تفسير سورة المائدة - 30
عدد الزيارات 2256

عناصر المادة :
تفسير الآية (95)

قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُأُثِرَ عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأُثِرَ عنه كلمة؛ قال رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤْمَر به وإما شر تُنْهَى عنه .
لننظر الآن لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِإلى آخره، الجملة هنا خبرية ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟
طالب: اللام.
الشيخ: نعم، اللام.
الطالب: ونون التوكيد.
الشيخ: ونون التوكيد لَيَبْلُوَنَّكُمُ.
الطالب: والقسم.
الشيخ: القسم المقدَّر؛ لأن اللام موطئة للقسم، ومعنى (يَبْلُوَنَّكُم): يختبرَنَّكم، وبماذا يكون الاختبار؟
قال: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِالذي تصطادونه وهو مُحَرَّم عليكم في حال الإحرام.
تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْأي: تصيدونه باليد وتصيدونه بالرماح، وهذا على اختلاف حال الصيد، فما كان زاحفًا صاروا ينالونه بأيديهم، وما كان طائرًا كانوا ينالونه برماحهم؛ لأن الطائر أعلى والطيران أسرع من الزحف، لكن مع ذلك يكون الطير نازلًا وهادئًا في طيرانه؛ لأن الذي يُمْسِكه عز وجل في جَوِّ السماء مَنْ هو؟ الله عز وجل، فهو قادر عز وجل على أن يُهْبِطه إلى قرب الأرض وأن يجعل طيرانه هادئًا.
وقلنا: إن الابتلاء هو الاختبار، لأي شيء؟ قال: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
لِيَعْلَمَاللام هنا للتعليل، و(يعلم) أي: يُدْرِك عز وجل مَنْ يَخَافُه بالغيب، أي: من يخاف الله.
بِالْغَيْبِلها معنيان؛ المعنى الأول: يخافه وهو سبحانه وتعالى غائب عن نظره كقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
بِالْغَيْبِأيضًا المعنى الثاني: بِالْغَيْبِأي حال غيابه عن الناس، مثل أن يكون في ليل أو في ظل شجرة أو من وراء أكَمَة أو في مجرى صيد أو نحو ذلك.
إذن لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِلها معنيان؛ الأول: أنه يخاف ربه مع غيبته تبارك وتعالى عنه؛ إذ إنه لم ير ربه لكنه عرفه بآياته.
والمعنى الثاني: بِالْغَيْبِأي بغيبه عن الناس؛ لأن من الناس من يُظْهِر مخافةَ الله ظاهرًا ولكنه باطنًا لا يخاف الله عز وجل، والذي يُمْدَح من يخاف اللَّهَ بالغيب؛ قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: ١٢].
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَأي: فمن اعتدى على محارم الله عز وجل بعد أن بَيَّن الله له الحكم فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌأي: عذاب مُؤْلِم في الدنيا أو في الآخرة؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.
في الآية الكريمة: بيان امتحان الله تبارك وتعالى لعباده بتَيْسِير أسباب المعصية لهم؛ ليعلم من يخافه بالغيب ومن لا يخافه إلا في العلانية؛ وَجْهُهُ من الآية ظاهر لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصحابة رضي الله عنهم الذين هم مُقْدَّم هذه الأمة، وذلك بخوفهم من الله وعدم تَحَيُّلِهِم على محارم الله وعدم انتهاكهم لحرمات الله، فإن هذا الصيد الذي ابْتُلُوا به وقع ذلك فعلًا؛ لأن الله أخبر بأنه سيفعل وفعل عز وجل، لكن لم يُذْكَر عن واحد منهم أنه أخذ صيدًا واحدًا، خافوا الله عز وجل وعَظَّمُوا محارمه، وهذا فضل عظيم لهذه الأمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الأمة تَفْضُل سائرَ الأمم وعلى رأسهم الأمة اليهودية؛ لأن الأمة اليهودية ابتلاهم الله تعالى بنحو هذا، ولكنهم تَحَيَّلُوا على محارم الله؛ ابتلاهم الله تعالى بالصيد -الصيد البحري لا الصيد البري- فحرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فاحتالوا على ذلك وجعلوا شِبَاكا في يوم الجمعة يأخذون السمك أو الحيتان يوم الأحد، فابتلاهم الله عز وجل بكون الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا أي: على سطح الماء من كثرتها، فتَحَيَّلُوا هذه الحيلة، فقال الله تعالى لهم: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] فكانوا قردة -والعياذ بالله- كل أهل القرية أصبحوا يَتَعَاوَوْن كما تَعَاوَى القردة؛ لأنهم تَحَيَّلُوا على محارم الله بما ظاهره الإباحة فقلبهم الله تعالى إلى حيوان أقرب ما يكون من الإنسان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن يَتَنَبَّه الإنسان لنفسه إذا يُسِّرَت له أسباب المعصية، وألَّا يتدرج به الشيطان؛ لأن الإنسان قد تُيَسَّر له أسباب المعصية، ولا يدري عن نفسه ثم ينهمك حتى يقع في المحظور، فليحذر الإنسان من تسهيل أو من تيسير أسباب المعصية له أن يقع في المعصية؛ ولهذا الإنسان إذا ابْتُلِيَ بتيسير المعصية له وتَرَكَها لله عوَّضه الله تعالى خيرًا منها.
وانظر إلى يوسف عليه الصلاة والسلام؛ فقد يسَّر الله له أسبابَ المعصية تيسيرًا لا نظير له فيما نعلم؛ كان مملوكًا لعزيز مصر وكان له امرأة نُرى أنها من أجمل النساء لأنها امرأة العزيز، وأَعْجَبَها يوسف وأحبَّتْه حبًّا شديدًا حتى وصل إلى شغاف القلب يعني: قَعْر القلب -حُبُّ هذا الرجل- وعجزت أن تَصْبر، في يوم من الأيام سوَّلت لها نفسها أن تَدْعُوَه إلى فعل الفاحشة فدعته وغلَّقت الأبواب، والأبواب جمع باب أقلها ثلاثة، في حجرة من وراء حجرة من وراء حجرة، والأبواب مغلَّقة، وليس عندها أحد، فدعته لنفسها وتوعدته أنه إن لم يفعل سجنته وأهانته؛ قالت: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢] فدعا ربه وقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف: ٣٣].
