من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى
لما ذكر ما جرى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى تبرأ مما يدّعيه
النصارى فيه، بيّن أن لله ملك السماوات والأرض، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا، لا
هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السماوات والأرض.
فيستفاد من هذا: اختصاص ملك السماوات والأرض وما فيهن لله عز
وجل، وجه الاختصاص تقديم الخبر.
والقاعدة: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر،
سواء كان هذا الذي حقه التأخير خبرًا، أو مفعولًا، أو غير ذلك مما حقه
التأخير.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك
الله للسماوات والأرض، يؤخذ من الإضافة مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] فإن نِعْمَةَمفرد، ولا يحتاج إلى عدد لو أخذنا
بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول:
لَا تُحْصُوهَا.
ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر،
وعنده أعبد من يعتق منهم؟ الجميع، إلا إذا كان له نية بعبد خاص.
ولو قال: زوجتي
طالق، وعنده أربعة؟ تطلق الزوجات كلهن ما لم ينوِ واحدة؛ لأن المفرد المضاف يكون
للعموم.
من فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع
عدد، وقد بين الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، فقال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦] إذن فالسماوات سبع، وهي طباق كما قال الله تعالى
عن نوح: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا [نوح: ١٥] أي: متطابقة بعضها فوق بعض، وبينها مسافات
كما دل على ذلك حديث المعراج حيث كان جبريل عليه السلام يصعد بالنبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم سماء بعد سماء، كلما أتى سماء استفتح واستفهم أهلها: من هذا؟ من معك؟
هل هو رسول؟
وعلينا أن نؤمن بهذا، وأن ننكر قول أولئك الفلاسفة الذين يقولون:
إنه ليس هناك شيء، ليس هناك سماوات، وإنما هي مجرات ونجوم، وما أشبه ذلك، وفضاء لا
نهاية له، فإن هذا كذب؛ لأنه يخالف ما جاء في الكتاب والسنة، وليسوا أعلم بالله من
خلق الله عز وجل.
من فوائد الآية الكريمة: بيان
الحكمة من إفراد الأرض وجمع السماوات، الأرض أفردها الله عز وجل في كل موضع ذكرها
يفردها سبحانه وتعالى وإن كان في القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، ولعل من فائدة ذلك وحكمته أن الإنسان إذا ملك
ظاهر الأرض ملك إلى (...)، كل ما تحتها من أراضٍ فهي ملك له، ويشهد لهذا قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ
ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»
لأنه يملك القرار
إلى آخر الأرض السابعة، أخذ العلماء من هذا أنه كما يملك القرار يملك الهواء إلى
السماء، لو أراد أحد أن يبني على ساحة بيته رفًّا، يسمونه أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، قصدي رف
يجلس عليه! لا إله إلا الله! فرندا أو بلكونة؟ طيب لو أراد أن يبني على فناء بيت
جاره بلكونة، فإنه يمنعه حتى لو كانت عالية، لو أن أشجارهم امتدت أغصانها إلى هواء
جاره طالبه بقطعها، أو ليها إذا أمكن، إذن الهواء إلى أين؟ إلى السماء، القرار إلى
الأرض السابعة؛ لأنها كلها أرض واحدة عبّر الله عنها بالإفراد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات والأرض فيهن شيء،
وَمَا فِيهِنَّوهذا أمر معلوم، السماوات فيها
الملائكة، والأرض فيها: الإنس، والجن، والشياطين، كذلك أيضًا هناك غير ما فيه حياة:
الجبال، السحب، النجوم كلها ثابتة لله عز وجل لله ملكه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل على كل
شيء؛ لقوله تعالى: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،
وهذه العبارة -أعني هذه الصفة- مطلقة عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوهل هو قدير على ما لا يشاء؟
نعم، قدير على ما لا يشاؤه، فإذا
شاءه وقع، وبهذا نعرف خطأ من يعبر من الناس فيقول: إنه على ما يشاء قدير، ما يجوز
هذا، لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء، وقدّمت أيضًا المعمول خصصت قدرته
بأيش؟ بما يشاؤه دون ما لا يشاؤه، وهذا غلط، هو قادر على ما يشاء وما لا يشاء، لكن
ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال بعض المتأخرين: وإذا قلت: إنه على ما
يشاء قدير، فقد وافقت القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يشاء أفعال العبد، وإذا
كان لا يشاؤها لم يكن له قدرة عليها.
