تفسير سورة الأنعام - 1
عدد الزيارات 3966

عناصر المادة :
تفسير الآية (2)
تفسير الآية (3)
تفسير الآية (4)
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ١ - ٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الدرس الماضي أن شرعنا في الكلام على البسملة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ [الفاتحة: ١] وذكرنا أن هذا الاسم العظيم هو أصل الأسماء، ولا يسمى به سوى الله عز وجل.
أما قوله: الرَّحْمَنِفالرحمن مشتق من (الرحمة)، ولكنه على صيغة (فَعْلان)، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء فيكون معناه أنه ذو رحمة واسعة؛ ولهذا فسرها بعضهم بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، ولكن الصواب أنه ذو الرحمة الواسعة يرحم من شاء عز وجل؛ فهي أدل على الوصف منها على الفعل، أدل على وصف الله منها على الفعل، أما الرحيم فهي صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف فسبقت الرحمن؛ لأنها وصف، وأتت الرحيم؛ لأنها فعل؛ فهو رحمن يرحم عز وجل.
وقد ذكر الله تبارك وتعالى أنه بالمؤمنين رحيم، والمراد الرحمة الخاصة.
إذن الرحمن تدل على أيش؟ الوصف، والرحيم على الفعل؛ يعني أنه يرحم.
قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فأما العامة فهي الشاملة لجميع الخلق؛ المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والبهيم والعاقل، كل الخلق تحت رحمة الله عز وجل، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة، الرحمة الخاصة هي التي تختص بالمؤمنين؛ فهي رحمة خاصة؛ والفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله عز وجل على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، أما الرحمة العامة فلا أثر لها إلا في الدنيا.
ولذلك نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل لا يعاملون بالرحمة، البهائم وغير العاقل كذلك يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بينهم بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكن ترابًا فيكن ترابًا، ولا نعي فالرحمة إذن كم؟
طالب: نوعان.
الشيخ: نوعان أو قسمان؛ عامة تشمل جميع الخلق، وخاصة تختص بالمؤمنين، الفرق بينهما أن العامة إنما تكون في الدنيا فقط، والخاصة تكون في الدنيا والآخرة، اللهم ارحمنا برحمتك.
وذِكر هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فعلَ العبد وقوله إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد من هذا الفعل، ولا من هذا القول؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» .
قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله عز وجل، واللام في قوله: لِلَّهِإما للاختصاص، وإما للاستحقاق، ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِللعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله عز وجل، فتكون اللام للاستحقاق وللاختصاص أيضًا.
ولكن ما هو الحمد؟ الحمد كثير من الناس يفسره بالثناء على الجميل الاختياري، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء يكون تكرار الحمد؛ والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ» . وهذا يدل على أن الثناء هو تكرار الوصف الكامل، والاشتقاق يدل عليه؛ لأن الثناء من الثَّنْي، وهو إعادة الشيء، أو رد الشيء بعضه إلى بعض، وأما قولهم: على الجميل الاختياري فهو أيضًا بالنسبة لله عز وجل غير صحيح؛ لأن الله يُحمد على ما يفعله عز وجل، وهو يختار ما يشاء، ويُحمد على كمال صفاته اللازمة التي لا تتعدى إلى أحد؛ فهو محمود على كمال حياته، ومحمود على كمال قيوميته؛ الأول: وصف لازم، والثاني: وصف متعدٍّ ولازم أيضًا كما سبق تفسيره.
إذن الصواب أن حمد الله يكون على أفعاله التي يختارها، وعلى صفاته الكاملة اللازمة له، فبماذا نعرّفه؟ نقول: الحمد وصف المحمود بالكمال حبًّا وتعظيمًا؛ لأن الوصف بالكمال قد تصف شخصًا ما بالكمال لا محبة له، لكن رجاءً لما سيجازيك به، وقد تمدحه لا على سبيل المحبة والتعظيم، ولكن خوفًا من شره، فالحمد إذن لا بد أن يقيد بأنه على وجه المحبة والتعظيم، فإن لم يكن على وجه المحبة والتعظيم فهو مدح.
وانظر إلى عمق اللغة العربية كيف فرّقت بين حمد ومدح مع تساويهما في الحروف نوعًا وعددًا؟ الحروف ثلاث، هذا العدد، النوع نفس الحرف (حاء، ميم، دال)، لكن اختلف الترتيب في الحروف (حمد ومدح) باختلاف هذا الترتيب اختلف معناهما، والنسبة بينهما الخصوص والعموم، فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا؛ لأن الحمد -كما قلنا- لا بد أن يكون على وجه المحبة والتعظيم، والمدح بخلاف ذلك؛ قد يمدح الرجل سلطانًا أو وزيرًا، أو ما أشبه ذلك لا محبة له، ولا تعظيمًا له، ولكن يرجو نواله أو يخاف منه، أما الحمد فلا.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الفروق بينهما في كتابه بدائع الفوائد الذي حثّنا شيخنا عليه حين الطلب وقال: إنه كتاب عظيم، وهو كذلك يشبهه من بعض الوجوه صيد الخاطر لابن الجوزي، لكن من حيث العمق والمعنى والفائدة لا سواء ولا مقارنة؛ فهو رحمه الله بيَّن بيانًا واضحًا الفروق بين (الحمد والمدح)، وبحث هذا المبحث حتى أنضجه طبخًا.
وقال: إن شيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- كان إذا بحث في مثل هذه الأمور أتى بالعجب العجاب رحمه الله، ولكنه كما قيل:

تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْـــــتُ لَـــــــــــــــــهُ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ

لأن شيخ الإسلام ما عنده تفرغ إلى أن يتكلم في مثل هذه الأمور، يتكلم بما هو أعظم، وقد جمع أخونا وزميلكم فريد بن عبد العزيز الزامل المباحث النحوية التي تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعها في رسالة، ولكنها لم تُطبع بعد، وهذا طيب، ومر علينا من هذا النوع في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لما تكلم على قول الله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا [التوبة: ٦٩] بحث بحثًا ما تجده في أي كتاب رحمه الله.
المهم نرجع إلى ما نحن بصدده، الحمد: هو وصف المحمود أيش بالكمال على وجه المحبة والتعظيم.
لِلَّهِقلنا: (اللام) للاستحقاق والاختصاص، لا أحد يستحق الحمد كله من كل وجه إلا الله عز وجل.
وهذا الحمد المذكور خاص بالله عز وجل، فهو جل وعلا مستحق لأن يحمد، والحمد الكامل مختص به.