ولا تظنوا أن الجمع يعني أن مع المرأة أحدًا، لكن يريد الجنس فإن هذه التي فتنته ربما يفتنه غيرُها فأراد أن يكون دعاؤه عامًّا فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٤]، يوسف عليه الصلاة والسلام هُيِّئَت له أسباب المعصية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، بل أكثر من ذلك، هُدِّدَ بأن يُهَان ويُسْجَن إن لم يفعل، ومع ذلك لجأ إلى الله عز وجل، وفي هذه الضرورة استجاب الله تعالى دعاءه، وفي السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» لم يَذْكُر أيَّ مانع سوى خوف الله عز وجل، بالغيب ولّا بالشهادة؟
طلبة: بالغيب.
الشيخ: بالغيب؛ لأنه ما عنده أحد، لو عنده أحد لقال: إني أخاف أن يشهد فلان أو فلان، فالمهم انتبه لنفسك سواء في البيع أو الشراء أو في أي شيء انتبه لنفسك، إذا يُسِّرت لك أسباب المعصية فاعلم أن ذلك امتحان من الله (...).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصيد في حال الإحرام محرم؛ لقوله: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اعتدى بعد أن تَبَيَّن له الحكم فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌأي: مؤلم.
ومن فوائدها: أن من كان جاهلًا فإنه لا إثم عليه إذا فعل المعصية؛ لقوله: بَعْدَ ذَلِكَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى؛ لقوله: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ، والله تبارك وتعالى علمه محيط بكل شيء.
فإن قال قائل: هذه الآية سياقُها يدل على تجدُّدِ العلم لله عز وجل؛ يعني هو قال: لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ، ثم قال: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِوهو جلَّ وعلا عالم بذلك قبل أن يَخْلُق هذا وقبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذا إشكال واقع يُشْكِل على كثير من الناس؛ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِأليس الله قد علم؟
الجواب: بلى، قد علم، لكن الجواب عن ذلك من وجهين؛ الوجه الأول: أن علم الله بالشيء قبل وقوعه علمٌ بأنه سيقع، وعلمَه بعد وقوعه علمٌ بأنه واقع، وفرق بين كون الشيء معلومًا قبل أن يقع ومعلومًا بعد أن يقع.
فإن قال قائل: هذا مسلَّم في علم الإنسان؛ فإن الإنسان إذا عَلِمَ بأن الشيء سيقع غدًا فهذا علم، لكن إذا وقع صار علمُه الثاني أقوى من علمه الأول؛ لأن علمه الأول علمُ يقين وعلمه الثاني عينُ يقين، ومعلوم أن الإنسان يتجدد علمُه ويقوى علمه تارة ويضعُف تارة، لكن علم الله واحد؟
فالجواب: نحن لا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا علمه واقعًا ازداد علمُه بذلك، أبدًا، هو عالم به، لكن عالم به أنه وقع لا أنه سيقع؛ لأن العلم الأول لا يترتب عليه جزاء بالنسبة للعبد، والعلم الثاني يترتب عليه الجزاء.
أما الوجه الثاني؛ فنقول: علمه السابق لما وقع علم بأنه سيقع ولكنه لا يترتب على هذا العلم أيُّ ثواب أو عقاب، متى يترتب الثواب والعقاب؟ إذا عمل العبد، فيكون علمه الثاني الذي بعد وقوع الشيء علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويتعيَّن الجواب بهذا لئلا يظن الجاهل أن علم الله يتجدد، ونحن نعلم أن علم ربنا عز وجل لم يزل ولا يزال موجودًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من يخاف الله بالغيب، جعلنا الله وإياكم منهم؛ لأن كثيرًا من الناس يخاف الله سبحانه وتعالى عنده خوف من الله لكن يَقِلُّ خوفه إذا لم يكن حوله أحد، وإذا علم الناس يعلمون به ازداد خوفًا، يعني أصل الخوف عنده، لكن إذا كان عنده أحد ازداد خوفه من فعل المعصية خوفًا من عقاب الله وخوفًا من ملامة الناس، وهذا وإن كان محمودًا لكنه ضعيف الخوف من الله ويُخْشَى عليه أن يداهن الناس ويراقبهم فيقع في الرياء، فعليك -أيها الأخ- أن يكون خوفك لله واحدًا في السر وفي العلانية.

***

تفسير الآية (95)
00:17:49

ثم قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ٩٥].
لما ذَكَرَ أنه سبحانه وتعالى سيبتليهم ذَكَرَ الحُكْمَ فقال: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌولَاهنا ناهية، وعلامة كونها ناهية حذفُ النون.
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ(أل) لبيان الحقيقة، فما هو الصيد المحرَّم؟ العلماء -ولا سيما أهل الفقه رحمهم الله- بَيَّنوا ضابطًا لهذا فقالوا: إنه الحيوان البريُّ المأكول، والعبرة بكون أصله بريًّا، المتوحش طبعًا، هو الحيوان البري المأكول المتوحش طبعًا، (الحيوان) هذا جنس، (البريّ) ضده البحري، (المأكول) ضده الحرام، (المتوحش طبعًا) ضده المتأهل وهو الحيوان الإنسي الذي يألف الناس في بيوتهم، هذا هو الصيد، وعلى هذا فحيوان البحر لا يدخل في النهي؛ لأنه ليس مرادًا بهذه الآية وإن كان صيدًا لكنه بحريٌّ.
وقد قال الله تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًاوهذه الآية صريحة فَصَّل الله فيها وبَيَّن، كم ذكرنا من قيد؟
قلنا: البري ضد البحري، المأكول ضد الحرام، المتوحش ضده المتأهل ويُسَمَّى الإنسي، فلو أن المحرم ذبح دجاجة فإنه ليس عليه إثم؛ لأن الدجاج من الإنسي ليس من المتوحش، ولو ذبح خروفًا فلا بأس مع أنه بري مأكول لكنه ليس متوحشًا وإن كان بريًّا ومأكولًا، والعبرة بالأصل، لا عبرة بالوصف الطارئ، الوصف الطارئ لا عبرة به، فلو توحَّش إنسي أو استأنس وحشي فما العبرة؟
طلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل، ولهذا لو أن إنسانًا ربَّى أرنبًا، فهل يجوز إذا أحرم أن يذبحها؟
طلبة: لا.
الشيخ: رباها.
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأن العبرة بالأصل.
