وآيات الأنبياء أنواع كثيرة، يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام
رحمه الله فصلًا قيمًا جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين
المسيح، ذكر فيه آيات النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن الآيات نوعان: حسية
ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم
آياته هذا القرآن الذي كان آية في وقته وفيما بعده إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليه
الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ
أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ - أو كلمة نحوها- فَأَرْجُو
أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛
لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط، ما لبث أقوامهم أن حرفوا الكتب
من بعدهم، لا أهل التوراة ولا أهل الإنجيل ولا الكتب الأخرى.
طالب: ما الفرق بين الإرادة والإذن؟
الشيخ: لا، متقاربات، لكن الإذن أبلغ في التأثير، فمثلًا أنا
أريد منك أن تفعل، وأذنت أن تفعل، هذه أبلغ، إنما بالنسبة لصفات الله عز وجل
متقاربة.
طالب: (...) قلنا بأن خلق الله سبحانه وتعالى
إيجاد (...).
الشيخ: تحويل نعم.
طالب: هل خلق الإنسان للطير هذا من خلق الله أو من خلق
المخلوق؟
الشيخ: لا، خلق المخلوق، كل إنسان يستطيع أن
يأتي بشيء ويصنعه كهيئة الطير.
طالب: (...)؟
الشيخ: هو ما أوجد هذا، أصلها من طين، والطين مخلوق لله عز وجل
من قبل صنعه على شبه طائر.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين [المائدة: ١١١- ١١٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي(إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: أَنْ آمِنُوا بِي(أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِيأعاد حرف الجر في قوله: وَبِرَسُولِيوهو معطوف على قوله: بِي؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ} على قراءة، والقراءة المشهورة وَالْأَرْحَامَ [النساء: ١]، ومثل قوله: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.
قَالُوا آمَنَّا-هذا جواب أَنْ آمِنُوا بِي- وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَيجوز في مثل هذا -أي بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ- يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير بِأَنَّنَا، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَهذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟
طالب: البدلية.
الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.
هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَفيها قراءتان، قراءة: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَوقراءة: {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}، وكلاهما سبعية، أما هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَفهي فعل وفاعل، وأما {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ} فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.
أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قوله: مِنَ السَّمَاءِجار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.
قال: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَهذه متعلقة بقوله: اتَّقُوا اللَّهَ؛ لأن الإيمان يحمل على التقوى، وهي شرط في قوله: اتَّقُوا اللَّهَ.
قوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ: أَوْحَيْتُهنا هل هو الوحي الشرعي أو الوحي الكوني الإلهامي؟ في هذا قولان للعلماء، فمنهم من قال: إنه وحي الشرع، يعني أوحيت إليهم بواسطة عيسى، وإلا من المعلوم أن الوحي الشرعي لا يكون إلا للأنبياء والرسل، لكن أوحيت إليهم شرعًا بواسطة نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان وحيًا كونيًّا فالمراد به الإلهام؛ كما في قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] أوحينا وحي إلهام ولّا وحي شرع؟ إلهام، وكما في قوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل: ٦٨]، هذا وحي إلهام، وهو وحي كوني؛ لأنه يتعلق بالخلق.
فإن قال قائل: ألا يمكن أن نحمل الآية على المعنيين جميعًا، فيكون الله أوحى إلى نبيهم عيسى أن يبلغهم ذلك وألهمهم قبوله؟ الجواب نعم ولّا بلى؟
بلى، يمكن أن يحمل الوحي على المعنيين جميعًا.
وقوله: الْحَوَارِيِّينَالحواريون هم الخُلَّص من الأصحاب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ» رضي الله عنه، فالحواريون هم الخلص من الأصحاب، وتأمل كيف كان هؤلاء هم الخلص من أصحابه، ماذا صنعوا بعد ذلك وهم الخلص، اقرن هؤلاء الخلص بالخلص من هذه الأمة، تجد الفرق العظيم. كما لو قرنت الخلص من قوم موسى لوجدت الفرق العظيم بينهم وبين الخلص من هذه الأمة، مما يدلك على فضل هذه الأمة التي اختارها الله تعالى لاتباع هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي، أَنْ آمِنُوا بِيالإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، يعني يتضمن أربعة أشياء، فالإيمان بوجوده ضد أولئك الشيوعيين الذين يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي طبائع تتفاعل وينتج بعضها بعضًا، وإلا فلا رب، والعياذ بالله؛ لأنه قد ختم على قلوبهم، نسأل الله العافية، الإيمان بربوبيته رد على من يقولون: إن الله سبحانه وتعالى له معين في الخلق أو له شريك، ولهذا نفى الله تعالى ذلك في قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
الإيمان بألوهيته، والمراد انفراده بالألوهية، ردًّا على من؟ على الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر يعبدونه كما يعبدون الله؛ كمشركي قريش، الإيمان بأسمائه وصفاته رد على طائفتين: مُعَطِّلة ومُمَثِّلة، الممثلة أشركوا بالله فقالوا مثلًا: إن لله وجهًا كوجوهنا، وله يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وما أشبه ذلك، هؤلاء مشركون، أليس كذلك؟
الثاني: المعطلة الذين نفوا الوجه واليد والعين والقدم والنزول والاستواء، وما أشبه ذلك، هؤلاء معطِّلون، لهم نصيب من قول فرعون: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] وإن كانوا لا يعطلون الألوهية لكنهم يعطلون الأسماء والصفات، فمن آمن برب لا يوصف بسمع ولا بصر، ولا حكمة ولا عزة ولا قوة، ولا مجيء ولا استواء، هل آمن برب حقيقة؟ لا.
