، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] وقال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧] وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» .
كذلك المتولِّي لا يضر النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ وأدى الأمانة، ولا يُلام على معصية غيره، كما قال الله تبارك وتعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات: ٥٤]، فهم لن يضروا الرسول صلى الله عليه وسلم بمعصية الله؛ لأنه بلغ وأدى الأمانة ونصح الأمة، ولهذا قال: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، (اعلموا) أمر بالعلم، ومعلوم أننا يجب أن نعلم كل ما أخبر الله به عن نفسه وعن غيره، لكن هذا علم خاص اعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وهنا نسأل عن إعراب أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، كيف نعرب أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ؟
طالب: (أنما) أداة حصر لا محل لها من الإعراب، (على رسولنا) جار ومجرور، (رسول) مجرور بـ (على)، و(نا) مضاف إليه، وشبه الجملة في محل رفع مبتدأ.
الشيخ: ساعد أخاك.
طالب آخر: (...) خبر مبتدأ مقدم، و(البلاغ) مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و(المبين) صفة.
الشيخ: صفة.
الطالب: صفة للبلاغ.
طالب: والجملة المتكونة من حرف الحصر وما بعده في محل نصب سدت مسد مفعولي اعلموا.
الشيخ: هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر في الإعراب وأن نقول: أن الذي على رسولنا البلاغ المبين؟ انظر للكتابة: الكتابة (أن) مقرونة بـ(ما) هذا عندي وعندكم كذلك. لو كانت موصولة لفُصلت عن (أن)؛ لأن (ما) الموصولة إذا كانت اسمًا لـ(أن) أو لـ(إن) فإنها تفصل عنها.
وهنا قد يقول قائل: لعل هذه القاعدة وهي اتصال (ما) الموصولة بـ(إن) كانت قاعدة قديمة في خط المصحف؟
فنقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن (ما) إذا اتصلت بـ(إن) أو (أن) فهي تكفها عن العمل وتجعل الجملة فيها حصر.
قوله: أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُيعني التبليغ، وأصل التبليغ من: بلغ الشيء كذا؛ أي: وصل إليه، أي: عليه أن يوصل الوحي الذي أوحاه الله إليه إلى المرسَل إليه، هذه وظيفته، ليس له أكثر من هذه الوظيفة.
الْبَلَاغُ الْمُبِينُمن (أبان) المتعدي، وليست من (أبان) اللازم، أبان اللازم تقول: أبان الصبحُ، كما تقول: بان الصبحُ، (أبان) المتعدي تتعدى للمفعول به، فهنا نقول: المبين أيش؟ من أبان المتعدي أو اللازم؟ المتعدي، يعني البلاغ الذي أبان الحق، وذلك لفصاحته عليه الصلاة والسلام وحلاوة كلامه ووصوله إلى القلب حينما يصل إلى الأذن واقتناع النفس به، فلهذه الأوصاف كان بلاغ النبي صلى الله عليه وسلم مبينًا بما يبلغه صلوات الله وسلامه عليه.
في هذه الآية الكريمة مناسبة لما قبلها، وهي أن الله تعالى لما أمر بالانتهاء واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ أمر بطاعته عمومًا، وحذر من مخالفته.
فيكون فيها من الفوائد أولًا: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
ومن فوائدها: أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم مستقلة، بمعنى أنه إذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء لا نقول: هل يوجد في القرآن هذا الأمر أو لا يوجد، بل طاعته مستقلة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: أَطِيعُوا الرَّسُولَ.
ومن فوائدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز عن غيره بالرسالة، ولا يمتاز عن غيره بأنه رب يفعل ما يشاء، بل هو نفسه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
ومن فوائده: أن الرسالة من أفخر الأوصاف التي يتصف بها العبد؛ لقوله: الرَّسُولَ، ولا شك أن الرسول يفضل ويشرف بحسب منزلة مرسِله، أتوافقون على هذه الجملة؟ نعم توافقون إن شاء الله، نعم لو جاء رسول من عند رجل شريف عالي المنزلة فهل يكون في نفوسكم كرسول جاء من عامة الناس؟ لا أبدًا، بل يكون في نفوسنا لهذا الرسول بمقدار ما يستحقه من منزلة من أرسله، فعليه تكون الرسالة فخرًا لمن أرسل.
