طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٣ - ٧٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال
الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍوظني أننا تكلمنا على الآية.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوافيها تأكيد؛ ثلاثة
توكيدات؟
طالب: (...).
الشيخ: بارك الله فيك. لماذا يُؤَكِّد الله تعالى كلامه
بالمؤكدات مع أنه عز وجل أصدق القائلين؟
طالب: هذا خبر،
والخبر فيه احتمال أن يُعَارض من قبل الكافرين؛ فجاء بهذا التوكيد حتى يُحَاجَّ على
المخالف.
الشيخ: لاحتمال المعارضة والتكذيب؛ طيب، لكن
إذا قال: المكذب سيكذب ولو أُكِّد؟
طالب: لا، فيه زيادة
توكيد.
طالب آخر: (...).
الشيخ: لأن القرآن بلسان عربي مبين؛ فالأشياء المهمة يُقْسِم
الله عليها وإن كانت ثابتة بخبره عز وجل.
مَن هؤلاء الثلاثة ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
طالب: اليهود
والنصارى (...).
الشيخ: (...) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ،
مَن هم؟
طالب: النصارى.
الشيخ: مَنْ هم الثلاثة؟
طالب:
(...).
الشيخ: طيب، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة فيقولون
بتعدد الآلهة؛ بماذا أبطل الله قولهم؟
طالب: أبطل الله
قولهم بقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ.
الشيخ: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وهذا هل هو حصر ولَّا خبر مجرد عن
الحصر؟
طالب: خبر.
الشيخ:
خبر مجرد عن الحصر.
طالب: حصر.
الشيخ: ما طريقه، يعني بماذا كان الحصر؟
طالب: بـ (ما من إله إلا إله).
الشيخ: الظاهر أنك ما قرأت البلاغة، قرأتها؟
طالب: قليل.
الشيخ: قليل، ما طريق
الحصر؟
طالب: النفي والإثبات.
الشيخ: النفي والإثبات، صح، النفي والإثبات وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌوهذا الحصر مؤكد بـ(من)
الزائدة؛ هل لديك علم في البلاغة أن جميع الحروف الزائدة مؤكِّدة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، صحيح كل
الحروف الزائدة تعتبر مؤكدة.
***
قال الله تبارك وتعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.الإعراب أولًا: (وإن لم ينتهوا ليمسن): (إن) شرطية لا إشكال فيها مسلطة على فعل مضارع منفي، ولَيَمَسَّنَّهو جواب أيش؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: جواب الشرط مشكل، إذا قلنا: إنه جواب الشرط فهو مشكل؛ لأن جواب الشرط لا يأتي بهذه الصيغة لكنه جواب قسم، جواب قسم مُقَدَّر مع لامه أيضًا، والتقدير: ولئن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم؛ لأن كلمة لَيَمَسَّنَّلا تصح أن تكون جوابًا للشرط لوجود اللام الموطئة للقسم ووجود التوكيد في لَيَمَسَّنَّ.
وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌهل هذا يتنافى مع قوله: لَقَدْ كَفَرَثم يقول: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ؟ لا؛ لأن المعنى: ليمسن الذين استمروا على كفرهم منهم عذاب أليم، وأما من تاب فيتوب الله عليه.
يقول الله عز وجل: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَأي: من تعدد الآلهة، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة لَيَمَسَّنَّأي: ليصيبن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْأي: الذين استمروا على الكفر لأنهم كافرون.
وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌعذاب فاعل (يمس)، وأَلِيمٌبمعنى مؤلم، وهو مؤلم -أعني عذاب الكافرين- مؤلم نفسيًّا وجسديًّا؛ أما نفسيًّا فإنهم يُوَبَّخون التوبيخ المهين حتى إنه يقال للواحد منهم تهكمًا: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] وهذا لا شك أنه أعظم إهانة يُعَذَّب ويُصَبُّ من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُهذه إهانة، عذاب عظيم، ويقول الله لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] هذا عذاب يقطع القلوب.
أما العذاب الجسدي فلا تسأل، إذا استغاثوا واشتد طلبهم للماء يُغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه قبل أن يقع في الأمعاء، فإذا وقع في الأمعاء قطع أمعاءهم -نسأل الله العافية- إذن فهو مؤلم كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦] لأن الجلد إذا نضج ما يحس لكنهم يبدلون جلودًا أخرى لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]، إذن فهو أليم أَلَمَ قلب وألم جسد.
في هذه الآية فوائد؛ منها: أن من قال بتعدد الآلهة فإنه كافر؛ لأنه مُكذِّب للسمع والعقل والفطرة، مكذب للسمع، الأدلة لا تحصى في إثبات توحيد الله، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لا تحصى، مكذب للعقل؛ لأنه لو تعددت الآلهة ما استقامت الدنيا لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١] ولا يمكن أن تستقيم الحال مع تعدد المسؤولية، الآن فكر بها في نفسك لو كنتم في سفر، وكان المسؤول عن الجماعة متعددين هل يستقيم الأمر؟ لا، إلى أين نذهب، إلى فلان أو فلان أو فلان؟ ثم هل فلان ستتحد كلمتهم؟ لا، هذا دليل عقلي إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍولا بد، والآن الكون كله منسجم لا يتصادم ولا يتناقض مما يدل على أن مدبره واحد سبحانه وتعالى، نقول هذا عن يقين ليس لأننا عشنا في بلد التوحيد، لكن لأننا نتيقن أنه لا يمكن أن تتعدد الآلهة.
الفطرة كل إنسان مولود على الفطرة، كل إنسان، كما قال عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]، فتعدد الآلهة باطل بالسمع والعقل والفطرة.
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أنه لا إله إلا الله؛ لقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢].