إذن الإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته، والمراد الانفراد بهذه الأشياء.
وَبِرَسُولِيأي عيسى عليه الصلاة والسلام، والإيمان برسول واحد يتضمن الأمر بالإيمان بجميع الرسل، الأمر بالإيمان برسول واحد يتضمن الإيمان بجميع الرسل؛ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ألم تقرؤوا قول الله عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] وهل أحد من الرسل قبل نوح؟
لا، ما فيه رسول قبل نوح، ومع ذلك قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ؛ لأنه إذا كذب بواحد من جنس فقد كذب بالجنس كله، إذا آمنوا بعيسى فقد آمنوا بجميع الرسل، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى بشر به.
قَالُوا آمَنَّاقالوا بألسنتهم: آمنا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَقالوا لمن؟ لله ولّا لعيسى؟ إذا كان عيسى هو الذي أمرهم سيقول لعيسى: آمنا، وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَفأقروا واستشهدوا، وإذا أقر الإنسان واستشهد صار استشهاده غيره مانعًا له من الإنكار فيما بعد؛ لأن الإنسان قد يقر بنفسه لكن إذا لم يكن عنده من يشهد عليه ربما ينكر، لكن هم أقروا بألسنتهم واستشهدوا، استشهدوا من؟ استشهدوا عيسى؛ إذا كان المراد بقوله: قَالُواأي لعيسى، أما إذا كان المراد أنهم قالوا لله عز وجل، فإن المستشهَد هنا هو الله تبارك وتعالى.
بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَأي منقادون لله عز وجل، ولا انقياد إلا بإيمان بأن الله تعالى آمر وناهٍ، واعلم أن الإسلام إذا أُطلق شمَل الإيمان، والإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وإذا اجتمعا صار الإسلام علانية والإيمان سرًّا، يعني الإسلام الأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأفعال الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وحبها ورجائها وغير ذلك.
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَيعني: اذكر يا محمد إذ قال الحواريون المنتخبون من قوم عيسى.
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَانظر إلى هذا الخطاب الجافّ، لم يقولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله، قالوا: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِهل يستطيع أن ينزل: هذا فيه إشكال عظيم على هذه القراءة؛ لأن شكهم في قدرة الله يستلزم الكفر، فلهذا أشكل على أهل العلم كيف يقولون هذا وهم الحواريون؟
فنقول في الجواب عن هذا: إما أن تُحمل الاستطاعة على الإرادة، وهذا سائغ في كلام العرب، تقول لصاحبك: يا فلان، هل تستطيع تمشي معي لفلان سأزوره، وأنت تعلم أنه يقدر، لكن المراد، أيش المراد؟ هل تريد أن تمشي معي. فيكون هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَأي هل يريد، وليس عندهم شك في كونه قادرًا عز وجل.
أو يقال جواب آخر: هم يؤمنون بالقدرة العامة، لكن قد يحصل عند الإنسان شك في قدرة خاصة، كحال الرجل الذي قال لأهله وكان مسرفًا على نفسه: «إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ -يعني في البحر- فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ» الرجل خائف أو لا؟ خائف من الله، وليس عنده شك بأنه قادر، لكن على سبيل العموم، أما على هذا الفعل بعينه فإنه يقول: لعله إذا أحرق وذر في اليم لا يقدر الله عليه.
فصار الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن تكون الاستطاعة بمعنى القدرة، الوجه الثاني: أن يكون عندهم إيمان بقدرة الله على كل شيء لكن التفصيل قد يتردد الإنسان في حصوله ويحتاج إلى زيادة الطمأنينة، انظر إلى زكريا وانظر إلى مريم لما بشره الله تعالى بأنه سيهبه ولدًا ماذا قال؟ قال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨] كيف يصير هذا؟ قال الله له: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩] يعني انظر لأصلك خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا؛ إذن قادر على أن يخلق ولدًا، ومع هذا طلب آية على تحقق ما بشر به.
فيه رأي آخر ثالث يقول: هَلْ يَسْتَطِيعُليس من الاستطاعة التي هي ضد العجز، بل هي من الاستطاعة التي هي الإطاعة، يعني هل يطيعك ربك إذا سألته أن ينزل علينا مائدة أو لا يطيع؟ وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول وهو الإرادة؛ لأن الإطاعة بمعنى الانقياد، فالمعنى: هل إذا سألت ربك يطيعك، فيكون الاستطاعة هنا ليست من باب الطوق والقدرة، ولكن من باب الإطاعة، وهي الانقياد إذا سألته.
قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَاتقوا الله يعني: امتنعوا عن هذا الطلب، أو عن هذا السؤال الذي يتضمن الطلب، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَيعني مؤمنين بقدره راضين بقضائه، إن أغناكم أغناكم، وإن أعدمكم أعدمكم؛ لأن المؤمن حقًّا والمتقي حقًّا يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يسأل أشياء تكون خارجة عن نطاق العادة.
هذا على قراءة هَلْ يَسْتَطِيعُ، أما على قراءة {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ} فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فيكون الاستطاعة هنا عائدة إلى من؟ إلى عيسى، يعني هل تستطيع أن تسأل الله أو تستحيي فلا تسأل، وعلى هذه القراءة ليس هناك إشكال والحمد لله، على القراءة الأولى عرفتم الوجوه التي يجاب بها عن الإشكال.
وقوله: أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِالمائدة تطلق أحيانًا على الطعام، والأصل أنها تُطلق على الكرسي الذي يكون عليه الطعام، هذا الأصل، لكن قد تطلق على الطعام، وهنا المراد -والله أعلم- المراد الأمران جميعًا، يعني كرسي طعام، وهو الخوان أو الخوّان -أنا لا أضبط اللفظة- وعليها الطعام.
مِنَ السَّمَاءِأي من فوق.
قَالُوا نُرِيدُيعني أخبروه بالسبب أنهم سألوا هذا السؤال العجيب نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَاإذن هم جياع، وهو يشبه من بعض الوجوه، وإن كان أحسن منها ما قال قوم موسى له: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة: ٦١]، لكن هؤلاء طلبوا شيئًا ينزل من السماء نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا، ثانيا: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا، تَطْمَئِنَّ: تستقر، ولا يكون فيها قلق ولا ريب، هذا غرض ثان، الثالث: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَاكيف نعلم أن قد صدقتنا؟ نعم، هو قال لهم: إنه رسول الله، فإن جاء بآية بينة فقد صدق وإن لم يأت فلم يصدق، لكن كيف يقولون: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَاوهم قد صدقوه؟ هذا إشكال، لكن الجواب: إما أن المعنى: ونزداد علمًا أن قد صدقتنا، ولا شك أنه كلما وجدت الآيات الدالة على صدق القائل ازداد علمًا بصدق القائل، أو يكون بعضهم عنده تردد، والعلم ينفي الشك والتردد، لكن أيما أولى: الإحسان بهم ظنًّا ونقول: نعلم أي يزداد علمًا، أو نقول: لعل بعضهم عنده تردد؟
الأول أحسن وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَاأي أخبرتنا بالصدق، يقال: صدقه بمعنى: أخبره بالصدق، ويقال: صدقه بمعنى: أتى بما وعده به، فقوله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] يعني تقتلونهم، بمعنى: أتى بما وعد به، ويقال: صدقه، إذا أخبره بالصدق وإن لم يأتِ ما أخبر به؛ كقوله صلى الله عليه وسلم في الشيطان: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ» .
وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَهذا أمر رابع، يعني نشهده بأعيننا من غير أن نُخبَر عنه، وليس الخبر كالمعاينة.
من فوائد الآيتين: إثبات وحي الله عز وجل؛ لقوله: إِذْ أَوْحَيْتُ، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون، وقد سمعتم الأمثلة في التفسير.
ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه السلام له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [الصف: ١٤] وكما سمعتم الحديث: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ» ، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر رضي الله عنه، قال: «لَوْ كُنْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.
ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.
ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، من أين؟
قَالُوا آمَنَّاولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، هل يثبت الشرط؟ نعم يثبت؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق.
ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ» ، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة: ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله تبارك وتعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْإذن كيف نخرج هذه الآية؟ نخرجها أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَإلى آخره [المائدة: ١١٢].
من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، الدليل؟ أول ما بدؤوا بالأكل نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَاأول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء: ١٥٤] ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد يا إخوان، الأصل واحد، كلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا. والله أعلم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١١- ١١٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَوسبق تفسيره، وهل هذا وحي إلى الحواريين أم ماذا؟
الطالب: فيه قولان، أحدهما وحي بواسطة نبيهم عيسى، الثاني: الإلهام.
الشيخ: يعني أوحاه إليهم بواسطة عيسى.
الطالب: إي نعم، والقول الثاني أنه الإلهام.
الشيخ: أن إيحاءه لهم بمعنى الإلهام.
أيهما أرجح؟
الطالب: نقول: إن المعنى شامل للمعنيين جميعًا؛ الوحي الشرعي والوحي الكوني.
الشيخ: فقد أوحى الله إلى عيسى وحيًا شرعيًّا، وأوحى إليهم وحيًا قدريًّا.
ما معنى الحواريين؟
طالب: الخلص من أصحابه.
الشيخ: الخلص من أصحابه.
قوله تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَفيها قراءتان، قلهما؟
طالب: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَو{هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}.
الشيخ: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، و{هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}.
على القراءة الأولى فيها إشكال؟ أن هذا يفيد أنهم شاكون بقدرة الله، ما هو الجواب عن ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، المثال هذا غير صحيح، كأن يقول الرجل لأخيه: هل تستطيع أن تمشي معي، هل تستطيع أن نذهب أو نجيء، المهم أن الاستطاعة بمعنى القدرة، وجه آخر؟
طالب: أنهم مؤمنون بالقدرة العامة لله عز وجل، لكن في التفصيل (...).
الشيخ: يعني عندهم إيمان بالقدرة العامة، لكن القدرة على الشيء المعين، طيب هذا وجه ذلك، ثانيًا؟
الطالب: معنى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَأي هل يطيعك ربك إن سألته.
طالب آخر: يقولون: ليس بمعنى القدرة، وإنما من الإطاعة، الاستطاعة بمعنى الإطاعة
الشيخ: يعني؟
طالب: يعني إذا سألته يعني هل تستطيع سؤاله.
الشيخ: يعني هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَيعني هل يجيب، هذه الخلاصة، هل يجيب ربك، من الإطاعة بمعنى الانقياد.
على قراءة {هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ}؟
طالب: لا إشكال.
الشيخ: لا إشكال، ويش المعنى؟
طالب: يعني هل تستطيع أن تسأل ربك.
الشيخ: هل تستطيع أن تسأل ربك، وعلى هذا فلا إشكال.
طالب: (...)
الشيخ: فيشبه قول اليهود: حنطة، لما قيل لهم: قولوا: حِطة.
ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا، أي أخبرتنا بالصدق.
ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضي الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
***
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} الإعراب في قوله: اللَّهُمَّ رَبَّنَاهو أن (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(رب) بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة نعتًا، ولكنه صار منصوبا؛ لأنه مضاف، وقوله: تَكُونُ لَنَا عِيدًاالجملة صفة لـ مَائِدَةًوعِيدًاخبر تَكُونُواسمها مستتر، وقوله: لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَابدل من قوله (لنا)، لكنه بإعادة حرف الجر، بدل لكنه بإعادة العامل؛ لأن قوله: (لنا) يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا. وقوله: وَآيَةً مِنْكَمعطوفة على عِيدًا، وقوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَالجملة تدل على أن الله تبارك وتعالى موصوف بهذا الوصف. ارْزُقْنَافعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله: إنه فعل أمر؟ لا يقال تأدبًا مع الله، ولكنه يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك.
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِيعني قال عيسى بن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله عز وجل أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء يحتمل أن تكون العلو أو تكون من السماء ذاتها، وهي السقف المحفوظ، كما سبق.
تَكُونُ لَنَا عِيدًاأي نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَاأولهم الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم الذين كانوا من بعده.
وَآيَةً مِنْكَأي علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم.
وَارْزُقْنَاأي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تبارك وتعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨] أي: أعطوهم منه.
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَيعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله عز وجل.
في هذه الآية فوائد، منها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: اللَّهُمَّ رَبَّنَا؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله عز وجل وربوبيته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِكما قالوا هم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: وَآيَةً مِنْكَ، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله عز وجل، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله تبارك وتعالى.
قال الله تعالى: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ، في قراءة: {مُنْزِلُهَا عليكم}، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُأي بعد إنزالها، وبنيت (بعد) على الضم لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، و(قبل) و(بعد) إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه بني على الضم، وإذا حذف ونوي لفظه أعرب لكن بدون تنوين، وإذا حذف ولم ينو لفظه أعرب ولكن بتنوين، فمثلا إذا قلت: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الروم: ٤] هنا حذف المضاف إليه ونوي معناه، وفي قول الشاعر:
| فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا | أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْفُرَاتِ |
هذا لم يُنوَ لا لفظه ولا معناه، وإذا قلت: سأزورك من قبلِ ومن بعدِ مجيء فلان، الأُولى حُذف المضاف إليه ونُوي لفظه، والثانية وُجد المضاف إليه.
فصار إما أن يُحذف المضاف إليه وإما أن يوجد في (قبل) و(بعد) وأخواتهما، إنْ وُجد المضاف إليه فهما معربان بلا تنوين، وإن حُذف ونوي لفظه فهما معربان بلا تنوين أيضًا، وإن حذف ونوي معناه فهما مبنيان على الضم، وإن حذف ولم يُنوَ لفظه ولا معناه فهما معربان منونان. فالأحوال إذن أربعة.
يقول الله عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُمن أي الأحوال؟ ما هو؟ حذف المضاف إليه ونوي معناه.
فَإِنِّي أُعَذِّبُهُالفاء رابطة للجواب، جواب الشرط في قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ، وإنما ارتبطت بالفاء لأن الجملة اسمية، وكلما وقعت جملة الشرط اسمية وجب قرنها بالفاء أو بـ(إذا) الفجائية، فَإِنِّيفيها قراءتان: {فَإِنِّيَ} وفَإِنِّي، فأما على السكون فالياء مبنية على السكون، وأما على الفتح فهي مبنية على الفتح لأنها ضمير متكلم.
أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُالضمير يعود في قوله: لَا أُعَذِّبُهُ-وأعني بذلك الهاء- يعود إلى أيش؟ على العذاب، يعني لا أعذب أحدًا مثل هذا العذاب، أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ: (أعذب) نصبت هنا مفعولين، هل أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ لا؛ لأنك لو حذفت العامل وجعلت ضمير المفعول به في لَا أُعَذِّبُهُجعلته ضمير رفع لم يصح، لو قلت: هو أحد ما صح؛ لأن الضمير يعود على العذاب.