أما (الله) فهي علَم على الله عز وجل، والتعبير بها أحسن من التعبير بغيرها، بعض الناس الآن يعبّر فيقول: قال الحق كذا وكذا، قال الحق كذا وكذا، هذا صحيح أن الله هو الحق المبين، لكن اجعل عبارتك على عبارة السلف فهم يقولون: قال الله، أو يقولون: قال ربنا.
أما (قال الحق) فهذه يأتي بها الإنسان لأجل يفتح الأذهان بحيث يقول السامع: من هذا الحق؟
لكن نقول: قال الله، التي بُنيت عليها الألوهية والعبادة أحسن، ولكن لا بأس أن تقول: قال ربنا، أو قال ربكم، كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه أحيانًا: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» .
اللَّهِ: مشتقة من الألوهية، و(أَلِه) بمعنى: تعبّد، وليست بمعنى: تحيّر كما زعمه بعضهم؛ لأن الإنسان إذا قال: الله، ما يجد تحيرًا، يجد ربًّا معروفًا عز وجل، لا حيرة فيه، يقولون: أصلها (الإله)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.
وقالوا: إن نظيرها (الناس)، وأصلها: (الأُناس)، وكلمة (خير)، و(شرّ)، وأصلها: (أخير)، و(أشر).
إذن اللَّهِأصلها (الإله)، وهي من (ألِه)؛ ألهِه أي: تعبّد له، وهل هو مشتق أو جامد؟
الصواب: أنه مشتق، وأنه لا يوجد اسم من أسماء الله، ولا من أسماء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا من أسماء القرآن يكون جامدًا أبدًا؛ لأن الجامد معناه أنه لا معنى له إلا الدلالة على المعين فقط؛ لأن العلم كما قال ابن مالك:
اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّى مُطْلَقَــــــــــــــــــــــــا عَلَمُـــــــــــــــــهُ كَجَعْفَـــــــــــــرٍ وَخِرْنِقَــــــــــــــــا

فلو قلنا: إن أسماء الله، أو أسماء الرسول، أو أسماء الكتاب العزيز إنها جامدة؛ معناها أنها لا تدل إلا على تعيين المسمى فقط، ولكن نقول: هي مشتقة، تدل على تعيين المسمى، وعلى المعنى الذي اشتُقت منه، لا بد.
إذن اللَّهِمشتقة من (الإله)، أو (الألوهية)، وهي التعبُّد لله عز وجل.
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالَّذِيوصف للفظ الجلالة.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. خَلَقَأي: أوجدها على تقدير مُحكم؛ لأن الأصل في الخلق في اللغة هو التقدير، كما قال الشاعر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْـــــــــرِي

(يفري) يعني: يفعل.
(تَفْرِي مَا خَلَقْتَ) يعني: ما قدرته، ولا يمنعك أحد؛ فالخلق إذن هو الإيجاد على وجه التقدير المحكَم.
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالسَّمَاوَاتِمفعول خَلَقَ، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول خلافًا لمن قال: إنه لا يصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه، وهو موجود، وخلق السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تُخلق، ولكن نقول: هذا تكلُّف، والصواب -الذي عليه أكثر المعربين-: أن السَّمَاوَاتِمفعول به.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالسَّمَاوَاتِمن (سما يسمو) إذا علا، وقد بيَّن الله تعالى أنها سبع، وأنها طِباق، وأنها شِداد، وأنها مبنيّة بأيدٍ؛ أي: بقوة.
وقوله: وَالْأَرْضَمعطوفة على السَّمَاوَاتِوهي لفظ مفرد، لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة.
انتبه لهذا القيد: لا يمنع التعدُّد إذا ثبت أنها أيش؟ متعددة، ولو لم يثبت أنها متعددة لقلنا: إنها واحدة؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس وحينئذٍ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّفي الكيفية والصفة، هذا ما أحد يقوله؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك.
أما السنة فصريحة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . فصار المراد بالأرض الجنس، فلا ينافي التعدد، وقد ثبت تعدُّد الأرَضين بظاهر القرآن وصريح السنة أنها سبع.
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَجَعَلَبمعنى: (خلق)، ولكن إذا كانت بمعنى (خلق)، فما هي الحكمة في أن عُبّر عن الخلق بالجعل؟
قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة؛ يعني تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى أحيانًا يكون من البلاغة.
وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره؛ مثلًا نور الشمس الآن لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له؛ ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ما فيه نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مقابَلًا بجسم.
تجدون الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، وقسمًا قابلًا لنصاعة البياض، وقسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبيّن إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذا هو الحكمة من قوله: وَجَعَلَ.
حكمة أخرى: أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية، أليس كذلك؟ ظلمة الليل ما هي؟
طالب: حسية.
الشيخ: حسية، ظلمة الجهل؟
الطلبة: معنوية.
الشيخ: ظلمة الجهل معنوية، كذلك النور، نور النهار؟ حسي، نور العلم والإيمان؟ معنوي، ومن نور العلم والإيمان استنارة القلب بكلام الله عز وجل، وكلام الله تعالى غير مخلوق مع أن القرآن يسمى نورًا كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤] واضح؟ فلذلك عبّر الله عز وجل بالجعل؛ لأنه يتعلق بالمخلوق وغير المخلوق.
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: ١] ثُمَّحرف عطف معروف، ويفيد العطف والتراخي، وإن شئت قل: يفيد الترتيب والتراخي؛ فيكون معنى الآية: ثم مع ظهور هذا الأمر؛ وهو خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور مع هذا الذين كفروا بربهم يعدلون مع ظهور الآيات، ولا شك أن كفر الكافرين مع ظهور الآيات أشد في اللوم والتوبيخ ممن ليسوا كذلك.
وقوله: كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، بِرَبِّهِمْهل نجعلها متعلقة بـكَفَرُواأو متعلقة بـيَعْدِلُونَ؟
التركيب محتمل أن تكون كَفَرُوا بِرَبِّهِمْيَعْدِلُونَأي: يعدلون به غيره، ويحتمل أن تكون الذين كفروا منفصلة عن قوله: بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَويكون الذين كفروا يعدلون بربهم؛ أي: يجعلون غير الله معادلًا لله تبارك وتعالى.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ١ - ٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَسبق تفسير هذه الجملة كلها. وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَإلى هنا وقفنا.
قال الله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَأي: ثم بعد هذه الآيات العظيمة الظاهرة البينة الذين كفروا يعدلون بربهم أي: يعدلون به غيره؛ أي: يجعلونه عديلًا له، ندًّا له.