وهل مقام النبوة أفضل أو مقام الرسالة؟
مقام الرسالة؛ لأن الرسول نال مقام النبوة ومقام الرسالة، مقام النبوة فيما أُوحي إليه، ومقام الرسالة بما كُلف بتبليغه، فيكون أشرف، خلافًا لأهل الباطل الذين يقولون: أفضل بني آدم الولي، ثم النبي، ثم الرسول، معللين بأن الرسول خادم، والنبي من النبوة، وهي العلو والارتفاع، والولي من الولاية، وهي أخص، ويقول شاعرهم:
مَقَامُ النُّبُــــــــــوَّةِ فِي بَرْزَخٍ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي

قاتله الله، فويق الرسول يعني ما هناك فرق بيِّن. بالنسبة للولي؟ بعيد، دون الولي، ولقد ضل ضلالًا مبينًا؛ لأن النبي وليّ وزيادة، والرسول ولي ونبي ورسول، لكن الله يقول: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من معصية الله ورسوله؛ لقوله: وَاحْذَرُوا، وكلمة (احذروا) التي حذف مفعولها أشد وقعًا من (احذروا) إذا ذكر مفعولها؛ لأنها أبلغ في التخويف، كأن المتكلم اقتصر عليها دون متعلقاتها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في أوامر الله ورسوله الوجوب؛ لأن التحذير لا يكون إلا من شيء يأثم به الإنسان، فإن ما لا إثم فيه لا يكون الحذر منه. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الأصول؛ أصول الفقه؛ فمنهم من يقول: الأصل في الأمر الوجوب، ومنهم من يقول: الأصل فيه الندب، ومنهم من يقول: أما في الآداب فهو للندب، وأما في العبادات التي هي حق الله فهي للوجوب، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، لكن الشيء الذي يهمنا هو أن الإنسان إذا سمع أمر الله ورسوله لا يتردد فيقول: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ هذه عبارة منتقَدة: (هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟)، الأصل أن الأمر الموجَّه من خالقك أو رسوله الذي أرسله إليك أن يكون ملزِمًا، هذا هو الأصل، وإلى ساعتي وإلى ساعتكم أنتم لم يعهد من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أمرهم بأمر قالوا: يا رسول الله، هل هذا واجب علينا ولّا مستحب، أبدًا، وخير لنا أن نقتفي آثاره.
نعم لو أن الإنسان تورط في المخالفة فإن السؤال عن الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب قد يكون وجيهًا، كيف ذلك؟ إذا كان واجبًا وجب عليه أن يحدث عنه توبة ويتوب إلى الله من ذلك، وأما إذا لم يكن واجبًا فالأمر سهل، لكن كلامي على أول ما يرد عليك الأمر لا تتردد، افعل ما استطعت، أما إذا جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا جاء أنك مخيَّر فأنت مخير، كما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَريرة أن ترجع إلى زوجها مُغِيث ، وكانت بَريرة عَتقت وزوجها رقيق، فلما عتقت ملكتْ نفسها، فخيرها النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «إِنْ شِئْتِ أَنْ تَبْقَيْ مَعَ مُغِيثٍ فَابْقَيْ، وَإِنْ شِئْتِ أَلَّا تَبْقَيْ فَلَا (...)». قالت: لا أريد البقاء معه. فحزن مغيث عليها وجعل يبكي وراءها في أسواق المدينة، يريد أن تَرجع إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ وَبُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ؟» . ما جوابكم أنتم؟ بلى نعجب؛ لأن الغالب أن القلوب إذا تآلفت فهي تتآلف من الجانبين، فأمرها أن ترجع إليه، قالت له: يا رسول الله، إن كان أمرًا فسمعًا وطاعة -ولم تقل: إن كان أمرًا على سبيل الوجوب- إن كان أمرًا فسمعًا وطاعة، وإن كانت مشورةً فلا رغبة لي فيه. قال: «بَلْ مَشُورَةً»، هذا صرح النبي عليه الصلاة والسلام بأن الأمر ليس للوجوب، بل للمشورة.
ولما قال: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» قام الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: «لَا» .
فالحاصل أن نقول: الأصل في الأمر الوجوب، وأن تفعل ما أمرت، ولا تسأل تتردد؛ لأن المسألة خطيرة إذا ترددت، قال الله عز وجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠] أعاذنا الله وإياكم من ذلك، وقال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْبعدها فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: ٥] متقلب غير مستقر؛ لأنهم كذبوا بالحق لما جاءهم، فاقبل -يا أخي- الحق ولا تتردد، ولا تقل: واجب أو مستحب، لكن كما قلت لكم: إذا تورطت في شيء فلا بأس.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن تولي الناس عما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يضره؛ لقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
ويتفرع على ذلك: أن الداعية إلى الله في وقتنا وفيما قبلنا لا يضره ألا يقبل الناس منه؛ لأنه أدى الواجب، وينبغي أن يفرح نفسه بأنه أدى الواجب، وألا يحزن بعدم قبولهم دعوته؛ لأن الله تعالى قال للرسول: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧]، لكن ربما نقول: يحزن لعدم قبول الشريعة، لا لعدم قبولهم منه، والفرق بين هذا وهذا واضح.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يهدي أحدًا؛ لأنه بلغ البلاغ المبين، ومع ذلك حصل المخالفة والتولي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين، ففيه إبطال لقول أهل التفويض فيما يختص بأسماء الله وصفاته الذين قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ البلاغ المبين، ولا يعرف ما قال، وإنما ألقى كلامًا للناس كأنه حروف هجائية أو ألغاز.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم بلاغ مبين، لا عي فيه ولا تعقيد ولا إشكال، بل هو بين في نفسه مبين لغيره؛ لقوله: الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الرجوع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وأنه عليه الصلاة والسلام قام بالواجب، فعلينا نحن أن نقوم بالواجب.
هل يمكن أن نأخذ منه: أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور؟
يمكن أن نأخذ منه أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، أو بلغته على وجه مشوش فإنه معذور، ولكن الثاني الذي بلغته على وجه مشوش يكون واجبًا عليه أن يطلب الوصف الصحيح لهذه الرسالة التي بلغته، وألا يسكت ويقول: الأمر ما بان لي ولا يلزمني، بل يجب أن يبحث، أما إذا كان الأمر لم يعلم به إطلاقًا فهذالم تقم عليه الحجة فهو معذور. فلو رأينا رجلًا لم يسمع عن الشرع شيئًا، عن الإسلام، في الكهوف والجبال والأدغال يرعى الغنم ويحلب الإبل، ما يعلم من شيء، فهل نقول: إن هذا معذور أو غير معذور؟ معذور، لا شك أنه معذور، ولكن إذا ذكر له أن هناك رسالة وجب عليه أن يبحث، وحينئذ قد نقول: إن هذا الذي بلغه ترتفع به الحجة؛ لأن الواجب أن يسأل.