فإن قال قائل: أليست توجد آلهة سوى الله بتسمية الله لها؟ قال الله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٣٩] وآيات متعددة تدل على وجود آلهة، وكيف يستقيم هذا مع هذا الحصر العظيم مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟
فالجواب سهل جدًّا، نقول: كل هذه الآلهة باطلة لا تُغْنِي شيئًا، ولهذا نقول: ما من إله هو موصوف بصفة محذوفة، والتقدير: وما من إله حق إلا الله، وحينئذ يزول الإشكال، ويدل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فتح باب التوبة لكل من أساء وإن عظمت إساءته؛ لقوله: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُواإلى آخره، فالله تعالى حكى عنهم الكفر، ومع ذلك عرض عليهم أن ينتهوا عما يقولون؛ فيستفاد منه كرم الله عز وجل وجوده وإحسانه وأنه يعرض على أعدائه أن ينتهوا عما وصفوه به حتى لا يصيبهم العذاب الأليم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وهو أنه لا يعذِّب إلا من استمر على كفره ومعصيته.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البليغ عن الاستمرار على الكفر والشرك، وأن مَن استمر عليه فله العذاب الأليم.
***
ثم قال الله عز وجل: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُالاستفهام هنا ليس استفهام استخبار أو استعلام لأن الله يعلم، لكن قيل: إنه للعَرْض، وقيل: إنه للتوبيخ، فمن العلماء من قال: إن الاستفهام للتوبيخ؛ أي أن الله يوبخهم على عدم التوبة والاستغفار، ومنهم من قال: إن الله يعرض عليهم فهو عرض، كما تقول للشخص: ألا تزورنا؟ والأليق بكرم الله عز وجل وجوده أن تكون للعرض أي أن الله عرض عليهم التوبة، فحينئذ نقول: الاستفهام للعرض.
طيب، في الإعراب أَفَلَا يَتُوبُونَمعروف أن الهمزة لها الصدارة، وهنا جاءت الفاء العاطفة فكيف يستقيم الكلام؟ يعني إذا جاءت الفاء العاطفة فهذا يعني أن الجملة التي بعدها أيش؟ معطوفة على ما قبلها، وهذا فيه إشكال بأن الاستفهام له الصدارة، فاختلف النحويون في هذا؛ منهم من قال: إن همزة الاستفهام داخلة على جملة، والفاء عاطفة على تلك الجملة التي هي مدخول الهمزة، وحينئذ يكون الاستفهام له الصدارة، بماذا نقدر هذه الجملة؟ يقول: باعتبار السياق، انظر المناسب للسياق وقدِّرْه، وكل سياق له ما يناسبه، فمثلًا: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِكيف نقدِّر؟ أستكبروا فلا يتوبون إلى الله على القول بأنها، أيش؟ للتوبيخ، لكن على القول بأنها للعرض؟ نعم (...) هذه كلها تدل على التوبيخ لكن العرض يُقَدَّر فعل يدل على جود الله وكرمه مثلًا: أغفلوا عن كرم الله وجوده فلا يتوبون.
وقال بعض المعرِبين؛ بعض النحويين: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن الأصل أن الفاء مقدمة على الهمزة، والتقدير: فألا يتوبون، وتكون الهمزة هنا في صدر جملتهم المعطوفة على ما سبق، وهذا لا شك أنه أهون على الإنسان من جهة التقدير؛ لأنه قد يصعب على الإنسان أن يقدر جملة مناسبة للسياق، فإذا قلنا: الهمزة للاستفهام ومحلها بعد الفاء، والفاء مزحلقة عن مكانها سهل الأمر.
قوله: يَتُوبُونَأي: يرجعون؛ لأن تاب وثاب وأناب وما أشبهها كلها معانيها متقاربة، فـيَتُوبُونَإلى الله أي: يرجعون إلى الله من معصيته إلى طاعته، من الشرك إلى التوحيد، من التعطيل إلى الإثبات وهلُمَّ جرًّا.
وَيَسْتَغْفِرُونَهُيسألونه المغفرة، فما هي المغفرة؟ أحسن ما قيل فيها: إنها: ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة؛ لأنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام عند القتال، و المِغْفَر فيه ستر ووقاية، ولا ينبغي أن نقول: إن المغفرة ستر الذنب فقط، بل نقول: هو ستر مع عفو ووقاية من العذاب، ويؤيد هذا الاشتقاق أنه مشتق من المغفر، وربما يؤيده ما ثبت في الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فَيُقَرِّرُه بذنوبه، فإذا أقر بها، قال الله له: إني قد سَتَرْتُهَا عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌالجملة معطوفة على ما سبق لكنها تفيد أنه عز وجل أَهْلٌ لأن يُسْتَغْفَر، وأنه إذا استُغفر غفَر فإنه غفور رحيم، ودائمًا يُقْرِن الله تعالى بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالأول يَزول المرهوب وتُغفَر الذنوب، وبالثاني يَحْصُل المطلوب؛ لأن الرحمة جلب الخير والإحسان.
في هذه الآية الكريمة: الحث على التوبة إلى الله عز وجل، وتوبيخ من لم يتب، والتوبة كما قلنا: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمعصية لها أنواع، ذكَر العلماء رحمهم الله أن التوبة لها شروط وهي خمسة: الإخلاص، الندم، الإقلاع، العزم على ألا يعود، أن تكون في وقت تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط: الإخلاص، بمعنى ألا يكون الحامل للإنسان على التوبة مراءاة الناس أو الحصول على شرف أو جاه أو ما أشبه ذلك وإنما يحمله على التوبة مخافةُ الله عز وجل ورجاءُ ما عنده.
ثانيًا: الندم على ما فُعِلَ من المعصية.
فإن قال قائل: الندم انفعال والانفعال ليس فِعلًا فكيف يكون اختياريًّا بحيث نشترطه على التائب؟
نقول: المراد بالندم لازمه بمعنى ألا يكون عنده فعل المعصية وعدمه سواء، بل تجده حزينًا يتمنى ألَّا يفعل، وإلا لو قلت لك مثلا: اندم، ما تندم، هو انفعال، لو قلت لك: افرح، ما تقدر تفرح إلا بوجود سبب يقتضي ذلك، ولهذا اعترض بعض العلماء على هذا الشرط وقال: هذا شرط لا يمكن إدراكه لأنه انفعال نفسي كالغضب والفرح والحزن، فيقال: لا، هو يمكن بمعنى أن يكون الإنسان يشعر بأنه لا يستوي عنده فعل المعصية وعدمه.
الثاني: الإقلاع عن المعصية.
طلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ لأن من قال: إنه تائب، وهو مُصِرٌّ على المعصية فهو كالمستهزئ بالله عز وجل، كيف تقول: أتوب إليك يا رب، وأنت تبارز بالمعصية، هذا غير صحيح، لا بد أن يقلع، فإذا كانت المعصية بأخذ مال غصبًا أو سرقة أو جحدًا فلا بد من إعادته إلى صاحبه وإلا فهو كاذب في توبته، إذا كانت التوبة من الغيبة فلا بد أن يقلع عنها وأن يبتعد عن المجالس المعمورة بها، وإلا فهو كاذب، لا بد أن يُقْلِع.
لو قدَّرنا أنه يلزم من إقلاعه أن يستعمل بعض ما كان عاصيًا به؟ قلنا: لا بأس، وضربوا له مثلًا برجل قد غصب أرضًا ثم ندم وتاب وهو الآن في وسطها ويريد أن يُخرج الجرافات ويخرج الحفارات وغيرها، فهو في هذه الحال في وسط الأرض لا بد أن يستعملها، لا بد تمشي عليها الحرافات والجرافات وغيرها، فهل نقول: إن عمله الآن معصية أو لا؟ لا، هذا ليس بمعصية بل هذا طاعة؛ لأنه يستعمل هذا ليتخلص منه، يستعمله ليتخلص منه، ولذلك تجد الواحد منا يستنجي ويمس النجاسة بيده ولا نقول: إنك آثم ولا إنك فاعل مكروهًا، بل نقول: إنه مأجور ومثاب على ذلك مع أنه يباشر النجاسة بيده، لكن لأيش؟ ليتخلص منها، كذلك لو أن الإنسان تطيب في إحرامه -والطيب في الإحرام حرام- ثم تاب وندم وأراد أن يزيله بغَسْلِه فلا بد أن يمسه بيده، فمسُّه بيده الآن طاعة؛ لأنه للتخلص من هذه المعصية.
الشرط الرابع: العزم على ألا يعود في المستقبل، وليس المعنى ألَّا يعود في المستقبل، بل المراد العزم على ألَّا يعود، فإن عاد يومًا من الدهر لم تبطل توبته الأولى ما دام حين التوبة عازمًا على ألَّا يعود؛ لأن الإنسان بشر قد تُسَوِّل له نفسه بعد التوبة أن يعود إلى المعصية، فإذا عاد فإن توبته الأولى لا تبطل، لكنه يحتاج إلى توبة جديدة، طيب، إذن العزم على ألا يعود، ولا نقول: بشرط ألا يعود، وأظن الفرق بينهما واضح.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقْبَل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس لا بد أن ترجع من حيث غربت فإذا رجعت من حيث غربت آمن الناس كلهم؛ لأنهم حينئذ يؤمنون بأن لها ربا يدبرها لأنها خرجت عن المألوف، خرجت عن العادة فيؤمن الناس لكنه لا ينفعهم إيمانهم إلا من آمن من قَبْل؛ ولهذا قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨]، وكذلك التوبة لا تُقبَل إذا حضر الأجل لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨] فإذا حضر الأجل وشاهد الإنسان الغيب أي ما كان غائبًا وما كان يُنْكِره من قَبْل إذا شاهده وآمن ما ينفع، لا تُقْبَل التوبة.
فإن قال قائل: ألم يَعْرِض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التوبةَ على عمِّه في سياق الموت؟
قلنا: بلى، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عرض عليه ذلك وقال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» يعني أنه لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، والمحاجَّة قد تنفع وقد لا تنفع.
فإن قال قائل: هل تصح التوبة مِن ذنب مع الإصرار على غيره؟
فالجواب: في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهذا رجع رجوعًا مُوَزَّعًا فلا ينفعه، ومنهم من فَصَّل قال: إذا كانت التوبة من ذنب مُصِرٍّ على جنسه فإنها لا تُقْبَل، كما لو تاب من النظر إلى النساء ولكنه مصرٌّ على غمز النساء، فهنا لا تقبل التوبة؛ لأنه مُصِرٌّ على جنس الذنب، فالجنس واحد وإن كان الأفراد مختلفة أو الأنواع مختلفة.
ومنهم من قال: تُقْبَل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَستحق أن يوصف بأنه تائب على الإطلاق، بل نقول: هو تائب من كذا، فيستحق توبة أيش؟ مقيَّدة فلا يُعطَى الوصف المطلق ولا يُسْلَب مطلق الوصف بل يقال: هو تائب من كذا، وهذا هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا فيه العدل إذ لا يمكن أن ننفي عنه التوبة مطلقًا ولا يمكن أن نثبتها مطلقًا، نقول: هذا تائب لكنه لم ينجُ من العذاب؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية أخرى فسيعاقب عليها.
ومن فوائد الآية الكريمة: عَرْض الله تبارك وتعالى على هؤلاء الكافرين أن يستغفروه أي: يطلبوا المغفرة، وطلب المغفرة له وجهان؛ الوجه الأول: أن يسأل الله المغفرة بالصيغة فيقول: أستغفر الله، اللهم اغفر لي، وما أشبه ذلك، الوجه الثاني: أن يفعل ما يكون سببًا لمغفرة الذنوب، فمن فعل شيئًا هو سبب لمغفرة الذنوب فقد استغفر، مثال ذلك: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» هذا الرجل ما قال: اللهم اغفر لي خطاياي، ولكنه فَعَلَ ما يكون سببًا للمغفرة، وعلى هذا فالاستغفار له جهتان، الجهة الأولى: أن يسأل الله المغفرة بصيغة المغفرة، اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، الثاني أو الجهة الثانية: أن يفعل السبب الذي تكون به المغفرة وهو أنواع متعددة، فمثلاً «إِذَا تَوَضَّأَ الْإِنْسَانُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدَّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» وأمثلة كثيرة، نعم.
طالب: من قال: إن التوبة من التقصير ليست أقل من التوبة من الذنب، فهل هذا (...) صحيح؟
الشيخ: يعني معناه ليست أقل من عدم الوجوب يعني؟
طالب: ليست أقل من (...).
الشيخ: التقصير إذا كان تقصيرًا في واجب فنعم يجب أن يتوب منه، وإن كان تقصيرًا في غير الواجب فلا تجب التوبة؛ لأن غير الواجب الإنسان في حِلٍّ منه.
طالب: إذا قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل على اليهودي الذي كان (...)، ثم أسلم هذا اليهودي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ» (...).
الشيخ: «بِي مِنَ النَّارِ»، توجيهنا لهذا أنه الرجل هذا ما حضره الموت لكنه مريض وقريب من الموت ولذلك جعل ينظر إلى أبيه كأنه يستشيره.
طالب:(...).
الشيخ: (...) هذا، ويؤيد أيضًا أن الله تعالى يحب التوابين ويحب المستغفرين.
طالب: (...).
الشيخ: (...) اللي يقول: المسيح ابن الله، واللي يقول: إن الله ثالث ثلاثة، والذي نعلم منهم أن غالبهم يقولون: إن الله (...) متعدد في الاسم فقط ومتحد في الذات، له ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، لكن الأحكام طوائف متعددة.
طالب: في قوله تعالى (...).
الشيخ: يقدَّر قَسَم.
طالب:(...).
الشيخ: إي؛ لأن الجزم اللفظي بـ(لم) المباشرة، بعضهم يقول: الجملة في محل جزم، وبعضهم يقول: إن هنا عاملين تَسَلَّطَا على الفعل.
طالب: القاعدة التي تقول: إن المقاصد الشرعية لا تترك إلا (...) فهل هذا صحيح.
الشيخ: كيف المقاصد الشرعية؟
طالب: يعني إذا كان الإنسان (...)، فلا يجوز له (...).
الشيخ: هات المثال ما يمكن تحكم على قاعدة.
طالب: يعني مثلًا كون الإنسان إذا أراد أن يزجر إنسانًا (...) فساد ما يتأتى له ذلك إلا إذا فعل معصية يسيرة (...)ككونه مثلًا يجلس معه في مكان فيه معاص رجاء (...)؟
الشيخ: أنا لا أرى أن الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد أبدًا، الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد، فلو مثلًا قلنا: هذا الرجل ما يمكن يهتدي إلا إذا جبت الموسيقى تضربها له، ما نضربها له، ندعوه إن اهتدى فلنفسه وإلا فعليها.
طالب: مهما صغر حجم الذنب؟
الشيخ: مهما صغر.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٥ - ٧٩].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُفي الإعراب مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌمن المعروف أن القرآن بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن (ما) عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌوإذا انتقض النفي أهملت ولم تعمل عمل (ليس).
فإذا قلت: ما محمد قائمًا، فهذا صحيح، ما محمد إلا قائم؟ صحيح، ما محمد إلا قائمًا؟ غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها.
يقول عز وجل: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُالمسيح بن مريم هو ابن مريم بنت عمران وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بَرِئ بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب استدبرته الريح.
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُيعني وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قِبَل الله عز وجل وهو الله تبارك وتعالى.
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُأي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم.
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌيعني: أمه من الصدِّيقات أي الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصدِّيق هو الصادق المصدِّق؛ قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] هذا هو الصديق، فأمه رضي الله عنها صِدِّيقَة وهي من النساء الكُمَّل التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ» وذكر منهن مريم بنت عمران.
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَكَانَاالضمير يعود على المسيح وأمه.
يَأْكُلَانِ الطَّعَامَفهما محتاجان للغذاء مفتقران إليه فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغن عن غيره كما قال الله تعالى في وصف نفسه: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤].
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِانْظُرْأيها المخاطب، وأول مَن يدخل في هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِيعني: انْظُرْكيفيته؛ ولهذا نقول: إن كَيْفَهنا مفعول انْظُرْوليست اسم استفهام، بل هي مفعول انْظُرْأي: انظر كيفية تبيين الآيات لهم.
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُأي: نوضح لَهُمُأي: لبني إسرائيل الذين ادَّعوا أن عيسى وأمه إلهان.
كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ} أي: العلامات الواضحة الدالة على أنهما لا يصلحان أن يكونا إلها؛ لأنهما كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، ولأن عيسى رسول قد خلت من قبله الرسل فلا يصح أن يكون إلهًا وهو مرسل من قبل الإله.
انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَأَنَّىبمعنى (كيف) يعني: ثم انظر نظرة أخرى كيف يُؤْفَكُونَأي: يُصْرَفون عن الحق مع وضوحه وجلاله، وكل هذا في تقرير التوحيد، توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وإبطال ما عليه هؤلاء النصارى.
ففي الآية فوائد؛ منها: أن الإنسان يُنْسَب إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَفنسبه إلى أمه.
وهل إذا نسب إلى أمه إذا لم يكن له أب هل ترثه ميراث أب؟
الجواب: نعم على القول الراجح، ترثه ميراث أب، مثال ذلك: امرأة زنا بها رجل -والعياذ بالله- وولد الزنا لا يَلْحَق الزاني بل يكون له أم وليس له أب، إذا مات عنها، فهل ترثه ميراث أب ونقول: فيما لو مات هذا الولد عن أمه، وعن أخيه فإن الميراث يكون لأمه، أو ترثه ميراث أم ويرثه عصبته ميراث عصبة؟
في هذا قولان للعلماء، والصحيح أنها ترثه ميراث أب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا يكون مال هذا الولد لأمه وليس لإخوته من أمه ولا لأعمامه من أمه؛ لأنه ليس له جهة عصبة إلا من جهة أمه، أمَّا من جهة أبيه ليس له أب حتى يكون له عصبة من جهة الأب.
ومن فوائد هذه الآية: أن المسيح عيسى بن مريم رسول من رسل الله عز وجل؛ لقوله: إِلَّا رَسُولٌ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصف الذي ينحصر فيه عيسى بن مريم ولا وصف له سواه هو أنه رسول، ولا يمكن أن يكون الرسول إلهًا؛ لأنه مُسْتَعْبد من جهة مُرْسِله، مُكَلَّف من جهة مرسله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل يموتون؛ لقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُوهو إشارة إلى أن عيسى سيموت كما مات غيره.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا يصح أن يكونوا إلها، وجه ذلك أن الإله لا يموت والرسل يموتون.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مريم عليها السلام؛ لقوله: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌفهي إذن من الطبقة الثانية من طبقات البشر، ما هي الطبقات؟ أربعة: الأنبياء، الصديقون، الشهداء، الصالحون.