وفي قوله: كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَهل الجار والمجرور بِرَبِّهِمْمتعلق بـكَفَرُواأو بـيَعْدِلُونَ؟
الأَوْلَى أن يكون متعلقًا بـيَعْدِلُونَ؛ لأن هذا هو المعنى المطابِق، أما الَّذِينَ كَفَرُوافمعروف أن المراد كفروا بربهم، وإنما قُدِّم على عامله مراعاةً لفواصل الآيات؛ لأن الفواصل إذا جاءت متناسقة فإن ذلك يكون ألذّ على السمع وأقبل للنفس، وأتى بـثُمَّالدالة على التراخي؛ يعني أنه بعد أن تأملوا ونظروا وعلموا كفروا والعياذ بالله، وعدلوا به غيره فجعلوا له أندادًا.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أولًا: ثناء الله على نفسه، بل حمد الله تعالى نفسه أن خلق السماوات والأرض، وهذا حمد عند ابتداء الخلق؛ أي: خلق السماوات والأرض، هناك حمد آخر عند انتهاء الحمد، كما في آخر سورة (الزمر) حيث قال الله تبارك وتعالى: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: ٧٥] (قيل): أي قاله كل العالم، الحمد لله رب العالمين.
وحمد نفسه تبارك وتعالى على تنزهه من كل عيب ونقص وكبريائه وعظمته، فقال تعالى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [الإسراء:١١١]، وحمد نفسه تبارك وتعالى على إنزال القرآن الكريم فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف: ١، ٢] فالله تعالى يحمد نفسه عند الأمور العظيمة؛ لأن هذه الأمور العظيمة تُوجِب للعبد المتأمل أن يحمد الله عز وجل على كمال صفاته، وعلى كمال إفضاله وإنعامه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل خلق السماوات والأرض، ولا أحد ادعى أنه يخلق السماوات والأرض حتى المشركون لو سُئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ لقالوا: الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات مخلوقة وليست أزليّة؛ لقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَفيكون في ذلك رد على الفلاسفة الذين قالوا بقِدَم هذا العالم، وأنه أزلي، فإن قولهم هذا مردود بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع؛ لأنها جُمعت، وكم عددها؟ سبع سماوات بنص القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: التفريق بين ذكر السماوات والأرض حيث تُذكر السماوات جمعًا والأرض مفردة؛ وذلك لأن السماوات أعظم من الأرض بكثير لا من جهة ارتفاعها ولا سعتها ولا شيء، كل ما في السماوات فهو أعظم مما في الأرض؛ قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَاإلى آخره [النازعات: ٢٧، ٢٨].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يُعبَّر بالمفرد ويُراد به الجنس، فيعُم ما كان زائدًا على المفرد؛ لقوله: وَالْأَرْضَ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما قد يُؤخذ منها أن من ملك ظاهر الأرض فقد ملك أسفلها حتى لا يُقال: إنه ليس لك إلا أرض واحدة، فلا تملك الأرض إلى تخومها، وقد قرّر هذا العلماء -رحمهم الله- فقالوا: إن مالك الأرض يملكها إلى الأرض السابعة، وعلى هذا دل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: التعبير المختلف بين خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فإن لقائل أن يقول: لماذا اختلف التعبير؟ هل هو مجرد اختلاف لفظ أو هناك فرق؟
لننظر (جعل) تأتي بمعنى (خلق) لا شك، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء: ١]، وقال تعالى في آية أخرى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: ١٨٩] فدل ذلك على أن (خلق) و(جعل) معناهما واحد، وعلى هذا فيكون التفريق هنا لمجرد اختلاف اللفظ فقط.
وقيل: بينهما فرق؛ فالخلق إنشاء لذات المخلوق، وأصل المخلوق، والظلمات وصف في المخلوق، وكذلك النور؛ ولهذا لا تجد للنور جسمًا يُشاهَد أبدًا، انظر إلى النور لا يظهر إلا على سطح، أما في الفضاء فلا يظهر النور، وما نشاهده أحيانًا من السهم الأبيض إذا ضربنا بشيء له قوة نفوذ على الضوء، ليس هذا النور، لكنه انعكاس لذرات صغيرة في الفضاء، وليس هو النور بل هو انعكاس لهذا، فلما كان النور والظلمة ليسا شيئًا محسوسًا، وإنما يظهران في غيرهما عبَّر عنهما بكلمة (جعل)، وهذا لا شك أنه أبلغ من أن نقول: إنه ليس بينهما فرق، وإنما اختلف اللفظ فقط.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ما يحصل من جمع الظلمات وإفراد النور، بعضهم قال: إن النور أفرد؛ لأنه شيء واحد، النور نور، والظلمات جمعت؛ لأنها تختلف باختلاف الجرم، الجرم الذي حصلت به الظلمة؛ فمثلًا لو كان معك زجاجة مشمّعة وجعلتها بين اللمبة وبين الأرض صار هناك ظلمة أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لكنها خفيفة، وإذا جعلت شيئًا ثخينًا صار ظلمة سوداء بينة؛ فلذلك جُمعت الظلمات من أجل أن الظلمة تختلف بحسب الجسم الذي أوجدها أو الذي وُجدت به فجمعت.
وبعضهم قال: لأن الظلمات هي الأصل والنور طارئ عليها، والظلمات معروفة أنها تختلف؛ فمثلًا الظلمات في وقت تكون السماء فيه ملبّدة بالغيوم ليس كما إذا كانت السماء صحوًا، الظلمات في قاع البحر ليست كالظلمات في سطح البحر، وهلم جرًّا، هذا إذا قلنا: إن المراد بالظلمات والنور ما كان حسيًّا منهما، أما إذا قلنا -وهو الصحيح كما قررناه-: إنه يشمل الظلمات الحسية والمعنوية، وكذلك النور الحسي والمعنوي فالأمر ظاهر؛ لأن شعب الكفر كثيرة، والإيمان شيء واحد، وفروعه مجرد فروع، وإلا أصله ثابت، فإن صراط الله تعالى أيش؟ واحد، والطرق الأخرى متعددة، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
من فوائد هذه الآية: سفه الكفار، وأنه لا عقول لهم، وجهه أنه بعد ظهور هذه الآيات العظيمة، عدلوا بالله عز وجل، جعلوا له عديلًا وندًّا، وهذا يدل على سفههم وإن كانوا أذكياء، ويؤيد هذا قول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]؛ وبأن الله تعالى دائمًا ينعى على الكفار فقدهم العقل أكثرهم لا يعقلون، والآيات في هذا كثيرة، وهذا هو الحق أن الكفار ليسوا عقلاء، والمراد بنفي العقل هنا نفي عقل التصرف، ما هو عقل الإدراك؟ هم عقلاء من جهة الإدراك، ولهذا تلزمهم الطاعات ويلزمهم الإسلام، لكنهم ليسوا عقلاء من حيث التصرف، بل هم سفهاء؟ وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا فهومًا ولم يُؤتوا علومًا، وأوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، هم عندهم فهم، لكن ما عندهم عِلم، عِلم يعني بالشريعة، وعندهم إدراك، لكن ما عندهم عقل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ربوبية الله تعالى عامة للمؤمن والكافر كذا؛ لقوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَفجعل نفسه ربًّا لهؤلاء، ولا إشكال فيه، لكن هذه الربوبية العامة، هناك ربوبية خاصة بالمؤمنين تقتضي الكلاءة، والعناية، والحفظ، والتربية، وقد اجتمع النوعان في قول سحرة فرعون: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] فالأولى عامة، والثانية خاصة.