الآية الكريمة: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩] هل يمكن أن تتعارض طاعة الله ورسوله؟
لا يمكن، ولا يمكن أن تتعارض طاعة النبي صلى الله عليه وسلم بالنصوص الواردة عنه، فإذا رأينا حديثًا يناقض ما في القرآن فإننا نحكم برده، وإن لم نعرف سنده، بل ولو عرفنا سنده فإننا نقول: هذا منكر إذا خالف القرآن، لا يمكن أن يكون الله يأمر بطاعته وطاعته مقدمة على كل شيء وبطاعة الرسول، لو كان هذا أننا نأخذ بما يتناقض من الكتاب والسنة لكانت مستحيلة.
من ذلك ما يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم البقر أنها داء وفي ألبانها أنها دواء أو شفاء، هذا بدون أن ننظر إلى سنده نحكم بأنه باطل ولا يصح، لو كان لحومها داء هل يمكن أن يحلها الله لعباده؟ لا يمكن أبدًا، لو كان لحمها داء ما أحلها الله للعباد أبدًا؛ لأن الله تعالى لا يحل لعباده ما كان ضررًا عليهم.
حتى لو قال قائل: يمكن أن نحمل هذا الحديث على أكل لحم البقر بدون طبخ، هل يصح هذا؟ لا، لماذا؟ لأن أكله بدون طبخ نادر، ولا يمكن أن يحمل الحديث على الشيء النادر، والشيء بالشيء يذكر، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: من مات وعليه صيام صام عنه وليه ، بعض العلماء يقول: المراد من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه، أما صيام الفرض كصيام رمضان والكفارة فلا يصام عن الميت.
فيقال: سبحان الله! أنتم صححوا الحديث ثم نقحوا المراد، صيام النذر بالنسبة لصيام الفرض والكفارة كثير أو نادر؟ نادر، كيف تحملون الحديث على شيء نادر وتتركون الشيء الكثير، ولهذا كان القول الراجح أن من مات وعليه صيام، سواء كان واجبًا بالنذر أو بأصل الشرع فإنه يصام عنه.
طالب: أشكل علي فيما لو بلغ الإنسان الدين على وجه مشوش أننا لا نعذره بالجهل، يعني يا شيخ هذا البلاغ كأنه لا بلاغ؟
الشيخ: لا، اصبر، ما نقول: لا، نقول: قد لا نعذره لتركه الواجب، وهو البحث.
طالب: إنسان عامي أو عجوز في داخل أوربا، وما أشبه ذلك، والإعلام غطى عليهم ولا يعرفون شيئًا؟
الشيخ: سبحان الله، كل شيء محتمل، إذا بلغه أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أتى لجميع الخلق، وأن من خالفه فهو في النار، ومن وافقه ففي الجنة، يسمع هذا.
طالب: (...) عربي يقول: إنه رسول.
الشيخ: وليس بصادق، هذا نعم قد يكون معذورًا، خصوصًا إذا كان الذي أخبره ممن يعد من رؤسائهم في الدين، قد يكون معذورًا، ولهذا لما أنكر عمر على الرجل الذي قرأ في سورة الفرقان خلاف ما كان يعرفه عمر أنكر آية من كتاب الله ظانًّا أن الرجل أخطأ فيها، حتى ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال «هَكَذَا أُنْزِلَ» لقراءة الرجل، و«هَكَذَا أُنْزِلَ» لقراءة عمر .
والمسألة هذه الناس فيها طرفان ووسط، طرف يغلو في التكفير ويقدم على التكفير ويقول: لا يعذر بالجهل في أصل الدين، وهذا غير صحيح، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣، ٤٤] وقسم آخر لا، يغلو في رفع التكفير حتى وإن كان الإنسان في حال يحكم في كفره يقول: لا، والقول الوسط هو الوسط أن نقول: من لم تبلغه فهو معذور، ومن بلغته ولم يفهمها فهو معذور؛ لأن عدم الفهم كعدم العلم، لو أتى إليك إنسان أعجمي وقام يتكلم بأعجميته في شيء هل تدري ما يقول؟ ما تدري ما يقول، هذا معذور، فالفهم شرط، يعني مجرد البلاغ لا يكفي.
وأما قوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] فهل المعنى: ومن وصل إليه وإن لم يفهمه، أو من بلغه فأدركه؟ الثاني هو المطلوب.
طالب: بعض الناس يدعي الإسلام ويخالفون آراء النصوص الشرعية (...).
الشيخ: لا..
الطالب: مثل الرافضة يا شيخ يقولون: الله خان العالمين، ويخونون جبريل، ويسبون عمر وأبا بكر وعائشة ويبارزون المسلمين..