الشيخ: لأن العبرة بأصلها متوحشة في الأصل، والتأهل طارئ عليها، ولو أن دجاجة فرت وتوحشت وصارت تطير مع الطيور فهي حلال ولَّا غير حلال للمحرم؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال؛ لأن أصلها أنها متأهلة، فالعبرة بالأصل، وإنما النهي هنا لئلا يجر طلب الصيد المحرم عن نسكه فينشغل قلبه؛ لأنه لا أشد من لهو الصيد، الإنسان المبتلى باللهو في الصيد لا يَقَرُّ له قرار حتى يتابع الصيد؛ ولهذا نسمع عن أهل الصيد أن الواحد منهم يتعب في الخروج إلى البر لطلب الصيد ويلحقه الظمأ والجوع والشوك وحرارة الأرض وبرودة الشتاء، ولكنه لا يبالي؛ لأن قلبه مشغول، وإذا كان الله قال: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] لئلا ينشغل الحاج فانشغاله في الصيود أشد لهوًا.
لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِالجملة الشرطية وَمَنْاسم شرط، وأسماء الشرط تفيد العموم يعني: أَيُّ إنسان قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم؛ وعلى هذا فقوله: فَجَزَاءٌمبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه جزاء، و مِثْلُعطف بيان لقوله: جزاء ولا يمكن أن نجعلها نعتًا؛ لأن مِثْلُ مَا قَتَلَمعرفة؛ حيث أضيفت إلى اسم الموصول.
وجَزَاءٌنكرة ولا تنعت النكرة بالمعرفة، لكن نجعلها عطف بيان، وعطف البيان قريب من الصفة لكنه لا يشترط فيه ما يشترط في النعت.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، الحيوانات المتوحشة أو الأهلية هل هي محدودة أم معدودة؟
الشيخ: هذا عرف، يعني غير معدودة (...).
طالب: شيخ بعض المناطق، المتوحش عندنا عندهم أهل، كالجواميس، بعض المناطق برية؟
الشيخ: هي برية لا شك، لكن هل متوحشة؟
الطالب: إي، مثل (...) مع الأسود ولأنه..
الشيخ: لا، لا الجاموس ما هو متوحش.
الطالب: لو وُجِد، يا شيخ فعلًا؟
الشيخ: متوحشة؟
طالب: نعم، متوحشة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: متوحشة، الجواميس.
طالب آخر: مستأنسة عندنا.
الشيخ: لا، هو مستأنس.
طالب: عندنا متوحشة.
الشيخ: سبحان الله، يعني يعامل معاملة الصيد؟!
طلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني: يخرج الناس لاصطياده في البر؟
طلبة: إي نعم، ما يُقْدَر عليه إلا بالاصطياد.
الشيخ: الذي ينبغي أن يقال: يُرْجَع للعُرف، إذا لم يكن معيَّنًا بالشرع أنه صيد فيرجع للعرف.
طالب: بالنسبة للخشية من الله سبحانه وتعالى، الناس ها الحين (...) منهم (...) بس شو إنسان مستقيم استقامة، ويصل رحمه وهو مستقيم على طاعة ربه، ويبتدي (...) شيء إما بغنى ولا بحالة من الأحوال (...)، ويقطع حتى رحمه (...).
الشيخ: صحيح.
الطالب: هذا شيء (...).
الشيخ: إي، ما فيه شك، باطل، هذا واقع.
الطالب: لو الناس (...) بيفكروا بعقولهم وفكروا في الدنيا لصدقوا أخبار الله سبحانه وتعالى من دون شك، من دون تجربة.
الشيخ: هذا واقع؛ يعني إصابة الإنسان بذنبه لإعراضه عن طاعة الله أشد من العقوبة، ولهذا قال الله عز وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩] فكون الإنسان مستقيمًا، ثم يشعر بأنه ضعفت استقامته وصار يرتكب المعاصي هذه عقوبة، يقول بعض السلف: إن الإنسان ليُحْرَم صلاة الليل بالذنب يصيبه لكن أكثر الناس في هذا عن غفلة يظنون أن المصائب التي على الذنوب هي المصائب الحسية وليس كذلك، مصيبة القلب أشد، نسأل الله السلامة.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥].

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
يقال في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَكما قلنا في الآية التي قبلها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ.
والمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها ظاهرة؛ أنه عز وجل لما أخبر أنه سيختبرهم بهذا الصيد نهاهم أن يقتلوه فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
جملة وَأَنْتُمْ حُرُمٌفي محل نصب على الحال، و(الحُرُم) جمع حرام والمراد به الحُرُم في المكان والحُرُم في الحال؛ الحُرُم في المكان بأن يكونوا في حَرَمِ مكة، والحُرُم في الحال بأن يكونوا محرمين بحج أو عمرة، وعلى هذا لو أحرم الإنسان من ذي الحليفة فمن حين إحرامه من ذي الحليفة يدخل في الآية، ولو كان محِلًّا ووصل إلى مكة إلى حدود الحرم فإذا دخل هذه الحدود فقد صار حرامًا، أي: يدخل في الآية.
وقوله: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَفسَّرنا الصيد بأنه كل حيوان بري مأكول متوحش طبعًا، هذا هو الصيد، وذكرنا فيما سبق مفاهيم هذه القيود.
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِمن قتله منكم -أيها المؤمنون- متعمدًا لقتله في حال إحرامه أو في حال كونه حرامًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِجَزَاءٌمبتدأ وخبرها محذوف والتقدير: فعليه جزاء، أي: عليه جزاء يَجْزِي به عما قتل، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِيعني: يكون مماثلًا له، والمراد بالمماثلة هنا المقاربة في الخِلْقة؛ لأن التماثل بين الصيد وبين النَّعَم مستحيل، التماثل من كل وجه، لكن المراد بذلك التقارب في الخلقة.
وقوله: مِنَ النَّعَمِهي ثلاثة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، وتُسَمَّى بهيمة الأنعام.
يَحْكُمُ بِهِأي: بهذا الجزاء أو بهذا المثل ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْذَوَامثنى، وهي مضافة إلى عَدْلٍأي: صاحبا عدل منكم، والعدل هو الاستقامة في الدين والمروءة، هذا العدل، هي الاستقامة في الدين والمروءة، فمعنى ذَوَا عَدْلٍأي: ذوا استقامة في الدين والمروءة.
أما في الدين ففسَّرها الفقهاء رحمهم الله بأن يأتي بالفرائض، وألا يفعل كبيرة ولا يصِرُّ على صغيرة، هذا الاستقامة في الدين.
الاستقامة في المروءة ألا يفعل ما يَشِينُه عند الناس وأن يفعل ما يُجَمِّلُه عندهم؛ يعني يفعل الجميل ويدع المشين، وهذا الأخير يختلف باختلاف الأحوال والبلدان والأزمان، قد يكون فعلُ شيءٍ في بلد لا يخرم المروءة وقد يكون في بلد آخر يخرم المروءة، والعبرة بأعراف الناس المستقيمة، لا عبرة بالهمج الذين حق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» المراد: ذوو المروءة الحميدة.
ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْوالخطاب للمؤمنين فلا بد أن يكون الحَكَم من المؤمنين، ويحتمل أن يكون الخطاب للصحابة رضي الله عنهم فيرجع في ذلك إلى حكمهم وسيذكر هذا في الفوائد إن شاء الله.
هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِهَدْيًاحال؛ يعني حال كون هذا الجزاء هديًا.
بَالِغَ الْكَعْبَةِأي: واصلًا إلى الحرم، وليس المراد إلى جوف الكعبة بإجماع المسلمين.
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَأَوْهنا للتخيير، كلما جاءت (أو) في كتاب الله فهي للتخيير، وإن (...) للترتيب فإن الله يبينه عز وجل، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ.
وقوله: طَعَامُ مَسَاكِينَبيان للكفارة أنها طعام مساكين، وفي قراءة عندي: {كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ} بالإضافة، والكفارة مأخوذة من الكَفر بمعنى الستر وهي الفدية التي تستر الذنب حتى لا يكون له أثر على الإنسان لا في قلبه ولا في وجهه ولا في قومه.
وقوله: مَسَاكِينَالمساكين جمع مسكين والمراد به الفقير، ويقال: فقير، والمراد به المسكين؛ وذلك أن الفقير والمسكين من الكلمات التي إذا اجتمعت تفارقت، وإذا تفارقت اجتمعت؛ أي أنه إذا ذكر أحدها شمل الآخر، وإن اجتمعا فُسِّر كل واحد منها بمعنى، فمثلًا هنا المسكين هو الفقير، وفي قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] المساكين غير الفقراء.
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَولم يبين الله عز وجل أنه -أي الطعام- مماثل للصيد؛ وذلك لتعذر المماثلة؛ لأن الطعام إما بر أو شعير أو تمر أو ما أشبه ذلك، فلا يمكن أن يماثل الحمامة أو النعامة أو الظبي أو ما أشبه ذلك بخلاف ما إذا كان من النعم فإنه يمكن أن يماثله.
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَولم يبين الله عز وجل مقدار هذا الطعام، وسيأتي إن شاء الله بيانه في الفوائد.
أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًاعَدْلُأي: معادل.
ذَلِكَإشارة، والإشارة تكون إلى أقرب مذكور، ما أقرب مذكور؟ الطعام، فيكون المعنى أو عدل الطعام صيامًا.
لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِلِيَذُوقَاللام هنا للتعليل، و(يذوق) فعل مضارع فاعله مستتر جوازًا تقديره (هو)؛ لأنه يعود على مَنْفي قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ.
وَمَنْاسم موصول لفظه مفرد، ومعناه صالح للمفرد والجمع، ويبين ذلك الضمير الذي يرجع إليه، وعليه، فنقول: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْواحد أو جماعة؟ واحد.
لِيَذُوقَأي: القاتل وَبَالَ أَمْرِهِأي: عاقبته، عاقبة أمره الثقيلة؛ لأن الوبال أصله الشيء الثقيل، والمراد به هنا العاقبة الثقيلة؛ لأن من المعلوم أن الإنسان إذا ألزم بهذا الجزاء مثل ما قتل من النَّعَم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا فإن ذلك يشق عليه حسب حاله.
وقوله: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِأي: وبال شأنه وحاله.
عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَالحمد لله، عَفَا اللَّهُأي: تجاوز ومحا عَمَّا سَلَفَيعني: من قتلِكم الصيد، لماذا؟
لأنه كان قبل التحريم فلا يُؤاخَذ به العبد، وهذا نظير قول الله تبارك وتعالى فيمن ماتوا قبل تغيير القبلة وكانوا يُصَلُّون إلى بيت المقدس، فقال الله تعالى في حقهم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣].
وَمَنْ عَادَأي: من عاد بعد أن تبين له الحكم فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُأي: فإن الله ينتقم منه، والانتقام الأخذ بالعقوبة.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍأي: ذو عزة، والعزة هي القهر والغلبة والانتقام هو أخذ الجاني بما فعل.
وذُوفي قوله: ذُو انْتِقَامٍخبر ثان للفظ الجلالة، والخبر الأول: عزيز.
في هذه الآية فوائد كثيرة في الحقيقة؛ منها: تحريم قتل الصيد على الإحرام أو في الحرم؛ لقوله: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ.
ومنها: أن قتله مناف لكمال الإيمان؛ وجه ذلك أن الله تعالى وجه الخطاب بهذا النهي إلى المؤمنين.
ومنها: أن امتثال ذلك -أي اجتناب قتل الصيد- من مقتضيات الإيمان.
ومنها: أن تركه -أي ترك قتل الصيد- يزيد في الإيمان؛ لأنه إذا كان قتله ينقص الإيمان فترك قتله يزيد فيه، وهنا نقول: مَنْ ترك المعصية، هل يثاب عليها ويزداد بها إيمانه؟
والجواب: لا بد من تفصيل على النحو التالي؛ الأول: أن يتركها لله عز وجل بعد أن هَمَّ بها، أو زُيِّنَت له بوساوس شياطين الإنس أو الجن، تركها لله فهذا يثاب عليها؛ لأنه تركها لله عز وجل، وإخلاصه لله بتركها طاعة يثاب عليها.
القسم الثاني: أن يتركها رغبة عنها لا لله ولا لعجزه عنها، فهذا لا له ولا عليه، كإنسان همَّ بمعصية وتأهَّب لها ولكنه تركها، تَنَازَل، لماذا؟ قال: والله طابت نفسي، ما أردت، فهذا لا له ولا عليه، لا له لأنه لم يحدث إخلاصًا، ولا عليه لأنه لم يفعلها.
الثالث: من أراد المعصية وسعى لها سعيها لكنه عجز عنها، فهذا يُكْتَب له وِزْر فاعلها، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لَأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» هذه أقسام ترك المحرم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما صاده المحرم ميتة لا يحل أكله لا له ولا لغيره، سواء قتله بالسهم أو أمسكه وذبحه فإنه ميتة؛ وجه الدلالة أن الله عبر عن صيده بقتله، ومعلوم أن القتل ليس ذكاة، فيدل هذا على أن ما قتله المحرم من الصيود، فهو ميتة، هذا ما قتله المحرم.