تفسير الآية (2)
00:37:43

ثم قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام: ٢] لما ذكر خلق السماوات والأرض ثنّى بخلقنا نحن، فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، والطين هو التراب المبلول بالماء أو المخلوط بالماء، وهو معروف، وذلك بخلق أصلنا، وهو آدم، أما الإنسان فقد خُلق من ماء مهين من النطفة، لكن آدم خُلق من طين.
ثُمَّ قَضَى أَجَلًا [الأنعام: ٢] أي: قدَّر أجلًا انقضى وانتهى.
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام: ٢] مُسَمًّىأي: معلوم عند الله، وهنا الأفضل أن تقف ثُمَّ قَضَى أَجَلًا، ولا تصل؛ لأن الوصل قد يُشعِر بالتناقض؛ وجهه أن الأول: منصوب قَضَى أَجَلًا، والثاني: مرفوع، والحكم أيضًا مختلف كما سيتبين -إن شاء الله- في الفوائد.
وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُعند الله؛ وهو قيام الساعة، فإن هذا مما يختص الله به عز وجل، قال الله تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب: ٦٣] وقال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: ١٨٧]، هذا عند الله لا أحد يعلمه، ولا أحد يعلم عن انقضائه، أما الأجل الأول فنحن نعرف انقضاءه إذا وجدنا الرجل أنشأه الله، ثم أماته انقضى الأجل أو لا؟
قضى الله أجله وعرفناه، لكن الأجل المسمى المعلوم عند الله عز وجل يختص الله بعلمه.
ثُمَّأي: بعد أن عرفتم أنكم خُلقتم من طين، وأن الآجال تنقضي بعلم منكم وأجل آخر غير معلوم بعد هذا تَمْتَرُونَ، والامتراء هو الشك أي: تشكون في البعث، فانظر الآن كيف ذكر في الآيات الأولى شرك هؤلاء بربهم؛ يعني الكفار، ثم ذكر نوعًا آخر، وهو الكفر باليوم الآخر؛ لأن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم حادث بعد أن لم يكن، من أين تؤخذ؟
من قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ [البقرة: ٢٩]، وقد قال الله تبارك وتعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١] هَلْبمعنى (قد)، فمن عمره عشرون سنة هو قبل إحدى وعشرين سنة، نعم، لم يكن شيئًا مذكورًا فأوجده الله، ففيه دليل على حدوث بني آدم، وأنهم مخلوقون من العدم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أصل بني آدم، وأنهم من الطين، والطين من أين؟ من الأرض، وقد قال الله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: ٥٥].
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ [الحجر: ٢٦] وقوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [الروم: ٢٠]؟
فالجمع بينهما سهل؛ وذلك أن أصل بني آدم تراب صُبَّ عليه الماء فصار طينًا، بقي زمنًا مدة طويلة فصار صلصالًا؛ لأنه يسود، وإذا صُنع منه الشيء صار صلصالًا له صوت، إذا ضربته بأصبعك صار له صوت، فلا خلاف ولا تناقض.
واعلم أنه لا يمكن أن يقع التناقض بين دليلين قطعيين أبدًا؛ لأنه لو وُجد تعارض بينهما لم يكونا قطعيين؛ لأن القطعي؛ يعني أن غيره لا يمكن، فلا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين أبدًا، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا فيما بين القرآن والسنة، ولا بين الأدلة العقلية والنقلية، هذا لا يمكن؛ لأنه لو تصورنا هذا فأحدهما قطعًا غير صحيح؛ إذ إن الدليلين القطعيين النسبة بينهما التناقض والنقيضان أيش؟ لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا بد من وجود أحدهما، ولا يمكن أن يجتمعا، ولا أن يتفقا.
فإذا تراءى لك التعارض بين دليلين قطعيين فاعلم أن الخطأ من فهمك، وأنه يمكن الجمع بينهما، وإما ألا يكون أحدهما قطعيًّا، ويكون الحكم لأيش؟ للقطعي، أما إذا كانا ظنيين فيمكن التعارض، وحينئذٍ يُنظر للترجيح.
إذا كان في القرآن ما ظاهره التعارض على وجه قطعي فاعلم أن هذا أيش؟ لا يمكن أبدًا، فإما أن تكون الدلالة غير قطعية، وإما أن يكون الحكم منسوخًا، أما أن يبقى الحكم والدلالة قطعية في الآيتين مثلًا فإن ذلك لا يمكن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله عز وجل وحده؛ لقوله: قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، ولا أحد يُغيّر في هذه الآجال.
ومن فوائدها: أن من مات مقتولًا فقد مات بأجله الذي قدّره الله له؛ لأن الله قضى، لا يقال: لولا أنه قُتل لم يمت، هذا مستحيل؛ لأن الله قضى أن يموت بالقتل؛ فهو مقتول بأجل.
لو قال قائل: لولا أن هذا الرجل قتل مثلًا الساعة الثانية عشرة من النهار لأمكن أن يتغدى الساعة الواحدة، ماذا نقول؟
نقول: لا يمكن أبدًا؛ لأن الله قضى هكذا، فلا بد أن يقع، فكل ميت ميت بأيش؟ بأجله المقدر له، ما يتقدم ولا يتأخر، لكن السبب قد يتقدم ويتأخر بحسب نظر الإنسان.