فالجملة هذه أيضًا: ترمي إلى قول مبتدع
قول القدرية، فإذا سمعت أحدًا يقول: إنه على ما يشاء قدير، قل له: قدير، وعلى ما لا
يشاء قدير، وليس لك الحق أن تقيد ما أطلقه الله عز وجل من الصفة، الله تعالى أطلقها
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌلا تقيد.
فإذا
قال قائل: إذا قررتم هذا فكيف تجيبون عن قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]؟
قلنا: المشيئة
هنا عائدة إلى الجمع؛ يعني: أنه إذا شاء جمعهم فهو قدير عليه، لا يعجز عنه خلافًا
لمن يقول: إنه لا يقدر على جمعهم، وأنكروا البعث، فيكون التقييد بالمشيئة هنا للجمع
لا للقدرة.
فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها،
فإذا قال الله له: هذا لك، قال الله تعالى: «إِنِّي عَلَى مَا
أَشَاءُ قَادِرٌ» ؟
نقول: نعم، هنا
المشيئة قُيّدت بفعل معين؛ يعني كأن الله يقول له: إني شئته فأنا قادر عليه، مثل
قوله: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌوالمهم أنه ليس لنا أن نقيد ما أطلقه الله عز وجل، بل نقول: إن الله على كل شيء
قدير.
ثم قال الله عز وجل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِنتكلم على البسملة، وإن كان هذا قد مر علينا كثيرًا، لكن لعل بعض الإخوة لم يكونوا حضروا.
البسملة: آية من كتاب الله عز وجل، تُبتدأ بها كل سورة ما عدا سورة (براءة) فإنها لم تبتدأ بالبسملة؛ لأن أي آية تنزل يبين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موضعها، لكن في سورة (براءة) ما ذكر البسملة، فأبقاها الصحابة رضي الله عنهم بدون بسملة، لكن أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من الأنفال؟ فوضعوا بينهما حاجزًا بدون بسملة، وأما من قال من العوام: إن الجن اختطفوها، فهذا لا أصل له إطلاقًا، ولا يجوز اعتقاده.
ولهذا يقول بعض العوام ورأيته أنا في بعض المصاحف: أعوذ بالله من النار، ومن غضب الجبار، ومن كيد الأشرار. بدل البسملة، وهذا حرام لا يجوز.
نقول: هكذا كتب الصحابة، وهم أسوتنا وقدوتنا.
هي بعض آية في سورة النمل؛ لأن الله تعالى ذكرها على سبيل الحكاية.
إذا جعلناها آية هل هي مستقلة أو تابعة لما بعدها؟
هي مستقلة، لا تابعة لما بعدها، فلا تُعد من آياتها، لكن اختلف الناس في البسملة في سورة الفاتحة، هل هي مستقلة أو من آيات الفاتحة؟
والصواب: أنها مستقلة؛ لدلالة السنة القولية والفعلية على ذلك: أما القولية: ففي الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» وذكر الحديث، ولم يذكر البسملة.
وأما السنة الفعلية: فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بالبسملة ، هذا هو الثابت عنه، وتركه الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، يدل على أنها ليست من الفاتحة، وإلا لجهر بها كما يجهر في بقية آياتها.
بقي أن يقال: البسملة مبدوءة بحرف الجر، والمعروف أن حروف الجر لا بد لها من عامل يسمى المتعلَّق، فأين متعلّقها؟
الجواب: متعلّقها محذوف، ويقدر بعدها، أما كونه محذوفًا فلأنه غير موجود، فلا بد أن يكون مقدّرًا.
وأما كونه يُقدّر بعدها فلوجهين:
الوجه الأول: التيمّن بالبداءة باسم الله.
والوجه الثاني: إفادة الحصر، كأنك تقول: لا أقرأ مثلًا إلا بـ (باسم الله)، إذن فيُقدّر متأخرًا أو سابقًا؟
متأخرًا، للوجهين اللذين ذكرناهما، وكيف نقدره؟ هل نقدره اسمًا أو فعلًا؟ وهل نقدره عامًّا أو خاصًّا؟
هذه أربعة احتمالات، هل نقدره فعلًا أو اسمًا؟
نقول: نقدره فعلًا؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، ولذلك لا تجد اسمًا يعمل عمل الفعل إلا بشروط، وإذا كان هو الأصل كان تقديره أولى من تقدير الاسم.
وهل نقدره عامًّا أو خاصًّا؟
نقول: نقدره خاصًّا؛ لأن الخاص أدل على المقصود من العام، فالآن نضرب أمثلة: إذا قدرنا: باسم الله ابتدائي، فهذا مخالف للأولى من وجهين، باسم الله ابتدائي، مخالف في الوجهين:
الأول: أنا قدرناه اسمًا.
والثاني: قدرناه عامًّا.
فإذا قال: باسم الله أبتدئ، فهو مخالف من وجه واحد، وهو تقديره عامًّا.
وإذا قلت: باسم الله قراءتي، من وجه واحد، وهو أنك قدرته اسمًا. وإذا قلت: باسم الله أقرأ، فهذا أحسن التقديرات؛ لأنه فعل، ومتأخر وخاص، فهو أدل، والدليل أنك تقدر الخاص الحديث: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ» هذا يدل على أنك تقدّر الفعل الخاص المناسب.
عند الوضوء: باسم الله؛ التقدير: أتوضأ، عند القراءة: باسم الله؛ أقرأ، عند الكتابة: باسم الله؛ أكتب.
أما اسم الله اسم مفرد مضاف إلى الله عز وجل فيقتضي البداءة بكل اسم من أسماء الله، فأنت إذا قلت: باسم الله، كأنما قلت: بكل اسم من أسماء الله.
و(الله) كلمة عظيمة جدًّا علم على الله جل وعلا، لا يسمى به غيره لا في الجاهلية، ولا في الإسلام، وهو أصل لجميع الأسماء، ولهذا لا تأتي الأسماء إلا بعده تابعة له؛ لأنه الأصل.
طالب: (...) البداءة بـ(باسم الله) في أثناء السور؟
الشيخ: البداءة بـ(باسم الله) في أثناء السورة ذكر بعض أهل العلم أنها سنة؛ يعني مستحبة، والصواب أنها ليست مستحبة؛ لأن الله تعالى قال: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] فمثلًا إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٨٤] فقد زدت، يعني كأنما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقط، فإذا قال: أليس هذا فعلًا وينبغي أن أبدأ بكل فعل بالبسملة؟
قلنا: إذا قلت هذا فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن الصحيح أنه لا يستحب البداءة بها.
طالب: لكن يا شيخ، في المدارس يلقى على الطلاب يعلمون ويكرر عليهم (...).
الشيخ: نعم، يعلمون لئلا يتخذوها سنة.
طالب: أحسن الله إليك، بعض المبتدعة يقولون: إن الله على كل شيء قدير. هل الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق نفسه؟
الشيخ: أعوذ بالله!
الطالب: ومنهم: من يقول: هل الله قادر على المعدوم؟ مثل هذه الأسئلة؟
الشيخ: ما يخالف، نقول: أما قادر على أن يخلق نفسه، فكيف يكون هذا؟ لأنه قبل نفسه معدوم، كيف يكون؟
وأما قدرته على المعدوم، فنعم، يقدر أن يخلق المعدوم قبل أن يكون، السماوات والأرض هل هي قديمة أزلية؟
أبدًا، ما هي أزلية موجودة بعد أن لم تكن، كل ما سوى الله فهو موجود بعد أن لم يكن، لكن يقولون: إن الشيطان قال له أبناؤه: إنك إذا مات العابد لا تهتم به، وإذا مات العالم فرحت فرحًا عظيمًا؟ قال: نعم؛ لأن العالم أشد عليّ ضررًا من العابد.
قال: إن موت العابد، إذا مات مات عن نفسه، لكن العالم هو الذي حَرْب له، فأفرح إذا مات، قالوا: طيب، نريد مثالًا، فأرسل إلى العابد، وقال له: هل يمكن أن يجعل الله السماوات والأرض في بيضة؟ ويش قال العابد؟
قال: ما يمكن، ما يصير، أرسل إلى العالم قال: هل يمكن أن يجعل الله السماوات والأرض في بيضة؟
قال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] قال: يلا، هذا ابن حلال، هذا عابد يمكن يكون له مئة سنة، ووصف الله بالعجز، والعالم قال كلمة حقيقة: لو أراد الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض في بيضة. قال: كن فيكون. وإن كنا لا ندرك هذا بعقولنا، فالمهم أن الشيطان يورد على الإنسان مثل هذه الأشياء.
ولكن الإنسان إذا قال: آمنت بالله، وأنه على كل شيء قدير، وأن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون؛ زال هذا.
طالب: الفرق بين المعدوم الممكن والمعدوم الممتنع؟
الشيخ: أبدًا، كل هذا من طرق المتكلمين، ولا ينبغي أن يبحث فيها إطلاقًا.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ١ - ٣].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الدرس الماضي أن شرعنا في الكلام على البسملة، أليس كذلك؟
انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِوذكرنا أن هذا الاسم العظيم هو أصل الأسماء، ولا يسمى به سوى الله عز وجل.
أما قوله: الرَّحْمَنِفالرحمن مشتق من الرحمة، ولكنه على صيغة (فَعْلان)، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء، فيكون معناه: أنه ذو رحمة واسعة، ولهذا فسرها بعضهم بأن الرَّحْمَنِذو الرحمة العامة، ولكن الصواب: أنه ذو الرحمة الواسعة، يرحم من شاء عز وجل، فهي أدل على الوصف منها على الفعل، أدل على الوصف أنها وصف لله منها على الفعل.
أما الرَّحِيمِفهي صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف، فسبقت الرَّحْمَنِ؛ لأنها وصف، وأتت الرَّحِيمِلأنها فعل، فهو رحمان يرحم، وقد ذكر الله تبارك وتعالى أنه بالمؤمنين رحيم، والمراد الرحمة الخاصة.
إذن الرَّحْمَنِتدل على أيش؟ على الوصف، والرَّحِيمِعلى الفعل؛ يعني أنه يرحم.
قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فأما العامة فهي الشاملة لجميع الخلق، المؤمن، والكافر، والبر والفاجر، والصغير، والكبير، والبهيم، والعاقل، كل الخلق تحت رحمة الله عز وجل، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة.
الرحمة الخاصة: هي التي تختص بالمؤمنين، فهي رحمة خاصة، والفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله عز وجل على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة.
أما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل، لا يعاملون بالرحمة، البهائم، وغير العاقل كذلك يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بينهم بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكن ترابًا، فيكن ترابًا، ولا نعيم.
فالرحمة إذن كم؟ نوعان أو قسمان: عامة: تشمل جميع الخلق، وخاصة: تختص بالمؤمنين.
الفرق بينهما؛ أن العامة إنما تكون في الدنيا فقط، والخاصة تكون في الدنيا والآخرة. اللهم ارحمنا برحمتك.
وذكر هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك، فلن تستفيد من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله عز وجل، و(اللام) في قوله: لِلَّهِإما للاختصاص وإما للاستحقاق.
ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِللعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله عز وجل، فتكون (اللام) للاستحقاق، وللاختصاص أيضًا، ولكن ما هو الحمد؟
الحمد كثير من الناس يفسره بـ(الثناء على الجميل الاختياري)، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء يكون تكرار الحمد، والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ» . وهذا يدل على أن الثناء هو تكرار الوصف الكامل، والاشتقاق يدل عليه؛ لأن الثناء من الثني، وهو إعادة الشيء، أو رد الشيء بعضه إلى بعض.
وأما قولهم: (على الجميل الاختياري) فهو بالنسبة لله عز وجل غير صحيح؛ لأن الله يحمد على ما يفعله عز وجل وهو يختار ما يشاء، ويحمد على كمال صفاته اللازمة التي لا تتعدى إلى أحد، فهو محمود على كمال حياته، ومحمود على كمال قيوميته؛ الأول: وصف لازم، والثاني: وصف متعدٍّ، ولازم أيضًا، كما سبق تفسيره.
إذن الصواب: أن حمد الله يكون على أفعاله التي يختارها، وعلى صفاته الكاملة اللازمة له، فبماذا نعرّفه؟
نقول: الْحَمْدُ: وصف المحمود بالكمال حبًّا وتعظيمًا.
الحمد وصف المحمود بالكمال اللازم والمتعدي حبًّا وتعظيمًا؛ لأن الوصف بالكمال قد تصف شخصًا ما بالكمال لا محبة له، لكن رجاءً لما سيجازيك به، وقد تحبه، وقد تمدحه لا على سبيل المحبة والتعظيم، ولكن خوفًا من شره.
فالحمد إذن لا بد أن يقيّد بأنه على وجه المحبة والتعظيم، فإن لم يكن على وجه المحبة والتعظيم فهو مدح، وانظر إلى عمق اللغة العربية كيف فرقت بين حمد ومدح مع تساويهما في الحروف نوعًا وعددًا؟
الحروف: ثلاثة، هذا العدد، النوع: نفس الحرف (حاء، ميم، دال)، لكن اختلفت الترتيب في الحروف؛ حمد ومدح باختلاف هذا الترتيب اختلف معناهما، والنسبة بينهما الخصوص والعموم؛ فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا؛ لأن الحمد كما قلنا: لا بد أن يكون على وجه المحبة والتعظيم والمدح بخلاف ذلك، قد يمدح الرجل سلطانًا أو وزيرًا، أو ما أشبه ذلك لا محبة له ولا تعظيمًا له لكن يرجو نواله أو يخاف منه، أما الحمد فلا.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الفروق بينهما في كتابه بدائع الفوائد الذي حثنا شيخنا عليه حين الطلب، وقال: إنه كتاب عظيم، وهو كذلك يشبهه من بعض الوجوه صيد الخاطر لابن الجوزي، لكن من حيث العمق والمعنى والفائدة لا سواء، ولا مقارنة، فهو -رحمه الله- بيّن بيانًا واضحًا الفروق بين الحمد والمدح، وبحث هذا المبحث حتى أنضجه طبخًا، وقال: إن شيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- كان إذا بحث في مثل هذه الأمور أتى العجب العجاب، رحمه الله، ولكنه كما قيل:
| تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ | إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ |
لأن شيخ الإسلام ما عنده تفرغ إلى أن يتكلم في مثل هذه الأمور، يتكلم بما هو أعظم، وقد جمع أخونا وزميلكم فريد بن عبد العزيز الزامل المباحث النحوية التي تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعها في رسالة، ولكنها لم تُطبع بعد، وهذا طيب، ومر علينا من هذا النوع في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لما تكلم على قول الله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة: ٦٩] بحث بحثًا ما تجده في أي كتاب رحمه الله.
المهم نرجع إلى ما نحن بصدده، الحمد: هو وصف المحمود إيش بالكمال على وجه المحبة والتعظيم.
لِلَّهِقلنا: (اللام) للاستحقاق والاختصاص، لا أحد يستحق الحمد كله من كل وجه إلا الله عز وجل.
وهذا الحمد المذكور خاص بالله عز وجل، فهو جل وعلا مستحق لأن يحمد، والحمد الكامل مختص به.
أما (الله) فهي علم على الله عز وجل، والتعبير بها أحسن من التعبير بغيرها، بعض الناس الآن يعبّر فيقول: قال الحق كذا وكذا، قال الحق كذا وكذا، هذا صحيح أن الله هو الحق المبين، لكن اجعل عبارتك على عبارة السلف فهم يقولون: قال الله، أو يقولون: قال ربنا.
أما (قال الحق) فهذه يأتي بها الإنسان لأجل يفتح الأذهان بحيث يقول السامع: من هذا الحق؟
لكن نقول: قال الله، التي بُنيت عليها الألوهية والعبادة أحسن، ولكن لا بأس أن تقول: قال ربنا، أو قال ربكم، كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه أحيانًا: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» .
اللَّهِ: مشتقة من الألوهية، و(أَلِه) بمعنى: تعبّد، وليست بمعنى: تحيّر. كما زعمه بعضهم؛ لأن الإنسان إذا قال: الله، ما يجد تحيرًا، يجد ربًّا معروفًا عز وجل لا حيرة فيه، يقولون: أصلها (الإله)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.
وقالوا: إن نظيرها (الناس) وأصلها: (الأناس)، وكلمة (خير)، و(شر) وأصلها: (أخير)، و(أشر).
إذن اللَّهِأصلها (الإله)، وهي من (أله) إذا تعبّد؛ ألهه أي: تعبد له، وهل هو مشتق أو جامد؟
الصواب: أنه مشتق، وأنه لا يوجد اسم من أسماء الله، ولا من أسماء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا من أسماء القرآن يكون جامدًا أبدًا؛ لأن الجامد معناه أنه لا معنى له إلا الدلالة على المعين فقط؛ لأن العلم كما قال ابن مالك:
| اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقَا | عَلَمُهُ كَجَعْفَـــــــــــــــرٍ وَخِرْنِقَــــــتا |
فلو قلنا: إن أسماء الله، أو أسماء الرسول، أو أسماء الكتاب العزيز إنها جامدة؛ معناها أنها لا تدل إلا على تعيين المسمى فقط، ولكن نقول: هي مشتقة، تدل على تعيين المسمى، وعلى المعنى الذي اشتُقت منه، لا بد.
إذن اللَّهِمشتقة من (الإله)، أو (الألوهية)، وهي التعبُّد لله عز وجل.
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(الذي) وصف للفظ الجلالة خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
خَلَقَأي: أوجدها على تقدير مُحكم؛ لأن الأصل في الخلق في اللغة هو التقدير، كما قال الشاعر:
| وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ | ضُ النَّاسِ يَخْــــــــــــــــــلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي |
(يفري) يعني: يفعل.
(تَفْرِي مَا خَلَقْتَ) يعني: ما قدرته، ولا يمنعك أحد؛ فالخلق إذن هو الإيجاد على وجه التقدير المحكم.
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالسَّمَاوَاتِمفعول خَلَقَ، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول خلافًا لمن قال: إنه لا يصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه، وهو موجود، وخلق السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تخلق، ولكن نقول: هذا تكلّف، والصواب الذي عليه أكثر المعربين: أن السماوات مفعول به.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالسَّمَاوَاتِمن (سما يسمو) إذا علا، وقد بين الله تعالى أنها سبع، وأنها طباق، وأنها شداد، وأنها مبنية بأيد؛ أي: بقوة.
وقوله: وَالْأَرْضَمعطوفة على السَّمَاوَاتِوهي لفظ مفرد، لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة.
انتبه لهذا القيد: لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها إيش؟ متعددة، ولو لم يثبت أنها متعددة لقلنا: إنها واحدة؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس وحينئذٍ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن، وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّفي الكيفية، والصفة، هذا ما أحد يقوله؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك.
أما السنة فصريحة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . فصار المراد بالأرض الجنس فلا ينافي التعدد، وقد ثبت تعدد الأرَضين بظاهر القرآن وصريح السنة أنها سبع.
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَجَعَلَبمعنى: خلق، ولكن إذا كانت بمعنى خلق، فما هي الحكمة في أن عُبّر عن الخلق بالجعل؟
قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة؛ يعني تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى أحيانًا يكون من البلاغة.
وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، مثلًا نور الشمس الآن، لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له، ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ما فيه نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مقابلًا بجسم.
تجدون الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، وقسمًا قابلًا لنصاعة البياض، وقسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبين إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذا هو الحكمة من قوله: وَجَعَلَ.
حكمة أخرى: أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية.