نبدأ تفسير الآية: يقول الله عز وجل: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْوفي قراءة: {مُنْزِلُهَا}، فهل هذا للحال أو للمستقبل؟ يعني هل أن الله عز وجل وعد بإنزالها وأنزلها؟ أو هو وعد ولكن لم يتحقق؛ لأن الله تعالى اشترط شرطًا لم يلتزمْه بنو إسرائيل؟
في ذلك قولان للعلماء، فمنهم من قال: إن الله أنزله لأن وعده حق وهو لا يخلف الميعاد، وقد قال الله تعالى: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْأو {مُنْزِلُهَا} ثم توعد من كفر بعد إنزال هذه الآية، وقال بعضهم: إنه لم ينزلها لأن الله اشترط قال: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ، ولما رأوا هذا الشرط الثقيل الذي يصعب أن يحقق عدلوا عن طلبهم فلم تنزل المائدة، وهؤلاء أيدوا رأيهم بأن النصارى لا يعرفون عن هذه المائدة شيئًا في كتبهم وقالوا: إنها لو نزلت لكانت عيدًا لأولهم وآخرهم كما طلب عيسى عليه الصلاة والسلام، ولما لم يكن عندهم علم بهذه المائدة علمنا أنهم لم يقبلوا الشرط الذي اشترطه الله فلم ينزلها الله عز وجل، والآية في الحقيقة محتملة، يعني لا يستطيع الإنسان أن يجزم بهذا ولا هذا.
فإن قال قائل: لماذا لا نجزم بأنها لم تنزل لأنها لم توجد في كتبهم؟
فالجواب عن هذا سهل؛ أن لعلها من جملة ما نسي وترك من دين النصارى، فلم يكن عندهم علم منها، والله أعلم أنزلت أم لم تنزل، ومتى احتملت الآية معنيين على السواء ولا مرجح، فإن كانا لا يتنافيان حملت عليهما جميعًا، وإن كانا يتنافيان فالتوقف، وهنا فيما أرى أن الآية محتملة هل نزلت أم لم تنزل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ.
ومنها: أن كلامه تبارك وتعالى بحرف وصوت؛ لأنه تعالى قال قولًا وصل إليهم، ولا يمكن أن يصل إليهم إلا بصوت.
ومنها: أن كلام الله بحرف، بل بحروف متتابعة؛ لأن الله قال: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْوهذه حروف متتابعة لا إشكال فيها.
ومنها: إثبات أفعال الله الاختيارية، بمعنى أنه عز وجل يفعل ما يشاء اختيارًا بلا مكره؛ لأن هذا الكلام المرتب بالحروف أفعال أو غير أفعال؟ هو فعل وقول، هو من جهة إحداثه فعل، ومن جهة أنه كلام قول.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر طلب الآيات من الأمم، وأنه إذا جاءت الآيات المطلوبة فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أنه متى طلبت الأمة آية معينة وحصلت لهم حق عليهم العذاب.
فإن قال قائل: هذه القاعدة تنتقض بما تواتر عن انشقاق القمر؛ أن قريشًا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر؟
فالجواب عن هذا: أن قريشًا لم يطلبوا آية معينة، وإنما طلبوا آية فقط، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي عينها، أراهم انشقاق القمر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن العذاب له أعلى وله أدنى؛ لقوله: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فهذا دليل على أن العذاب يتفاوت من شخص لآخر، وتفاوت العذاب أسبابه كثيرة؛ منها: قلة الداعي إلى الذنب، فإن قلة الداعي إلى الذنب توجب شدة العقوبة عليه، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وهم «أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ» .
الشاهد الأول والثاني:
أشيمط وزانٍ، يعني رجلًا شمطه الشيب، وهذا يدل على ضعف قوته في طلب النكاح. وصغّره بقوله: «أُشَيْمِطٌ» تحقيرًا له. إذن زنا الشيخ أعظم عقوبة من زنا الشاب؛ لأن الداعي في الشيخ أقل.
«عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» عائل يعني: فقير، مستكبر، الفقير يجب أن يعرف نفسه وقدره فكيف يستكبر، الاستكبار من الغني أهون بلا شك ومتوقَّع؛ كما قال عز وجل: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧] أي استغنى عن غيره، وهذا عائل فيستكبر! فلذلك اشتدت عقوبته، فكلما قوي السبب في طلب المعصية صارت العقوبة عليها أهون، وكلما ضعف الطلب صارت العقوبة عليها أشد، هنا بين الله عز وجل أنه لا يعذبه أحدا من العالمين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفر من رأوا الآيات ليس ككفر من لم يروها، أيهما أعظم؟ الأول، من رأى الآيات؛ لأن من رأى الآيات فقد رآها علم اليقين، بل عين اليقين، ومن نقلت إليه فقد علمها علم اليقين، أي بواسطة.
في الآية قراءة: {إِنِّي مُنْزِلُهَا عَلَيْكُمْ} وفيها: {فِإِنِّيَ أُعَذِّبُهُ}.