كما أن طول العمر بصلة الرحم أيضًا مقضي، لا يمكن أن نقول: لو كان هذا عاقًّا لمات قبل أن يموت إذا كان واصلًا ليش؟ لأننا قلنا: إن الله قدر أن يكون واصلًا، وأن يتأخر عمره، قضى الله أجلًا، ولا يمكن أن يتأخر.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأجل المعلوم -الذي هو الساعة- عند الله عز وجل، لا أحد يصل إلى العلم به، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين؛ حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأله جبريل، وجبريل أفضل الملائكة، ومحمد أفضل البشر، سأله عن الساعة فقال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» . فإذا كان هذان الرسولان الكريمان لا يعلمان متى الساعة، فَمَن دونهما من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النداء بالبلاهة والغفلة لأولئك القوم الذين عرفوا أصلهم ومنشأهم فيمترون ويشكون في الأجل المسمى عند الله وهو يوم القيامة.
في سورة الجاثية احتج الذين ينكرون البعث وقَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، فماذا تقولون في هذه الدعوى؟
غير صحيحة؛ لأن الذين أخبروا بالقيامة ما قالوا: الآن يبعثون، لم يأتِ الوقت بعد، لكن هذا من باب التشبيه الذي يُقصد به إضلال الخلق.
تفسير الآية (3)
00:47:07

ثم قال الله عز وجل: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ٣].
قوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِاللَّهُعلَم على الرب عز وجل، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين.
وهو علَم مشتق من أين؟ من الألوهية، وأصله (الإله)، واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة كما هو ظاهر ما فيه اسم جامد لله عز وجل أبدًا.
وقوله: فِي السَّمَاوَاتِمتعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا لكم الآن: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يحوز التعلق به كما قال ناظم القواعد؛ قواعد الجمل:
لَا بُـــــــــدَّ لِلْجَــــــار مِــــــــنَ التَّعَلُّـــــــــقِ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِـــــــــــــــــــي

إذن فِي السَّمَاوَاتِمتعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنها مشتقة، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، ولكن ما معنى فِي السَّمَاوَاتِ؟
المعنى أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل؛ فالله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات؛ المعنى بمعنى أنه مألوه في السماوات يتألّه إليه أهل السماء.
وقوله: وَفِي الْأَرْضِالواو حرف عطف والْأَرْضِمعطوفة على السماوات، فيكون المعنى الله في السماوات وفي الأرض؛ أي: مألوه أيش؟ في السماوات وفي الأرض، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف: ٨٤].
وعلى هذا التفسير لا إشكال فيه أن الله تعالى إله في السماوات وفي الأرض أيضًا.
وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على السماوات، وهذا على جعل الله علمًا على الذات دون المتعبّد لله؛ يعني معناه أن الله في السماوات كقوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦].
ثم استأنف فقال: وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْفتكون فِي الْأَرْضِمتعلقة بما بعدها بقوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ؛ أما على الوجه الأول فمعنى الآية ظاهر أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض فهو مألوه في السماوات والأرض، ويراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض كما ثبتت أيش؟ الربوبية؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، هذا لا إشكال فيه.
المناسبة على القول الثاني أن المعنى أن الله ذاته لا من يألهه، أن الله ذاته في السماوات، فيكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بعدها الشاسع بمانع عن علمه بِكُم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات، ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم، فهمتم الفرق بين المعنيين؟
المعنى الأول؛ وهو الله في السماوات وفي الأرض أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض؛ بمعنى أن من في السماوات يتألهه، ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف: ٨٤].
المعنى الثاني يقول: إن الله نفسه في السماوات؛ أي: عليها، ومع ذلك يعلم سركم وجهركم في الأرض فليس بُعده بمانع من علم السر والجهر منكم في الأرض.
إذن المعنى الثاني ما فيه ذكر للألوهية، لكن فيه ذكر للإحاطة إحاطة الله بنا عز وجل وإن كان في السماوات.
وهذا يفسّره قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، أين التحاور الذي وقع؟
في الأرض، والله تعالى في السماء، فتكون هذه الآية آية قَدْ سَمِعَكالتفسير لقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ.
وقوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْأي: ما في الصدور، والإسرار نوعان؛ إصرار في النفس، وإسرار مع الغير؛ فمثلًا إذا حدّث الإنسان نفسه بشيء في نفسه هذا إسرار مع النفس، وإذا حدث غيره سرًّا لا يسمعه من بجانبه، فهذا إسرار مع الغير، ولهذا نسمي القراءة في الظهر والعصر مثلًا نسميها أيش؟ سرية، مع أنه ينطق الإنسان ويُسمع نفسه، ومع ذلك نسميها سرًّا، ونسمي ما حدَّث به الإنسان نفسه، نسميها سرًّا؛ إذن فالسر يشمل المعنيين جميعًا، يعلم ما نُسر في نفوسنا ولا نظهره لأحد، وما نخبر به الغير على وجه خفي لا يسمعه الآخرون.
وَجَهْرَكُمْأي: ما تجهرون به وتعلنونه.
وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَيعني يعلم كسبكم من خير وشر ودين ودنيا، وعلم وغيره، كل ما يحصل فالله عالم به جل وعلا، لا يخفى عليه، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه.
الطالب: كما يقال، الذين يقولون: إن الله موجود في كل مكان، يستدلون بمثل هذه الآية، وبمثل قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة: ٧]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوْ سَاجِدٌ» بمثل هذه الأدلة يقولون: إن الله في كل مكان، فكيف نرد عليهم؟
الشيخ: نعم، نرد عليهم بكل سهولة: أولًا نقول: أنتم الآن اتبعتم المتشابه؛ يعني أن في الآيات احتمالًا لما قالوا فهو متشابِه، وتركتم الآيات المحكمات في أن الله تعالى بائن من خلقه فوق خلقه، تركتموها فأنتم من القسم الثاني الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، فإذا قالوا مثلًا هذه الآية، نقول: هي مثل قول الإنسان، فلان أمير في مكة والمدينة؛ يعني أن إمرته ثابتة في مكة والمدينة، وليس المعنى أن هو نفسه في مكة والمدينة؛ لأن هذا مستحيل، أليس كذلك؟
إذن ألوهية الله في السماوات وفي الأرض، وليس هو في السماوات ولا في الأرض، تمام؟
أما المعية فالمعية نقول: إنه لا تتنافى مع العلو حتى في المخلوقات ما تتنافى مع العلو؛ فاللغة العربية يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والقطب معنا، وهو كلام سائغ رائج، فيكون معنى أن الله معنا يعني أنه مُطّلع علينا وإن كان بعيدًا، فإذا كان يمكن اجتماع العلو والمعية بحق المخلوق فاجتماعهما في حق الخالق من باب أوْلَى.
