مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة: ١٠٦] يَعُم الكتابيين
وغير الكتابيين، هل يُخص هذا الحكم بشهادتهما بالوصية، أو حتى على غير الوصية لو
شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟
طالب: حتى
غير الوصية.
الشيخ: حتى غير الوصية؟ بس الواقع
وصية؟
الطالب: نأخذ بالعموم.
الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟ أرنا إياه؟
الطالب: ما خرج منه قيد، ويبني على القصة الوصية؛ يعني غير
الوصية كذلك.
الشيخ: إي، بس يأتيك الخصم، ويقول: لا
نُسَلِّم، أعطنا عمومًا من الآية.
الطالب: إي نعم،
قال: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة: ١٠٦]، وهذا
ليس فيه نص على الوصية فقط، وإن كان (...) مصيبة.
الشيخ: يعني قوله: فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِيشمل ما لو شهد بالوصية، أو شهد بإقرار الميت بدَيْن أو غير ذلك،
توافقون على هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: الدليل في قوله:
شَهَادَةُ بَيْنِكُمْشهادة مضاف (...).
الشيخ: بس نُقيد شَهَادَةُ بَيْنِكُمْاثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، والعموم
يُؤخذ من قوله: فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِيعني وأشهدتم على هذا حين الموت.
لو قال قائل: هل نُلحِق كل ضرورة بهذه
الحال؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم! كل ضرورة؟!
الطالب:
كل ضرورة.
الشيخ: يعني لو مثلًا إنسان في البلد حضره
الموت، وليس عنده إلا كُفّار، وهذا قد يقع في العمال الآن عندنا معهم عمال
كفار.
الطالب: إي نعم، نقول به يا شيخ.
الشيخ: نقول به في الضرورة؟
الطالب:
إي نعم.
الشيخ: كيف نخرج هذا؟ أو كيف نقول بهذا، والآية
فيها: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ؟
الطالب: إذا ليس بقيد.
الشيخ: بس (إن) شرطية.
الطالب: لهذا
البيان.
الشيخ: بيان أيش؟
الطالب: بيان (...).
الشيخ: يعني
الآية سيقت ببيان القصة الواقعة، فيقاس عليها من حيث المعنى كل ضرورة، توافقون على
هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
نعم، وهذا هو الصحيح، وقد عرفتم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال، أتذكرونها؟
قول:
إن هذه الآية منسوخة، وأن الكفار لا تُقبل شهادتهم مطلقًا فيما يتعلق بحقوق
المسلمين.
والقول الثاني: أنها خاصة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم،
وعلّلوا هذا؛ قالوا: لأن قبول شهادة الكافر خارج عن الأصل، الأصل أن الكافر لا
تُقبل شهادته، فإذا كان خارجًا عن الأصل وجب أن يقتصر على ما جاء به النص في القضية
الواقعة، وهؤلاء يخصصون بالسفر، وفي الوصية، وبأهل الكتاب، ثلاث مخصصات
عندهم.
القول الثالث: أنها تُقبل شهادة الكافر في كل ضرورة، وهذا أقرب إلى قواعد
الشريعة، ولكن ذكر الله عز وجل أنه في حال الارتياب يحبسون من بعد الصلاة كما في
الآية.
لدينا آيتان بينهما عموم وخصوص من وجه، فأيهما نقدم؟
طالب: يحمل أما الخاص اللذان تقابلا فيه إما يرجع
(...).
الشيخ: هذا ما فيه إشكال.
الطالب: وأما العامل الخاص (...) يحمل عليهما.
الشيخ: التعارض، إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني يُطلب
مُرجِّح، فإن لم يوجد؟ مَثِّل؟
الطالب: ما يحتاج
لمثال.
الشيخ: مَثِّل لما فيه الترجيح؟
الطالب: مثلًا قوله تعالى في سورة النساء: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤] فإنه
يتعارض مع قوله تعالى..
طالب آخر: قوله تبارك وتعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤].
وقوله تبارك وتعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤]، هاتان الآيتان بينهما
خصوص وعموم من وجه.
الشيخ: فَسِّر، يعني بَيِّن
ذلك؟
الطالب: تعتد بأطول الأجلين.
الشيخ: كيف؟! ما أريد الحكم الآن، لكن كيف التعارض؟
الطالب: في الآية الأولى بين الله عز وجل أنها تعتد بأربعة أشهر
وعشرة أيام.
الشيخ: سواء كانت حاملًا.
الطالب: أو غير حامل.
الشيخ:
طيب.
الطالب: وفي الآية الثانية عند الحمل تعتد بوضع
الحمل.
الشيخ: سواء متوفى عنها أو لا. كيف الجمع، إذا
وجدنا امرأة حامل توفي عنها زوجها، فبماذا تعتد؟
الطالب: بأطول الأجلين.
الشيخ: بأطول
الأجلين نعم.
طالب: تعتد الحامل بحديث..
الشيخ: بوضع الحمل، بناءً على القاعدة الآن، هل تعتد بأطول
الأجلين؟
إي نعم، بناءً على القاعدة تعتد بأطول الأجلين، مثلًا إذا وضعت لشهرين،
نقول: كمِّلي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن وضعت لست شهور نقول: انتظري حتى تضعي.
وبهذا نعمل بالآيتين، لكن السنة دلت على أن الحامل عدتها وضع الحمل، ولو أقل من
أربعة أشهر وعشرة أيام، ما هي السنة الواردة في هذا؟
طالب: الحديث عن سبيعة الأسلمية، أن (...) دخل عليها.
الشيخ: أبو السنابل.
الطالب:
(...).
الشيخ: فقال لها: إنكِ لست بناكح،
حتى..
الطالب: حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. قالت:
فلما قال لي ذلك: جمعت عليَّ ثيابي، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألته.
الشيخ: فأخبرته بما قال لها أبو السنابل، نعم، فقال
لها؟
الطالب: أنها حلّت للأزواج.
الشيخ: أخبرها أنها حلت للأزواج حين وضعت، فدل هذا على أن عموم
وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِمقدّم على عموم وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
من
القواعد إذا جاء لفظ عام، ثم فُرّع عليه من يقتضي التخصيص، هل يؤخذ بالعموم أو
بالتخصيص؟
طالب: (...).
الشيخ: مثاله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨] كلمة الْمُطَلَّقَاتُإذا نظرنا لعمومها
صارت تشمل أيش؟ الرجعيات وغير الرجعيات؛ يعني مَن طلقت سواء كان طلاقها بائنًا أم
رجعيًّا. وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّيقتضي أيش؟
يقتضي أن هذا خاص بالرجعيات، فهل نقول: إن العموم هنا لما فُرّع عليه
حكم يختص ببعض أفراده يُحمل على الخاص أو لا؟
نعم، هذه أيضًا مما اختلف فيها
العلماء، فمنهم من يقول: إن المطلقة البائن التي لا رجعة لزوجها عليها تعتد بحيضة
واحدة؛ لأنه لا فائدة من إطالة المدة عليها، الرجعية فيه فائدة من إطالة المدة؛ وهو
أن الزوج ربما يرجع، لكن هذه لا فائدة، وإذا لم يكن فائدة فليُفسح لها المجال،
ويقال: انقضت عدتها بحيضة واحدة، وتحل للأزواج.
ومنهم من قال: نأخذ بالعموم،
والتفريع على بعض أفراده كذكر بعض أفراد العموم بحكم يطابق العموم فإنه لا يقتضي
التخصيص، وهذا رأي الجمهور، والأول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن
المطلقة التي يلزمها ثلاثة قروء، إنما هي المطلقة الرجعية.
ونظير هذا في السنة:
قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ
وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ . إذا نظرنا إلى
عموم صدر الحديث قلنا: الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، وإذا نظرنا إلى التفريع
قلنا: لا شفعة إلا في الأرَضين التي تقع فيها الحدود، وتُصرّف فيها الطرق، وهذا
أيضًا مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الشفعة لا تثبت إلا في الأراضي،
وأنه لو كان سيارة بين شخصين فباع أحدهما نصيبه على ثالث فليس لشريكه أن يأخذ
بالشفعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِذَا وَقَعَتِ
الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» والسيارة ما فيها حدود ولا طرق.
ومنهم
من قال: يؤخذ بالعموم، وتثبت الشفعة في كل ما لم يقسم من أراضي ومنقولات وغيرها،
ويقول: فإذا وقعت الحدود تفريع على بعض أفراد العام، ولا يخالف العموم فلا يقتضي
التخصيص، وهذا أيضًا فيه خلاف، ولكن قد وردت الأحاديث تدل على العموم، وأن الشفعة
واجبة حتى في غير الأراضي؛ يعني حتى لو كانت بين رجلين سيارة وباع أحدهما نصيبه على
آخر فإنه لا شفعة لشريكه؛ لأن العلة التي من أجلها أُثبتت الشفعة للشريك موجودة في
الأراضي وغير الأراضي، بل ربما تكون في غير الأراضي أشد نزاعًا، فإنه قد يحدث من
الشريك الجديد من النزاع والخصوم مع الشريك الأول ما يُنكد عليه الحياة.
إذا
ورد عن السلف أقوال في تفسير الآية والأقوال تحتمل، فهل نقول: إن هذا الاختلاف
يعتبر اختلافًا حقيقيًّا أو هو اختلاف تنوُّع؟
فيه تفصيل؛ بعضه اختلاف تنوّع،
وبعضه اختلاف تضاد؛ فإذا كان اختلاف تضاد وجب أن نفرض المرجِّح بين القولين، وإذا
كان اختلاف تنوع فلا اختلاف في الواقع، مثاله قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: ٣٢] بعضهم قال: الظالم لنفسه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، وبعضهم قال:
الظالم لنفسه الذي لا يزكِّي، هذا واحد.
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌقالوا: المقتصد الذي يؤدي الزكاة، ولا يؤدي الصدقة، والذي يأتي
بالصلاة في وقتها، لكن لا يحرص على إقامتها.
والسابق بالخيرات: هو الذي يؤدي
الزكاة والصدقة، ويحرص على إقامة الصلاة على ما ينبغي، هل هذا الاختلاف يعتبر
اختلافًا حقيقيًّا بحيث نقول: في تفسير الآية قولان؟
لا؛ لأن هذا الاختلاف
اختلاف تنوع؛ أي: أن كل واحد منهم ذكر نوعًا مما يدخل في الآية، وهذه قد يعدها بعض
الناس اختلافًا، وليس كذلك، هذا يسمونه اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وعليه فلا
يجوز أن نقول: إن السلف اختلفوا في معنى هذه الآية؛ لأن الكل اتفقوا على أنه الظالم
مَن فرط في واجب، والمقتصد مَن قام بالواجب، والسابق بالخيرات مَن زاد عن الواجب،
متفقين على هذا، لكن كل واحد منهم مثّل بمثال.
نريد آية فيها تخصيص متصل بغير
الاستثناء؟ الاستثناء كثير: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواإلى آخره [العصر: ٢، ٣] كثير.
طالب: قوله: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء: ٢٥].
الشيخ: إي، فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِيعني هذا خُصّص بالوصف.
ومثله قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧] فلما ذكر العموم أولًا قيد بقوله: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًافهل نأخذ بالعموم أو
بالقيد؟
نأخذ بالقيد بلا شك؛ لأن القيد يخصص الْمُقَيَّد، وعلى هذا فلا يجب الحج
إلا على مَن؟ مَن استطاع.
فلو قال قائل: جميع العبادات مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله
تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، فما الحكمة من كونه يذكر هذا الشرط في الحج، ولم يذكره في الصلاة مثلًا ما
قال: أقيموا الصلاة إن استطعتم؟
الجواب سهل؛ لأن المشقة في الحج أظهر وأبين من
المشقة في غيره؛ فلهذا نص على هذا الشرط، فالصيام لما كان فيه نوع من المشقة قال
فيه عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، وأما ما لا مشقة فيه فتُذكر فيه الأوامر
مطلقة، ولكنها تُحمل على القاعدة العامة، وهو أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى:
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
في قوله تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧]، وفي آية أخرى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف: ٨٥]، فلماذا ذكر الأخوة في الآية الثانية دون
الأولى؟
طالب: لأنه نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها،
فلما نسبهم إلى الشجرة خلع عليهم أخوة الدين، ولما نسبهم إلى الأرض أثبت لهم أخوة
النسب.
الشيخ: هذا وجه، وجه آخر يعني يقول: إنه لما
قال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌلم يقل: أخوهم؛ لأنهم يعبدون الشجر.
وبعضهم قال:
إن هؤلاء ليسوا من قومه، ليسوا من قومه، فليس أخًا لهم في النسب، وأما الآية الأولى
فهو أخوهم بالنسب، وكلاهما صحيح.
ما رأيكم في طريقة التفسير؛ أننا نعرب الآيات
المشكل وغير المشكل تمرينًا للطلاب، يذكرنا بالنحو؛ لأن الحقيقة النحو ما حصل لنا
أن نوفر فيه وقتًا لدراسته إما في الألفية أو غيرها، أقول: لعل الإعراب يُعوِّض.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١٠٩، ١١٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ.
كلمة يَوْمَظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من عامل، ويُسمَّى هذا العامل مُتعلَّق، ولهذا قال ناظم القواعد:
| لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ | بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي |
يعني اسم الفاعل واسم المفعول وما أشبهها، فعلى هذا يكون يَوْمَمنصوبًا، وعامله محذوف؛ لأنه ليس بين أيدينا عامل ممكن أن نُحيل العمل عليه فنقول: العامل محذوف، والتقدير: اذكر يومًا.
وقوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَيَوْمَهنا مضافة إلى جملة فعلية مضارعية، فهي إذن منصوبة وليست مبنية؛ لأنها أُضيفت إلى فعل معرب، وهي لا تُبنى إلا إذا أضيفت إلى فعل مبني.
اللَّهُالاسم الكريم فاعل، وبعضهم يقول: لفظ الجلالة فاعل، وبعضهم يقول: (الله) فاعل، لكن الأولى أن يقال: الاسم الكريم أو لفظ الجلالة، حتى لا يقع الشيء على نفس ذات الله عز وجل بل على الاسم، وهو فاعل والرُّسُلَمفعول به فَيَقُولُمعطوفة على يَجْمَعُ؛ ولهذا صارت مرفوعة.
مَاذَا أُجِبْتُمْيحتمل أن تكون مَاذَاكلمة واحدة على أنها استفهام، ويحتمل أن تكون (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
| وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ | أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ |
فإذا قلنا: إن مَاذَا أُجِبْتُمْمَاذَاجميعًا صارت اسم استفهام، وإذا قلنا (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، صارت (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر المبتدأ. وأُجِبْتُمْمبني لما لم يُسمّ فاعله، ويقال: مبني للمفعول، ويقال: مبني للمجهول، ويقال: مبني لما لم يُسمّ فاعله، والأخير هو الأولى؛ لأنه قد يُبنى على هذه الصيغة وفاعله معروف، لكنه لم يُسمّ مثل قول الله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] لا يمكن أن تقول: خُلِقَفعل ماضٍ مبني للمجهول، لماذا؟ لأن الخالق معروف، ولهذا عبَّر ابن مالك في الألفية، بقوله: ما لم يُسمَّ فاعله، وهذا أحسن.
وقوله: قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَاهذه جواب قوله: مَاذَا أُجِبْتُمْ.
وقوله: لَا عِلْمَ لَنَاهذه لَانافية للجنس، وهي تعمل عمل (إن)، لكن اسمها يكون مبنيًّا معها إذا كان مفردًا، والمفرد في باب (لا) النافية للجنس ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، وعلى هذا فيكون (العلم) مبني على الفتح في محل نصب ولَنَاجار ومجرور خبرها.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِجملة استئنافية تبين أنهم وكلوا العلم إلى عالم عز وجل، وهو الله تبارك وتعالى، عَلَّامُ الْغُيُوبِجمع (غيب)، و(إن) تنصب الاسم وترفع الخبر والكاف اسمها، وعَلَّامُخبرها وهو مضاف إلى الْغُيُوبِ.
أما معنى الآية، وقبل أن نبدأ بمعناها هل هذا مناسب ولا غير مناسب؟
طلبة: مناسب.
الشيخ: نعم، مناسب للكبار والصغار، كذا؟ الصغار ما يحتاج مناسبة، لكن ميدانه الكبار، أظن -إن شاء الله- مناسبًا ما دام إحنا ما بنسأل فيضيع علينا الوقت، إنما نُعرب ويكون المعنى إن شاء الله جيدًا.
قال الله عز وجل: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَيعني اذكر هذا اليوم العظيم يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَوذلك في يوم القيامة، يجمعهم على أي كيفية؟ وفي أي وقت؟ هل هو في أول يوم القيامة أو في آخره أم ماذا؟
يجب علينا في مثل هذه المسائل الغيبية أن نقف حيث وقف النص؛ لأنه ليس للعقل في هذا مدخل، لا ندري أيكون أول ما يبعث الناس أو في أثناء اليوم أو في آخر اليوم، علينا أن نذكر هذا الجمع.
وقوله: الرُّسُلَجمع (رسول) فيشمل الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْيعني ماذا أجابكم الذين أرسلناكم إليهم؟ بماذا أجابوا؟ وهذا كقوله في المرسَل إليهم: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥].
وعلى هذا فيكون الله عز وجل يسأل الرسل، ويسأل المرسَل إليهم، قال الله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦]؛ سؤال الذين أُرسل إليهم أن يقال لهم: ماذا أَجبتم المرسلين؟ وسؤال المرسلين أن يقال: ماذا أُجبتم؟ وهذا السؤال هل هو للاستعلام؟
الجواب: لا؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
هل هو للتوبيخ؟ أي: توبيخ المرسَل إليهم، كقوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨، ٩]؟ الموؤودة ما لها ذنب وتُسأل بأي ذنب قُتلت، توبيخًا لمن؟ توبيخًا لقاتليها، فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْالمقصود به توبيخ المرسَل إليهم، وهذا لا شك أنه الصواب، أما الاستعلام فغير وارد.
وقولهم: لَا عِلْمَ لَنَالا شك أن الإنسان يُشكل عليه هذا النفي، وهو نفي مطلق عام؛ لأنه بلا النافية للجنس، فكيف لا يكون عند المرسلين علم؟
الجواب على هذا من وجوه:
إما أن يقال: لا علم لنا بما حدث بعدنا، كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الواردين على الحوض حين يردون فيزادون عنه فيقول: «أَصْحَابِي». فَيُقَالُ: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك . فيكون لَا عِلْمَ لَنَاأي فيما أيش؟ فيما حدث بعدنا، وهذا حق لا علم لهم، هذا وجه.
وجه آخر لَا عِلْمَ لَنَافيما في بواطن الذين أجابوا؛ لأن مِن الذين أجابوا للرسل مَن كانوا منافقين لا تعلم الرسل ما في قلوبهم، وهذا أيضًا وجه قوي، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما في قلوب الذين يُظهرون اتباعًا، قال الله عز وجل: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠] والمعرفة بلحن القول مبنية على قرينة ما هي على شيء محسوس مقطوع به، هذا وجه.
الوجه الثالث: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاوأنت تعلم ماذا أُجِبنا؛ لأنك علام الغيوب، وهذا وإن كان له وجه لكنه ليس بذاك القوي، فأحسن ما يقال: إنه لا علم لنا بما حدث بعدنا، أو لا علم لنا فيما في بواطن الأمور.
فيه احتمال رابع أنهم قالوا: لا علم لنا تأدبًا مع الله عز وجل، كما يقول التلميذ لأستاذه: ليس عندي علم، تأدبًا معه وإن كان عنده علم، وكأنّ ابن جرير رحمه الله يميل إلى هذا القول؛ إلى أن معنى أنهم يقولون: لا علم لنا، تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأنهم يعلمون أن الله لم يسألهم استعلامًا؛ لأنه عالم.
وقوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِأَنْتَهنا هل نقول: إنها توكيد للكاف في إِنَّكَ؟ أو نقول: هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب؟ أو نقول: إنها مبتدأ وخبره عَلَّامُ؟
كل هذا محتمل، وأوجه الإعراب كثيرة، ولهذا يقولون: إن حُجج النحويين نَافِقَاءُ اليَرابِيع.
تعرفون اليَرابيع؟ وتعرفون النافقاء؟
النافقاء جحر اليربوع، واليربوع ذكي يحفر له جحرًا في الأرض ويمضي فيه، ثم يحفر في آخره إلى فوق، حتى إذا لم يبقَ إلا قشرة رقيقة خلاها تبقى، فإذا سَدَّ عليه أحد الباب، وإذا النافقاء يَسهل الخروج منها، فيخرج من النافقاء، فيقولون: إن النحويين كلما حجرتهم من جهة وقلت: هذا ما يصلح، أتوا بوجه آخر، ولو كان الاحتمال بعيدًا، ولذلك لا يُغلب النحوي القوي في النحو أبدًا، ما يُغلب، لم يستطيعوا.. كلما أتيت عليه بحجة أتى لك بما يُسوّغ قوله، فنقول: كلمة أَنْتَإما تكون ضمير الفصل، أو توكيدًا للكاف، أو مبتدأ.
وقوله: عَلَّامُ الْغُيُوبِهذه نسبة ومبالغة في الواقع؛ يعني أنه -سبحانه وتعالى- علام الغيوب؛ بمعنى أنه ذو علم بالغ في الغيوب، والْغُيُوبِجمع (غيب)، وهو ما يختفي على الخلق، فالله جل وعلا علام الغيوب، ما من غائبة في السماء والأرض إلّا في كتاب مبين يعلم حتى ما لم يكن كيف يكون، ليس يعلم الموجود، لكن الغائب عن الخلق، بل يعلم ما لم يكن كيف يكون عز وجل.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه يجب على الإنسان أن يتذكر هذا اليوم العظيم لينظر ماذا أجاب به الرسل وهو يوم القيامة فيه يُجمع الرسل ويُسألون.
ومنها: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسول سبحانه وتعالى بقدرته وإذنه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث إن الله سبحانه وتعالى يعتني بهم هذا الاعتناء؛ حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أُجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: فَيَقُولُ. وإثبات القول لله قد امتلأ به القرآن وامتلأت به السنة، وصار إثبات القول لله من الأمور القطعية اليقينية؛ أن الله سبحانه وتعالى يقول.
ومن فوائدها: أنه يقول بحرف وصوت، وجه الدلالة أن مقول القول هو قوله: مَاذَا أُجِبْتُمْوهذه حروف، وجه الدلالة على الصوت أنه يخاطب الرسل فلا بد أن يكون الخطاب مسموعًا لهم، وإلا لم يكن له فائدة، وهذا الذي قررناه في إثبات القول لله عز وجل، وأنه بحرف وصوت هو الذي أجمع عليه أهل السنة أئمتهم ومقلّدوهم، ومن قال سوى ذلك فهو مبتدع ضال، من قال: إن الله لا يُوصف بالقول، وإن الذي يضاف إليه من أقوال عبارة عن أصوات مخلوقة؛ خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه، فهذا القول من أبطل الأقوال، وقد أبطله شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة تسمى التسعينية من تسعين وجهًا رحمه الله، وهو جدير بالإبطال؛ لأنه متناقض وفاسد، والمشكِل أن هذا عليه كثير من الناس اليوم؛ لأنه مذهب الأشعرية السائد بين كثير من الأمة الإسلامية مع أنه باطل، ولا يمكن أن يصدقه من كان على الفطرة السليمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدُّب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله عز وجل، حيث قالوا: لَا عِلْمَ لَنَاهذا وجه.
الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم؛ وأنهم لا يعلمون الغيب.
الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: لَا عِلْمَ لَنَا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الغيب لله عز وجل؛ لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول إجماع منهم إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِيعني لا غيرك، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذّب للقرآن الكريم ولما أجمع عليه المسلمون، من قال: إنه سيحدث في يوم كذا، كذا وكذا، فهو كاذب، وهو كافر، والكهنة يخبرون عن مغيبات المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي، ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدق بكلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله علام الغيوب وحده؛ لأن الله تعالى قال في هؤلاء الذين يسترقون السمع قال: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ [الحجر: ١٨] فاستثنى الله عز وجل، قال: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ.
ثم قال عز وجل: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىنقول في إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىكما قلنا في يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَأي أن إِذْمفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر.
وقوله: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَهذا نداء ووصف أو عطف بيان، عِيسَىمنادى مبني على الضم؛ لأنه علم، وكل علم منادى وهو غير مضاف فإنه يُبنى على الضم في محل نصب، فتقول: يا زيدُ، ولا تقول: يا زيدًا، كل علم غير مضاف فإنه يبنى على الضم، وأما ابْنَ مَرْيَمَفهو وصف أو عطف بيان ونُصب؛ لأنه مضاف، ومَرْيَمَاسم أمه، ونُسب إليها؛ لأنه لا أب له؛ إذ إنه خُلق من أم بلا أب.
اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَهذه مقول القول اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ، ثم فسر ذلك قال: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، هذه إِذْمتعلقة بقوله: نعمة، ونعمة مفعول اذْكُرْ. إِذْيعني هذا متعلق بنعمة أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ. أَيَّدْتُكَيعني فاعل مستتر؛ يعني (أنا) تقديره: (أنا)، والفاعل إذا كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) كان مستترًا وجوبًا، وإذا كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا إلا في بعض المسائل مثل فعل التعجب، فإن تقدير الفاعل فيه (هو) ومع ذلك مستتر وجوبًا.
وقوله: بِرُوحِ الْقُدُسِمتعلق بـ(أَيَّد).
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًاهذا بيان للنعمة؛ فالجملة استئنافية.
وقوله: تُكَلِّمُالفاعل مستتر، تقديره: أنت، والنَّاسَمفعول به.
فِي الْمَهْدِأي: حال كونك في المهد، وكَهْلًاوحال كونك كهلًا.
وَإِذْ عَلَّمْتُكَيعني واذكر نعمتي عليك أيضًا إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَفتكون الواو حرف عطف وإِذْمعطوفة على إِذْالأولى.
وقوله: عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَهذه (علّم) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الكاف)، والثاني الكتاب، والْحِكْمَةَمعطوفة عليها، وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَمعطوفان، وَإِذْ تَخْلُقُمعطوفة على إِذْ أَيَّدْتُكَفهو من نعمة الله عليه، فهي إذن في حل نصب.
تَخْلُقُأي: أنت مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِالكاف اسم بمعنى مثل؛ أي: مثل هيئة الطير، وهو مضاف وإن كان حرفًا إلى هيئة، وهيئة مضافة إلى الطَّيْرِ، وبِإِذْنِيمتعلق بـتَخْلُقُ، فَتَنْفُخُمعطوفة على تَخْلُقُ.
فِيهَاأي: في هذه المخلوقة التي خلقتها طَيْرًاخبر تَكُونُواسمها مستتر وجوبًا أو جوازًا؟ فتكون هي؟
طلبة: جوازًا.
الشيخ: جوازا، وبِإِذْنِيمتعلقة بتكون، وتُبْرِئُمعطوفة على تَخْلُقُ}؛يعني وإذ تبرئ الأكمه والأبرص.
وتُبْرِئُفعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره: أنت، والْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَمفعول به ومعطوف عليه، وبِإِذْنِيمتعلق بـتُبْرِئُ.
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِينقول في إعرابها كما قلنا في إعراب تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ.
وَإِذْ كَفَفْتُمعطوفة على إِذْالأولى إِذْ أَيَّدْتُكَ؛ يعني واذكر نعمتي عليك إذ كففت بني إسرائيل عنك.
وبَنِي إِسْرَائِيلَمفعول كَفَفْتُ.
وعَنْكَمتعلقة بـكَفَفْتُ.
إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِمتعلقة بـكَفَفْتُأيضًا.
وبِالْبَيِّنَاتِصفة لموصوف محذوف، والتقدير: بالآيات البينات.
فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْأي من بني إسرائيل إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.
قوله: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌفي محل نصب مقول القول في (قال)، و(إن) نافية، وهَذَامبتدأ، وإِلَّاأداة حصر، وسِحْرٌخبر المبتدأ، ومُبِينٌصفته.
يقول الله عز وجل مُذكِّرًا عيسى عليه الصلاة والسلام بهذه النعم: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَوعيسى هو ابن مريم، وهو من بني إسرائيل، ومِن ذرية مَن؟ من ذرية إبراهيم، كما قال عز وجل: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَإلى آخره [الأنعام: ٨٤].
وقوله: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَمفعول (قال)، المعنى: اذكر النعمة التي أنعمت بها عليك وعلى والدتك، أما نعمته عليه فذكرها وعدَّ منها ما عد، وأما نعمته على الأم فإنه هيّأ لها، ويسّر لها المكان الذي تضع فيه حملها، وجعل عندها رطبًا جنيًّا ونهرًا على قول في معنى سَرِيًّا [مريم: ٢٤]، ومن نعمته أيضًا على أمه أنه أنطق عيسى في المهد ليبين براءة أمه مما اتهمها به اليهود الذين قالوا لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨] يعني وأنتِ كيف صِرتِ على هذه الحال؟
وقوله: إِذْ أَيَّدْتُكَأي: قويتك، وروح القدس هو جبريل عليه السلام، يؤيده في كل ما يحتاج فيه إلى تأييد تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًاهذه من نعمة الله عليه أنه كلّم الناس وهو في المهد أي: صغير يُحمل باليد، والعادة أن هذا لا يتكلم.
وَكَهْلًاأي: كبيرًا، والكهل قيل: ما بين الثلاثين إلى الخمسين، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وإنما ذكر الله تكليمه في المهد، وتكليمه في الكهل حين كهلًا ليبيّن أن كلامه حين كان في المهد ككلامه حين كان كهلًا لا يختلف، والمعروف أن الصغير لا يتكلم، وأنه لو تكلم لم يكن ككلام الكبير لا في الأداء، ولا في الترتيب، ولا في المعنى، لكن كلام عيسى حال كونه في المهد ككلامه حين كان كهلًا.
ولذلك لو قال قائل: ما الفائدة من قوله: وَكَهْلًالأن كلام الإنسان في حال الكهولة أمر معلوم؟
قلنا: ليبيّن أن كلامه حين كان كهلًا ككلامه حين كان في المهد.
وقوله: وَإِذْ عَلَّمْتُكَأي: اذكر إذ علمتك الكتاب والحكمة، الكتاب قيل: إنه الكتابة؛ لأنه ليس المراد الكتاب المنزّل بدليل قوله: وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَفيكون الكتاب بمعنى أيش؟ الكتابة.
وَالْحِكْمَةَهي العلم والفهم والعقل الراجح؛ حيث يُنزل الأشياء في منازلها؛ لأنه أحد الرسل الكرام، فالحكمة إذن العلم والفهم والرشد؛ أي: تنزيل الأشياء في منازلها.
وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَالتوراة هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، وهو فرع على التوراة؛ لأن الأصل هي التوراة، لكن الإنجيل جاء فيه بعض الأشياء التي لم تكن في التوراة كما قال عز وجل: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠].
وَإِذْ تَخْلُقُأيضًا هذه من نعم الله عليه؛ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِيعني تصنع من الطين شيئًا كهيئة الطير.
فَتَنْفُخُ فِيهَاأي: فيما صنعت من هذه الهيئة فَتَكُونُ طَيْرًاوفي قراءة: {طَائِرًا بِإِذْنِي} يعني يخلق شكل الطائر، ولنقل شكل حمامة، فينفخ فيها نفخة واحدة فتكون طيرًا؛ يعني طيرًا حيًّا، والقراءة الثانية: {طَائِرًا} أي: أنها تطير بالفعل، وهذا لا أحد يقدر عليه إلا الله عز وجل أو مَن أذن له بذلك.
وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَوَتُبْرِئُأي: تشفي الْأَكْمَهَمن مرضه، والأكمه أحسن ما قيل فيه أنه الذي وُلِد بلا بصر، إما لأن الأجفان لم تنفتح، وهذا وَقَع؛ يعني وقع مولود في زماننا هذا أكمه أجفانه منطبقة غير منفتحة، أو أن المعنى الأعشى الذي يبصر بالليل، ولا يبصر بالنهار أو بالعكس، ولكن المعنى الأول أبلغ في الآية أن يكون خُلق بلا بصر فيبرئه بإذن الله عز وجل، وأما الأبرص فمعروف.
وقوله: بِإِذْنِيكررها لبيان أن هذه الآية العظيمة لم تكن إلا بإذن الله، في آل عمران كُرّرت الإذن مرتين، لكن الذي في (آل عمران) من الذي قال ذلك، هل الله خاطب عيسى ولا عيسى خاطب قومه؟ عيسى خاطب قومه فافترقا.
وقوله: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِيإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىأي: من قبورهم فيقف على القبر ويقول: يا فلان، اخرج، فيخرج بإذن الله عز وجل.
في آية (آل عمران) يقول: أُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ٤٩] فإذا جمعت هذه إلى هذه صار عيسى عليه الصلاة والسلام يحيي الميت قبل أن يدفن، ويحييه بعد أن يدفن، تُخرج الموتى بإذن الله.
النعمة الأخيرة: إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَإِذْ كَفَفْتُأي: صددتهم عنك؛ لأنهم أرادوا قتله، وقصة الصلب مشهورة؛ فإنهم اجتمعوا على قتله، ثم انْتَدَب بعضهم لذلك، فألقى الله الشبه على واحد منهم، ورفع عيسى عليه الصلاة والسلام، هذا الذي أُلقِي عليه الشبه يصيح: لست عيسى، ولكنهم كذبوه، قالوا: أنت عيسى فقتلوه وصلبوه، فادَّعى بنو إسرائيل أنهم قتلوا عيسى وصلبوه، ولكن الله كذَّبهم، فقال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [النساء: ١٥٧]، بل هو حي باقٍ، وسينزل في آخر الزمان.
وقوله: إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِيعني حين جئتهم بالبينات أرادوا قتلك بعد أن ظهر الأمر وتبين، وأتيت بآيات بينة فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌأي: قالوا إن عيسى سَحرنا، كيف يبرئ الأكمه؟ كيف يخلق شيئًا من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرًا؟
ما هذا إلا سحر، وكذبوه، وهكذا المكذِّبون للرسل، كلهم يقولون: إن الرسل سحرة؛ لأن الرسل تأتي بآيات لا يستطيعها البشر، فيموّهون على العامة ويقولون: إنهم سحروكم، قال الله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]، وهذه الآية عامة كل الرسل قيل لهم هذا، ساحر أو مجنون.
وقوله: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌأي: بيّن واضح؛ لأن (أبان) تستعمل متعدية ولازمة، فيقال: أبان الفجر؛ أي: طلع، ويقال: أبان الأمر، أي: وضَّحه، وهي على حسب السياق فتارة تكون بمعنى (أبان)، وتارة تكون بمعنى (بان)، وهنا مأخوذة من (بان) أي هذا سحر بيِّن ظاهر.
وفي الآية فوائد تأتي -إن شاء الله- في الدرس المقبل؛ لأن الأسئلة حل وقتها.
طالب: ما إعراب إِنَّكَ أَنْتَإذا قلنا: أَنْتَمبتدأ، وعَلَّامُخبر، هل تفيد معنى الذي تفيد أَنْتَإذا كانت ضمير فصل أم التأكيد؟
الشيخ: إي نعم، يمكن تفيد؛ لأنه إذا صارت الجملة طرفاها معرفتين أفادت الحصر، لكن ضمير الفصل أقوى في الحصر.
طالب: لماذا الصليب مقدس عند النصارى؟
الشيخ: إي، يقولون إن عيسى عليه الصلاة والسلام -حسب زعمهم- إنه رضي بأن يفدي العالم بنفسه فرضي بالقتل والصلب، فمن أجل ذلك نعظّمه، والحقيقة أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يُكسّرون الصليب؛ لأنه صُلب عليه -على زعمهم- نبيهم، فكان يجب أن يكون أكره ما يكون إليهم النظر إلى الصليب، لكن -كما تعلم- النصارى ضالون، ليس عندهم عقول.
طالب: قال الله تعالى: أُحْيِ الْمَوْتَىفإذا عيسى إذا أحيا، هل يعيش بعدها؟
الشيخ: أما أنا ما حضرت، جواب سليم أو غير سليم؟! أسألك؛ لأن هذا السؤال في غير محله، المقصود بيان أنه يحيي الموتى، أما كونه يبقى أو لا يبقى، هذا البحث فيه غير صحيح، السؤال عنه غير جيد، وأنا دائمًا أقول لكم: مسائل الغيب اقتصروا بها على ما ورد، والشأن كل الشأن أن يحيا بعد الموت لا أن يموت بعد الحياة.
طالب: قوله: بِإِذْنِيقلنا: بأن في (آل عمران) تكررت دون ما تكررت في هذه الآية؛ لأن المقام هناك كان عيسى يخاطب قومه، هنا الله سبحانه يخاطب عيسى عليه السلام، شيخ، فالمتبادر للذهن أنه كان المفروض أن عيسى عند مخاطبته لقومه يكرر هذا أكثر لئلا يغلوا فيه؟
الشيخ: لا، هذا في سورة آل عمران، أضافها إلى الله عز وجل حتى يبيّن أن الإله حقًّا هو الله عز وجل، هذا هو المهم، أما هنا فلئلا يغتر أحد بكونه يحيي الموتى، فقال: بِإِذْنِييأتينا -إن شاء الله- في الفوائد لأجل أن يعرف عيسى عليه الصلاة والسلام أنه إنما يتصرف بإذن الله عز وجل.
طالب: أحسن الله إليك، إذا نزل عيسى في آخر الزمان، هل ينزل بمعجزات أخرى، أو تكون معه هذه المعجزات؟
الشيخ: الظاهر أنه لا يأتي بهذه المعجزات؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- أنه أعطاه الله المعجزات هذه؛ لأن الطب في زمنه ترقّى إلى مكان بعيد فآتاه الله من الآيات ما يعجز عنه الأطباء.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١١ - ١١٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَقبل أن نتكلم على الدرس لهذا اليوم نتكلم على فوائد الدرس الماضي كما زعمتم.
فمن فوائد قول الله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىإلى آخره.
من فوائدها: تذكير هذه الأمة بما جرى للأمم السابقة قبلها لأنبيائهم ومَن أُرسل إليهم؛ لأن إِذْ قَالَ اللَّهُمتعلقة بمحذوف، والتقدير أيش؟ اذكر إذ قال الله.
ومن فوائدها: إثبات أن الله تعالى يتكلم ويقول بحرف وصوت؛ لأن مقول القول هو يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَإلى آخره، وهذه حروف، والقول لا يُوجّه إلا لمن يسمعه، ولو كان قول الله ما قام بنفسه لم يصحّ أن يقول: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى، وفي هذا رد على الأشاعرة الذين قالوا: إن قول الله وكلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وليس هو المسموع، والمسموع أصوات يخلقها الله عز وجل تعبّر عما في نفسه، وهذا القول باطل من أوجه كثيرة، كتب عليها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، وجزاه عن هذه الأمة خيرًا- رسالة تسمى (التسعينية) أبطل هذا القول من تسعين وجهًا، وهو جدير بأن يبطل ويطرح؛ لأنه متناقض، والعجب أنهم هم والمعتزلة اتفقوا على أن ما في المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، وهؤلاء قالوا: هو عبارة عن كلام الله، فكان المعتزلة والجهمية من هذه الوجه أسعد منهم بالصواب مع أنهم كلهم خطأ؛ لأن هؤلاء يقولون -أعني الأشاعرة-: الذي في المصحف هذا ليس كلام الله، عبارة عنه، وأولئك يقولون: كلام الله مخلوق، وهم يقولون: عبارة عن كلام الله وهو مخلوق، ومن تدبّر هذا القول وجده في غاية البطلان.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان تذكير الله سبحانه وتعالى عباده بنعمه عليهم، وهذا جاء في القرآن في غير موضع، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الأحزاب: ٩] أحيانًا يكون عامًّا كهذه الآية، وأحيانًا يكون خاصًّا مثل قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف: ٨٦] وما أشبه ذلك، وإنما يُذكّر الله العباد بالنعمة من أجل وجوب شكرها؛ لأن وجوب شكر المنعم ثابت سمعًا وعقلًا، أما السمع ففي القرآن مملوء: اشكروا، اشكروني، اشكروا الله، وما أشبه ذلك، وأما عقلًا فلأنه ليس من المروءة أن تقابل النعمة بالإساءة والكفر، فشكر المنعم إذن واجب سمعًا وعقلًا، وفائدة التذكير بالنعم هو أيش؟ القيام بالشكر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وهل يمكن أن يكون للإنسان أم بلا أب؟ الجواب: نعم، وذلك فيما إذا نفى الزوج الولد عن نفسه فإنه ينتفي عنه بالشروط التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله، وكذلك ولد الزنا إذا لم يستلحقه الزاني فإنه له أم، وليس له أب، فإن استلحقه الزاني فالمسألة فيها خلاف معروف، وجمهور العلماء على أنه لا يلحقه بعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» .
لكن لو قال قائل: إذا كانت نسبته إلى أمه توجب التساؤلات، وأن ينكسر قلبه، وأن يُساء إلى أمه، فهل يُعدل عن هذا؟
الجواب: نعم، يُعدل عن هذا؛ لأن نسبته إلى أمه إذا لم يكن له أب على سبيل الإباحة والجواز، فإذا كان يستلزم ما يؤذي صاحبه فإنه يُعدل عنه إلى نسبته إلى آخر، إلى مَن؟ نقول: ننسبه إلى اسم يصح لكل إنسان، مثل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، عبد اللطيف، وما أشبه ذلك، فعلى هذا نقول: الأصل فيمن ليس له أب أن يُنسب إلى أمه، فإن خُشي من ذلك مضرة أو إيذاء نُسب إلى مَن يصح أن ينطبق على كل أحد.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عليهم الشكر كما يجب على مَن أُرسل إليهم؛ لأن الله أمر عيسى أن يذكر نعمته عليه وعلى أمه، ونقول: نعم، يجب وهم -أي الأنبياء- أشد الناس قيامًا بشكر النعمة، فقد كان إمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم في الليل حتى تتورّم قدماه وتتفطّر، فيقال: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ، ولا شك أنها نعمة على الولد كما هي نعمة على الوالد، والنعمة على الولد نعمة على الوالد؟ من باب المساواة أو الأولى؟ من باب الأوْلى؛ لأن الولد بضعة من أبيه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا» فنعمة الله على الولد في الحقيقة نعمة من الله على الوالد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يؤيد البشر بالملائكة؛ لقوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ.
ومن فوائدها: هذه المزيّة لجبريل عليه السلام؛ أنه يؤيد الأنبياء والرسل.
ومن فوائد هذه الآية: اللقب الفاضل لمن؟ لجبريل بِرُوحِ الْقُدُسِفإن القدس بمعنى الطهارة والنزاهة من كل عيب، فهو أي جبريل عليه السلام ذو مِرَّة؛ أي: ذو هيئة حسنة، وهو قوي كما قال عز وجل: ذِي قُوَّةٍ [التكوير: ٢٠]، وله مكانة عند الله عز وجل كما قال تعالى: عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ.
واليهود يبغضون جبريل، والمسلمون يحبون جبريل؛ لأن جبريل موكّل بالوحي ينزل به وفيه حياة الأمة، وأولئك يكرهون جبريل؛ يقولون: إنه ينزل بالعذاب، ولكنه ينزل بالعذاب على مَن؟ على من يستحقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة التي أعطاها الله تعالى عيسى؛ وهي أنه يكلم الناس في المهد وكهلًا على السواء؛ أي أنه يتكلم بكلام رصين بليغ عجيب مع أنه في المهد، وعادة لا يتكلم الناس في المهد، إنما ينبغ نبغًا لا يُفهم، لكن هذا من آيات الله عز وجل، كما أن أصل عيسى من آيات الله، وسبق لنا ما ذكره الله تعالى من كلام عيسى في المهد لما قال قوم مريم لها: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم: ٢٨ - ٢٩]. فقال؟
الطلبة: قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: ٢٩].
الشيخ: نعم، هم قالوا: كيف نكلم، لكن هو قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ٣٠ - ٣٣] كلام عجيب بليغ، لكن الله على كل شيء قدير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على النعمة بالعلم والشرف والحكمة، وأنها أخص من مطلق النعمة؛ لأن مطلق النعمة سبق اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ، لكن العلم خصه فقال: وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وعلى هذا فيجب على طالب العلم أن يشكر الله تعالى على نعمته عليه حيث خصَّه بالعلم الذي حرمه كثيرًا من الناس، وإذا منّ الله عليه مع العلم بالعبادة والدعوة إلى الله صار نعمة فوق نعمة، فكم من أناس ضلّوا عن سواء السبيل؛ قال الله عز وجل: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]، والإنسان إذا شعر بنعمة الله عليه بالعلم والعبادة والدعوة فإنه يزداد فرحًا وسرورًا ومثابرة وصبرًا على ما هو عليه من طلب العلم، وازدياد العبادة، وقوة الدعوة إلى الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على الحكمة؛ وهي معرفة أسرار الشريعة وغاياتها وثمراتها، فإن معرفة ذلك لا شك أنها تزيد الإيمان، وأنها تزيد الإنسان بصيرة في شرائع الله.
وإنها -أي الشرائع- من لدن حكيم عليم، ولهذا نقول: لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، هذه القاعدة خذها مطردة، لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما ينافي صحيح المنقول، فإن وجدت ما ينافيه فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت اختفاء الحق عليه، أو شهوات انطمس بها، نسأل الله العافية.
وإما أن يكون النص غير صحيح، يكون حديثًا ضعيفًا أو مكذوبًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات ونقل صحيح، فلا يمكن أن يتناقض أبدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة والإنجيل كتابان من عند الله عز وجل، وسبق أن قلنا: إن عطفهما على الكتاب من باب عطف الخاص على العام إذا لم نقل إن المراد بالكتاب الكتابة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله تبارك وتعالى على إحياء الموتى، وعلى إدخال الروح في الجماد؛ من قوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ.
ومن فوائدها: إطلاق لفظ الخلق على ما صنعه المخلوق، مثلًا لو صنعت بابًا تقول: خلقت بابًا، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤] وقوله في الحديث الصحيح: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
فإن قال قائل: إذا أثبتّ صفة الخلق للمخلوق فأيّ فرق بين خلق الخالق وخلق المخلوق؟
فالجواب: الفرق عظيم جدًّا؛ خلق الخالق إيجاد من عدم على ما يريد الله عز وجل هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران: ٦]، خلق المخلوق تحويل مخلوق الله إلى صفة أخرى، وإلا فالأصل منين؟ من الله عز وجل؛ هل يمكن لأحد أن يجعل من الحجر ذهبًا؟ لا يمكن، لكن يمكن أن يجعل من الذهب حليًّا، وأن يجعل منه على شكل حيوان كما جعلت بنو إسرائيل الحلي الذي أخذوه من آل فرعون، جعلوه عجلًا، فافترق الخلق المنسوب للخالق والخلق المنسوب للمخلوق، خلق المخلوق يعني تحويل الشيء من شيء إلى آخر لا ذاته ولكن صفاته، وأما خلق الخالق فهو إيجاد من عدم، وهذا لا يستطيع أحد أن يفعله.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل جعل لعيسى آية تُعجز علماء الفن الذي اشتهر في حياته، فقد قيل: إن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام اشتهر في وقته الطب، وترقّى ترقيًا عظيمًا، فجاء عيسى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بها، كما أن السحر في عهد موسى كان منتشرًا؛ فجاء موسى بآيات تبطل سحرهم، وكما أن البلاغة في العرب منتشرة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فجاء الله تعالى بكتاب أعجزهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه سبحانه وتعالى يختار من الآيات أشدها إعجازًا، فإنه لم يمنّ على عيسى بأن يخلق أرنبًا أو قطًّا أو ما أشبه ذلك، بل طائرًا؛ لأن الطيران في الجو أبلغ من المشي على الأرض فاختار الله له أن يخلق أيش؟ طائرًا يعني على صورة الطير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفخ له تأثير في الأجساد إذا أراد الله عز وجل أن يُؤثِّر؛ لأنه نفخ في الطير الذي صنعه فصار أيش؟ صار طائرًا كما في القراءة الأخرى، لما نفخ فيه صار حيوانًا من الطيور، ثم طار لتحقق أنه دخلته الروح، ومن ثم جاءت القراءة على المريض عن طريق النفث، والنفث -كما نعلم جميعًا- يتضمن نفخًا وريقًا، وهذا مؤثّر بإذن الله عز وجل، ولهذا لو أن القارئ صار يقرأ ويأخذ بأصبعه من ريقه ويبل به مكان الألم، أو يبل به المريض فلا أظنه ينفع، لا بد من نفخ مع ريق.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أعطاه الله تعالى عيسى من الآيات في إبراء الأكمه، وهو الذي خلق بلا عين ولا بصر، وهذه دليل على قدرة الله، والظاهر -والله أعلم- أنه يبرئه في الحال، ما يحتاج إلى علاج، وإلى انتظار، الظاهر أنه يبرئه في الحال كما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عين أبي قتادة رضي الله عنه حين جُرحت في أُحد، وبَرزت على خده، العين بَرزت على الخد، فأُتي به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخذ العين وردها في مكانها، وعادت كما كانت في الحال ، سبحان الله العظيم! هذه القدرة ما يبلغها الأطباء، الظاهر أن إِبْرَاءه الأكمه والأبرص الظاهر أنه يكون في الحال بدون معالجة وتردد.
ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة لعيسى أنه يخرج الموتى من القبور؛ لقوله: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي، وهذه لا يقدر عليها أحد، أما هل يبقى الميت إذا خرج أو لا يبقى؟ هذا ليس لنا فيه كلام، ولا ينبغي أن نتكلم فيه، لماذا؟ لأن الآية حصرت بإخراجه من قبره، أما هل يبقى ويعيش مع الناس أو يموت بعد أن خرج وبرز للناس، ثم يُدفن؟ فهذا ليس لنا في معرفته مصلحة وليس لنا أن نسأل عنه؛ لأن الآية حاصلة بدونه.
في هذه الجمل الأربع: الطير، إبراء الأكمه، إبراء الأبرص، إحياء الموتى، فيه دليل على أنه لا يمكن لأي بشر مهما أوتي أن يحصل له مراده إلا بإذن الله عز وجل؛ لأن كل جملة أو كل كلمة قيدها الله تعالى بأيش؟ بإذنه لئلا يدعي مدعٍ أن الخلق لهم استقلال في أفعالهم، فيكون في هذه الفائدة يكون لها فرع؛ وهو: الرد على القدرية، مَن القدرية؟ القدريّة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، الإنسان يأكل ويشرب، ويدخل ويخرج، ويتحرك ويسكن بإرادة تامة ليس لله فيها تعلق، وهذا يعني إثبات خالق مع الله عز وجل، أو إثبات موجب للحوادث مع الله عز وجل؛ ولهذا سُميّت القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث الكونية لها خالقان: ظلمة، ونور، وهؤلاء يقولون: الحوادث في الكون لها موجدان، كل واحد مستقل عن الآخر: أفعال العباد يستقل بها العباد حتى إن بعضهم يقول: إن الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، وأما ما لم يقع فلا يعلمه الله عز وجل، فوصفوا الله تبارك وتعالى بالجهل فيما هو في ملكه تبارك وتعالى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إذن الله، وليُعلم أن الإذن المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إذن كوني قدري، وإذن شرعي تعبدي، مثال الإذن الكوني: هذه الآية بِإِذْنِي، مثال الإذن الشرعي قول الله تبارك وتعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] ما لم يأذن به الله شرعًا أو قدرًا؟ شرعا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وقدرًا؟ قد أذن فيه؛ فإنه مَكَّن هؤلاء من أن يشرعوا لأقوامهم ما لم يأذن به الله، ومكّن الأقوام أن يتعبدوا بهذه الشريعة البدعية، لكن شرعًا لا، فالإذن إذن المضاف إلى الله عز وجل تنقسم؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، مثال الإذن الكوني هذه الآية تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي، مثال الإذن الشرعي: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]، الفائدة من معرفة القسمين: أن نؤمن بأن ما أذن الله فيه قَدرًا فلا بد من وقوعه، وما لم يأذن به فلا يمكن وقوعه، أما شرعًا، فما أذن الله به شرعًا فقد يقع، وقد لا يقع، وما لم يأذن فيه فقد يقع، وقد لا يقع نعم، هذا هو الفرق.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كف الأذى عن الإنسان من نعمة الله عليه، ولهذا امتن الله به على المؤمنين فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨] فكلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله عز وجل دافع الله عنه، وتسليط بعض الناس عليه بالإيذاء ما هو إلا كتسليط المرض على الرسل والأنبياء من باب أيش؟ رفعة الدرجات وإلا فلا شك أن هناك أئمة من هذه الأمة أُذوا أشد الإيذاء، بل الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون كما قال عز وجل: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام: ٣٤] نعم فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا، لكن هذا من باب رفعة الدرجات، منين نأخذ الفائدة هذه أن الله يدافع عن المؤمنين؟ من قوله: وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [الأنعام: ٣٤].
ومن فوائد الآية: تشجيع الداعي إلى الله عز وجل الذي يأتي بالآيات البينات فإنه عُرضة لأيش؟ للإيذاء؛ لقوله: وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِفكل إنسان يدعو إلى الله ويأتي بالبراهين والأدلة لا بد أن يُسلَّط عليه من يُسلَّط، ولكن الله تعالى بقوته وقدرته يَصرف عنه وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تمرد بني إسرائيل الذين كفروا، حيث ادّعوا أن هذا سحر، بل حصروا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌيعني ولا يمكن أن يكون حقًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السحر قد يَخفى، أو أن السحر ما خَفِي سببه، فقالوا: كيف يكون عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله كيف يكون هذا؟ هذا سحر، لو أن أحدًا وقف على جثة هامدة، وقال: قومي فقامت، ماذا يقول الناس؟
طالب: ساحر.
الشيخ: نعم، يقولون: هذا ساحر كيف يقوم الميت؟ فهم لبَّسوا -والعياذ بالله- على عباد الله، وقالوا في آيات الأنبياء: إنها سحر مبين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين يتبين لهم الحق، ويعلمون أنه حق؛ لأن مثل هذا القول: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌإنما يَصدر من أهل الكفر، أما المؤمن فيؤمن بالآيات، ويرى أنها حق ويزيد إيمانه بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل جاء بالآيات البينات؛ يعني الواضحات التي لا تُشكل على أحد، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلّا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» . ولولا هذا لكان الناس معذورين ألَّا يُصدقوا؛ يعني لولا الآيات مع الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان الناس لهم عذر ألَّا يصدقوا، وعليه يكون قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] يكون مقيدًا بأنهم أوتوا أيش؟
آيات يؤمن على مثلها البشر، وآيات الأنبياء أنواع كثيرة يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله فصلًا قيما جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن آياته نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضّح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم آيات هذا القرآن، الذي كان آية في وقته، وفيما بعد إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ» أو كلمة نحوها «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط ما لبث أقوامهم أن حرّفوا الكتب من بعدهم لا أهل التوراة، ولا أهل الإنجيل، ولا الكتب الأخرى.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما الفرق بين الإرادة والإذن؟
الشيخ: والإذن؟ لا، متقاربات، لكن الإذن أبلغ في التأثير، فمثلًا أنا أريد منك أن تفعل، وأذِنت أن تفعل، هذه أبلغ، إنما بالنسبة لصفات الله عز وجل متقاربة.
طالب: قلنا: إن خلق الله سبحانه وتعالى إيجاد من العدم، وخلق العباد تحويل شيء إلى شيء، هل خلق عيسى للطير هذا من خلق الله..؟