طيب، ما صاده المحِلُّ فهل يحرم على المحرم؟
الجواب الصحيح: أن في هذا تفصيلًا، وأنه إن صاده للمحرم فهو حرام على المحرم، وإن صاده لنفسه أو لغيره من غير المحرمين فهو حلال للمحرم، وعلى هذا تدل الأدلة، ففي حديث أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان في غزوة الحديبية -كان غير محرم- فرأى حمارًا وحشيًّا، فطلب من أصحابه أن يناولوه الرمح، فأَبَوْا عليه، ثم صاد الحمار، وجاء به إليهم، فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم لهم مع أنهم محرمون، لكنه لم يَصِدْه لهم، إنما صاده لنفسه، ويهدي إلى من شاء.
وهذا ظاهر أنه لم يُرِدْه لهم؛ لأنهم لما طلب منهم الرمح أَبَوْا عليه، ومقتضى الطبيعة أن مثل هذه القضية لا يمكن أن يريده لهم وهم الذين منعوا أن يساعدوه.
أما الثاني وهو إذا صِيدَ الصيد للمحرم؛ فحديث الصعب بن جَثَّامة رضي الله عنه نزل به النبي صلى الله عليه وسلم ضيفًا، وكان رجلًا راميًا وسبَّاقًا، فأخذ الرمح وذهب يصيد، فجاء بحمار وحشي، فرده النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال له: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» يعني: مُحْرِمُون.
الأول حديث أبي قتادة أحله النبي صلى الله عليه وسلم لهم، والثاني امتنع منه؛ لأن الصعب إنما صاده لأجل النبي صلى الله عليه وسلم إكرامًا له؛ لأنه ضيفه.
ويؤيد هذا التفصيل حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ -يعنى المحرمين- مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» .
طيب، ما صِيدَ للمحرم حرام عليه، هل يَحْرُم على غيره من المحرمين أو المحلين؟
لا؛ لأن الذي صاده حلال، وصيد الحلال حلال، فلو صاد الإنسان صيدًا، ولنقل: صاد غزالًا وهو مُحِلٌّ يريد أن يُهْدِي لآخر محرم فهي حرام على المحرم، لكن فيه أناس محرمون آخرون تحل لهم أو لا؟ تحل لهم، وتحل للمحلين من باب أولى.
إذن نأخذ أن اصطياد المحرم حرام يعني أن ما صاده المحرم فهو حرام، من أين؟ من قوله: وَمَنْ قَتَلَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء إنما يلزم المتعمد؛ لقوله: مُتَعَمِّدًا، فلو أخطأ بأن رمى شجرة وإذا فوقها صيد فأصابه، فوقع الصيد فهل عليه جزاء أو لا؟ ليس عليه جزاء، لماذا؟ لأنه ليس متعمدًا وإذا لم يكن متعمدًا فإن مفهوم الآية الكريمة أنه لا جزاء عليه.
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌلو كان ناسيًا أنه محرم أو ناسيًا أنَّ قتل الصيد حرام، فقَتَلَ الصيد فهل عليه جزاء؟ لا ليس عليه جزاء؛ لأنه ناسٍ، وقد قيَّد الله ذلك بقوله: مُتَعَمِّدًا، ويدل لهذا عمومات الأدلة الدالة على أن الجاهل والناسي ليس عليهما إثم ولا فدية ولا كفارة في قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] فقال الله: قد فعلت، وكقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٥]، وهذه القاعدة أنه لا مؤاخذة مع الجهل والنسيان، وكذلك الإكراه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز أن نخرج منها أي شيء إلا بدليل، وهذا الذي قررناه هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العامة والخاصة.
وقال بعض أهل العلم: إن المخطئ والناسي يرتفع عنه الإثم ولكن عليه الجزاء، وعلَّلوا ذلك بتعليل عليل أولًا: بقضاء بعض الصحابة رضي الله عنهم في النعامة بدنة، وفي الحمامة شاة وما أشبه ذلك ولم يستفصل، هذه واحدة.
ثانيًا: أن ما سبيله الإتلاف يستوي فيه العلم والذكر وضدهما، بدليل أن الإنسان لو أتلف مالًا لشخص يظنه مال نفسه فهل عليه ضمانه أو لا؟ عليه ضمان لا شك، وكذلك لو أتلفه ناسيًا فعليه ضمان لا إشكال في هذا، ولكن هذا التعليل عليل، أما الأول وهو قضاء بعض الصحابة رضي الله عنهم ولم يستفصل فالصحابة، إنما بينوا الواجب يعني الواجب في قتل الصيد بقطع النظر هل على هذا القاتل جزاء أم لا؛ لأن هذا يحتاج إلى تحرير وإلى سؤال ومناقشة هل هو عالم أو جاهل، ذاكر أو ناس، وحينئذ لا دليل فيما أطلقه الصحابة لأنهم إنما يريدون بيان الواجب فقط.
وأما الثاني وهو أن الإتلاف يستوي فيه العمد والسهو والجهل فهذا حق، لكنه في حق الآدمي الذي حقه مبني على المُشاحَّة ولئلا يتلاعب الناس بالحقوق.
لو قلنا: إن مَنْ أتلف مال شخصٍ جاهلًا ليس عليه ضمان، لتلاعب الناس بعضهم ببعض وصار يتلف مال هذا ويحرق مال هذا، ويقول: أنا ما دريت، ما علمت، وحصل في هذا ضرر عظيم، فصار تضمين من أتلف مال آدمي جاهلًا أو ناسيًا؛ لأن حق الآدميِّ مبني على المُشاحَّة، هذه واحدة، ولأننا لو لم نضمنه لكان في ذلك فتح لأكل أموال الناس بالباطل ونهب الناس بعضهم أموال بعض.
أما حق الله عز وجل فهو مبنيٌّ على أيش؟ على المسامحة والمياسرة، والدين يسر، فافترقا، إذن الصواب أيش؟ أن مَنْ قتل صيدًا جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فليس عليه جزاء، أما الصيد نفسه فهو قتل مَيْتَة لا يؤكل، لكن الكلام على الجزاء.
من فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الإحرام، وتعظيم الحَرَم؛ أما تعظيم الإحرام فإن منع المحرم من الصيد يعني احترام النسك، وعدم اللهو وعدم الترف؛ لأنه لو أبيح للمحرم أن يصطاد لتلهَّى عن النسك؛ ولهذا قال الله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] كل هذا لأجل أن يتفرغ الإنسان قلبًا وقالبًا لما هو مُتَلَبِّس به من النسك.