الشيخ: لا شك أن الذي يسب أبا بكر وعمر ليس من الدين في شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: الله يكفينا شرهم ويهديهم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، يجب بغضهم، كيف من قال: يجب محبتهم؟ يجب بغضهم، ما فيه إشكال، لكن نسأل الله لهم الهداية.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٩٣، ٩٤].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَهل يمكن أن يكون أمر الله وأمر الرسول متناقضين؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: ما وجه ذلك من الآية؟
طالب: العطف، قوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
الشيخ: أي ما وجهه؟
طالب: كونه عطف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة الله.
الشيخ: لا.
طالب: أنه أعاد الفعل.
الشيخ: لا.
طالب: وجه ذلك أن الواو لمطلق الجمع (...).
الشيخ: (...).
طالب: طاعة الرسول مأمور به من عند الله عز وجل (...) طاعة الله عز وجل.
طالب: أن الله عز وجل قال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَفجعلهما في مقابلة من تولى عن طاعتة؛ كقوله فَمَنْ تَوَلَّى [آل عمران: ٨٢](...).
الشيخ: لا يقع التناقض؛ لأنه لو وقع التناقض لكانت طاعة الرسول معصية لله وطاعة الله معصية للرسول، هذا التناقض؛ لأن التناقض يكون النقيض حكمه ضد حكم نقيضه، فلو قلنا: إنه يقع التناقض لزم من ذلك أن تكون طاعة الله معصية للرسول وطاعة الرسول معصية لله.
هل في الآية ما يدل على أن طاعة الرسول مستقلة، بمعنى أننا لا نحتاج إلى شاهد من القرآن فيما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: لأنه أعاد الفعل هنا، قال: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
الشيخ: لأنه أعاد الفعل فقال: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وإعادة الفعل تدل على أن الطاعة مستقلة.
هل لقوله: وَاحْذَرُواما يشبهها من القرآن (...)، هل في القرآن ما يشبه هذا التحذير؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: (...).
الشيخ: آية تدل على الحذر من مخالفة أمر الله ورسوله؟
الطالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء: ١٤].
الطالب: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
الشيخ: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
الشيخ: هل يلام النبي صلى الله عليه وسلم على عدم قبول دعوته؟
الطالب: لا يلام (...).
الشيخ: ومن الآية هنا لا يلام؛ لقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ [الذاريات: ٥٤] لكن من الآية هنا؟
الطالب: هنا لقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
الشيخ: فإذا كان ليس عليه إلا البلاغ فإنه لن يضره توليه ولا يلام عليه.
الْمُبِينُهل هي بمعنى المبين أو بمعنى البين؟
الطالب: المبين.
الشيخ: وهل تأتي المبين بمعنى البين؟
الطالب: نعم قد تأتي.
الشيخ: مثاله؟
الطالب: أبان الصبح.
الشيخ: أبان الصبح، لكن هذه (أبان) فعل لكن نريد اسم الفاعل (مبين) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢] يعني: بين.
تفسير الآية (93)
00:50:03

قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا [المائدة: ٩٣] (ليس) أداة نفي، وهي فعل ماض جامد، والجامد عند النحويين هو الذي لا يتصرف، والجمود قد يكون جمودًا كليًّا، وقد يكون جمودًا جزئيًّا بحيث يمتنع التصريف فيه من وجه دون آخر، وهنا الجمود كلي، لا يمكن أن تتغير (ليس) وهي للنفي.
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم، وهذا شامل للدين كله؛ لأن الدين كله إيمان وعمل.
وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِأي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات لا يمكن أن تكون بهذا الوصف إلا إذا كانت موافقة للشريعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» يعني فاسدًا، فالأعمال الصالحة ما وافقت الشريعة، ولا يمكن أن توافق الشريعة إلا إذا وافقت الشريعة في أمور ستة؛ وهي: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.
يعني لا يمكن أن تكون العبادة شرعية صالحة إلا إذا وافقت الشريعة في هذه الأمور الستة، الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: القدر، والرابع: الكيفية، والخامس: الزمان، والسادس: المكان. فإذا خالفت الشريعة في واحد من هذه الستة فليست شرعية ولا مقبولة، هذه شروط الموافقة للشريعة:
أولا: السبب، فلو أحدث الإنسان سببًا يتعبد لله تعالى بمقتضاه وليس شرعيًّا فعمله مردود، ونضرب لهذا مثلًا: لو أن الإنسان إذا تجشأ قال: الحمد لله، والجشاء معروف عندكم ولّا غير معروف؟ معروف، هنا أحدث عبادة لله عز وجل؛ وهي الحمد لسبب؛ وهو الجشاء، فهل جاء في الشريعة أن الجشاء سبب للحمد؟ لا. إذن لا يقبل منه؛ لأنه تعبد لله بما لم يشرعه.
الثاني قلنا: الجنس، من المعلوم أن الأضاحيّ تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى الإنسان بفرس لم يقبل منه، لأيش؟ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، لو ضحى بنعامة لم يقبل منه، لو ضحى بحمامة لم يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، وإن كان الشرع قد أوجب في الحمامة إذا قتلها المحرم شاة، لكن لم يأتِ الشرع بأن يضحي الإنسان بحمامة، وبه نعرف خطأ من قال: إنه تجوز التضحية بالدجاج والديكة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يغتسل في بيته ويخرج إلى المسجد يوم الجمعة في الساعة الرابعة: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً» ، قالوا: هذا يدل على أن الدجاجة يصح التقرب بها. وجوابنا على هذا أن معناه: تقرب إلى الله بالصدقة بها، لا بذبحها، ولا شك أن الإنسان لو ذبح دجاجة وتصدق بها على الفقراء أنه يجزئه، إذن لا بد من موافقة العمل للشريعة في الجنس.