قال الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِمقول القول هو قوله: أَأَنْتَ قُلْتَ، إذن فالجملة في محل نصب. واعلم أن مقول القول لا يكون إلا جملة، إلا إذا أُجري مَجرى الظن، إذا أجري مجرى الظن فإنه قد يُسلَّط على المفرد، وإلا فلا يكون إلا جملة، فأين الجملة هنا؟
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِفي أَأَنْتَقراءتان: {آانْتَ} بمد الهمزة الثانية، وبالقصر أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَفيها قراءتان: {أُمِّي} وأُمِّيَ. و(اتخذ) تنصب مفعولين، الأول فيها -في هذه الآية- هو الياء، في قوله: اتَّخِذُونِي، والثاني قوله: إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
قَالَ سُبْحَانَكَأي تنزيهًا لك، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل واجب الحذف، ولهذا لا تجد الفعل مع (سبحان) أبدًا، وإنما قلنا: إنه مفعول مطلق لأن المصدر (تسبيح)، وكل لفظ يكون بمعنى المصدر ولكنه لا يشتمل على حروفه يسمى مفعولًا مطلقًا، ويسمى اسم مصدر.
سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّالباء في قوله: بِحَقٍّالباء حرف جر زائد، ومعنى زائد أي: إعرابًا؛ إذ لا شيء في القرآن زائد معنًى أبدًا، ولكنها زائدة إعرابًا، وأما معنى فإن لها معنًى عظيمًا، وهو التوكيد. كيف نعرب بِحَقٍّ؟
الطالب: بِحَقٍّخبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
الشيخ: فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أين اسم (ليس)؟
طالب: مستتر.
الشيخ: مستتر، يعود علام؟
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُهذه جملة شرطية، فعل الشرط كُنْتُ، والتاء اسم كان، وفَقَدْ عَلِمْتَهُجواب الشرط، واقترنت بالفاء لأن الجزاء صُدر بـ(قد).
ثم قال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَالإعراب واضح.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِالجملة استئنافية تفيد عموم علم الله عز وجل.
قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَيعني: اذكر يا محمد لهؤلاء القوم هذا الذي صدر من الله إلى عيسى، يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَوهذا القول يكون يوم القيامة أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِالاستفهام هنا لا شك أنه لا يراد به الاستعلام؛ لأن الله تعالى يعلم، ولكن المراد به التوبيخ، توبيخ من؟ توبيخ من قالوا: إن عيسى وأمه إلهان، وهو نظير قول الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨، ٩]، هي لم تفعل شيئًا، ولكنها تسأل توبيخًا لمن فعلوا، فهنا أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِالاستفهام هنا للتوبيخ، توبيخ من؟ من جعلوا عيسى وأمه إلهين من دون الله.
وأَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِيقول علماء البلاغة: هناك فرق بين أن تقول: أأنت قلت، وبين أن تقول: أقلت، قالوا: إنه إذا وقع المستفهم عنه بعد همزة الاستفهام مُصدَّرًا باسم فالمطلوب به التعيين، تعيين الفاعل، وإذا جاء الفعل بعد الهمزة فالمقصود به تعيين الفعل الحادث، إذا قلت: أقام زيد، تستفهم عن أيش؟ عن الفعل الحادث، يعني هل قام أو هو قاعد، وقلت: أزيد القائم؟ تعيين الفاعل. فهنا أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِتعيين أيش؟ الفاعل، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِيأي: اجعلوني وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِأي معبودين.
وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِأي من سوى الله عز وجل. كان جواب عيسى عليه الصلاة والسلام: سُبْحَانَكَأي: تنزيهًا لك، أنزهك عما لا يليق بك ولا يليق بالله أن يكون له شريك في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك.
واعلم أن تنزيه الله عز وجل يكون عن شيئين: الأول: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، ومشابهة المخلوقين وإن كانت نقصًا لكن ينبغي أن ينص عليها بعينها.
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ: مَا يَكُونُ لِييعني لا يمكن، فنفي الكون في مثل هذا يعني أنه مستحيل، أَنْ أَقُولَيعني للناس مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؛ لأنه ليس من حق عيسى أن يقول للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، بل إن رسالته إنما كانت من أجل النهي عن الشرك وإخلاص العبادة لله وحده إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، وهذه الجملة تدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام يعلم أنه لو صدر منه ذلك لعلمه الله، وهو حق. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن هذا تنديد بالذين يعبدون عيسى بأنه لو قال للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله لعلمه الله ولم يمكنه من هذه الدعوة.
وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَالنفس هنا بمعنى الذات، يعني أن ما في نفسي تعلمه وما في نفسك لا أعلمه، والفرق ظاهر؛ لأن الله هو الخالق، وعيسى مخلوق، والخالق يعلم مخلوقه، والمخلوق لا يعلم عن خالقه إلا ما أخبره به، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِهذه الجملة استئنافية توكيد لمضمون ما سبق.
طالب: في قوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَألا يجوز أن يقال بمثل هذا عالمي زمانهم؟
الشيخ: إذا دل دليل على هذا لا بأس، مثل قوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ٤٧] أما إذا لم يدل عليه دليل فالأصل العموم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أعندك شك في رسالة محمد؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما عندك شك، لكن إذا جئت فقل: اللهم ارزقني مائدة يكفيك مائدة الأرض.
طالب: أحسن الله إليك، لو أن داعية سأل الله سبحانه أن يري الناس كرامة له يري الناس صدق دعوته؟
الشيخ: هذه لا ينبغي إلا في مقام التحدي، في مقام التحدي لا بأس؛ كما يذكر عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه أكل السم . لكن بغير تحدٍّ لا، واصبر لا تستعجل الآيات حتى تتم دعوتك، قد يكون الله عز وجل أخر عنك الآيات الدالة على صدقك، وهي الكرامات؛ لأن الآيات للأولياء من الكرامات، قد يكون لرفعة درجاتك وصبرك، أما في مقام التحدي فنعم.
طالب: تنزيه الله عن النقائص والعيوب، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه، قلنا: إن مشابهة خلقه ينبغي أن ينص عليها بعينها، كيف يكون هذا؟
الشيخ: لئلا يظن ظان أن الكمال الذي في الخالق يكون مثل الكمال اللي في المخلوق، والمخلوق مهما كان ناقص، فلا بد من أن نقول عن (...) المخلوق.
الطالب: سياق الآية يا شيخ في قول الله تبارك وتعالى: إِنِّي مُنَزِّلُهَاأليس يا شيخ للتأكيد، والعذاب توعدهم على المخالفة؟
الشيخ: نعم هذا مما يرجح أنها نزلت، لكن كونها لم تذكر في كتب النصارى ولم يعرفوها، وعيسى سأل الله تعالى أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم يشكل على هذا، وليس ذاك الإشكال البعيد؛ لأنه قد يقال: إن الله تعالى لم يجب عيسى على كل ما سأل أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم.
طالب: الآثار التي وردت ذكرها ابن كثير أنها نزلت وعليها سمكة عظيمة عن كعب الأحبار..
الشيخ: لا، هذه إسرائيليات، هذه من الإسرائيليات التي لو أن ابن كثير رحمه الله تركها لكان أحسن.
طالب: أليست تكون هذه من كتبهم دلت عليها أن هذه الأشياء؟
الشيخ: ما أدري الأناجيل اللي موجودة في أيديهم ليس بها ذكر المائدة.
طالب: الاعتداء في الدعاء أن يكون المسؤول مستحيلًا كونًا، فما مثال المستحيل كونًا؟
الشيخ: المستحيل كونا أن يسأل الله تعالى أن يجعله مغيرًا للخلق؛ لأن هذا مستحيل؛ لأن لا يملك التغيير إلا الله عز وجل.
طالب: وإن يمكنه نفخ الروح في الأشياء كذا.
الشيخ: إي نعم، هذا كذلك إذا نظرنا إلى قدرة الإنسان، أما إذا كان بيد الله، فالله على كل شيء قدير.
طالب: فلا يجوز أن يسأل الله أن يقدره على هذا الشيء.
الشيخ: لا، ما يجوز، أو شرعًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًّا، هذا لا يجوز.
طالب: إذا وردت النفس في القرآن هل يحمل على الذات؟
الشيخ: النفس إي نعم هذا الداخل؛ كقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [المائدة: ٣٢] وقال: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] فالنفس بمعنى الذات.
طالب: بالنسبة لعيسى عليه السلام كان عنده آيات كإحياء الميت وإبراء الأكمه ولكن النصارى عندهم أن أم عيسى مريم يقولون: إنها بغية زانية، كيف قالوها إلهًا مع عيسى؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هؤلاء النصارى بعضهم يقول: إن مريم أم عيسى بغية يعني كانت تزني، كيف قالوها إلهًا مع عيسى؟
الشيخ: لأنهم من أضل الناس دينًا وأسفههم عقولًا النصارى.
طالب: الآن يا شيخ بعض النصارى عندهم أن مريم زنت بـ..
الشيخ: أيش؟
الطالب: النصارى فيه عندهم أقسام.
الشيخ: أقسام ما فيه شك.
الطالب: والبعض منهم يقول: إن مريم بغية؛ لأن مريم يعني الزانية، يقول هذا بعض النصارى.
الشيخ: لا، هذا اليهود، لا، النصارى ما يقولون هذا، الذين قالوا ذاك اليهود.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخنا، هل اليهود هم الذين حرفوا دين النصارى.
الشيخ: لا، حتى الأحبار من النصارى، حتى النصارى حرفوا، الآن الأناجيل أنا ما قرأتها، لكن الأناجيل يقولون: فيها اختلاف كثير، كل يدعي أن هذا الإنجيل الذي نزل على عيسى.
طالب: (...).
الشيخ: ما يستبعد، أقول: لا يستبعد هذا.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٦ - ١١٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِنأخذ الفوائد:
في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله إِذْ قَالَ اللَّهُ، وفي القرآن إثبات القول وإثبات الكلام وإثبات النداء وإثبات المناجاة، وكل هذا يدل على أن الله يتكلم بكلام حقيقة بحرف وصوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي نعتقده وندين الله به، وهو الواجب على كل مؤمن.