وأما حرم مكة فظاهر أيضًا أن في الآية دليلًا على تعظيمه وحرمته؛ لأن الحرم آمن كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧]، وقال عز وجل: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: ٣] هذا البلد آمن في الآدميين وفي الحيوان وفي الأشجار؛ ولذلك يَحْرُم صيده ويحرم قطع شجره إلا الميِّت ويحرم القتال فيه كما قال عز وجل: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩١]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن عام فتح مكة أنه لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، وأجاب عليه الصلاة والسلام عن كونه استحلها بأنها إنما أحلت له ساعة من نهار؛ لأن إحلالها يتضمن مصلحة كبرى أعظم من انتهاك حرمتها في تلك الساعة، ولأنه يؤدي إلى احترامها؛ لأن هناك فرقًا بَيْنَ أن تكون بلاد كفر أو بلاد إسلام ولا طريق في كونها بلاد إسلام في ذلك الوقت إلا بالقتال، فالقتال أُحِلَّ للضرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»، وقال: «إِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» جواب سديد، ولله تبارك وتعالى أن يأذن لمن شاء من خلقه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب في قتل الصيد -يعني بالجزاء- واحد من أمور ثلاثة، إما المثل، وإما إطعام مساكين، وإما صيام يعادل ذلك، على التخيير أو على الترتيب؟ على التخيير، كلما وجدت (أو) في القرآن فهي على التخيير، كقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]، وكقوله تعالى في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩].
في هذه الآية: جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، فهو للتخيير فيُخَيَّر الإنسان الذي قَتَل الصيد بين أن يهدي مثله إلى الحرم، وسيأتي كيف يعرف المثل هذه واحدة.
أو إطعام مساكين، كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَولم يذكر الله تبارك وتعالى مقدار هذا الطعام، فهل نقول: كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَإنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةٌ وإنه لو أطعم ثلاثة مساكين كفى؟ أو نقول: ما دامت المسألة معادلة فلا بد أن يكون هذا الطعام معادلًا إما للصيد لنفسه وإما لمثل الصيد؟
الاحتمال الأول وهو أن يكون طعام ثلاثة مساكين هذا غير صحيح، بقي عندنا أن يُعادَل بالصيد أو بمثل الصيد، هذا اختلف فيه العلماء فقيل: إنه يُقَوَّم الصيد بما يساوي من طعام، ثم يُطعَم هذا الطعام للمساكين، وقيل: إنه يُقَوَّم المثل ويُشْتَرى بقيمته طعام يطعم المساكين، أيهما أحظ للفقراء؟
يختلف، أحيانًا تُقَوّم المثل يكون المثل أغلى، وأحيانًا يكون الصيد أغلى، أليس كذلك النعامة مثلًا كم تساوي؟ أحيانًا ترتفع قيمتها حتى تكون أكثر من قيمة البدنة عشر مرات، وأحيانًا تكون رخيصة وقيمة البدنة أكثر منها.
فالعلماء رحمهم الله منهم من جنح إلى أن الذي يُقَوَّم الصيد، ومنهم من قال: بل الذي يقوم المثل، ولو ذهب ذاهب وقال: إنه ينظر الأحظ للمساكين؛ فإن كان الأحظ تقويم المثل قومناه وإن كان الأحظ تقويم الصيد قومناه، لو ذهب ذاهب هذا المذهب لكان مذهبًا جيدًا، وله نظير: عروض التجارة في الزكاة تُقَوَّم بالدراهم أو بالدنانير؟ بالأحظ للفقراء، إن كان الأحظ أن تُقَوَّم بالدنانير قَوَّمْناها بالدنانير، إن كان الأحظ أن تُقَوَّم بالدراهم قوَّمناها بالدراهم.
فلو قيل في هذه المسألة: إنه يُنْظَر إلى الأحظ للمساكين؛ لأن الطعام طعامهم، فما كان أحظ عُمِلَ به لكان له وجه، لكن هذا الوجه يقابله وجه آخر وهو أن الأصل براءة الذمة فلا نُكَلِّف القاتل أكثر مما يجب عليه، وعلى هذا التقدير ينظر لأيش؟ يُنْظَر للأقل، إن كان تقويم الصيد أقل أُخِذَ به وإن كان تقويم المثل أقل أخذ به.

***

طالب: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [المائدة: ٩٦ - ٩٩].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظننا لم نكمل فوائد الآية السابقة.
طلبة: القواعد..
الشيخ: إي، قواعد التفسير، نأخذ قاعدة؛ وهي من أين نأخذ تفسير الآيات الكريمة.
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذناها، ثانيًا: النسخ، أخذناها.
ثالثا: المكي والمدني؟ المكي والمدني نسبة إلى مكة وإلى المدينة، يتبادر إلى الذهن أن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، ولكن المشهور عند أهل العلم أن المكي ما نزل قبل الهجرة وأن المدني ما نزل بعد الهجرة حتى لو كان في مكة، هذا الذي عليه الجمهور، وهو أضبط من أن نقول: المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة؛ لأن هناك قسمًا ثالثًا وهو أن بعض الآيات ينزل في السفر لا في مكة ولا في المدينة، وأيضًا انضباط هذا صعب أن نقول: هذه الآية نزلت في مكة، وهذه الآية نزلت في المدينة، ووجه صعوبته أنه ليس ترتيب القرآن الكريم على حسب النزول وإذا لم يكن على حسب النزول صعب التمييز، فما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ أن المكي ما نزل قبل الهجرة ولو نزل في المدينة أو في أي مكان.
وقوله: (ولو نزل) يعني على فرض، وإلا من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذهب إلى المدينة إلا بعد الهجرة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو نزل في مكة أو أي مكان.
ثانيا: نرى بعض الأحيان أن بعض العلماء رحمهم الله يقول: هذه السورة مكية إلا آية كذا وكذا، هذه السورة مدنية إلا آية كذا وكذا، وهذا يحتاج إلى الدليل، هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، أما مجرد أنه اشتهر فهذا لا يُقْبَل، لماذا؟ لأنه مرسل؛ إذ لا بد من سند من الراوي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يقبل، فالأصل أن جميع آيات السور المكية مكية وأن آيات السورة المدنية مدنية إلا أن يكون هناك دليل صريح فحينئذ نوافق عليها.
ثم إن الغالب في الآيات المكية التحدث عن التوحيد وعن البعث؛ لأن المقام يقتضيه، فقد نزل بين قوم ينكرون التوحيد وينكرون البعث، ولهذا تجدون في الآيات المكية أكثر ما يكون هو هذا، في الآيات المدنية أكثر ما يكون في فروع الدين والمعاملات وما أشبه هذا؛ لأن الناس قد ثبت ورسخ في قلوبهم التوحيد والإيمان بالبعث وبقيت شرائع الإسلام الأخرى فتجدون السور المدنية تتحدث عن هذا.