ومن فوائدها: الرد الواضح على اليهود الذين ادَّعوا أن مريم بَغِيٌّ، قاتلهم الله؛ لأن البَغِيَّ لا يمكن أن تكون صِدِّيقَة، فإن البِغاء من كبائر الذنوب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بحال مَنْ يَتَحَدَّث عنه على ما لا يمكن أن يتصف به مع وجود هذه الحال، وهو قوله: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَفهذا استدلال بحالهما على أنهما لا يصح أن يكونا إلهين.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإله وهو الله عز وجل لا يحتاج إلى الطعام؛ لقوله: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ.
ومن فوائدها: الاستدلال بالأوضح الأَجْلى دون الأخفى؛ لأن أكلهما للطعام أمر لا يمكن، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول؛ لأن المعقول يمكن فيه الجدل لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل.
ومن فوائده هذه الآية الكريمة: الحث على الاعتبار والنظر؛ لقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِوالأمر بالنظر جاء في عدة مواضع من القرآن الكريم وجاء بخصوص وعموم، فقوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: ١٠١] هذا عام، وهذه الآية وأمثالها خاص.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التفويض في أسماء الله وصفاته؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن كل النصوص القرآنية والنبوية في أسماء الله وصفاته مجهولة المعنى لا تُعلم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الحديث وهو لا يعلم عن معناه؛ ولهذا سُمُّوا أهل التجهيل.
وإذا قرأت بعض كتب العلماء المعتَبرين لدينا ولدى غيرنا تجدهم يقولون في أهل التفويض: إنهم أهل السنة فيقولون: أهل السنة قسمان: مفوضة، ومؤولة، فالمفوضة هم الذين يقولون: نحن لا نعلم شيئًا من معاني آيات الصفات وأحاديثه، وهذا مذهب السلف عندهم، والمؤولة هم الذين يحرفون نصوص الكتاب والسنة.
ولكنهم أخطؤوا خطأ عظيمًا من وجهين؛ الوجه الأول: دعواهم أن أهل التأويل من أهل السنة، وكيف يكونون من أهل السنة وهم يحرفون الكلم عن مواضعه؟ وكيف يكونون من أهل السنة وهم على النقيض من عقيدة أهل السنة؟ فلا ينبغي أبدًا أن نُسَمِّيهم أهل السنة اللهم إلا في مقابل الرافضة، في مقابل الرافضة سُنَّة وشيعة، الشيعة هم الرافضة، والسنة هم من يخالفهم في الاعتقاد وإن تخالفوا فيما بينهم.
فالصواب أن نقول: أهل السنة هم الذين تمسَّكوا بها واجتمعوا عليها واتبعوا السلف فيها.
والوجه الثاني: قولهم: إن أهل السنة يفوضون أو إن السلف يفوضون المعاني، هذا كَذِبٌ على السلف، كذب واضح على السلف، السلف لا يفوضون المعاني بل يُقَرَّرونها، يُقِرُّونها ويقررونها، وإنما يفوضون الكيفية، الكيفية نعم يفوضونها؛ لأن هذا هو العقل، لكن المعاني لا يفوضونها، بل يقولونها ويقررونها ويبينونها، وهذا شيء معروف عندهم، لو سألت أي واحد من السلف أو أي واحد من أتباع السلف: ما معنى قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]؟ لقال معناه أيش؟
طلبة: علا.
الشيخ: وهل (علا) تحتمل عنده أيَّ معنى وهذا تفسير للمعنى، لكن لو سألته: كيف استوى؟ قال: الله أعلم لا أدري، ومن المعلوم أن أهل التفويض كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: من شر أهل البدع والإلحاد؛ لأنه يلزم على كلامهم لوازم فاحشة جدًّا؛ يلزم أن الرسل لا يعلمون معاني ما نزل إليهم، ومنها أن الرسل لا يعلمون معاني ما يقولون، ولا أحد لا يعلم معنى ما يقول إلا أن يكون مُبَرسَمًا أو مجنونًا، ومنها أنه فتح باب لأهل الإلحاد، هذا القول فتح باب لأهل الإلحاد؛ لأنك إذا قرأت هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السورة، وقلت: والله ما أدري ما معاني هذه الاسم لا أعرف معانيه، جاءك أهل الإلحاد وقالوا: تنحى عن المعترك نحن الذين نعرف، ثم يؤولونها بل ثم يحرفونها على ما يريدون؛ ولذلك فتح هذا (...) أو هذا الذي ينسب إلى السلف فتح باب الإلحاد على مصراعيه؛ فمن ثم يقول: لا فائدة من القرآن ولا من السنة؛ لأنها غير معلومة، ثم لا حول ولا قوة إلا بالله جعلوها غير معلومة في زبدة الرسالة وخلاصتها وهي معرفة الله بأسمائه وصفاته.
إذن الخلاصة: أن مذهب أهل التفويض مذهب باطل، ومن نسبه إلى السلف فقد أخطأ، التفويض عند السلف وأتباعهم في؟
طلبة: الكيفية.
الشيخ: في الكيفية، وهذا هو العقل؛ لأننا نعلم معنى الاستواء على العرش لكن ما ندري على أي كيفية، نعلم معنى النزول إلى السماء الدنيا لكن لا نعلم على أي كيفية، ولا يحل لنا أن نتصور كيفية معينة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما بَيَّنه الله عز وجل في كُتُبِه المنزلة على الرسل كله آيات، آيات يعني دلالات وعلامات على الحق سواء القرآن أو التوراة أو الإنجيل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العَجب من هؤلاء الذين بُيِّنت لهم الآيات ثم صرفوا عن الحق، والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ.
ومن فوائد الآية: أن هؤلاء أَفَكُوا عن الحق بعد أن تبين، بدليل كلمة ثُمَّفإنها تفيد المهلة يعني بعد أن يتبين لك الآيات وتتبين لهم أيضًا يؤفكون عن الحق ويصرفون عنه.
عندنا الآن (أنَّى) و(كيف) معناهما يختلف؛ لأن أَنَّى يُؤْفَكُونَنظر تعجب وإنكار، وأما انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِفهو نظر تدبُّرٍ وإقرار.
ثم قال تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة: ٧٦] قُلْأي: يا محمد، أو قل: أيها المخاطب المُوَحِّد لمن؟ لكل من يَعبد من دون الله أحدًا، قل له: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
وقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِأي: مِن سواه.
مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًايعني: لا يملك أن يَدفع الضُّر عنكم ولا أن يجلب لكم النفع، وقيل: المعنى ما لا يملك لكم ضرًّا لو عصيتموه ولا نفعًا لو أطعتموه، فعلى التفسير الأول يكون في الآية حذف، ما هو الحذف؟ ما لا يملك لكم دفع الضُّر، والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا يكون فما الأصل؟
طالب: عدم الحذف.
الشيخ: عدم الحذف، وعلى هذا فيكون مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّايعني لو؟
طالب: عصيتموه.
الشيخ: عصيتموه وخالفتموه، وَلَا نَفْعًالو أطعتموه.
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُيعني: كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا وتَدَعون من هو السميع العليم وهو الله عز وجل، السميع لما تقولون، العليم بما تعملون من قول وفعل.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الإنكار على عابدي الأوثان؛ لأن الاستفهام في قوله: أَتَعْبُدُونَللإنكار.
ومن فوائدها: أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، وهذا مُسلَّم به.
وينبني على هذه الفائدة: ضلال أولئك الذين يعبدون الأصنام، ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: ٥] لا يسمعونها وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً [الأحقاف: ٦] فهم لا ينفعونهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل يعادونهم.
فإن قال قائل: إنه قد يَدْعُو الإنسان الصنم في كشف ضُرٍّ فيُكْشَف الضُّر أو في جلب نفع فيأتي النفع والقرآن صريح بأن جميع الأصنام لا تنفع ولا تضر؟
فالجواب: أن هذا من الابتلاء وأنه يحصل عند دعائها لا بدعائها؛ لأننا نؤمن يقينًا بأنها لا يمكن أن تستجيب إلى يوم القيامة لو دُعيت إلى يوم القيامة ما استجابت، لكن قد يَفْتِن الله العباد بحصول الشيء أيش؟
الطلبة: عنده.
الشيخ: عند الدعاء لا بالدعاء، يكون الله عز وجل قد قدَّر حصول هذا الشيء في هذا الوقت المعين الذي كان فيه الدعاء وليس بالدعاء، نعلم بهذا يقينًا؛ لأن الله يقول: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥].
وفي هذا الذي قررناه الحذر أي أن يحذر الإنسان من تسهيل أسباب المعصية له فإن الإنسان قد يُبْتَلَى وتُسَهَّل له أسباب المعصية فيقع فيها إلا من شاء الله؛ ولهذا كان مَنْ تيسرت له أسباب المعصية، ولكنه تركها لله كان أعظمَ أجرًا ممن لم تتيسر له.
انظر إلى الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فهذا المدعو رجل دعته امرأة وهو شاب به الشهوة ليس عندهما أحد ولا يطلع عليهما أحد؛ لأنه لم يذكر مانعًا إلا أنه يخاف الله، وهذا يدل على أن جميع الأمور متيسرة له، لكن لما ترك هذا لله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا من هؤلاء.
المهم أنه لو لَبَّس علينا أولئك القوم الذين يعبدون من دون الله ويدعونهم بحصول المقصود فالجواب؟ أن هذا لم يحصل بالدعاء قطعًا وإنما حصل عند الدعاء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضرر والنفع من الله عز وجل؛ لأنه أَعْقَب نفيَ الضرر والنفع لهذه الأصنام بقوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُوهو كذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل وهما: السميع والعليم.
هل هو سميع بسمع أو بغير سمع؟
طالب: بسمع.
الشيخ: ما هو الدليل أن له سمعًا من هذا الاسم؟
طالب: لأن الأسماء لها معانٍ.
الشيخ: الأسماء لها معانٍ، مشتقة من معانيها، السميع يعني،(...) السمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى إدراك المسموع، وقسم بمعنى الاستجابة.
الأول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به التهديد، وقسم يراد به بيان الإحاطة، وقسم يُرَاد به النصر والتأييد، ثلاثة أقسام، هذا سمع أيش؟ سمع الإدراك إدراك المسموع، أما الأول: فكقوله تبارك وتعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠] هذا تهديد.
وأما الثاني: الذي يُراد به بيان إحاطة الله عز وجل بكلِّ شيء فمثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِإلى آخره [المجادلة: ١].
وأما الذي يراد به النصر والتأييد فمثل قوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
وأما الذي بمعنى الإجابة أو الاستجابة فمثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني استجاب، ولذلك عُدِّي باللام ولم يتعدى بنفسه؛ لأن السمع الذي بمعنى الإدراك يتعدى بنفسه، تقول: سمعت صوتًا، وأما الذي بمعنى الإجابة فيتعدى باللام، تقول: سمعت لفلان، أي استجبت له، ومنه سمع الله لمن حمده.
طيب: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] مِنْ أَيِّ نوع؟
طلبة: الأول.
طالب آخر: كلاهما.
طالب آخر: الإجابة.
الشيخ: منهما كليهما، فهو سميع الدعاء يسمع الصوت؛ صوت الداعي، وهو أيضًا مجيب الدعاء فيشمل الأمرين.
أما العليم فما أَعَمَّه من اسم، العليم إن لم يكن أعمِّ أسماء الله فهو من أعمِّها؛ لأن العلم يتعلق بالأمور الممكنة وغير الممكنة والواجبة، في كل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم عز وجل الأشياء المستحيلة، مثاله قول الله تبارك وتعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢] هذا شيء مستحيل ومع ذلك علم الله سبحانه وتعالى نتيجته لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.
ويعلم سبحانه وتعالى الممكن وهو ما يتعلق بأفعال العباد، كل أفعال العباد من قسم الممكن والله تعالى يعلمها عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧]، عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ [البقرة: ٢٣٥]، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب: ٥١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، كل علم يتعلق بالمخلوق فهو علم بممكن؛ لأن المخلوق ممكن، من قِسْم الممكن إذ لو كان مستحيلًا ما وُجِد ولو كان واجبًا ما عدم.
ويعلم جل وعلا ما يتعلق بالواجب، يعلم الواجب وهو علمه تبارك وتعالى عن نفسه، فعلمه عن نفسه علم بالواجب؛ ولهذا قال العلماء: إن العلم هو أعم صفات الله عز وجل، أعم صفات الله عز وجل هو العلم، وهل يتعلق بمشيئته أو هو صفة لازمة؟
الطلبة: لازمة.