وفي هذه الآية من الفوائد: أن قول الله بحرف وصوت، أما كونه بحرف فلأن الكلمات التي جاءت بعد القول حروف، وأما كونه بصوت فلأن الله تعالى يخاطب به عيسى، وعيسى يرد عليه، مما يدل على أنه كلام مسموع، فهو بصوت. هاتان فائدتان عظيمتان.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ الذين اتخذوا عيسى إلهًا وأمه؛ لقوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ؛ لأنه سبق أن المراد من هذا الاستفهام هو توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين.
ومن فوائد الآية الكريمة: بُعد الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك، لقوله: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وهذا أمر مسلم؛ لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله تبارك وتعالى أن يكون له شريك؛ لقوله: سُبْحَانَكَ؛ لأننا قلنا: (سبحانك) بمعنى: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بك، والمقام الآن باتخاذ شريك، فيكون معناه تنزيه الله عن كل شريك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف عيسى عليه الصلاة والسلام بما لا يستحق؛ لقوله: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّوهكذا إخوانه من الرسل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ. قال له: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» ، فكل الرسل يعرفون قدر أنفسهم، فلا يمكن أن يقروا ما لا يستحقونه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الألوهية حق خاص لله؛ لقوله: مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وإذا كان الرسل، بل خلاصة الرسل، ليس لهم في الألوهية، فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلهًا، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله عز وجل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يصدر من الإنسان من قول؛ لقوله: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جل وعلا؛ لقوله: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ، وإذا كنت علمته فإنه صادر عن علم من عندك يا رب، وعن قضاء وقدر، ولا يخفى عليك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات، بل إن بعض العلماء يقول: إن إطلاق الذات على النفس غلط، وإن أصل ذات بمعنى صاحبة، فلا تقال إلا مضافة، كما قال عز وجل: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] أي صاحبة البروج، وإن إطلاق الذات على النفس من الكلمات المحدثة، وقد صرح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنها ليست من كلام العرب العرباء -أي إطلاق الذات على النفس- وإنما يعبر عن الذات بالنفس، يعني بمعنى أن ذات الرجل هي نفسه، ولكن الاصطلاح شيء آخر واللغة العربية الفصحى شيء آخر.
فإذن معنى قوله: مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَيعني ما في ذاتي ولا أعلم ما في ذاتك، وليست النفس شيئًا زائدًا على الذات، يعني ليست كالعلم والقدرة والسمع والبصر وما أشبه ذلك، وقول بعض أهل العلم: أثبت الله لنفسه نفسًا فقال: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَمن باب التسامح والتجاوز، وإلا فإن نفس الله هو ذات الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله بما في نفس الإنسان؛ لقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِيوهذا كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، فالله عز وجل يعلم ما في قلبك، احذر أن يكون في قلبك ما يخالف أمر الله عز وجل.
ومن هنا نأخذ فائدة ثانية وهي: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأنك إذا غفلت وفكرت في غير ما يتعلق بالصلاة فقد أعرضت عن الله عز وجل، هكذا قرره بعض أهل العلم، ولكن في مسألة وجوب الخشوع في الصلاة فيها نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنه إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْإِقَامَةُ جَاءَ إِلَى الْمُصَلِّي وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَقُولَ: اذْكُرْ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا .
وقد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الواقع، ولا يلزم من الإخبار عن الواقع أن يكون الواقع جائزًا، كما أخبر أننا نركب سنن من كان قبلنا اليهود والنصارى ، ومع ذلك لا يحل لنا هذا، وكما أخبر أن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا وحدها ، ومع ذلك لا يحل للظعينة أن تسافر بلا محرم، لكن الذي يظهر لي أن إيجاب الخشوع في الصلاة فيه مشقة، يعني كون الإنسان ما يهوجس بشيء ولا يوسوس بشيء فيه مشقة شديدة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أننا لا نعلم ما عند الله عز وجل، فلا نعلم ما في نفسه مما يقدره جل وعلا ويريده، ولا نعلم عن إرادة الله إلا بوقوع المراد. يعني نحن لا نعلم أن الله أراد أن تمطر حتى ينزل المطر، ولا نعلم أن الله تعالى قضى بحروب تقع بين الناس إلا إذا وقعت هذه الحروب، فإذا وقعت علمنا أن الله أرادها؛ إذ لا يكون في ملكه ما لا يريد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى بالغيب؛ لقوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، ومعنى عَلَّامُ الْغُيُوبِأي أنك موصوف بهذا، وليس المراد الكثرة، بل المراد المبالغة في هذا الوصف بقطع النظر عن أفراده؛ لأنها لا تحصى، وقد ذكر بعض العلماء أن كل ما جاء بصيغة المبالغة في حق الله فليس معناه الكثرة، وإنما معناه الكمال، لكن من تأمل وجد أنه يأتي لهذا وهذا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى علم الغيب فقد ادعى أنه شريك لله، وجه الدلالة أنه أتى بضمير الفصل إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وضمير الفصل يدل على أيش؟ على الحصر، يعني أنت لا غيرك علام الغيوب، وليعلم أن الغيب نوعان: غيب نسبي وغيب مطلق، فما هو الغيب الذي اختص الله به؟ هو الغيب المطلق، وأما الغيب النسبي الذي يعلمه فلان دون فلان فهذا يشترك.