هناك أيضًا أمر آخر وهو أننا نجد أن قصة موسى عليه الصلاة والسلام تكررت كثيرًا في القرآن أكثر من غيرها على وجه الاختصار أحيانًا وعلى وجه البسط أحيانًا؛ وذلك لأن الرسول علية الصلاة والسلام علم الله عز وجل أنه سوف يرتحل إلى المدينة، والمدينة فيها أناس من اليهود، واليهود أهل كبر وغطرسة فكان من الحكمة أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم عن قصة موسى جملة وتفصيلًا بسطًا واختصارًا حتى يكون على أُهْبَة الاستعداد لما سيواجَه من هؤلاء اليهود، وحتى يكون ما ذكر في القرآن الكريم مطابقًا تمامًا لما جاء في صحيح التوراة فيشهد علماء بني إسرائيل على أن القرآن حق كما قال عز وجل أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧].
أيضًا جميع الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم كلهم من الجزيرة وما حولها؛ لأن هذا هو الذي يعرفه العرب ويتداولونه بينهم، أما ما في أمريكا وما في أقصى آسيا وما أشبه ذلك فإنه لم يأت عنهم ذكر على وجه التفصيل لكننا نعلم أن الله قد بعث إليهم رسولًا كما قال عز وجل وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] لكن الله لم يقصه علينا؛ لأنه قص علينا ما كان الناس يعرفونه ويتداولونه حتى يميز الصحيح من غير الصحيح، وحتى تكون الأخبار المتداولة مُؤَيِّدَة لما في القرآن، والقرآن مؤيد لها.
أيضًا بالنسبة لما يهمنا من العلم بالمكي والمدني هو أن نعرف أن البلاغة تقتضي مخاطبة الناس بما تقتضيه أحوالهم؛ ففي المكي نجد أن الآيات شديدة قوية؛ لأنها تصادم أناسًا أشداء أقوياء بلغاء فصحاء، ونجد أن الآيات المدنية في غالبها سهلة لينة؛ لأنها تخاطب أناسًا قد رسخ في قلوبهم الإيمان ولا يحتاجون إلى شدة، وهذا ظاهر، اقرأ سورة القمر تجد كيف كانت آياتها عظيمة تزلزل القلب في الواقع لمن تأملها جيدًا؛ لأنها تتحدث بين قوم عتاة مستكبرين فكانت الآيات مناسبة تمامًا لمقتضى الحال، وهذا هو غاية البلاغة.
أما هل تُنْسَخ الآيات المكية بالآيات المدنية؟ فهذا نعم، قد تنسخ؛ لأن كونها مدنية وقد قررنا أن المدني ما نزل بعد الهجرة، إذا كان فيه حكم مخالف لما في الآيات المكية ولم يمكن الجمع قلنا: إن السور المدنية ناسخة للسور المكية، والله أعلم.
من فوائد الآية الكريمة: وجوب المماثلة في جزاء الصيد، لكن بماذا تكون المماثلة؟ هل هو في الحجم أو في الشبه أو بماذا؟ المماثلة تكون بالشبه، ولكن لا تلزم المطابقة، حتى إن العلماء قالوا رحمهم الله، بل الصحابة قالوا: إن الحمامة فيها شاة، بماذا تشبه الشاة كيف تكون مثالًا لها، الحمامة تطير والشاة لا تطير، الشاة تختلف عن الحمامة بأنها ذات أربع أرجل وهذه ذات رجلين، المهم وجه المماثلة أنها تشبه الحمامة في الشرب شرب الماء، الحمامة تَعُبُّ الماء، والشاة تعب الماء، يعني ما هي بتشرب شوي شوي، الآن نجد أن الدجاجة مثلًا هل هي تَعُبُّ الماء تصوروها، يعني أيش تعمل؟
طلبة: (...).
الشيخ: يعني جرعة جرعة، ما تَعُبُّ الماء، فالمماثلة تجدونها أحيانًا في شيء يسير.
فإن قال قائل: قوله يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْهل هذا يختلف باختلاف الزمان بمعنى أن نجعل في كل سنة حكامًا يحكمون بالمثل أم ماذا؟
نقول: إن العلماء رحمهم الله قالوا: ما حكمت به الصحابة فإنه لا يُغَيَّر، ومن باب أولى ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُغَيَّر؛ لأن الصحابة أقرب إلى فهم القرآن الكريم من غيرهم؛ ولأنهم يعيشون في الجزيرة ويعرفون المشابهة فقولهم أحق بالاتباع من غيرهم؛ وعلى هذا فما قضت به الصحابة لا يُغَيَّر حتى لو جاء متحذلق وقال: هذا الجزاء ليس مثل الصيد فإننا لا نقبله، مهما بلغ في الطب، ومهما بلغ في الخبرة، وما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام من باب أولى فإنه عليه الصلاة والسلام جعل في الضَّبُع شاة ، الضبع جعل فيه شاة وعليه فتكون الشاة مماثلة للضبع، ويستدل بهذا الحديث على أن الضبع حلال وأنها من الصيد، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله أن على حل الضبع.
وأما ما لم تحكم به الصحابة، فهل يُرَدُّ إلى أقرب شيء حكمت به الصحابة؟ ونقول مثلًا: إذا كان هذا الصيد الذي لم تحكم به الصحابة مماثلًا للصيد الذي حكمت به الصحابة أو مقاربًا له جعلنا فيه ما حَكَمَت به الصحابة أو نستأنف حكمًا جديدًا؟
الصواب: الأول؛ لأن ما يشبه ما قضت به الصحابة يكون مقيسًا عليه، والقياس أولى من حكم متجدد؛ لأنه قد يتجدد حكم يخالف تمامًا ما قضت به الصحابة، أما ما لم يشبه ما قضت به الصحابة فإنه يُرْجَع فيه إلى قول شاهدين حَكَمَيْن يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ.
ماذا يستلزم الحكم؟ يستلزم الخبرة بأن يكون هؤلاء الحكمان ممن لهم خبرة بمعرفة الصيود وما يقاربها أو يشابهها من النعم.