الشيخ: هو صفة لازمة، ولهذا لما قال السفّاريني رحمه الله:
| وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا | بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا |
المهم يقول: (بكل شيء) هذا صحيح، الكلام يتعلَّق حتى بالمستحيل، لكن العلم من جهة أنه صفة لازمة أعم من الكلام.
فإذا قال قائل: إذا قلتم: إن العلم صفة ذاتية، فما الجواب عن قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١] حَتَّى نَعْلَمَ(...).
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} أي: قل يا محمد.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِأي: يا أصحاب الكتاب، والمراد بهم اليهود والنصارى، وبالكتاب التوراة والإنجيل، المراد الجنس، و(أل) هنا للعهد أي: الكتاب (...) الذي يعرفه المخاطب.
لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْأي: في عبادتكم، والغلوُّ مجاوزة الحد، وذلك حيث قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وتشدد اليهود في أشياء لم تكن مكتوبة عليهم، وإن كان اليهود قد شُدِّد عليهم كما قال الله عز وجل: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء: ١٦٠].
المهم أن المراد لَا تَغْلُواأي: لا تجاوزوا الحد.
فِي دِينِكُمْفي عبادتكم.
وقوله: غَيْرَ الْحَقِّأي غلوًّا غير الحق، والوصف هنا ليس للقيد؛ لأن الغلو كله ليس بحق لكنه بيان للواقع، ويُسَمِّي العلماء مثل هذا القيد الذي لبيان الواقع يسمونه: صفة كاشفة.
وقوله: غَيْرَ الْحَقِّالحق ما وافق الشرع، والباطل ما خالف الشرع.
وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُوَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ(الأهواء) جمع هوًى، والمراد بالهوى هنا ما خالف شريعة الله؛ لأن الأعمال إما هوى وإما هدى؛ فما وافق الشرع فهو هدى وما خالفه فهو هوى.
وقوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُيشير إلى علمائهم ورهبانهم الذين حرَّفوا دين الله فضلوا وأضلوا، والله سبحانه وتعالى يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم ولا تتبعوا أهواء هؤلاء القوم الذين ضلوا من قبل.
وَأَضَلُّوا كَثِيرًايعني ما (...) ضالين بأنفسهم كانوا أئمة في الضلال فأضلوا كثيرًا، كثيرا ممن؟ كثيرًا من الناس، فصاروا -والعياذ بالله- ضالين بأنفسهم مُضِلِّين لغيرهم عكس الصالحين المصلحين أو المهتدين الهادين.
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِهذا عطف للتوضيح والإيضاح؛ لأنه قال: ضَلُّوا مِنْ قَبْلُعن أيش؟ يُبَيِّنُه بقوله وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِأي: عن مستقيم السبيل، السواء يطلق على معان كثيرة؛ منها: الاستقامة، المعنى: عن السبيل المستقيم، فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
في هذه الآية الكريمة: أمرُ النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا خاصًّا أن يقول هذا القول، وقد بَيَّنَا في غير موضع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور أن يبلغ القرآن كله، لكن أحيانًا يُوَجَّه إليه الخطاب بتبليغ شيء معين لماذا؟ للاعتناء به.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب عندهم غلو، وهو واضح، فالنصارى يقولون: إن عيسى ابن الله، واليهود يقولون: إن عزيرًا ابن الله، وهم أيضًا يَتَّبِعُون أحبارهم ورهبانهم ويتخذونهم أربابًا (...).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نُهِيَ أهل الكتاب عن الغلو -والغلو في ذاته مفسدة- فكذلك يُنْهَى غيرُهم؛ ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلوِّ في الدين ومن الغلوِّ في نفسه فكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن الغلو في الدين، فنهى الذين قالوا: إنا نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء، ولا نأكل اللحم ، وأخذ حصيات في حجة الوداع وجعل يقلبها في يده ويقول: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ والْغُلُوِّ فِي الدِّينِ» ، وسَمَّى الذين أرادوا المواصلة في الصوم سَمَّاهم الْمُتَعَمِّقِينَ تحذيرًا لفعلهم، ودعا على المُتَنَطِّعِين في دينهم ثلاث مرات فقال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون» والغالب أن الغالي الغالب أنه ينحرف نسأل الله العافية؛ لأن الغلو خلاف الفطرة فيكون الغلو هذا ظاهريًّا فقط ويكون قلبه خاليًا من حقيقة الإيمان؛ ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الخوارج: يحقِّر الصحابي صلاته عند صلاتهم وقراءته بقراءتهم ولكن إيمانهم لا يتجاوز حناجرهم ، والعياذ بالله.
الغالب أن الغالي هكذا تجده قلبه يجول مع الناس وأفعال الناس وينتقدهم ويعترض عليهم، لكنه خالٍ من معرفة الله حق المعرفة ومن الرجوع إليه والإنابة إليه، فاحذر هذا، احذر هذا، كن مستقيمًا بين الغلو والتفريط.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلو خلاف الحق؛ لقوله: غَيْرَ الْحَقِّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الضالين؛ لقوله: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا.
ومن فوائدها: أن الذي يحمل الإنسان على الضلال هو الهوى وإلَّا لو كان الإنسان يقول بالعدل ويحكم بالقسط ما ضلَّ عن الصراط المستقيم، لكن يَغْلِبُه هواه حتى يَضِلَّ؛ ولهذا قال: أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواثم بَيَّن ضلالهم عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الإمامة في الضلال؛ لقوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين قالوا: إن فعل الإنسان لا يُنسَب إليه وأنه مجبور عليه ولا اختيار له فيه؛ لأن الآية صريحة بأنهم ضلوا وأضلوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: وَأَضَلُّوافإن هذا الإضلال ليس عن قوة وإجبار وإنكار، لكنه عن سبب يزينون به الباطل حتى يصير به الأقوى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المضلِّين الضالِّين جمعوا بين سُوءَين؛ الأول: ضلالهم لأنفسهم، والثاني: إضلال غيرهم، وهل يمكن أن يقتصر الإنسان على واحدة كضلاله نفسه فقط؟
طالب: لا.
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن، يمكن أن يكون ضالًّا ولا يدعو لضلال، لكنه إذا كان إمامًا في قومه صار ضلاله دعوة بالفعل، دعوة بالفعل؛ لأنه سوف يُتأَسَّى به و يُقْتَدى به، وهل يمكن أن يكون مضِلًّا وهو غير ضالٍّ؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن؛ لأن إضلاله يعتبر؟
طلبة: ضلالًا.
الشيخ: ضلالًا، هو ربما يكون قائمًا بما أمر الله عليه من أفعاله الخاصة، لكن إذا كان يضل فهذا ضلال، إذن يمكن أن يكون الإنسان ضالًّا غير مضل ولا يمكن أن يكون؟
طلبة: مضلًّا غير ضال.
الشيخ: مضلًّا غير ضال؛ لأننا نقول: مجرد كونه يُضِلُّ الناس هذا ضلال.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدين الصحيح وسط بين الغالي فيه والجافي عنه؛ لقوله: عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِأي: عن قَيِّم السبيل ووسط السبيل العدل الذي ليس فيه غلو ولا تفريط.
***
ثم قال عز وجل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: ٧٨].
لُعِنَمبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا هو الأدق، الأدق أن يقال: مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنك لو قلت: مبني للمجهول لأشكل علينا قول الله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] فإن هنا الفاعل غير مذكور، لكنه معلوم ولَّا غير معلوم؟
الطلبة: معلوم.
الشيخ: معلوم.
إذن التعبير بقولنا: فعل ماض -في الغالب- مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمَن الذي لعنهم؟
طالب: الله.
الشيخ: إذا كان هنا مبني لما لم يسم فاعله فمن الذي لَعَن؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأن كل مَنْ لعنه الله فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال عز وجل في أهل النار: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَوالذين كفروا هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كُلِّفوا به، فمثلًا بنو إسرائيل قبل بَعْثَة عيسى دينهم هو دين موسى فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى وقبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر.
قال: عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَيعني: أن داود عليه الصلاة والسلام وعيسى بن مريم دعوا عليهم باللعنة فقالا: اللهم العنهم.
وقوله: عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَداود من أنبياء الله لا شك، لكنه أعطيَ النبوة وشيئًا من الملك ولكن الملك الأتم لابنه سليمان.
دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَالمشار إليه اللعن الذي دل عليه الفعل لُعِنَ، وهنا عاد الضمير على ما اشتُق منه الفعل أي ذلك اللعن بما عصوا.
وقوله: بِمَا عَصَوْاالباء هنا للسببية و(ما) مصدرية أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة: موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه وفعل ما أَمر به.
وَكَانُوا يَعْتَدُونَقوله: وَكَانُوا يَعْتَدُونَمعطوفة على: عَصَوْاأي: على صلة الموصول أي: بعصيانهم واعتدائهم، اعتدائهم على مَن؟ اعتدوا على الخالق عز وجل فقالوا في حقه ما لا يليق به واعتدوا أيضًا على المخلوق فقتل بعضهم بعضًا.
وقوله: وَكَانُوا يَعْتَدُونَلو قال قائل: أليس الاعتداء من المعصية؟ فالجواب: بلى، هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر لأهميته والعناية به أو لكونه أشد وأقبح، ثم بيّن ذلك العدوان والمعصية قال: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُلَا يَتَنَاهَوْنَأي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراط من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، هذا هو النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمر أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهياً؛ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعِي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى يعني قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجّه إليه الأمر والنهي.
وقوله: عَنْ مُنْكَرٍالمنكر هو ما أنكره الشرع من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، هذا هو المنكر، وهل المرجع فيها إلى العُرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذن إلى الشريعة لا إلى عُرْف الناس.
وقوله: عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُكيف يقول: لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُلأن المفعول لا يتوجه إليه النهي إذ إنه تَمَّ وفُعل، لكن الآية أي عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرِد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم فالمعنى لا تستمر في القيام، إذن عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُأي: عن الاستمرار في منكر فعلوه.
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَاللام هنا موطِئة للقسم؛ يعني: والله لبئس، و(بئس) فعل ماض لكنه إنشاء في الواقع؛ إذ إنه فعل يدل على إنشاء الذم، و(نِعْم) تدل على إنشاء المدح.
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(ما) فاعل وهي اسم موصول، وكَانُواصلة الموصول، أين العائد على الموصول؟ محذوف، والتقدير: لبئس ما كانوا يفعلونه.
***
أعوذ بالله من الشطيان الرجيم، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
في هذه الآية فوائد؛ منها: لَعنُ الكافرين من بني إسرائيل؛ لقوله: لُعِنَواللعن معروف هو الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل وعدم التوفيق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بني إسرائيل مَنْ هو كافر ومنهم من هو مؤمن؛ لقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَوهذا هو الواقع فإن منهم مؤمنين كالحواريين لعيسى عليه الصلاة والسلام وكالقوم الذين اختارهم موسى سبعين رجلًا وغير ذلك.
ومن فوائده هذه الآية الكريمة: أن الذي لَعَن بني إسرائيل رسولان كريمان، لُعِنُوا على لسانهما وهما: داود وعيسى بن مريم؛ داود من أنبياء بني إسرائيل لكنه ليس من آخرهم، آخرهم عيسى بن مريم، فيكون لعنتهم في أول الرسالات وفي آخر الرسالات.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْافإن الباء للسببية، وسبق تقرير هذا وبيان اختلاف الناس في الأسباب وبَيَّنَا الصحيح فيها وأن الأسباب نوعان: حسية، وشرعية.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العدوان على الغَير أشد من مجرد المعصية مع أنه من المعاصي؛ لقوله: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئًا، وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب؛ لقوله: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا.
ومن فوائد الآية التي بعدها: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن المنكر؛ لقوله: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
ومن فوائدها: أن ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده، والعياذ بالله.
واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط؛ الشرط الأول: العلم بأن هذا معروف يُؤمر به وهذا منكر يُنْهَى عنه فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به ولا النهي عما لا يُعلم أنه منهيٌّ عنه لما في ذلك من الافتراء على الله وصَدِّ عباد الله عن ما أحل الله لهم.