الثالث: القدر، لو تعبد الإنسان لله عز وجل بصلاة سادسة جعلها عند ارتفاع الشمس قِيد رمح، وقال: إنه يتقرب إلى الله تعالى بهذه الصلاة لارتفاع الشمس قيد رمح، لا لأنها صلاة ضحى، فهذه عبادة لا تُقبَل، يعني أراد أن يجعلها أيش؟ أراد أن يجعلها صلاة سادسة مع الخمس، فإنها لا تقبل؛ لأنه زاد صلاة لم ينزل الله بها من سلطان، ولو أنه صلى الظهر خمس ركعات لم تقبل؛ لمخالفة الشريعة في القدر.
الرابع: الكيفية، لو تعبد لله تعالى بالوضوء، توضأ وضوءًا كاملًا مشتملًا على الأعضاء كلها، لكنه بدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، لم تقبل العبادة؛ لأنها مخالفة للشريعة في كيفيتها، وكذلك لو سجد قبل أن يركع لم تقبل الصلاة؛ لأنها مخالفة للشريعة في الكيفية.
الخامس: الزمان، لو أن الإنسان ضحى في عيد الفطر وقال: عيد كعيد، فالقياس أن يُضحَّى في عيد الفطر كما يُضحَّى في عيد الأضحى، لم تُقبَل، لماذا؟ لمخالفة الشريعة في الوقت أو في الزمان.
المكان، لو أن الإنسان اعتكف في رمضان في بيته، أو امرأة في مصلاها الذي في البيت، لم يجزئ، لماذا؟ لأنه مخالف للشرع في المكان.
بقي أن يقال: وهل يأثم الإنسان لو تعبد لله عز وجل بما يخالف الشريعة في واحد من هذه؟
فالجواب: يأثم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ» .
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِإذن الصالحات وصف لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات.
جُنَاحٌأي إثم، وهذا هو المنفي، فليس على المؤمن الذي يعمل الصالحات جناح أي إثم فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْافيما طعموا أعم من: فيما أكلوا، فيشمل الأكل والشرب؛ لأن الشرب يطعم ويذاق، فهو طعام، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّييقوله من؟ طالوت وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: ٢٤٩] مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُيعني النهر، والنهر يؤكل ولّا يشرب؟ يشرب.
إذن قوله: فِيمَا طَعِمُوايعم كل ما له طعم في الفم من مأكول ومشروب، لكن بشروط، ليس عليهم جناح فيما طعموا بشروط: الشرط الأول: إِذَا مَا اتَّقَوْا، الثاني: وَآمَنُوا، الثالث: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، الرابع: ثُمَّ اتَّقَوْا، الخامس: وَآمَنُوا، السادس: اتَّقَوْا، والسابع: أَحْسَنُوا، هذه قيود خمسة وليست متكررة، كل واحد له معنى.
قوله: إِذَا مَا اتَّقَوْايعني اتقوا ما حرم عليهم من المأكول وليست التقوى العامة، إذا ما اتقوا ما حرم عليهم من المطعوم، هذه واحدة. وَآمَنُواأي آمنوا بالله؛ لأن الإيمان لا شك أنه أصل في قبول الأعمال. وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهذا شرط، أي عملوا الصالحات فيما يأكلون من المباحات فلم يستعينوا بها على محرم، فإن استعانوا بها على محرم وهي مباحة صارت حرامًا؛ لأن الله اشترط أن يعملوا بها الصالحات. قال: ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، هذا كلمة ثُمَّتدل على أن هذا نوع آخر غير الأول؛ لأن العطف ولا سيما بـ (ثم) الدالة على المهلة والترتيب يدل على أن الثاني غير الأول، فيكون معنى ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُواأي ثم استمروا على تقواهم ما حرم عليهم من هذا الطعام. وقوله: آمَنُواأي استمروا على إيمانهم، والأمر بالإيمان يصح مرادًا به الثبوت عليه والاستمرار فيه، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء: ١٣٦]، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُواهذه التقوى العامة، اتقوا جميع المحرمات وأحسنوا بفعل جميع الطاعات، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
هذه الآية يمكن أن نحملها على حالين: الحال الأولى حال من يذهب إلى التقشف ويخشى من الترف المباح، فيتجنب الفواكه واللحم المندي والشيء اللذيذ تعبدًا لله، ولها محمل آخر فيمن توفوا قبل تحريم الخمر، فهم قد شربوا الخمر وهي حرام ولّا حلال؟ هي في النهاية حرام، لكن حين شربهم إياها حلال؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يحرمها بتاتًا إلا بعد موته، وإن كان قد نزلت آيات تعرض بالتحريم وتقيد الحل؛ كما في قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩]، وفي قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء: ٤٣]، وهؤلاء أشكل على الصحابة حالهم، لما حرمت الخمر أشكل على الصحابة حال الذين توفوا من قبلهم، فأنزل الله هذه الآية؛ أنه ليس عليهم جناح؛ لأنهم لم ينتهكوا ما حرم الله، بل هم مؤمنون متقون محسنون، إذن تحمل على وجهين، على من شرب الخمر قبل تحريمها، وأيضًا لو قلنا: الآن وقبل أن يعلم بتحريمها، فهذا يشمل أنه ليس عليه جناح، الثاني: من تورعوا عما أحل الله لهم خوفًا من الإثم، فيقال لهم: ليس عليكم جناح فيما طعمتم إذا تمت هذه الشروط.
وقوله عز وجل: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَالمحبة لو أردنا أن نحدها لم نستطع، ما يستطيع الإنسان أن يحد المحبة أبدًا، أحد منكم يستطيع أن يحدها؟ محبات فيما بيننا أحد يستطيع؟ شيء هو من حياتكم اليومية في داخل البيت وخارج البيت ومع ذلك ما تحدونها؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، تعريف المعروف يزيده جهالة، أو يزيد به جهلًا، ولذلك لما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه روضة المحبين تعريف المحبة قال: هذه الأمور الطبيعية لا يمكن تعريفها، ما تستطيع أن تعرف المحبة ولا الكراهة ولا البغضاء ولا الخوف ولا الفرح، ما تستطيع؛ لأن هذه أمور كامنة في النفس، كل إنسان يعرفها، نعم عليها علامات لا شك، فلو قلت مثلًا: المحبة أن تميل للشيء الذي ينفعك أو تدفع به ضررك، أيش تقولون بها التعريف؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا أثر المحبة، المحبة أن ترى الرجل قد استنار وجهه واستبشر فرحًا، أثر ما يمكن تعريفه، إذن المحبة معلومة، وإن شئت قل: معروفة، وتعريف المعروف يزيده جهالة.
في الآية فوائد: أولًا: نفي الجناح في المطعومات من مأكول ومشروب لهذه الشروط.
ومن فوائدها: أن على الكفار جناح فيما طعموا، لماذا؟ وجهه؟ غير مؤمنين، فالكافر لو رفع لقمة إلى فمه أو شرب كأسًا من ماء فإنه محاسَب عليه، وعليه الإثم فيه، ويؤيد هذا قول الله تبارك وتعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢]. وهل هي لغير المؤمنين في الحياة الدنيا؟ أما قدرًا فنعم، أليس كذلك؟ وأما شرعًا فلا، ولهذا قال بالنسبة للمؤمنين: خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولغير المؤمنين غير خالصة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القيود الشديدة في نفي الإثم عمن أكل أو شرب في مأكوله ومشروبه، وعرفتم الآن التقوى كم ذكرت؟
طلبة: ثلاث مرات.
الشيخ: والإيمان مرتين، والإحسان مرة، قيود شديدة عظيمة، فاحذر يا أخي المسلم أن يكون في مطعومك عليك إثم لأنك لم تتم هذه القيود. أسأل الله أن يعيننا وإياكم عليها.
من فوائد الآية الكريمة: أن من أكل حلالًا بكسب حرام فعليه الإثم، لماذا؟ لأنه لم يتقِ الله في كسبه، ولا بد أن يتقي الله عز وجل. فهل يكون غير الكاسب كالكاسب في هذا الإثم؟ نقول: أما إذا كان الشيء معيَّنًا، المحرَّم معيَّنًا فهذا يكون الآكل كالكاسب، مثل أن أعرف أن هذه الشاة التي ذبحها إكرامًا لي قد سرقها من فلان، فهذا حرام علي أن آكلها، أما إذا كان هذا الإنسان يتعامل بالربا ويكسب من الربا برضا صاحبه المرابي فإنه لا بأس أن تأكل من ماله، إلا إذا كان امتناعك منه يؤدي إلى توبته فهنا امتنع، أما إذا كان كل على حد سواء فكل ولا حرج عليك، ويدل لهذا أن رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل من مال اليهود واشترى من مال اليهود مع أنهم معروفون بأكل السحت وأخذ الربا، ولم يستفسر ولم يقل لأي واحد: هل كسبتها بالربا؟
وبناء على ذلك، إذا مات ميت ونحن نعرف أنه يتعامل بالربا ويتعامل بالمباح، فهل يلزم الورثة أن يبحثوا كيف كسب ذلك؟ لا يلزمهم، الإثم على الكاسب، إلا إذا علمنا أن هذا هو عين مال الغير فيجب علينا أن نرده إلى صاحبه، يجب علينا أن نرده لأننا علمنا أنه ليس ملكه، فإن شككت هل هو ملكه وأخذه بطريق شرعي أو سرقة فما الأصل؟ الأصل أنه له، ولا يلزمنا أن نقول لكل من أهدى إلينا هدية: من أين؟ أنت سارقه ولّا جاءتك بطريق مباح؟ لو كنا مكلفين بهذا لشق علينا مشقة شديدة، ولكن -الحمد لله- أن الأمور بظاهرها، مثلما سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم عن أناس يأتونهم بلحم وهم حديثو عهد بالكفر، أسلموا قريبًا، ولا يدري المهدَى إليه اللحم أذكروا اسم الله أم لا؟ فقال لهم: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» ؛ لأن الأصل الحل حتى يتبين التحريم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والتقوى وأنها سبب لطيب المطعم وحل المطعم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان إلى من؟ الإحسان إلى الخلق، والإحسان في عبادة الخالق، فالإحسان إلى الخلق أن تبذل جاهك، تبذل مالك، تبذلك خدمتك، منفعتك البدنية، والإحسان في عبادة الخالق فسره أعلم الناس بمعناه -وهو النبي صلى الله عليه وسلم- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله يحب؛ لقوله: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وهذه الصفة كسائر الصفات يجب على العبد أن يصدق ربه بها، وأن يحمل كلام ربه على ظاهره وعلى ما تقتضيه اللغة العربية؛ لأن الله قال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّايعني صيرناه باللغة العربية لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] لأجل نعقل هذا القرآن ونفهمه، وعليه فيجب أن نؤمن بأن الله يحب، ولو فسرناه بغير ظاهره لكنا معتدين على النص من وجهين: الوجه الأول صرفه عن ظاهره، والوجه الثاني إثبات معنى على خلاف الظاهر، وهذا جناية على النصوص وتحريف للكلم عن مواضعه، فيه من هم مسلمون لا شك في إسلامهم يفسرون المحبة بأنها الثواب، أي يثيب المحسنين، ونقول: عفا الله عمن مات ونسأل عن الهداية لمن بقي، هذا التفسير تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن الإثابة شيء والمحبة شيء آخر، وإن كانت المحبة يلزم منها الثواب لكن لا يمكن أن نفسر شيئًا بلازمه إلا بدليل، ثم أيما أبلغ في الحث على الإحسان: أن نقول: معنى الآية: والله يثيب المحسنين أو أن نقول: والله يحب المحسنين؟ الثاني بلا شك.
ولهذا لما قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] ولم يقل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تصدقوا في دعواكم، بل قال: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ؛ لأن محبة الله هي المقصود -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه- هي المقصود، فلذلك نقول أيضًا: في تفسيرها بالثواب نقص في دلالتها ومضمونها؛ لأن النفس لا تتشجع إذا كانت بمعنى الثواب، بل المحبة على ظاهرها، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها.
فإن قال قائل: فهل تطردون هذه القاعدة في كل النصوص؟
فالجواب: نعم يجب علينا أن نطردها في جميع النصوص؛ لأن الصحابة أجمعوا على ذلك، ما منهم أحد يفسر القرآن بخلاف ظاهره أبدًا، فعلينا فيما يتعلق بصفات الله أن نؤمن بها، لكن على أساس مهم ذكره الله عز وجل في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] كل شيء أثبته لله فعلى هذه القاعدة، ما هي؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وبهذا تستريح وتسلم من اعتراضات كثيرة، من ذلك: أنه يكثر الآن السؤال عن هل نثبت لله الملل أم لا؟ احتجاجًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» ، فيقال: ما الذي حدك أن تحك الشيء حتى يخرج العظم، ما الذي حدك على هذا: هل تثبت لله الملل أو ما تثبت؟ إن من هو خير منك ممن سبقك من هذه الأمة وخير هذه الأمة لم يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك أبدًا، عرفوا المعنى وأبقوا اللفظ على ما هو عليه، ما الذي حدك؟ هل الحديث صريح في أن الله يمل؟ ما هو بصريح، ليس بصريح، سياقه «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ -يعني تحملوا منه ما تطيقون- فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» ، يعني لا يمل من ثوابكم حتى تملوا من العمل، هذا معناه وواضح، فإن كان يدل على ثبوت الملل لله فالملل كسائر الصفات ملل يليق بالله، لا يماثل ملل المخلوقين، ملل المخلوق تعب وإعياء وضيق نفس، لكن لا يثبت هذا لله عز وجل أبدًا، واضح يا جماعة؟
مثل الغضب، الآن الغضب أثبت الله لنفسه غضبًا، ما فيه إشكال، في القرآن في عدة مواضع، وفي السنة كذلك، لو قال قائل: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، الغضب يحمل الغاضب على التصرف السيئ، حتى إنه يكسر الأواني ويطلق النساء ويعتق العبيد ويوقف الأملاك ويمزق الأوراق، أليس كذلك؟ بلى، يعني بعض الناس يصل به الحد إلى هذا، لو قال قائل: هل غضب الله الذي نثبته حقًّا كغضب المخلوق؟
أبدًا، إن الله تعالى إذا غضب فإنه لن يفعل إلا لحكمة، لن يفعل إلا لحكمة، وغضبه دليل على قوته عز وجل وقوة سلطانه؛ لأن الغضب لا يصدر إلا من قادر على الانتقام، أليس هكذا؟ العاجز ما يمكن يغضب، لا يمكن يغضب، لو تضرب صبيًّا يغضب عليك بيجي ينتقم منك؟ أجيبوا يا جماعة، ويش يسوي؟ يبكي ويحزن ويروح لأمه ويقول: هذا دقني وفعل، لكن ذو السلطان هو الذي يغضب وينتقم، فالغضب إذن صفة حميدة لكن بشرط ألا تخرج الغاضب عن طوره، ولهذا نحن نقول: إن الله عز وجل يغضب لكن ليس كغضب المخلوق الذي يخرج عن طوره حتى يتصرف تصرفًا لا يليق، وعلى هذا فقس، وأنت إذا أثبت لله ما أثبته لنفسه وتأدبت مع الله بحيث لا تتجاوز ما ذكر الله عز وجل، وأثبت هذا على حد قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] فإنك ستسلم في عقيدتك وفكرك، والتشويش الذي يلقيه الشيطان في قلبك، أما إذا قمت تتحرك في هذه النصوص يمينًا وشمالًا فأنت على شفا جُرُف هارٍ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الإحسان إلى الخلق، وعلى الإحسان في عبادة الخالق؛ لأن الله حين يخبرنا أنه يحب المحسنين ماذا يريد منا؟ أن نفعل لننال هذه المرتبة العظيمة، وهي محبة الله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه. فلذلك يستفاد منها الحث على الإحسان.
طالب: الذين ينكرون الرضا والغضب، في قصة موسى، إخراج موسى من فرعون (...)؟
الشيخ: ما يقدرون يصرفون.
الطالب: (...)؟
الشيخ: هم عاجزون.
الطالب: (...) لا يتصورها عقل الإنسان، هذا رضا ولّا غضب؟
الشيخ: لا شك أنه غضب، وإنجاء موسى رضا، هم- بارك الله فيك - هم ليس عندهم عقول، وصفهم شيخ الإسلام رحمه الله وصفًا دقيقًا قال: إنهم أُوتوا فهومًا ولم يؤتَوا علومًا -فهم ما عندهم علم من الكتاب والسنة، عندهم فهم- وأُوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء ما عندهم تقوى لله عز وجل، وإلا لو اتقوا الله عز وجل لاحترموا نصوص الكتاب والسنة، أدنى ما نقول فيهم: إنهم جهلوا، يعني قد لا يكون عدم التقوى عندهم عن عمد، لكن عن ظن أنهم على هدى، ويحسبون أنهم على شيء وهم ضالون.
طالب: المهاجرون من العرب في البلاد الأوربية يعملون أعمالًا مخلوطة الحلال بالحرام كأصحاب الدكاكين..
الشيخ: أيش؟
طالب: بعض المسلمين يعملون في البلاد الأوربية فيبيعون مثلًا أشياء في الدكاكين فيها الحرام وفيها الحلال، كالخمر والخنزير وما أشبه ذلك، فإذا دُعي الإنسان عندهم مثلًا أو إذا أكل عندهم فهل عليه شيء؟
الشيخ: ليس عليه شيء إذا أكل المباح، إذا أكل المباح ليس عليه شيء، لكن كما (...) إذا كان في عدم إجابة الدعوة مصلحة فهنا لا تجب الدعوة.
طالب: ما رأيكم يا شيخ فيمن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أكل طعام اليهود وقبل هداياهم لأنهم يهود كفار ليسوا على ملة صحيحة، أما الآن المسلمون فعلموا من الكتاب والسنة تحريم ذلك عليهم؟
الشيخ: هذا جواب غير صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم يأكلون السحت ويأخذون الربا مدحًا لهم أو ذمًّا لهم؟
طالب: ذمًّا لهم.
الشيخ: ولهذا قال: وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء: ١٦١] فهم منهيون عنه، لكن بعض الناس يريد أن يحرم مال من أكله مختلط بالحرام، ثم يدفع بهذا الدفاع الضعيف.
طالب: هل ماله يعتبر (...) محرم؟
الشيخ: لا ما هو محرم، كسب محرم.

***

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٤، ٩٥].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ
وقبل أن نشرع في درس الليلة نود أن نبحث عن قوله تعالى: إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُواما معنى الأولى؟
الطالب: إِذَا مَا اتَّقَوْاأي المحرمات، وَآمَنُواأي بقلوبهم..
الشيخ: أنا أريد التقوى الأولى معناها.
الطالب: اتقوا المحرمات.
الشيخ: نعم.
الطالب: المحرمات من المطعمات.
الشيخ: والثانية؟
الطالب: استمروا في تقواهم.
الشيخ: استمروا في التقوى وترك المحرمات، والثالثة؟
الطالب: التقوى العامة.
الشيخ: التقوى العامة، إذن لا تكرار؛ لأن كل واحدة محمولة على معنى.
قوله: وَآمَنُوا، إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُواثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُواالأولى؟
طالب: الأولى آمنوا بحل هذه المذكورات.
الشيخ: بحلها؟
طالب: آمنوا يما يجب الإيمان به.
الشيخ: نعم يعني للعموم. آمنوا الثانية؟
طالب: أي استمروا على إيمانهم.
الشيخ: أي استمروا على إيمانهم.
سبق أن من فوائد الآية إثبات صفة من صفات الله عز وجل؟
طالب: إثبات المحبة.
الشيخ: إثبات المحبة لله صفة من صفات الله.
لعلكم عرفتم فيما سبق أن المحبة من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
طالب: الفعلية.
الشيخ: الفعلية، لماذا؟
الطالب: الله إذا أراد أن يحب شخصًا أحبه.
الشيخ: لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة لها سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها معلقة بهذا السبب.
تفسير الآية (94)
01:30:37

قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ [المائدة: ٩٤] أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأثر عنه كلمة ابن مسعود؟
طالب: قال: إذا سمعت الله يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.
الشيخ: قال رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنهَى عنه .
لننظر الآن لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِإلخ [المائدة: ٩٤] الجملة هنا خبرية، ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟
طالب: اللام، ونون التوكيد.
الشيخ: ونون التوكيد لَيَبْلُوَنَّكُمُ.
الطالب: والقسم.
الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام موطئة للقسم.
ومعنى يبلونكم: يختبرنكم، وبماذا يكون الاختبار؟ قال: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِالذي تصطادونه وهو محرم عليكم في حال..