والثاني: الأمانة؛ أن يكون عندهم أمانة بحيث لا يحكمون لشخص بهذا المثل ولشخص آخر بخلافه، لا بد أن يكونوا أمناء خبراء؛ وذلك بناء على القاعدة المعروفة التي دل عليها قول الله تعالى إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦] القوي يعني ذو الخبرة، أو القوي علي العمل، وقوة كل شيء بحسبه، وقال الجِنِّي لسليمان -عفريت من الجن- قال له: أَنَا آتِيكَ بِهِأي: بعرش ملكة سبأ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]، فهذان الركنان في كل عمل القوة والأمانة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العدالة في الحَكَمَيْن بقوله ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، والأمانة التي ذكرناها هي جزء من العدالة.
فإن قال قائل: وهل يصح أن يكون القاتل أحد الحكمين؛ مثل أن يكون هذا القاتل عنده خبرة وعنده علم، وقال: أرى أن هذا الصيد يماثل هذا النوع من النَّعَم، فهل يُقْبَل قولُه مع واحد آخر؟
فيه خلاف، ولا بد من توبته، أما إذ لم يتب فمن المعلوم أنه ليس من ذوي العدالة فلا يُقْبَل، لكن إذا علمنا أن الرجل نَدِمَ وتأسَّف وتاب إلى الله وقال: أنا عندي معرفة، فمن العلماء من قال: يُقْبَل قولُه، ومنهم من قال: لا يُقْبَل قولُه؛ لأنه مُتَّهَم فهو في الحقيقة يحكم لمن؟ يحكم لنفسه فلا يُقْبَل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جزاء الصيد لا بد أن يصل إلى الحرم؛ لقوله هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] فلو قُدِّرَ أن إنسانًا أحرم من ذي الحليفة وقتل صيدًا في بدر، فإنه يجب عليه أن يجزي هذا الصيد في أي مكان؟! في مكة ولا بد، بخلاف غيره من المحظورات فإن غيره من المحظورات -غير جزاء الصيد- يكون في المكان الذي حصل فيه فعل المحظور؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كعب بن عُجْرة أن يَفْدِي عن حَلْقِ رأسه في مكانه، ليس في مكة وعلى هذا فيقال: جميع محظورات الإحرام يجوز أن يَفْدِي عنها في مكانها إلا الصيد فإنه يجب أن يكون في مكة، ولو كان قتله خارج الحرم.
فإن قال قائل: وهل يجوز أن ننقل فدية غير جزاء الصيد إلى مكة؟
قال العلماء رحمهم الله: إنه يجوز أن يُنْقَل إلى مكة؛ لأن هذه الفدية إنما وجبت لشيء يتعلق بالإحرام، ومنتهى الإحرام مكة، فيجوز أن نُؤَخِّر الفدية إلى الوصول إلى مكة، وليس كالزكاة تُفَرَّق في مكانها، ثم إن الغالب أن إيصاله إلى مكة أشقُّ على الإنسان مما لو فداه في مكانه، وهذا صحيح؛ يعني معناه من وجبت عليه فدية محظور فله أن يفديها في مكانه، وله أن يَنقُلها إلى مكة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للإنسان أن يعدل عن جزاء الصيد من النَّعَم إلى الكفارة بإطعام المساكين؛ لقوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَعلى التخيير أو على الترتيب؟
طلبة: على التخيير.
الشيخ: على التخيير؛ لأن (أو) كلما جاءت في القرآن في الأحكام الشرعية فهي للتخيير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المساكين لا يُحْصَرون بعدد معين، بل له أن يطعم أجزاء، كل ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أطلق كفارة مساكين وأقلهم ثلاث.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن ينتقل في جزاء الصيد عن المِثْل وعن الإطعام إلى الصيام؛ لقوله: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، ولكن كيف المعادلة؟
قيل: المعادلة أن يصوم عن كل نصف صاع يومًا، واستدل هؤلاء العلماء بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل نصف الصاع يعادل كم؟ نَذْكُر فدية الأذى؛ قال لكعب بن عجرة: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ، ثلاثة أيام بدل، كم من (...)؟
طلبة: (...).
الشيخ: إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وقال بعض أهل العلم: بل يُقَدَّر الطعام ثم يوزع على كل مسكين مُدٌّ، إذا كان الطعام كثيرًا لزم أن تكون أيام الصيام كثيرة، إذا قدَّرْنا مثلًا أن الطعام قُدِّر بخمسين صاعًا وقلنا: المسكين يُطْعَم بمُدٍّ، كم؟ مئتين يوم.
لكن بعض أهل العلم قال: إنه لا يتجاوز بالصيام ستين يومًا؛ لأن أعلى ما ورد في الكفارة بالصيام كم؟ شهران، و هي ستون يومًا، أما أن نلزمه بأن يصوم ستة أشهر، أو ما أشبه ذلك فهذا يحتاج إلى دليل، فنقول: إننا نُقَدِّر الصيام، ولكننا لا نتجاوز أكثر الكفارات وهي ستون يومًا، والمسألة لم تنضج عندي كثيرًا.
من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التعزير بالمال؛ لأن هذا القاتل أُلْزِم بهذه الفدية ليذوق وَبَالَ أمرِه، فهو نوع من التعزير.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال: إنه لا تعزير في المال إلا ما جاءت به الشريعة فقط ولا يتجاوز؛ فالغالُّ مثلا يُحَرَّق رحلُه كله إلا السلاح -الغال من الغنيمة- وكاتم الضالة تُضاعَف عليه العقوبة.
فما ورد به النص أخذنا به وما لم يرد به النص فإننا لا نعزر بالمال؛ لأن المال إذا عَزَّرْنا به فقد أخذنا أموال الناس بغير حق، وأموال الناس محترمة، ولكن الصواب المقطوع به بلا شك أنه يجوز التعزير بالمال.
فإننا نقول: ألستم تجيزون أن يُعَزَّر بالضرب؟ فالجواب: بلى، الضرب محرم ولَّا غير محرم في الأصل؟ محرم، فليس التعزير بالمال أشد من التعزير بالضرب، قد تكون إهانة الإنسان بضربه أمام الناس أشد عليه من آلاف الريالات.
فالصواب أنه يجوز التعزير بالمال، ويجوز التعزير بالضرب، ويجوز بالحبس، ويجوز بعزله عن وظيفته، ويجوز (...) بين الناس؛ لأن المقصود هو تأديبه لكن لا يجوز التعزير بقطع عضو من أعضائه، فهذا حرام لا يجوز؛ لأن هذا -قطع العضو- لا يُستخلَف وهو جناية عن النفس واضحة.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفوِ الله عز وجل؛ لقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.
ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه، ولا كفارة ولا جزاء، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟ يمكن أو لا يمكن؟
ننظر عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ(ما سلف) فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلًا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق.