تفسير الآية (117)
تفسير الآية (118)
تفسير الآية (119)
تفسير الآية (120)
فقد ادَّعى أنه شريك لله؛ وجه الدلالة أنه أتى بضمير الفصل: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١١٦]، وضمير
الفصل يدل على أيش؟
على الحصر؛ يعني: أنت لا غير علام الغيوب، وليُعلَم أن الغيب
نوعان؛ غيب نسبيٌّ، وغيب مطلق، فما هو الغيب الذي اختص الله به؟
هو الغيب
المطلق، وأما الغيب النسبيّ الذي يعلمه فلان دون فلان فهذا يشترك في علمه من
قَدَّره -وهو الله عز وجل- ومن وقع منه.
تفسير الآية (117)
00:00:49
ثم قال الله تعالى: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ [المائدة: ١١٧] مَا قُلْتُ لَهُمْأي: للناس إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَأَنِهذه تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، وهو أَمَرْتَنِي.
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْرَبِّيهذه بدل أو صفة من لفظ الجلالة.
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْإعرابها واضح، هذه ما فيها إشكال إلا قوله: مَا دُمْتُ فِيهِمْفإن (ما دام) تعمل عمل (كان) إذا سُبِقَت بـ(ما) المصدرية الظرفية، أما إذا سبقت بـ(ما) النافية فليست من أخوات (كان)، فإذا قلت: ما دمت قائمًا، يعني لم أقم قيامًا دائمًا، فهذه نافية.
وإذا قلت: لا أجلس ما دمت قائمًا، فهذه مصدرية ظرفية، الجملة الأخيرة إثبات، والجملة الأولى نفي.
هنا هل هي مصدرية ظرفية؟ نعم، فعليه تكون (التاء) اسمها، والجار والمجرور خبر.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المائدة: ١١٧] ما فيها إشكال في الإعراب.
يقول عيسى عليه الصلاة والسلام: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِيعني: إلا الذي أمرتني به، وما هو؟ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وأتى بقوله: إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِقبل أن يقول: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَليبين أنه عليه الصلاة والسلام رسول مُبَلِّغ مأمور، فبدأ بما يدل على الرسالة وأنه مأمور قبل أن يذكر ما أُرْسِل به.
وقوله: أَمَرْتَنِي بِهِيعني: كلَّفتني بإبلاغه أمرًا منك.
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْاعْبُدُوا اللَّهَالعبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول التعبد، والمعنى الثاني المتعبَّد به؛ فإذا قلت: الصلاة عبادة، فالمراد بذلك المتعبَّد به، وإذا قلت: صلى هذا الرجل لعبادة الله عز وجل، فالمراد تعبُّده هو.
وقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْوقوله: رَبِّي وَرَبَّكُمْمن أجل أن يبرهن لهم أنه ليس برب.
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْيعني: كنت أشهد عليهم بما هم عليه من التوحيد والإخلاص.
مَا دُمْتُ فِيهِمْيعني: مدة دوامي فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِيأي: قبضتني، يقال: تَوَفَّى الرجل حقَّه أي: قبضه.
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْأي: أنت المُراقِب الذي تحفظ أعمالهم وتشهدها وتعلمها.
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌهذا التعميم بعد التخصيص؛ يعني: أنت على كل شيء شهيد من أفعالهم وغيرها.
ففي الآية فوائد؛ منها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بالرسالة أمرًا من الله؛ لقوله: مَا أَمَرْتَنِي بِهِ، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة، مثل قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة: ٦٧].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حُسْن أدب الرسل مع الله عز وجل؛ حيث قال: إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ؛ وجه ذلك: أنه يُشعِر بأن عيسى رسولٌ مأمور مكلَّف بالأمر.
ومن فوائدها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يبلِّغ الناس بأنه عبد والله تعالى رب؛ لقوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْوالرب مقابله العبد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية؛ لقوله: رَبِّي، ومَنْ ليس له ربوبية ليس له ألوهية.
فإن قال قائل: أليس يُحْيِي الموتى ويُبْرِئ الأكْمَه والأبرص؟ فالجواب: بلى ولكن بإذن الله.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم؛ لقوله: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، ومع ذلك هم شهداء على ما يَرَوْن أو يسمعون، وليسوا شهداء على غائبٍ بعيد لا يرونه ولا يسمعونه؛ لأن الرسل لا يعلمون الغيب.
ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه الصلاة والسلام قد تَوفَّاه الله؛ لقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي، وقد جاء في ذلك آيات منها قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] إلى آخره، فأثبت أنه متوفيه.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه الوفاة؛ فقيل: إنها بمعنى القبض، ولا يلزم منها نوم ولا موت، والتوفِّي بمعنى القبض وارد في اللغة العربية؛ إذ يقال: تَوَفَّى الرجل حقَّه أي: قَبَضَه، وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا.
وقال بعضهم: إنه موت حقيقيٌّ، وهؤلاء أنكروا نزول عيسى في آخر الزمان، وقالوا: إنه مات كما مات الأنبياء، وهذا قول باطل يُبْطِله ظاهر القرآن وصريح السنة.
القول الثالث: أن المراد بالوفاة النوم، وهو أن الله تعالى أَلْقَى عليه النوم ثم رفعه إلى السماء، هذا القول له وجهة نظر، لكنه ليس ظاهرًا كثيرًا، فإن صح هذا التفسير دلَّ ذلك على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أقوى جأشًا من عيسى؛ لأن محمدًا عُرِجَ به إلى السماء في حال اليقظة، وَشَاهَد من آيات الله ما شاهد، وعيسى أَلْقَى الله عليه النوم ثم رفعه؛ لأنه سوف يُشَاهِد مخلوقات عجيبة عظيمة والمسافة بعيدة.
إذن عندنا ثلاثة أقوال؛ القول الأول: أنه وفاة موت، وهذا ضعيف.
الثاني: أنه وفاة نوم، وهذا له وجهة نظر.
والثالث: أنه بمعنى القبض؛ لأن النوم أمر زائد على القبض، فيحتاج في ثبوته إلى دليل واضح، الثالث أنه بمعنى القبض ولا إشكال فيه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله تبارك وتعالى ورقابته؛ لقوله: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ.
فإن قال قائل: إن الله قال: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] والمراد الملك فكيف نجمع بين الآيتين؟
فالجواب: أن الله رقيبٌ عليهم بملائكته، كقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٦، ١٧] فإن كثيرًا من العلماء يقول: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِأي: بملائكتنا، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌوليس المراد قرب نفسه تبارك وتعالى بخلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذي تَدْعُونَه أقرب إلى أحدكم من راحلته أو قال: من عُنُقِ راحلتِه وفرق بين المعنيين بأن قوله: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِيعني: إلى الإنسان عامة.
ومعلوم أن قُرْبَ الله تعالى للعبد خاصٌّ بعابده أو داعيه أي بمن يعبده أو يدعوه، فالقرب ليس كالمعية ينقسم إلى قسمين، بل القرب خاصٌّ بمَن يعبده أو يدعوه؛ أما من يعبده فكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ» ، وأما داعيه فهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» .
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله تعالى شهيد على كل شيء؛ لقوله: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
وهذا يستلزم فائدة أخرى وهي: أنه يجب على العبد كمال مراقبة الله تبارك وتعالى؛ حيث لا يفقده عند أمره ولا يجده عند نهيه؛ لأن الله رقيب عليك، فلا بد أن تتحاشى هذه الرقابة، وألَّا يفقدَك الله تعالى حيث أمرك ولا يجدَك على ما نهاك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، النصارى قالت: إن عيسى وأمَّه إلهان مع الله عز وجل، والآية: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] (...)؟
الشيخ: لا، لكن تأتي بمعنى أقل وتأتي بمعنى سوى، وهنا بمعنى سوى، من سوى الله؛ يعني من سوى إفراد الله عز وجل.
طالب: أكرمك الله، إطلاق الذات على النفس أو النفس على الذات، كيف نفاه شيخ الإسلام مع أنه..؟
الشيخ: كيف نفاه؟
الطالب: نفاه قال: ليس من لغة العرب الفصحاء؟
الشيخ: الذات، هو نفى لفظ الذات على النفس، إطلاق الذات على النفس.
الطالب: إي نعم، يا شيخ، كيف ينفيه مع أنه ثابت لله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: وين؟
الطالب: الآن نحن ما قلنا: إن النفس يطلق على الذات؟
الشيخ: لا، قلنا: النفس بمعنى الذات، هذا تفسير لها، وإلا ما في القرآن ولا في السنة إثبات الذات لله، وأما قول خُبَيْب:
| وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ .... | ...................... |
فمعناه في جانب الإله.
الطالب: كيف يعني، نحن قلنا: إن النفس بمعنى الذات وشيخ الإسلام..
الشيخ: شيخ الإسلام يقول: إطلاق الذات يراد بها النفس هذا دخيل على اللغة العربية، إحنا فسرنا الذات بناء على الاصطلاح، الآن مثلا عبد الله، هذا الشبح اللي أمامنا نُسمِّيه ذاتًا ونسميه نفسًا، أيهما الفصحى؟ النفس.
طالب: يعني شيخ الإسلام يقر هذا أو ما يقره؟
الشيخ: لا، يُعَبِّر به، لكن يقول: ليس من كلام العرب (...)، يقره لأنه مشى الناس عليه فقالوا: الذات والصفات.
طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، بعض العلماء يفرقون بين النبي والرسول؛ أن النبي لم يُؤْمَر بتبليغه، والرسول أُمِرَ بتبليغ شريعته صحيح هذا؟
الشيخ: صحيح، هذا الذي عليه الجمهور وهو الذي لا يَسْلَم من النقد، شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن النبي كالعالم في هذه الأمة، يعني: يكمل شريعة من سبق، ولكنه يَرِدُ عليه أن آدم نبي، ولم يسبقه شريعة، على رأي الجمهور لا إشكال؛ لأن آدم تَعَبَّد لله عز وجل بما أَوْحَى الله إليه، وكانت ذريته إذ ذاك قليلة تتأسى به فلما كَثُرَ الناس وانتشروا اختلفوا وحينئذ دعت الضرورة إلى الرسل.
طالب: (...) يدَّعون علم الغيب؛ يقولون: أنه يحصل كذا في المستقبل، ويجمعون أموالًا على هذا بادعائهم الغيب، والناس يصدقونهم ويعطونهم أموالًا، هؤلاء ما حكمهم إذا مات واحد منهم، هل يُصَلَّى عليه؟
الشيخ: لا يُصَلَّى عليه، كل من ادَّعى علمَ الغيب فإنه كافر، لماذا؟ لأن الله تعالى قال: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] وهذا نفيٌ، يعني حصر، ما أحد يعلم الغيب في السموات ولا في والأرض إلا الله عز وجل، نعم، إن كان عنده قرائن فيكون دعواه خَرْصًا وتَخْمِينًا، أفهمت؟ مثل أن يَتَوَسَّم في شخصٍ أنه سيكون ظالمًا، هذا ربما، يعرف من ملامح وجهه، وقد وقع هذا في رجل تَلَمَّح بشخص له مؤلفات مفيدة جدًّا في الدين الإسلامي، ولكنه قال: إن هذا الرجل سيرتد، وفعلًا ارتد ومات على ردته، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥]، أما مجرد علم غيبٍ فهذا لا شك أنه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
طالب: (...) واحد قال لشخص (...) قال له: أنت من أهل النار، فهذا الرجل قال: ما دمت أنا من أهل النار خلاص ما أصلي.
الشيخ: طيب، من أهل النار لا بد أنه يستند إلى قرائن يعني أنه يفعل أفعالًا توجب أن يكون من أهل النار فلا يكون هذا علم غيب؛ لأنه لم يقل هذا إلَّا مستندًا إلى شيء، فيقال: المحظور في هذا أنك شهدت له أنه من أهل النار وهو بعينه وهذا لا يجوز.
طالب: كثيرًا جدًّا من الأحيان ما يكاد الإنسان يَذْكُر نعمة هو فيها إلا ويُحْرَمُها، فهل مثل هذا يُعَدُّ من التشاؤم أو لا؟
الشيخ: هذا غلط، الله عز وجل يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، لكن ربما يكون ذكره إياها على سبيل الفخر والإعجاب فحينئذ يُحْرَم إياها.
الطالب: أحيانًا أشياء ما تستوجب فخرًا ولا عجبًا، كصحة مثلًا أو مال أو ذهاب أو إياب، أي شيء؟
الشيخ: هذا ما يمكن، الإنسان مأمور بأن يتحدث بنعمة الله بدون فخر وبدون إعجاب.
طالب: قلنا: إن في قوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧] بمعنى بينه وبين قوله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] أي: بملائكته ما الإشكال في آية المائدة؟
الشيخ: ما فيه إشكال؟
الطالب: ما فهمت الإشكال.
الشيخ: الإشكال أن الله أضاف الرقابة إليه في آية المائدة، وفي سورة (ق) إلى الملكين، الجمع أن رقابة الملكين بأمر الله عز وجل فيكون هو الرقيب، كما قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٨]، ومن المعلوم أن الذي يقرأ على الرسول مَنْ هو؟ جبريل فأضاف قراءة الرسول إليه لأنه بأمره.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، على قول شيخ الإسلام كيف نوجه أن آدم عليه الصلاة والسلام نبي؟
الشيخ: ما أدري إلا إذا كان يرى أنه مستثنى، وإلا ما له وجه، ولهذا رأيُ الجمهور هو الصواب.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٧، ١١٨].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل أن نبدأ بالدرس (...)، حينما يسأله الله عز وجل يوم القيامة: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فيتبرأ من ذلك، ويقول: إنه ليس بحق له، وينزِّه الله تعالى عن أن يكون له شريك.
يقول الله عز وجل: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَفي النهاية، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَبمعنى: إن تُقَدِّر لهم ما يستحقون أن يُعَذَّبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جُرْمٍ، فإنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك غاية التنزيه؛ لقول الله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، ولقوله: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، لكن معنى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْبأن تُقَدِّر عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك.
ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يُقَدِّر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا عَلِمَ ما في قلوبهم من الإعراض، وعدم قَبول الحق؛ قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض، والعياذ بالله، وقال عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
إذن كلمة إِنْ تُعَذِّبْهُمْلا بد لها من مقدمات؛ الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب، الثانية: أنهم يُقَدَّر لهم ما يَحْصُل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك؛ إذ إن الله تعالى وعد: أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] لكن الذنب ذنب العبد وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣].
وقوله: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَهذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأنَّ العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يُعَذَّب، ولكن المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢].
وقوله: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَالجملة لا يَخْفَى أنها جواب أيش؟ جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل أن نبدأ بالدرس (...)، حينما يسأله الله عز وجل يوم القيامة: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فيتبرأ من ذلك، ويقول: إنه ليس بحق له، وينزِّه الله تعالى عن أن يكون له شريك.
تفسير الآية (118)
00:23:31
يقول الله عز وجل: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَفي النهاية، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَبمعنى: إن تُقَدِّر لهم ما يستحقون أن يُعَذَّبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جُرْمٍ، فإنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك غاية التنزيه؛ لقول الله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، ولقوله: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، لكن معنى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْبأن تُقَدِّر عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك.
ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يُقَدِّر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا عَلِمَ ما في قلوبهم من الإعراض، وعدم قَبول الحق؛ قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض، والعياذ بالله، وقال عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
إذن كلمة إِنْ تُعَذِّبْهُمْلا بد لها من مقدمات؛ الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب، الثانية: أنهم يُقَدَّر لهم ما يَحْصُل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك؛ إذ إن الله تعالى وعد: أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] لكن الذنب ذنب العبد وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣].
وقوله: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَهذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأنَّ العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يُعَذَّب، ولكن المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢].
وقوله: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَالجملة لا يَخْفَى أنها جواب أيش؟ جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــةٌ وَبِجَـــــــــــــــــامِدٍ | وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ |
سبعة مواضع، هنا من أي المواضع؟ الجملة الاسمية، لكنها جملة اسمية أُكِّدت بـ(إن) فاقترنت بالفاء.
قال: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُيعني: إن قَدَّرْتَ لهم أسباب المغفرة فَغَفَرْت لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُالعزيز الغالب.
قالوا: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع، وعزة الشرف التي يُعَبِّر عنها بعضهم بعزة القَدْر؛ أما عزة الغلبة فظاهر مثل قول الله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون: ٨]، ومثل قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠] هذا واضح أن المراد بها الغلبة.
عزة الامتناع قالوا: معناها: أن الله عز وجل أعظم من أن يناله ما يكون عيبًا أو نقصًا؛ يعني: يمتنع عليه النقص، رجعوا في ذلك إلى الاشتقاق؛ قالوا: لأنه يُقال: أرض عَزَازٌ؛ أي: صلبة لا تؤثر فيها المعاول لامتناعها وشدتها.
والثالث: عزة الشرف، عزة الشرف يعني أنه عز وجل ذو قَدْر عظيم وشرف عظيم، كما تقول لصديقك: أنت عزيز علي، أيش معناه؟ أي: أنت ذو قدر عظيم عندي.
والْعَزِيزُ الْحَكِيمُالْحَكِيمُمشتقة من (حَكَمَ) و(أَحْكَم)، فإن كانت من (حَكَم) فـ(فعيل) بمعنى (فاعل)، وإن كانت من (أَحْكَم) فـ(فعيل) بمعنى مُحكِم، إتيان (فعيل) بمعنى (فاعل) كثير؛ كسميع بمعنى سامع، بصير بمعنى باصر وهكذا، لكن (فعيل) بمعنى (مُفْعِل) قليل في اللغة العربية لكنه ثابت، ومنه قول الشاعر:
| أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ | يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُــــــــــوعُ |
معنى السميع: المُسمِع، إذن (الحكيم) مأخوذة من: الحُكْمِ والإحكام، فإذا كانت من الحكم فهي بمعنى: حاكم، وإن كانت من الإحكام فهي بمعنى: مُحكِم، والمحكم هو الذي منه الحكمة.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن
الرحيم، قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١١٩، ١٢٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هذا كلام عيسى للرب عز وجل يوم القيامة، وسبق لنا أن معنى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْأي: تُقَدِّر لهم عملًا يعذبون عليه فهم عبادك، ووَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْفتهيِّئ لهم أسباب المغفرة فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وسبق لنا أن الْعَزِيزُله ثلاثة معان؟
طالب: عزة القهر والغلبة.
الشيخ: عزة القهر والغلبة، والثاني؟
الطالب: عزة الشرف.
الشيخ: عزة الشرف والقدر، والثالث؟
الطالب: والثالث عزة الامتناع.
الشيخ: الامتناع، تمام؛ أي: أنه يمتنع عليه كل نقص وعيب، وهذا الأخير مأخوذ من قولهم: أرض عَزاز؛ أي، قوية صلبة. الْحَكِيمُ؟
طالب: من (حكم) بمعنى حاكم (...).
الشيخ: مِنْ (حَكَمَ) و(أَحْكَم)؛ (حكم) بمعنى حاكم، هو الحاكم في كل شيء، (أحكم) أي: أتقن كل شيء كما قال عز وجل: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].
نبقى في شرح هذه الكلمة العظيمة؛ أولًا: يجب أن نعلم أن هذا وصف الله عز وجل؛ أن له الحكم فهو الحاكم قدرًا وشرعًا، دنيا وأخرى، وأن نعلم أن له الحكمة في كل ما يفعله كل ما يحكم به، من أمور كونية وأمور شرعية، وإذا علمنا هذا استسلمنا تمامًا للأحكام الشرعية والأحكام الكونية، لا نقول مثلًا: إذا قدَّر الله تعالى وباء أو قدَّر زلازل وما أشبه ذلك، لا نقول: هذا عبث، بل نقول: هذا لحكمة.
الحكمة تكون في ذات الشيء، وتكون في غايات الشيء، وتكون في الشرع، وتكون في القَدْر، فالأقسام إذن أربعة؛ الحكمة في ذات الشيء: بمعنى أن يُقَدَّر هذا الشيء إن كان قَدَرِيًّا على وجه مناسب تمامًا، انظر في المخلوقات تَجِد كونها على هذا الوجه التي خُلِقَت عليه موافقًا تمامًا للحكمة.
واسأل أهل التشريح للأجساد البشرية وغير البشرية، اسألهم كيف ركَّب الله عز وجل هذه الأبدان على أبدع ما يكون وأدق ما يكون، كم في الإنسان من معامل في جسمه! معامل عظيمة، انظر للطعام يدخل متنوعًا ويخرج نوعًا واحدًا، انظر إلى الطعام يدخل على وجه الصعوبة أو الليونة، ويخرج على مستوى واحد، كل هذه بسبب المعامل، ثم هذه المعامل-سبحان الله- تباشر العمل ما تتأخر، فالمعدة من حين ما يصل إليها الطعام تبتدأ تشتغل والإفرازات عليها من المرارة أو غيرها، شيء عجيب.
كون الإنسان خُلِقَ على هذا الوجه؛ عَدَّله الله وجعله سويًّا، ليس كالأنعام مناسب تمامًا لما خُلِقَ له العبد من كونه مخلوقًا للطاعة والعبادة حتى يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود وغيرها مما يكلفه الله به، وعلى هذا فَقِس.
كذلك أيضًا الحكمة في الأمور الشرعية؛ في ذات الأوامر الشرعية حكمة عظيمة؛ الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل؛ إنه يناجي ربه قائمًا في قراءته، وإنه يبتهل إليه في سجوده، وإنه يخشع له بقلبه، فكونه على هذا الوجه هذه حكمة.
أما الغايات؛ فالغايات أيضًا حكمة، الغايات مثلًا فيما يقدره الله تعالى قدرًا غايات حميدة، انظر إلى قول الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] ويش الغاية من هذا؟ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١]، والغاية من هذه العقوبة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، فهذه غاية بعد غاية، مع أن الإنسان لو تَصَوَّر الأمر في أول وهلة؛ لقال: الفساد فساد كيف نقول: إن له غاية حميدة؟
المصالح لها غايات حميدة أيضًا، هي بنفسها حميدة ولها غايات حميدة أيضًا؛ ومنها: الشكر على النعم؛ فإن الله تعالى يبتلي بالشرِّ والخير؛ إذا صبر الإنسان على الشر فهي غاية حميدة، وإذا شكر على الخير فهي غاية حميدة، كذلك هذه المخلوقات -أنا أتكلم على الشريعة-.
أيضًا المخلوقات لها غاية؛ إذا رأيت الشمس تطلع كل يوم من مطلع غير المطلع الذي بالأمس، وبين مطلعها اليوم ومطلعها بالأمس مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله عز وجل؛ لأن مع هذا البُعْد العظيم الذي مثل الشعرة تجد مساحته كم؟ أعوامًا، إحنا نظن أن المساحة يسيرة ما هي إلا كشعرة انحرفت الشمس عنها، وهي ليس كذلك، مسافات عظيمة جدًّا كل يوم وترجع في نفس الخط، لماذا؟ للمصالح العظيمة؛ الناس تختلف مصالحهم في الشتاء عنها في الصيف، في الخريف عنها في الربيع، مصالح عظيمة، الشمس أيضًا في نضج الأشجار وتدفئة الجو، لها -سبحان الله- شيء لا يتصور.
انظر مثلًا إلى الجوِّ، الأفق، تجد أنه -ونحن في عز الصيف- تجده باردًا جدًّا؛ لأن الأضواء -أضواء الشمس- ليس لها ما يعكسها، هي تنعكس على الأرض، ثم تولد حرارة، لكن في الجو ما في شيء يُعكَس تخرقه خرقًا وتمضي إلى الأرض، فلكل مخلوق غاية، ولكل مشروع غاية حميدة.
فالحكمة إذن -يا جماعة- تكون في المقدور؛ أي في ذات المقدور كونه على هذا الوجه حكمة، ثانيًا: في الغاية منه، ثالثًا: في المشروع، رابعًا: في الغاية منه.
وتأمل الشرائع تجد أنها صلاح للبدن والقلب، صوم، صلاة، زكاة، حج، توحيد وإخلاص، مصلحة للبدن، أَسَرُّ ما يكون الإنسان وأنشط ما يكون وأفرح ما يكون إذا اصطفى قلبه بالإخلاص لله عز وجل؛ ولذلك يمرُّ على الإنسان أحيانًا وهو في العبادة يمر عليه حال يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم فهو كافٍ، وتأتي الغفلة تستولي كثيرًا فربما يَثْقُل عليه ما كان خفيفًا عليه بالأمس، والقلوب بيد الله عز وجل.
فالمهم أن الحكمة تكون على هذه الوجوه الأربعة: حكمة في المخلوق، حكمة في المشروع نفسه، الثالث: حكمة في الغاية من المخلوق، حكمة في الغاية من المشروع، واضح؟
الغريب أن هذه الحكمة العظيمة أنكرها الأشاعرة والجهمية، وقالوا: إن الله يفعل ليس لحكمة؛ لأن الحكمة غَرَض، والله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، سجع باطل؛ منزه عن الأغراض (...) ما له حكمة، ما يفعل لحكمة، هكذا بس، مجرد مشيئة، عن الأعراض ما له صفات؛ لا يضحك ولا يغضب، وعن الأبعاض ما له وجه ولا له يد ولا له عين وما أشبه ذلك.
لكن نقول: إن هذا باطل، والله تعالى منزَّه عن النقص، أما الحكمة فليست غرضًا ينتفع بها، هو إنما ينتفع بها الخلق لتظهر آثار رحمته وآثار حكمته في خلقه حتى يعبدوه، وإلَّا فالله غَنِيٌّ عنَّا، لو أن أهل الأرض كلهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم أَيُنْقِص الله شيئًا؟ لا ينقصه.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّعمن؟ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] كلهم، ما ينتفع بالطاعة، ولا تضره المعصية، لكنه لتظهر آثار رحمته وحكمته وسلطانه وقوته جعل هذه الشرائع، فليست الحكمة غرضًا ينتفع به الحكيم بالنسبة لله عز وجل أو يدفع به ضررًا عنه.
أما قولهم مُنَزَّه عن الأعراض يعني: أنه لا ينزل، ولا يستوي على السماء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب ولا يكره، فنقول: هذا يعني: إبطال ما وصف الله به نفسه، وهذا الإبطال هو بمنزلة الجحد؛ لأنهم يبطلون أشياء واضحة المعنى، فهي كما لو قال الذي اشترى فرسًا قال: اشتريت خبزًا، هل يَصْدُق بهذا؟ ما يصدق، تحريفاتهم للنصوص مثل تحريفات مَنْ قال: اشتريت خبزًا، يريد: اشتريت فرسًا، لكنهم لا يصَرِّحُون بالنفي، يقولون: إن الله لا يغضب، يقول: يغضب لكن المراد بغضبه الانتقام أو إرادة الانتقام.
الثالث: الأبعاض، يقولون: ما يمكن أن يكون لله وجه ولا عين ولا يد ولا قدم ولا ساق، فنقول: سبحان الله أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]؟
فإذا قالوا: الله أعلم، نقول: هل يُحَدِّثُ الله تعالى بالكذب؟ إذا قالوا: لا يمكن أن يكذب، هو أصدق القائلين؛ قلنا: إذن، كيف تقولون: ليس له يد حقيقية، ليس له وجه حقيقي؟
فالحاصل أنَّا نقول: إن نفي الحكمة يعني أن أفعال الله تعالى كلها سفه؛ لأنه إذا انتفت الحكمة حل العبث، ضده لا بد؛ إذ لا يُعْقَل أن فاعلًا يفعل ما ليس له حكمة إلا وله ضدها، فالحمد لله الذي هدانا، نسأل الله أن يُثَبِّتَنا وإياكم.
إذن، الآية هذه تفيد الحكمة على الوجوه الأربعة. فلنعود إلى الفوائد منها:
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه السلام -وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله عز وجل فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُلكمال حكمته، وَهُمْ يُسْأَلُونَلأنهم عابدون لله عز وجل.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هذا كلام عيسى للرب عز وجل يوم القيامة، وسبق لنا أن معنى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْأي: تُقَدِّر لهم عملًا يعذبون عليه فهم عبادك، ووَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْفتهيِّئ لهم أسباب المغفرة فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وسبق لنا أن الْعَزِيزُله ثلاثة معان؟
طالب: عزة القهر والغلبة.
الشيخ: عزة القهر والغلبة، والثاني؟
الطالب: عزة الشرف.
الشيخ: عزة الشرف والقدر، والثالث؟
الطالب: والثالث عزة الامتناع.
الشيخ: الامتناع، تمام؛ أي: أنه يمتنع عليه كل نقص وعيب، وهذا الأخير مأخوذ من قولهم: أرض عَزاز؛ أي، قوية صلبة. الْحَكِيمُ؟
طالب: من (حكم) بمعنى حاكم (...).
الشيخ: مِنْ (حَكَمَ) و(أَحْكَم)؛ (حكم) بمعنى حاكم، هو الحاكم في كل شيء، (أحكم) أي: أتقن كل شيء كما قال عز وجل: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].
نبقى في شرح هذه الكلمة العظيمة؛ أولًا: يجب أن نعلم أن هذا وصف الله عز وجل؛ أن له الحكم فهو الحاكم قدرًا وشرعًا، دنيا وأخرى، وأن نعلم أن له الحكمة في كل ما يفعله كل ما يحكم به، من أمور كونية وأمور شرعية، وإذا علمنا هذا استسلمنا تمامًا للأحكام الشرعية والأحكام الكونية، لا نقول مثلًا: إذا قدَّر الله تعالى وباء أو قدَّر زلازل وما أشبه ذلك، لا نقول: هذا عبث، بل نقول: هذا لحكمة.
الحكمة تكون في ذات الشيء، وتكون في غايات الشيء، وتكون في الشرع، وتكون في القَدْر، فالأقسام إذن أربعة؛ الحكمة في ذات الشيء: بمعنى أن يُقَدَّر هذا الشيء إن كان قَدَرِيًّا على وجه مناسب تمامًا، انظر في المخلوقات تَجِد كونها على هذا الوجه التي خُلِقَت عليه موافقًا تمامًا للحكمة.
واسأل أهل التشريح للأجساد البشرية وغير البشرية، اسألهم كيف ركَّب الله عز وجل هذه الأبدان على أبدع ما يكون وأدق ما يكون، كم في الإنسان من معامل في جسمه! معامل عظيمة، انظر للطعام يدخل متنوعًا ويخرج نوعًا واحدًا، انظر إلى الطعام يدخل على وجه الصعوبة أو الليونة، ويخرج على مستوى واحد، كل هذه بسبب المعامل، ثم هذه المعامل-سبحان الله- تباشر العمل ما تتأخر، فالمعدة من حين ما يصل إليها الطعام تبتدأ تشتغل والإفرازات عليها من المرارة أو غيرها، شيء عجيب.
كون الإنسان خُلِقَ على هذا الوجه؛ عَدَّله الله وجعله سويًّا، ليس كالأنعام مناسب تمامًا لما خُلِقَ له العبد من كونه مخلوقًا للطاعة والعبادة حتى يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود وغيرها مما يكلفه الله به، وعلى هذا فَقِس.
كذلك أيضًا الحكمة في الأمور الشرعية؛ في ذات الأوامر الشرعية حكمة عظيمة؛ الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل؛ إنه يناجي ربه قائمًا في قراءته، وإنه يبتهل إليه في سجوده، وإنه يخشع له بقلبه، فكونه على هذا الوجه هذه حكمة.
أما الغايات؛ فالغايات أيضًا حكمة، الغايات مثلًا فيما يقدره الله تعالى قدرًا غايات حميدة، انظر إلى قول الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١] ويش الغاية من هذا؟ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١]، والغاية من هذه العقوبة: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، فهذه غاية بعد غاية، مع أن الإنسان لو تَصَوَّر الأمر في أول وهلة؛ لقال: الفساد فساد كيف نقول: إن له غاية حميدة؟
المصالح لها غايات حميدة أيضًا، هي بنفسها حميدة ولها غايات حميدة أيضًا؛ ومنها: الشكر على النعم؛ فإن الله تعالى يبتلي بالشرِّ والخير؛ إذا صبر الإنسان على الشر فهي غاية حميدة، وإذا شكر على الخير فهي غاية حميدة، كذلك هذه المخلوقات -أنا أتكلم على الشريعة-.
أيضًا المخلوقات لها غاية؛ إذا رأيت الشمس تطلع كل يوم من مطلع غير المطلع الذي بالأمس، وبين مطلعها اليوم ومطلعها بالأمس مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله عز وجل؛ لأن مع هذا البُعْد العظيم الذي مثل الشعرة تجد مساحته كم؟ أعوامًا، إحنا نظن أن المساحة يسيرة ما هي إلا كشعرة انحرفت الشمس عنها، وهي ليس كذلك، مسافات عظيمة جدًّا كل يوم وترجع في نفس الخط، لماذا؟ للمصالح العظيمة؛ الناس تختلف مصالحهم في الشتاء عنها في الصيف، في الخريف عنها في الربيع، مصالح عظيمة، الشمس أيضًا في نضج الأشجار وتدفئة الجو، لها -سبحان الله- شيء لا يتصور.
انظر مثلًا إلى الجوِّ، الأفق، تجد أنه -ونحن في عز الصيف- تجده باردًا جدًّا؛ لأن الأضواء -أضواء الشمس- ليس لها ما يعكسها، هي تنعكس على الأرض، ثم تولد حرارة، لكن في الجو ما في شيء يُعكَس تخرقه خرقًا وتمضي إلى الأرض، فلكل مخلوق غاية، ولكل مشروع غاية حميدة.
فالحكمة إذن -يا جماعة- تكون في المقدور؛ أي في ذات المقدور كونه على هذا الوجه حكمة، ثانيًا: في الغاية منه، ثالثًا: في المشروع، رابعًا: في الغاية منه.
وتأمل الشرائع تجد أنها صلاح للبدن والقلب، صوم، صلاة، زكاة، حج، توحيد وإخلاص، مصلحة للبدن، أَسَرُّ ما يكون الإنسان وأنشط ما يكون وأفرح ما يكون إذا اصطفى قلبه بالإخلاص لله عز وجل؛ ولذلك يمرُّ على الإنسان أحيانًا وهو في العبادة يمر عليه حال يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم فهو كافٍ، وتأتي الغفلة تستولي كثيرًا فربما يَثْقُل عليه ما كان خفيفًا عليه بالأمس، والقلوب بيد الله عز وجل.
فالمهم أن الحكمة تكون على هذه الوجوه الأربعة: حكمة في المخلوق، حكمة في المشروع نفسه، الثالث: حكمة في الغاية من المخلوق، حكمة في الغاية من المشروع، واضح؟
الغريب أن هذه الحكمة العظيمة أنكرها الأشاعرة والجهمية، وقالوا: إن الله يفعل ليس لحكمة؛ لأن الحكمة غَرَض، والله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، سجع باطل؛ منزه عن الأغراض (...) ما له حكمة، ما يفعل لحكمة، هكذا بس، مجرد مشيئة، عن الأعراض ما له صفات؛ لا يضحك ولا يغضب، وعن الأبعاض ما له وجه ولا له يد ولا له عين وما أشبه ذلك.
لكن نقول: إن هذا باطل، والله تعالى منزَّه عن النقص، أما الحكمة فليست غرضًا ينتفع بها، هو إنما ينتفع بها الخلق لتظهر آثار رحمته وآثار حكمته في خلقه حتى يعبدوه، وإلَّا فالله غَنِيٌّ عنَّا، لو أن أهل الأرض كلهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم أَيُنْقِص الله شيئًا؟ لا ينقصه.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّعمن؟ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧] كلهم، ما ينتفع بالطاعة، ولا تضره المعصية، لكنه لتظهر آثار رحمته وحكمته وسلطانه وقوته جعل هذه الشرائع، فليست الحكمة غرضًا ينتفع به الحكيم بالنسبة لله عز وجل أو يدفع به ضررًا عنه.
أما قولهم مُنَزَّه عن الأعراض يعني: أنه لا ينزل، ولا يستوي على السماء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب ولا يكره، فنقول: هذا يعني: إبطال ما وصف الله به نفسه، وهذا الإبطال هو بمنزلة الجحد؛ لأنهم يبطلون أشياء واضحة المعنى، فهي كما لو قال الذي اشترى فرسًا قال: اشتريت خبزًا، هل يَصْدُق بهذا؟ ما يصدق، تحريفاتهم للنصوص مثل تحريفات مَنْ قال: اشتريت خبزًا، يريد: اشتريت فرسًا، لكنهم لا يصَرِّحُون بالنفي، يقولون: إن الله لا يغضب، يقول: يغضب لكن المراد بغضبه الانتقام أو إرادة الانتقام.
الثالث: الأبعاض، يقولون: ما يمكن أن يكون لله وجه ولا عين ولا يد ولا قدم ولا ساق، فنقول: سبحان الله أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]؟
فإذا قالوا: الله أعلم، نقول: هل يُحَدِّثُ الله تعالى بالكذب؟ إذا قالوا: لا يمكن أن يكذب، هو أصدق القائلين؛ قلنا: إذن، كيف تقولون: ليس له يد حقيقية، ليس له وجه حقيقي؟
فالحاصل أنَّا نقول: إن نفي الحكمة يعني أن أفعال الله تعالى كلها سفه؛ لأنه إذا انتفت الحكمة حل العبث، ضده لا بد؛ إذ لا يُعْقَل أن فاعلًا يفعل ما ليس له حكمة إلا وله ضدها، فالحمد لله الذي هدانا، نسأل الله أن يُثَبِّتَنا وإياكم.
إذن، الآية هذه تفيد الحكمة على الوجوه الأربعة. فلنعود إلى الفوائد منها:
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه السلام -وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله عز وجل فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُلكمال حكمته، وَهُمْ يُسْأَلُونَلأنهم عابدون لله عز وجل.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١١٩، ١٢٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
قال الله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَسأذكر ما يفتح الله به علينا من فوائدها:
من فوائد هذه الآية الكريمة: تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ لأن هذا من عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أحد الأنبياء أولي العزم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله عز وجل فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر.
والثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله عز وجل، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.
هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى أعم وأخص؛ أخص هذه العبودية الخاصة عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما في قول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، وقوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠]، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١]، وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف: ١] والأمثلة كثيرة، وقال في نوح: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]، هذه أخص أنواع العبودية، وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بأمر زائد على ما كُلِّف به المرسل إليهم من تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تبارك وتعالى أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله عز وجل- لمن شاء من عباده؛ لقوله: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.
واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معاني أخرى لا يدل عليها اللفظ الاشتقاقي لكن تكون من اللوازم، كالخالق مثلًا، الخالق من أسماء الله، الخلَّاق من أسماء الله تدل على صفة الخلق، وتدل على صفات أخرى لازمات لذلك وهي العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء؛ وجه هذا أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ فلهذا نقول: صفات الله عز وجل التي بلغتنا أكثر من أسمائه.
فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها (فإنك أنت الغفور الرحيم)؛ لأن إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُجواب إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْوالمناسب أن يقول: (إنك أنت الغفور الرحيم) فما الجواب؟
قيل: إن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنى واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: إِنْ تُعَذِّبْهُمْوجوابها: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْجوابها: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة لمن يستحق المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة، هذا من وجه.
من وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون، والله أعلم بمراده.
{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في هذه الآيات كلها: إثبات القول لله عز وجل، وأنه مسموع وأنه بحرف؛ لأن مقول القول هو حروف، والله تعالى يخاطب من يُخاطِب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه كما هو مذهب الأشعري، قصدي بالأشعري المنتسب لأبي الحسن الأشعري، لا نفس أبي الحسن.
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْهَذَاالمشار إليه: يوم القيامة، ويَوْمُخبر المبتدأ؛ ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا؛ إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب {هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ} وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع يومَ ينفع الصادقين صدقهم.
وقوله: يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْالصدق يكون بالقول وبالعمل؛ يعني بالفعل وبالاعتقاد، أما الصدق بالقول فهو مطابقة الخبر للواقع، مطابقة الخبر للواقع هذا صدق؛ صدق بالقول، وأما الصدق بالاعتقاد فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: لا إله إلا الله، هذا خبر، صِدْق ولّا كَذِب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب؛ بمعنى هل القلب يؤمن بهذا بأنه لا إله إلا الله أو لا؟
إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه صِدْق القول وصدق الاعتقاد.
صدقُ الفعل أن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْوالصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الفوائد.
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُلَهُمْخبر مقدم، وهذا يقتضي الاختصاص أي لهم دون غيرهم.
جَنَّاتٌ تَجْرِيالجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة؛ أما الإفراد فباعتبار الجنس فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مئة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢].
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالجريان معروف، والْأَنْهَارُجمع نهر وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، هذا في الشراب، في المأكل: وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [محمد: ١٥] في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد: ١٥].
وقوله: مِنْ تَحْتِهَايعني لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟ لا، مِنْ تَحْتِهَاأي: من تحت هذه الأشجار والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة بدون أخدود وبدون حفر تجري على السطح، لا تحتاج إلى أخدود تقوم، ولا الحُفَر تُحْفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين يُصَرِّفها الإنسان كما شاء.
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ٥٧] الخلود: هو المُكث الطويل، فإن أُكِّد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليل على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أُكِّد بالأبدية انقطع القول بأنه خلود طويل لأنه أكد بالأبدية.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْبما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة؛ فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون، فيَعُدُّون عليه نعمه عليهم، فيقول: إِنَّ لَكُمْ أَنْ أُحِلَّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَغْضَبُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وهذا الرضوان الدائم الكامل.
وَرَضُوا عَنْهُبماذا؟ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة؛ فإن المؤمن لا شك مسرور بطاعة الله راض بها فرح بها.
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُذَلِكَالمشار إليه ما ذكره الله عز وجل من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد، وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب لكن أشار إليه لعلو مرتبته فإنه فوز لا نظير له، الفوز العظيم، يقال: فاز الرجل، إذا غلب غَلَبَةً مَرْضِيَّة، ولا يكون هذا إلا بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، والْعَظِيمُأي: ذو العظمة البالغة التي ليس لها نظير.
من فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
ومن فوائدها: أن قول الله تعالى بحروف، وليس المعنى القائم بنفسه؛ لأن مقول القول حروف.
ومنها: أن قول الله تعالى بصوت مسموع؛ لأن كل هذا في سياق المحاورة مع عيسى عليه الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن القول عند الإطلاق لا يراد به إلا اللفظ المسموع، لا يمكن أن يراد بالقول عند الإطلاق المعنى القائم بالنفس أبدًا، بل إذا أريد به المعنى القائم بالنفس قُيِّد، كما في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة: ٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفائدة العظيمة في الصدق؛ لأن الإنسان في يوم القيامة أحوج ما يكون إلى ما ينفعه، والصدق يوم القيامة ينفع.
ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» .
والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقال: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ٩٤] لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
أما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.
ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، مَنْ يعرف وجه ذلك؟
طالب: تقديم الخبر على المبتدأ.
الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الحصر.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وهل هي موجودة الآن؟ نعم، هي الآن موجودة في السماوات؛ قال الله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى ، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف هي والنار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله عز وجل؛ لقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، والرضا صفة فعلية أو ذاتية؟
طالب: فعلية.
الشيخ: فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية، وهل هي حقيقة أو هي كناية عن إرادة الثواب أو هي الثواب نفسه؟ فيها قولان: القول الأول: أنها حقيقة، وهذا القول هو الذي يجب اتباعه؛ لأنه ظاهر الكتاب، والواجب إجراء الكتاب على ظاهره بدون تحريف.
فإن قال قائل: الرضا معنى يقوم بالنفس، يقوى ويضعف ويزول ويبقى؟
قلنا: وما المانع أن نثبت هذا لله، وقد أثبته لنفسه؟ ما هو المانع؟ لكن نعلم أن رضا الله ليس كرضا المخلوق الذي يزول بأدنى سبب أو يوجد بأدنى سبب، بل له أسبابه المقتضية له، وله ما يزيله على وجه يختص بالله عز وجل؛ لأن لدينا قاعدة عامة وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، أهل التحريف قالوا: إن الله لا يمكن يرضى، الرضا صفة عارضة، والله تعالى مُنَزَّه عن الصفات العارضة؛ لأن الصفات العارضة صفات حادثة، والحادث لا يقوم إلا بمحدَث، وكل هذه التعليلات وهمية لا عقلية، منقوضة بدلالة الكتاب والسنة على ثبوت ذلك، ولهذا -أي لكونهم لا يعتقدون الرضا الحقيقي- قالوا: معنى الرضا: إرادة الثواب، ولم يقولوا: إنه الثواب، بل قالوا: إرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة.
تعرفون أن الأشعرية يثبتون سبع صفات: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فقالوا: الرضا إرادة الثواب، ومنهم من يقول -وهم الذين لا يثبتون الإرادة- يقول: إن الرضا هو الثواب، والثواب -كما نعلم- شيء منفصل عن الله مخلوق يكون بالكلمة -كلمة الله عز وجل- ولا شك أن هذا تحريف، وكما تعلمون مما ذكرنا في الحديث أن الرضا الذي يعطيه الله أهل الجنة أعظم مُنَاهُم وأكمل من كُلِّ ما يجدونه في الجنة من النعيم، فكيف نفسِّره بما هو أدنى، ونقول: هو الثواب أو إرادة الثواب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رضا أهل الصدق عن الله عز وجل، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟
الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْقال: وَرَضُوا عَنْهُ، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟
فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٧، ١٠٨].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز حقيقة ليس بالربح؛ بربح الدينار والدرهم والجاه والرئاسة، الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
ثم قال جل وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِلله وحده، واستفدنا (وحده) من تقديم الخبر، أي: لله وحده لا غيره.
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيتصرَّف فيه كما يشاء ولا يشاركه أحد في ملكه، قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِجَمَع (السماوات)؛ لأن عددها سبع، وأفرد (الأرض) باعتبار الجنس، وإلا فإن الأرضين سبع.
وَمَا فِيهِنَّمَا فِيهِنَّمَاهنا اسم موصول، وعبَّر بـمَاالأداة التي يُعَبَّر بها عن غير العاقل، قالوا: لأن أكثر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء، وأكبر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء؛ فلهذا قال: وَمَا فِيهِنَّ، وقيل: بل عبَّر بـمَا؛ لأنها تشمل الأعيان والأحوال، فكأنه قال: وَمَا فِيهِنَّمن أعيانٍ وأحوال، و(مَن) إنما يعبر بها في العاقل لتعيين الشخص نفسه، وهذه فائدة لا تكد تجدها عند كثير من النحويين، لكن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أشار إليها؛ أنَّ (مَنْ) للعاقل إذا قُصِدَ التعيين؛ يعني عينه، أما إذا قُصِدَ عموم الأعيان والأحوال فإنه يؤتى بـ(ما).
وأَبْيَن مثال لذلك قول الله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣]، ولم يقل: (من)، لكن لو قال قائل لشخص: تزوج مَن شئت مِن بناتي، فـ(مَن) هنا جاءت لأجل التعيين، وهذا معنى لطيف؛ أنه إذا قُصِدَ بـ(ما) ما يشمل الأعيان والأحوال فإنها أفصح من الإتيان بـ(من).
وقوله: مَا فِيهِنَّمن المخلوقات العظيمة، واسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ» «أَطَّتْ» يعني صار لها صوت كسرير الرحل عند ثِقَلِ الحمل، البعير إذا حَمَّلْت عليها فإن رحلها يكون له صوت يسمَّى أطيطًا.
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌأي: مع عموم ملكه قدرتُه أيضًا عامة على كل شيء، ما من موجود إلا وهو قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا وهو قادر على إيجاده تبارك وتعالى، ولا يُسْتَثْنى من هذا شيء، هو قادر على كل شيء، وأخطأ صاحب الجلالين في التفسير؛ حيث قال عند هذه الآية: (وخَصَّ العقل ذاته فليس عليها بقادر)؛ فإن هذا قول منكر، لكن هذا مقتضى مذهبه حيث ينفي أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله؛ يعني عنده أن الله لا ينزل ولا يستوي على العرش ولا يضحك ولا يفرح، ومن المعلوم أن الأفعال الاختيارية تكون بمشيئته فهو قادر على إيجادها وإعدامها، فالقول هذا منكر مبنيٌّ على عقيدة فاسدة.
ونحن نقول: إن الله على كل شي قدير ولا نستثنى، يفعل ما يشاء عز وجل.
طالب: في قوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُقلنا: تقديم الخبر يفيد الحصر، الثاني: كيف حصر على الصَّادِقِينَمع أن الجنات..؟
الشيخ: لا، أصلًا ليس هناك مؤمن إلا وهو صادق، فلا إشكال.
طالب: قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاإذا أُكِّدَ الخلود بالأبدية، فهل يكون من لازمه الخلود بمكان الخلود؟
الشيخ: إي معلوم، لو عُدِمَ المكان أين يكون الخالد؟ ضروري.
طالب: (...) قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ(...) أسباب المغفرة (...) إن الله قد يغفر لعباده بمقتضى رحمته تفضُّلًا منه؟
الشيخ: المغفرة ما فيها إشكال، الإشكال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ؛ فإنه لن يعذبهم إلا بذنب.
الطالب: الإشكال عندي (...) قَدَّرْت له أسباب المغفرة.
الشيخ: في مقابل قدَّرْت له أسباب العذاب.
الطالب: (...) حين يعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد يغفر، وينتهي العبد (...).
الشيخ: نعم، إن الله يغفر ما دون الشرك بفضله ومَنِّه، لكن كونه لم يشرك من أسباب المغفرة التي تكون تحت مشيئة الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدعاة يذكرون صفة الجنة وكذا؛ يعني ذكروا أن الرجل الذي يشرب الدخان إذا مَنَّ الله عليه أن دخل الجنة، ثم اشتهى دخَّانًا في الجنة، فيؤتى بدخان ولم يوجد نار في الجنة، يروح علشان يولع سيجارة من النار ويدخلونه النار.
الشيخ: يدور (...)، من قال هذا؟
الطالب: بعض الدعاة يتكلمون بهذا.
الشيخ: أعوذ بالله، هذا غلط عظيم، واعلم أنه لا يمكن أن يشتهي أهل الجنة شيئًا محرَّمًا أبدًا.
طالب: (...) ذكرنا في العبودية -يا شيخ- أن العبودية العامة هي عبودية القدَرْ.
الشيخ: القدر يعني التقدير.
طالب: فهل يفهم من هذا أن الحيوانات عباد لله؟
الشيخ: إي نعم، غير الآدميين والجن عباد لله تعالى بالقدر والشرع.
الطالب: الآن -يا شيخ- في الآية: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ [مريم: ٩٣] (...).
الشيخ: لا، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج: ١٨].
الطالب: يعني (من) هذه (...) كونها أداة للعاقل (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: كون (من) للعاقل.
الشيخ: (من) للعاقل إذا أريد التعيين.
طالب: أحيانًا الإنسان إذا أراد أن يصدق، الصدق يوقعه في الإحراج، مثل أن يكون له شيء، طلب منه رجلٌ آخر (...)، قال: ما عندي.
الشيخ: ما عندي.
الطالب: نعم، وهو عنده لكن بقصد المماطلة.
الشيخ: هذه سهلة، يتأول، في التأويل مندوحة عن الكذب؛ يقول: ما عندي شيء أقرضك إياه، ينوي هذا، والنية تخصِّص العام، فهمت؟ خلِّ هذا عندك مسألة تأويل، انتفع بها، إن في التأويل لمندوحة عن الكذب.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، (...) قول الله عز وجل: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور: ٤٥].
الشيخ: قالوا: من باب التغليب، لأجل العطف.
طالب: رضي الله عنك، يا شيخ، إذا نظرنا لطريقة الرسل مع ربهم سبحانه وتعالى يخاطبونه كأنهم بين يديه، يعتقدون أنهم بين يديه، وأهل الكلام يا شيخ (...) تكلَّموا بكلام، وحرَّفوا تحريفًا وكذَّبوا الرسول، وكذبوا نصوص القرآن الظاهرة، مثل أهل الكلام -يا شيخ- أعظمهم ذنبًا هم ولَّا ذنب اللي ما يعترف بالربوبية..
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
قال الله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَسأذكر ما يفتح الله به علينا من فوائدها:
من فوائد هذه الآية الكريمة: تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ لأن هذا من عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أحد الأنبياء أولي العزم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله عز وجل فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر.
والثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله عز وجل، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.
هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى أعم وأخص؛ أخص هذه العبودية الخاصة عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما في قول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، وقوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠]، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١]، وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف: ١] والأمثلة كثيرة، وقال في نوح: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]، هذه أخص أنواع العبودية، وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بأمر زائد على ما كُلِّف به المرسل إليهم من تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تبارك وتعالى أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله عز وجل- لمن شاء من عباده؛ لقوله: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.
واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معاني أخرى لا يدل عليها اللفظ الاشتقاقي لكن تكون من اللوازم، كالخالق مثلًا، الخالق من أسماء الله، الخلَّاق من أسماء الله تدل على صفة الخلق، وتدل على صفات أخرى لازمات لذلك وهي العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء؛ وجه هذا أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ فلهذا نقول: صفات الله عز وجل التي بلغتنا أكثر من أسمائه.
فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها (فإنك أنت الغفور الرحيم)؛ لأن إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُجواب إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْوالمناسب أن يقول: (إنك أنت الغفور الرحيم) فما الجواب؟
قيل: إن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنى واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: إِنْ تُعَذِّبْهُمْوجوابها: فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْجوابها: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة لمن يستحق المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة، هذا من وجه.
من وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون، والله أعلم بمراده.
تفسير الآية (119)
00:54:30
{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في هذه الآيات كلها: إثبات القول لله عز وجل، وأنه مسموع وأنه بحرف؛ لأن مقول القول هو حروف، والله تعالى يخاطب من يُخاطِب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه كما هو مذهب الأشعري، قصدي بالأشعري المنتسب لأبي الحسن الأشعري، لا نفس أبي الحسن.
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْهَذَاالمشار إليه: يوم القيامة، ويَوْمُخبر المبتدأ؛ ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا؛ إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب {هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ} وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع يومَ ينفع الصادقين صدقهم.
وقوله: يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْالصدق يكون بالقول وبالعمل؛ يعني بالفعل وبالاعتقاد، أما الصدق بالقول فهو مطابقة الخبر للواقع، مطابقة الخبر للواقع هذا صدق؛ صدق بالقول، وأما الصدق بالاعتقاد فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: لا إله إلا الله، هذا خبر، صِدْق ولّا كَذِب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب؛ بمعنى هل القلب يؤمن بهذا بأنه لا إله إلا الله أو لا؟
إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه صِدْق القول وصدق الاعتقاد.
صدقُ الفعل أن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْوالصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الفوائد.
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُلَهُمْخبر مقدم، وهذا يقتضي الاختصاص أي لهم دون غيرهم.
جَنَّاتٌ تَجْرِيالجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة؛ أما الإفراد فباعتبار الجنس فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مئة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢].
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُالجريان معروف، والْأَنْهَارُجمع نهر وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، هذا في الشراب، في المأكل: وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [محمد: ١٥] في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد: ١٥].
وقوله: مِنْ تَحْتِهَايعني لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟ لا، مِنْ تَحْتِهَاأي: من تحت هذه الأشجار والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة بدون أخدود وبدون حفر تجري على السطح، لا تحتاج إلى أخدود تقوم، ولا الحُفَر تُحْفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين يُصَرِّفها الإنسان كما شاء.
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ٥٧] الخلود: هو المُكث الطويل، فإن أُكِّد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليل على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أُكِّد بالأبدية انقطع القول بأنه خلود طويل لأنه أكد بالأبدية.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْبما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة؛ فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون، فيَعُدُّون عليه نعمه عليهم، فيقول: إِنَّ لَكُمْ أَنْ أُحِلَّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَغْضَبُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، وهذا الرضوان الدائم الكامل.
وَرَضُوا عَنْهُبماذا؟ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة؛ فإن المؤمن لا شك مسرور بطاعة الله راض بها فرح بها.
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُذَلِكَالمشار إليه ما ذكره الله عز وجل من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد، وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب لكن أشار إليه لعلو مرتبته فإنه فوز لا نظير له، الفوز العظيم، يقال: فاز الرجل، إذا غلب غَلَبَةً مَرْضِيَّة، ولا يكون هذا إلا بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، والْعَظِيمُأي: ذو العظمة البالغة التي ليس لها نظير.
من فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ.
ومن فوائدها: أن قول الله تعالى بحروف، وليس المعنى القائم بنفسه؛ لأن مقول القول حروف.
ومنها: أن قول الله تعالى بصوت مسموع؛ لأن كل هذا في سياق المحاورة مع عيسى عليه الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن القول عند الإطلاق لا يراد به إلا اللفظ المسموع، لا يمكن أن يراد بالقول عند الإطلاق المعنى القائم بالنفس أبدًا، بل إذا أريد به المعنى القائم بالنفس قُيِّد، كما في قوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة: ٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفائدة العظيمة في الصدق؛ لأن الإنسان في يوم القيامة أحوج ما يكون إلى ما ينفعه، والصدق يوم القيامة ينفع.
ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» .
والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقال: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ٩٤] لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
أما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.
ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، مَنْ يعرف وجه ذلك؟
طالب: تقديم الخبر على المبتدأ.
الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الحصر.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وهل هي موجودة الآن؟ نعم، هي الآن موجودة في السماوات؛ قال الله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى ، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف هي والنار.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله عز وجل؛ لقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، والرضا صفة فعلية أو ذاتية؟
طالب: فعلية.
الشيخ: فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية، وهل هي حقيقة أو هي كناية عن إرادة الثواب أو هي الثواب نفسه؟ فيها قولان: القول الأول: أنها حقيقة، وهذا القول هو الذي يجب اتباعه؛ لأنه ظاهر الكتاب، والواجب إجراء الكتاب على ظاهره بدون تحريف.
فإن قال قائل: الرضا معنى يقوم بالنفس، يقوى ويضعف ويزول ويبقى؟
قلنا: وما المانع أن نثبت هذا لله، وقد أثبته لنفسه؟ ما هو المانع؟ لكن نعلم أن رضا الله ليس كرضا المخلوق الذي يزول بأدنى سبب أو يوجد بأدنى سبب، بل له أسبابه المقتضية له، وله ما يزيله على وجه يختص بالله عز وجل؛ لأن لدينا قاعدة عامة وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، أهل التحريف قالوا: إن الله لا يمكن يرضى، الرضا صفة عارضة، والله تعالى مُنَزَّه عن الصفات العارضة؛ لأن الصفات العارضة صفات حادثة، والحادث لا يقوم إلا بمحدَث، وكل هذه التعليلات وهمية لا عقلية، منقوضة بدلالة الكتاب والسنة على ثبوت ذلك، ولهذا -أي لكونهم لا يعتقدون الرضا الحقيقي- قالوا: معنى الرضا: إرادة الثواب، ولم يقولوا: إنه الثواب، بل قالوا: إرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة.
تعرفون أن الأشعرية يثبتون سبع صفات: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فقالوا: الرضا إرادة الثواب، ومنهم من يقول -وهم الذين لا يثبتون الإرادة- يقول: إن الرضا هو الثواب، والثواب -كما نعلم- شيء منفصل عن الله مخلوق يكون بالكلمة -كلمة الله عز وجل- ولا شك أن هذا تحريف، وكما تعلمون مما ذكرنا في الحديث أن الرضا الذي يعطيه الله أهل الجنة أعظم مُنَاهُم وأكمل من كُلِّ ما يجدونه في الجنة من النعيم، فكيف نفسِّره بما هو أدنى، ونقول: هو الثواب أو إرادة الثواب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رضا أهل الصدق عن الله عز وجل، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟
الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْقال: وَرَضُوا عَنْهُ، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟
فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٧، ١٠٨].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز حقيقة ليس بالربح؛ بربح الدينار والدرهم والجاه والرئاسة، الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
تفسير الآية (120)
01:15:48
ثم قال جل وعلا: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِلله وحده، واستفدنا (وحده) من تقديم الخبر، أي: لله وحده لا غيره.
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيتصرَّف فيه كما يشاء ولا يشاركه أحد في ملكه، قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِجَمَع (السماوات)؛ لأن عددها سبع، وأفرد (الأرض) باعتبار الجنس، وإلا فإن الأرضين سبع.
وَمَا فِيهِنَّمَا فِيهِنَّمَاهنا اسم موصول، وعبَّر بـمَاالأداة التي يُعَبَّر بها عن غير العاقل، قالوا: لأن أكثر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء، وأكبر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء؛ فلهذا قال: وَمَا فِيهِنَّ، وقيل: بل عبَّر بـمَا؛ لأنها تشمل الأعيان والأحوال، فكأنه قال: وَمَا فِيهِنَّمن أعيانٍ وأحوال، و(مَن) إنما يعبر بها في العاقل لتعيين الشخص نفسه، وهذه فائدة لا تكد تجدها عند كثير من النحويين، لكن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أشار إليها؛ أنَّ (مَنْ) للعاقل إذا قُصِدَ التعيين؛ يعني عينه، أما إذا قُصِدَ عموم الأعيان والأحوال فإنه يؤتى بـ(ما).
وأَبْيَن مثال لذلك قول الله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣]، ولم يقل: (من)، لكن لو قال قائل لشخص: تزوج مَن شئت مِن بناتي، فـ(مَن) هنا جاءت لأجل التعيين، وهذا معنى لطيف؛ أنه إذا قُصِدَ بـ(ما) ما يشمل الأعيان والأحوال فإنها أفصح من الإتيان بـ(من).
وقوله: مَا فِيهِنَّمن المخلوقات العظيمة، واسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ» «أَطَّتْ» يعني صار لها صوت كسرير الرحل عند ثِقَلِ الحمل، البعير إذا حَمَّلْت عليها فإن رحلها يكون له صوت يسمَّى أطيطًا.
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌأي: مع عموم ملكه قدرتُه أيضًا عامة على كل شيء، ما من موجود إلا وهو قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا وهو قادر على إيجاده تبارك وتعالى، ولا يُسْتَثْنى من هذا شيء، هو قادر على كل شيء، وأخطأ صاحب الجلالين في التفسير؛ حيث قال عند هذه الآية: (وخَصَّ العقل ذاته فليس عليها بقادر)؛ فإن هذا قول منكر، لكن هذا مقتضى مذهبه حيث ينفي أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله؛ يعني عنده أن الله لا ينزل ولا يستوي على العرش ولا يضحك ولا يفرح، ومن المعلوم أن الأفعال الاختيارية تكون بمشيئته فهو قادر على إيجادها وإعدامها، فالقول هذا منكر مبنيٌّ على عقيدة فاسدة.
ونحن نقول: إن الله على كل شي قدير ولا نستثنى، يفعل ما يشاء عز وجل.
طالب: في قوله: لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُقلنا: تقديم الخبر يفيد الحصر، الثاني: كيف حصر على الصَّادِقِينَمع أن الجنات..؟
الشيخ: لا، أصلًا ليس هناك مؤمن إلا وهو صادق، فلا إشكال.
طالب: قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاإذا أُكِّدَ الخلود بالأبدية، فهل يكون من لازمه الخلود بمكان الخلود؟
الشيخ: إي معلوم، لو عُدِمَ المكان أين يكون الخالد؟ ضروري.
طالب: (...) قوله تعالى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ(...) أسباب المغفرة (...) إن الله قد يغفر لعباده بمقتضى رحمته تفضُّلًا منه؟
الشيخ: المغفرة ما فيها إشكال، الإشكال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ؛ فإنه لن يعذبهم إلا بذنب.
الطالب: الإشكال عندي (...) قَدَّرْت له أسباب المغفرة.
الشيخ: في مقابل قدَّرْت له أسباب العذاب.
الطالب: (...) حين يعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد يغفر، وينتهي العبد (...).
الشيخ: نعم، إن الله يغفر ما دون الشرك بفضله ومَنِّه، لكن كونه لم يشرك من أسباب المغفرة التي تكون تحت مشيئة الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدعاة يذكرون صفة الجنة وكذا؛ يعني ذكروا أن الرجل الذي يشرب الدخان إذا مَنَّ الله عليه أن دخل الجنة، ثم اشتهى دخَّانًا في الجنة، فيؤتى بدخان ولم يوجد نار في الجنة، يروح علشان يولع سيجارة من النار ويدخلونه النار.
الشيخ: يدور (...)، من قال هذا؟
الطالب: بعض الدعاة يتكلمون بهذا.
الشيخ: أعوذ بالله، هذا غلط عظيم، واعلم أنه لا يمكن أن يشتهي أهل الجنة شيئًا محرَّمًا أبدًا.
طالب: (...) ذكرنا في العبودية -يا شيخ- أن العبودية العامة هي عبودية القدَرْ.
الشيخ: القدر يعني التقدير.
طالب: فهل يفهم من هذا أن الحيوانات عباد لله؟
الشيخ: إي نعم، غير الآدميين والجن عباد لله تعالى بالقدر والشرع.
الطالب: الآن -يا شيخ- في الآية: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ [مريم: ٩٣] (...).
الشيخ: لا، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج: ١٨].
الطالب: يعني (من) هذه (...) كونها أداة للعاقل (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: كون (من) للعاقل.
الشيخ: (من) للعاقل إذا أريد التعيين.
طالب: أحيانًا الإنسان إذا أراد أن يصدق، الصدق يوقعه في الإحراج، مثل أن يكون له شيء، طلب منه رجلٌ آخر (...)، قال: ما عندي.
الشيخ: ما عندي.
الطالب: نعم، وهو عنده لكن بقصد المماطلة.
الشيخ: هذه سهلة، يتأول، في التأويل مندوحة عن الكذب؛ يقول: ما عندي شيء أقرضك إياه، ينوي هذا، والنية تخصِّص العام، فهمت؟ خلِّ هذا عندك مسألة تأويل، انتفع بها، إن في التأويل لمندوحة عن الكذب.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، (...) قول الله عز وجل: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور: ٤٥].
الشيخ: قالوا: من باب التغليب، لأجل العطف.
طالب: رضي الله عنك، يا شيخ، إذا نظرنا لطريقة الرسل مع ربهم سبحانه وتعالى يخاطبونه كأنهم بين يديه، يعتقدون أنهم بين يديه، وأهل الكلام يا شيخ (...) تكلَّموا بكلام، وحرَّفوا تحريفًا وكذَّبوا الرسول، وكذبوا نصوص القرآن الظاهرة، مثل أهل الكلام -يا شيخ- أعظمهم ذنبًا هم ولَّا ذنب اللي ما يعترف بالربوبية..
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٢٠].
بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ١ - ٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما جرى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى تبرَّأ مما يدعيه النصارى فيه؛ بَيَّن أن لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا لا هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السماوات والأرض؛ فيستفاد من هذا: اختصاص ملك السماوات والأرض وما فيهن بالله عز وجل، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر، والقاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر سواء كان هذا الذي حقُّه التأخير خبرًا أو مفعولًا أو غير ذلك مما حقه التأخير.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض؛ يؤخذ من الإضافة مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] فإن نِعْمَةَمفرد، ولا يحتاج إلى عدد، لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: لَا تُحْصُوهَا؛ ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر، وعنده أَعْبُد مَنْ يَعْتِق منهم؟ الجميع إلا إذا كان له نية بعبدٍ خاصٍّ، ولو قال: زوجتي طالق، وعنده أربع؟ تطلق الزوجات كلهن ما لم يَنْوِ واحدة؛ لأن المفرد المضاف يكون للعموم.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما جرى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى تبرَّأ مما يدعيه النصارى فيه؛ بَيَّن أن لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا لا هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السماوات والأرض؛ فيستفاد من هذا: اختصاص ملك السماوات والأرض وما فيهن بالله عز وجل، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر، والقاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر سواء كان هذا الذي حقُّه التأخير خبرًا أو مفعولًا أو غير ذلك مما حقه التأخير.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض؛ يؤخذ من الإضافة مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] فإن نِعْمَةَمفرد، ولا يحتاج إلى عدد، لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: لَا تُحْصُوهَا؛ ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر، وعنده أَعْبُد مَنْ يَعْتِق منهم؟ الجميع إلا إذا كان له نية بعبدٍ خاصٍّ، ولو قال: زوجتي طالق، وعنده أربع؟ تطلق الزوجات كلهن ما لم يَنْوِ واحدة؛ لأن المفرد المضاف يكون للعموم.