الطالب: الله موجود في كل الوجود مسألة (...).
الشيخ: في كل الوجود؟ حرام؛ أولًا: لأن الله في كل الوجود ما يستقيم هذا، إلا إذا أرادوا بالوجود اللي هو المعنى أرادوا اسم المفعول، فيكون الله موجود في كل موجود هو مذهب الحلولية تمامًا.
الطالب: شيخ -بارك الله فيكم- كيف نرد على الصوفية الذين يقولون: إذا قلتم: إن الله عز وجل مستوٍ على العرش فأين هو قبل ذاك؟ (...) في الأرض؟
الشيخ: لا، الصحابة سألوا الرسول فقال: «كَانَ فِي عَمَاءٍ» والعماء يعني الغيم الخفيف؛ هو السحاب الخفيف.
الطالب: في السماء يعني؟
الشيخ: في السماء، وهؤلاء كلهم الذي يحملهم على هذا هو أنهم ظنوا أن الرب عز وجل تحيط به المخلوقات، وأنه مثل الإنسان، لكن لو قدروا الله حق قدره، وعلموا أن الرب عز وجل أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد أن يتصوره، ولهذا قال بعض أهل العلم عبارة طيبة قال: تفكّروا في آيات الله، ولا تتفكروا في ذات الله.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الأنعام: ٣ - ٦].
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ، فما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٥، ٦]؟
طالب: قلنا: الطين خلق منه آدم.
الشيخ: من ماء دافق؛ يعني هذا باعتبار الأصل، الطين باعتبار الأصل، وهذا باعتبار الفرع المتولّد من الأصل.
ما الجمع بين قوله هنا تبارك وتعالى: مِنْ طِينٍوقوله في آية أخرى: مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩]؟
الطالب: أن التراب إذا صُبّ عليه الماء يكون صلصالًا.
الشيخ: صار طينًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني معناها أن التراب هو الأصل، فإذا صُبّ عليه الماء صار طينًا، فإذا بقي مدة صار صلصالًا.
هل يمكن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟ أجب؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: ويش هو اللي ما يمكن؟
الطالب: التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة ما يمكن.
الشيخ: لا يمكن، لماذا؟
الطالب: لأنه إذا حصل تعارض آيتين قطعيتي الدلالة يكون تعارضًا بين الأحكام من الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يكون.
الشيخ: يكون جمعًا بين النقيضين، وهذا مستحيل. طيب، لو ورد على إنسان مثل هذا؛ يعني ظن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟
طالب: يكون قصورًا في فهمه.
الشيخ: نعم، نقول: هذا دليل على قصور فهمه أو علمه، فعليه أن يرجع مرة ثانية للتدبر حتى يتبين له أنه لا تعارض؛ لأن الله قال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ألوهية الله ثابتة في السماوات والأرض، يألهه من في السماوات ومن في الأرض؛ لقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يعلم السر والجهر، يعلم ما يسر به الإنسان وما يجهر به، والإسرار تارة يكون إسرارًا في النفس، وتارة يكون إسرارًا مع الغير بصفة خاصة، والجهر هو الإعلان الذي لا يخفى؛ فالله يعلم السر سواء مع النفس أو مع الغير بصفة خاصة أو الجهر.
من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله تبارك وتعالى؛ عموم علمه؛ لأن قوله: سرّكم يشمل كل أحد، وقد قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: ٩٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومنها: ما يترتب على إيماننا بأن الله يعلم السر والجهر مع إيماننا بهذا يقتضي ألا نخالف أمر الله عز وجل بترك واجب، أو فعل معصية؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يعلمه، ولو لم يثمر العلم هذه الثمرة الجليلة لكان علمنا لا فائدة منه.
وانتبه لهذه المسألة؛ إن كثيرًا من الناس لا يعتني بالفوائد المسلكية المترتبة على أسماء الله وصفاته، وهذا أمر لا بد منه، هذا هو الثمرة، فإذا علمت أن الله يعلم سرك وجهرك استحييت منه فلم تترك ما وجب، ولم تفعل ما يحرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علم الله تبارك وتعالى بما يكسب؛ أي: بما يكسبه من الأعمال سواء كان كسبًا دنيويًّا أو كسبًا أخرويًّا، فإن الله تعالى يعلمه، لا يخفى عليه، ويترتّب على هذه الفائدة ألا نكسب شيئًا حرّمه الله علينا.
تفسير الآية (4)
01:03:19

ثم قال عز وجل: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام: ٤] (ما) نافية.
وقوله: مِنْ آيَةٍمِنْزائدة إعرابًا وليست زائدة معنى؛ لأن لها معنى؛ وهو توكيد النفي؛ فإنها تحوّل النفي الذي يحتمل العموم والخصوص إلى كونه للعموم، فهي تحوّل الجملة المنفية إلى نص في العموم، مثل (لا) النافية للجنس فإنها نص في العموم.
كيف نعربها إذا قلنا: إن مِنْزائدة إعرابًا؟
نقول: مِنْحرف جر زائد إعرابًا، وآيَةٍفاعل (تأتي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بأيش؟ بحركة الحرف الزائد، ونظير هذا قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِير [المائدة: ١٩] فإن مِنْزائدة إعرابًا، وبَشِيرٍفاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وقوله: مِنْ آيَةٍالآية هي العلامة، لكنها أخص من العلامة؛ لكونها نصًّا في الدلالة، العلامة قد تكون أقل من ذلك، لكن الآية نص في أنها علامة على ما جاءت من أجله، وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين؛ كونية، وشرعية كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد.
مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْمِنْهنا لبيان الجنس وليست كالأولى؛ فهي لبيان الجنس؛ لقوله: مِنْ آيَةٍ؛ لأن الآية قد تكون من عند الله، وقد تكون من عند غيره، لكن من آيات ربهم.
وقوله: رَبِّهِمْأي: خالقهم، ومالكهم، ومدبرهم؛ لأن الربوبية تشمل هذه المعاني الثلاثة؛ وهي خالِق ومالِك ومدبّر، هذه الذي تقتضيه الربوبية.
إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَإِلَّاهذه إثبات للنفي؛ يعني ما تأتيهم إلا كانوا عنها معرضين؛ معرضين عن تدبرها، وعمَّا تدل عليه، فكأنهم لم يروا الآيات؛ وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧] إذن معرضين عنها بأيش؟ بوجوههم أو بقلوبهم؟
الجميع، يشمل هذا وهذا، قد يقال له: تعالَ انظر آية الله فيُعرض ولا ينظر، وقد يرى، ولكن يُعرض عن التأمل في القلب؛ لأنه -والعياذ بالله- محجوب عن الخير، فلا يحب أن يصل إليه.
في هذه الآية من الفوائد: بيان عتو هؤلاء المكذبين؛ وجه ذلك أنه لا تأتيهم أي آية إلا كانوا عنها معرضين، وقد طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية، فأراهم انشقاق القمر؛ أشار إلى القمر انفلق فرقتين ، وشاهده الناس، وقد أشار الله إليه في قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١]، وهو انشقاق حسي، والمراد بالقمر القمر المشاهَد المعروف.
وقد أنكر الفلاسفة وعلماء الفلك أن القمر انشق، وقالوا: لا يمكن؛ لأن الأجرام السماوية لا يمكن فيها التفكّك، فهل نقبل قولهم ونرد الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، أو نرد قولهم؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الواجب على المؤمن الثاني؛ أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسنة مهما كان قائله، فهو سبحان الله كيف نقول: يستحيل أن تتغير الأجرام السماوية والذي يغيرها من؟ الله عز وجل، خالقها، يفعل ما يشاء وهو انشقاق حسي للقمر المعلوم الحسي، وليس كما قال علماء الفلك، وحرّفوا من أجله الكتاب والسنة، وقالوا: إن أخبار الانشقاق أخبار أحادية تحتمل التأويل أو الرد، وأما القرآن فمعنى انشق القمر أي بان نور النبوة، وهذا غلط، ما هو صحيح.
فإن قال قائل: قريش رأت هذه الآية، والله سبحانه وتعالى قضى بأن من أُوتوا الآية التي يطلبونها ولم يؤمنوا أهلكهم، فكيف لم يهلك الله قريشًا؟
طالب: لم يطلبوا الآية نفسها.
الشيخ: نعم، الجواب عن هذا أن الذين يهلكون هم الذين يطلبون آية معينة، فإذا أتوا بها وكفروا بها أهلكهم الله؛ لأنهم يكونون متحدين لله عز وجل، وأما من يطلب آية عامة وتُعيَّن من قِبل الله، فهؤلاء لا يهلكون.
ويحتمل وجهًا آخر؛ أن نقول: إن هذا العموم يجوز أن يُخصّص، فيكون الله سبحانه وتعالى لم يُهلكهم؛ لأن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاءه ملك الجبال يقول له: «إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَيْهِمْ» وهما الجبلان العظيمان المحيطان بمكة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا أَسْتَأْنِي بِهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . ويكون عدم إهلاك قريش لما يعلمه جل وعلا من أن هؤلاء سيكون من أصلابهم المخلصون لله المجاهدون في سبيل الله، وقع هذا أو لم يقع؟
طلبة: وقع.
الشيخ: وقع بلا شك، فإما أن يكون الجواب كما قال الأخ، وإما أن يكون الجواب ما ذكرناه.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى حكيم رحيم، وذلك لكونه يأتي بالآيات للخلق، فإن هذا من الحكمة الواضحة؛ لأنه ليس من المعقول أن يأتي رجل ويقول للناس: إنه رسول، ويستبيح دماء من لم يُؤمن به وأموالهم وذرياتهم ونساءهم بدون أن يكون هناك آية تدل على صدقه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ - يَعْنِي بَعَثَهُ اللَّهُ- إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» . لا بد، هذه من جهة الحكمة.
من جهة الرحمة؛ أن الله رحم الخلق بكونه إذا أرسل إليهم الرسل آتاهم الآيات الدالة على صدقهم، ولو شاء لأرسل رسلًا بدون آيات، ثم من كذب أخذه، لكن تأبى حكمته ورحمته أن يرسل رسلًا بلا آية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية للكفار؛ لقوله: مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ، وهذه الربوبية العامة، وربوبية الله عز وجل تنقسم إلى عامة وخاصة، فربوبيته لأوليائه خاصة، ولأعدائه وأوليائه جميعًا عامة بإزاء ذلك العبودية تنقسم إلى أيش؟ عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، والخاصة مثل قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر: ٣٢]، وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] والأمثلة كثيرة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر الإعراض عن الآيات، وأنه يُخشى على مَن أعرض عن الآيات ألا يهتدي لها؛ لقوله تعالى: إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ.
ويدل لهذا -أي لخطر الإعراض عن الآيات- قول الله تبارك وتعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠]، والكاف هنا للتعليل كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وهذه مسألة خطيرة في الواقع، يجب على طالب العلم أن يجعلها نصب عينيه، إذا كان يمشي على طريق معين، وجاءت النصوص دالة على خلافه، فإن بعض الناس قد يتلكأ ويحاول أن يحرّف النصوص التي تخالف طريقه، وهذا خطر عظيم، بل الواجب على المؤمن أن يستسلم للنصوص من حين أن تأتيه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون هذا، مجرد ما يأمر الرسول بشيء يفعلونه، مجرد ما ينهى عن شيء يتركونه، فكون الإنسان يتلكأ أول ما يأتيه الحق خطر عظيم، والآية واضحة في سورة الأنعام: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:١١٠]، وقال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٩].
تفسير الآية (5)
01:13:01

ثم قال الله تبارك وتعالى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام: ٥].
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّالفاء عاطفة، و(قد) تفيد التحقيق، في الفعل الماضي هو الأغلب أنها تفيد التحقيق، في الفعل المضارع الأغلب أنها تفيد التقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل، وقد يصدق الكاذب، لكنها قد تأتي للتوكيد حتى في المضارع، ومن ذلك قول الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨]. فـ(قد) هنا أيش؟ للتوكيد لا شك، لكنها تفيد الاستمرار؛ أي: قد يعلم هذا في الحاضر والمستقبل.
قوله هنا: (قد كذبوا) للتحقيق.
كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْالحق ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكله حق؛ لأنه من عند الله، والحق هو الشيء الثابت؛ إن كان خبرًا فبوقوعه وإن كان حكمًا فبثبوته، وضده الباطل؛ ففي الأخبار الباطل فيها الكذب، وفي الأحكام الباطل فيها ما خالَف الشريعة هنا، كذبوا بالحق لما جاءهم نقول: الحق ما جاءت به الرسل من أخبار صادقة وأحكام عادلة.
لَمَّا جَاءَهُمْلَمَّابمعنى (حين)؛ أي: حين جاءهم، واعلم أن لَمَّالها معانٍ؛ فتأتي بمعنى (حين)، فتكون ظرفية كما في الآية، وتأتي شرطية فتشارك (إن) في الشرط، مثل قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [يونس:٧٦]، فهي شرطية، وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]؛ يعني إلا عليها حافظ، وتأتي نافية تجزم الفعل المضارع، كما في قول الله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] بمعنى أيش؟ بمعنى (لم)، لكنها تفيد قرب مدخولها ليست (لم) للنفي المطلق، أما (لما) فإنها للنفي، لكنها تفيد قُرب مدخولها، تقول مثلًا: فلان لم يقم، هذا نفي مطلق، وتقول: لَمّا يقم فلان، هذا نفي؛ يعني إلى الآن ما قام، لكنه سيقوم عن قُرب.
في الآية الكريمة التي نقرؤها الآن: لَمَّا جَاءَهُمْ، ماذا نعربها؟
ظرف بمعنى (حين)، وفي هذه الحال تكون مبنية؛ لأنها حرف في الواقع، ما هي مشابهة للحرف، وأصل البناء -كما عرفتم- هو مشابهة الاسم للحرف، لكن هذه نفسها حرف، فتكون ظرفًا، لكنها مبنية على السكون في محل نصب بمعنى (حين).
فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَالفاء عاطفة، ويحتمل أن تكون للسببية أيضًا. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَأي: سوف يأتيهم الْمَخْبَر الذي أخبروا به، الأنباء أتتهم من قبل، لكن المراد يأتيهم عقوبة الأنباء التي كانوا يستهزئون بها.
أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَأي: يتخذونه هزوًا ولعبًا وضحكًا، وكما نعلم جميعًا أن الكفار يتخذون الدين هزوًا، وأنهم يتخذون أهل الدين هزوًا أيضًا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: قال الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥]، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٢٩ - ٣١].
فقوله: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَيشمل استهزاءهم بالدين، واستهزاءهم بالرسل وبأتباعهم، بل وبالله عز وجل سيجدون هذا. نرجع إلى الفوائد.
من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء مع تواتر الآيات عليهم كذبوا بالحق ولم يستجيبوا له، والتكذيب بالحق بعد مجيئه أشد من التكذيب به قبل أن يأتي بحيث يسمع الإنسان عنه، ولكنه لم يتأكد، فإن هذا الذي أتاه الحق وكذَّب به يكون تكذيبه أعظم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحكم لمن قامت عليه الحجة بمجيء الحق إليه، وأما من لم يعرف الحق فإنه على قسمين تارةً يدين بدين الحق، لكنه لا يعرفه، وتارة يدين بدين الباطل، ولا ينتسب لدين الحق.
الأول: الذي يدين بالباطل، لكنه ينتسب لدين الحق، فيصلي، ويُزكّي، ويصوم، ويحج، لكنه يستغيث بالأموات، هذا نقول: إنا لا نحكم بإسلامه إذا لم تقم عليه الحجة.
والآخر: لا يدين بدين الإسلام أصلًا، هو لم تبلغه الحجة، ولم يدرِ أنه على ضلال، لكنه يدين بدين غير الإسلام، فكيف نعامله؟
نعامله بأنه كافر؛ ولهذا لو مات أحد الآن لم تبلغه الدعوة من غير المسلمين فإننا لا نصلي عليه، ولا نترحم عليه؛ لأنه يدين بدين غير الإسلام، لكنه في الآخرة أمره إلى الله عز وجل، أما لو كان مسلمًا يدين بدين الإسلام، ويقول: أشهد أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، لكنه يأتي شركًا أكبر لا يدري أنه شرك أكبر، فهذا نعامله معاملة المسلم، نُغسّله، ونُكفّنه، ونصلي عليه، وندفنه معنا ما دام لم تقم عليه الحجة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء سوف يُمهلون، ولا يأتيهم العذاب؛ لقوله: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
قال الله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَفسّرناها.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء كذبوا بالحق بعد أن جاءهم فيكون تكذيبهم أشد قبحًا وأعظم إثمًا؛ ذلك لقيام الحجة عليهم.
ومن فوائدها: تهديد هؤلاء بالعذاب؛ لقوله: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب هؤلاء مقرون بالاستهزاء؛ إذ إنهم يسخرون: كيف نُبعث وقد كنا عظامًا ورفاتًا؟! ويقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] فسيأتيهم هذا أنباء ما كانوا به يستهزئون.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار عندهم عناد والعياذ بالله؛ وذلك أنهم قرنوا كفرهم بالاستهزاء فلم يَسلم الشرع، ولا من جاء بالشرع من استهزائهم.
تفسير الآية (6)
01:20:59

قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍالاستفهام هنا داخل على النفي، الاستفهام (ألم) الهمزة داخلة على النفي، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناها التقرير كما في قوله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]، وكما في قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]؛ يعني قد شرحنا لك صدرك، وألا يعلم من خلق؛ يعني قد علم من خلق، فإذا أتى حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير.
وقوله: يَرَوْايحتمل أن يراد بالرؤية هنا الرؤية العلمية، أو الرؤية البصرية؛ فالبلاد التي مرّوا بها مدمرة رؤيتها أيش؟ بصرية، كما في قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، والبلاد التي لم يروها لم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار.
وقوله: كَمْ أَهْلَكْنَاأي: أتلفنا، وكَمْهنا للتكثير؛ يعني أمم أهلكناهم.
مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍالقرن، بعضهم حدده بمئة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده قال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون مثلًا في خلال سبعين سنة، ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفون غيرهم، وعلّلوا ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» قرنه وهم الصحابة في حدود المئة هلكوا.
كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ. قوله: مَكَّنَّاهُمْالضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا؛ أي: مكنا هؤلاء القرون في الأرض.
مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْيعني جعلنا لهم ما يتمكنون به، ويثبتون به ما لم نمكن لكم، بل أعظم وأعظم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين، وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها.
وقوله: مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْفيه التفات من الغَيْبة إلى؟ أتمّ؟
طالب: إلى الخطاب.
الشيخ: نعم، إلى الخطاب، وهو الحضور؛ الالتفات يكون من الغَيْبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغَيْبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم له أنواع، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد؛ وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقّف أيش الذي طرأ فيكون هذا الالتفات منبهًا لمن؟
للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا.