تفسير سورة الأنعام - 2
عدد الزيارات 3377

عناصر المادة :
تفسير الآية (7)
تفسير الآيتين (8-9)
تفسير الآية (10)
تفسير الآية (11)
تفسير الآية (12)
تفسير الآية (13)
تفسير الآية (14)
تفسير الآية (15)
تفسير الآية (16)
تفسير الآية (17)

أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك؟ أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف، أيش الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبِّهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية.
وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا [الأنعام: ٦]، المراد بـ السَّمَاءَهنا المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، ومِدْرَارًاحال من السَّمَاءَ، أي: حال كونه مدرارًا يدرُّ عليهم، كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل الماء.
وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، الْأَنْهَارَيحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة، وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم.
فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، أَهْلَكْنَاهُمْ: أتلفناهم، بِذُنُوبِهِمْ(الباء) هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي.
وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ، أَنْشَأْنَاأي: خلقنا من جديد من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصى، ومنهم من أطاع، ولكن الله قال: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ [المؤمنون: ٤٤].
في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرَّر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل.
ومن فوائدها: الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم، فمَن دونهم من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى وغيرته، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَّعْمَة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يحصل من النعم واندفاع النِّقم فإنه من الله عز وجل؛ لقوله: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
ومن فوائدها: أن الذنوب من أسباب الهلاك، ولكن هل المراد الهلاك الحسي؟ يعني أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: كلاهما، يعني يشمل هذا وهذا، ولذلك قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فجعل تولِّيهم من أسباب الذنوب.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى وسلطانه، حيث يُهْلِك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره عز وجل، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء.

***

تفسير الآية (7)
00:04:14

ثم قال تعالى مبِّينًا عُتُوَّ هؤلاء المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنعام: ٧]، (لو) هنا شرطية، بدليل وجود فعل الشرط وجواب الشرط، أين فعل الشرط؟ نَزَّلْنَا، وجواب الشرط لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍيعني: كتابًا عاديًّا يدركه الناس.
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْيعني: لم يتخيلوه من بُعد، بل هو بين أيديهم يلمسونه نازلًا من السماء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله: لَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْإذا قال قائل: وهل هناك لمس بغير اليد؟ فالجواب: إن شئت فقل: نعم؛ لأن الإنسان يمس بقدمه، ويمس بلسانه، ويمس بكل أجزاء جلده، وإن شئت فقل: إن اللمس يكون باليد، لكنها ذكرت اليد هنا من باب التوكيد، كقوله تبارك وتعالى: مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: ٣٨]، ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناح.
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواهذا الجواب، لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌهنا إظهار في موضع الإضمار، أين هو؟ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولم يقل: لقالوا، إشارة إلى شيئين:
الشيء الأول: التسجيل على هؤلاء بالكفر، يعني الحكم عليهم بالكفر.
الثاني: أن من قال مثل قولهم فهو كافر.
ففيه فائدتان: فائدة متعدية، وفائدة لازمة؛ الفائدة اللازمة: هي الحكم عليهم بالكفر، والمتعدية: أن من قال قولهم فهو كافر.
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، (إن) هنا نافية، بدليل قوله: إِلَّا، وهي إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي، وقد تكون للنفي وإن لم تأت بعدها (إلا)، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي.
(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية مثل: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: ٧].
وتأتي مخفَّفة من الثقيلة، كقوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [طه: ٦٣]؛ لأن أصل إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِأصلها (إنَّ هذان لساحران).
وتأتي زائدة، كما في قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ .......................

والتقدير: ما أنتم ذهب، لكنها جاء بها زائدة، وهذا ليس بغريب، هذا مما يدل على أن اللغة العربية واسعة، خلافًا لمن قال: إنها ضيقة؛ لأن معانيها أكثر من ألفاظها، نقول: كون الحرف الواحد أو الكلمة الواحدة تأتي بمعنى متعدد هذا يدل على مرونة اللغة العربية، لا على قلة مواردها، ولا شك أنه إذا كانت اللغة مرنة كان ذلك أوسع للمتخاطبين بها، وأيسر عليهم.
إِنْ هَذَاالمشار إليه الكتاب في القرطاس.
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌالسحر: كل شيء خفي يُسَمَّى سحرًا، مأخوذ من السَّحَر الذي هو آخر الليل، والغالب أن آخر الليل يكون خفيًّا، الناس لا يخرجون من بيوتهم، فيكون هناك خفاء في الأمور التي تحدث.
لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن عُقَد ورُقًى وأدوية تصدر من الساحر بواسطة الشياطين، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ، يعني: ويعلِّمونهم ما أُنْزِل على الملكين ببابل، هَارُوتَ وَمَارُوتَهذان اسمان لملكين، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [البقرة: ١٠٢].
ولذلك كثيرًا ما يكون السحر مرتبطًا بالجن، حتى إنه يتكلم الجني ويقول: أنا لا أستطيع أن أخرج لأني مسحور، لكن إذا أراد الله عز وجل عُثِرَ على السحر وأُتْلِف، ثم برأ المريض.
وقوله: مُبِينٌبمعنى بَيِّن ظاهر، وذلك لأن (بان) و(أبان) يأتيان بمعنى واحد، تقول: بان الصبح، وأبان الصبح، (أبان) رباعي، و(بان) ثلاثي، (بان) يُقال: بَيِّن، و(أبان) يقال: مُبِين، على أن (أبان) تأتي متعدية، لا بمعنى (بان)، مثل أن تقول: أبان الحق، أبان الأمر لي، بمعنى: أظهره.
نرجع إلى هذه الآية.
في هذه الآية: بيان عناد المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجه ذلك أن الله ذكر أنه لو نزل عليهم كتاب في قرطاس ولَمَسُوه بأيديهم قالوا: هذا سحر، ما هو صحيح.
وجه هذا الاستنتاج -مع أنه قد لا يكون من اللائق أن أقول: استنتاج- وجه ذكر الله ذلك عنهم؛ لأنه أتاهم من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، ومع ذلك إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [ القمر: ٢ ]، فعلم الله من حالهم أنهم لو وصلت بهم الحال إلى هذا؛ كتاب في قرطاس كما عهدوه ولمسوه بأيديهم، قالوا: هذا سحر مبين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الكتاب إذا كان في القرطاس فهو أبين وأظهر، وإلا يمكن يُكْتَب على غير قرطاس، في أيش؟ في اللوح من خشب، في اللوح من عظام، في اللوح من أحجار، في اللوح من جريد النخل، كما كان في أول الأمر، لكن القرطاس أثبت وألين وأسهل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذِّبين لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية؛ لأن من أعظم الآيات أن ينزل الكتاب يشاهدونه في قرطاس ويلمسونه، ثم ينكرون، ويفسِّر هذا قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقوله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]، وقال عز وجل: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ [القمر: ٤ - ٦]
وهنا انتبه تقف على: فَتَوَلَّ عَنْهُمْولا تَصِل؛ لأنك لو وصلت فسد المعنى، صار المعنى فَتَوَلَّ عَنْهُمْمتى؟ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، هذه واحدة.
وفي الآية التي بعدها: فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ [ القمر: ٩ ] قف لا تَصِل؛ لأنك لو وصلت: وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَصار قوله: وَازْدُجِرَمن قولهم، وليس كذلك، لكن وَازْدُجِرَمعطوف على قَالُوا، أي: قالوا: مجنون، وازْدَجَرُوه.
ومثل هذه الأشياء في الواقع يا إخوان يجب الإنسان ينتبه لها؛ لأن القرآن الكريم ليس كالكلام الذي نكتبه نحن أو نقوله، نحن نحاول أن يكون الكلام على نسق واحد، لكن في القرآن -سبحان الله- وهو من إعجازه، أنك ترى أحيانًا الكلمة ليس بينها وبين الأخرى صلة، من أجل أن ينتبه المخاطَب أو القارئ، ويتأمل، ويتفكر، وهذه نقطة لا يحس بها كثير من الناس، تجده يقرأ قراءة مرسَلة ولا ينتبه للمواقف.
ونحن تعلَّمنا هذا من شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، كان يقوم بنا في رمضان التراويح والقيام، ويقف المواقف اللائقة، فنتعجب كيف هذا! وكنا بالأول نقرؤها نقرأ القرآن مرسلًا ولا نلتفت للمعنى، حتى إن قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٤، ٥] هل تقف على فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ؟ تقف؛ لأن الله جعلها موقفًا، فإذا قلت -سبحان الله-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَكيف؟! قال الشاعر الملحد:
مَا قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْأُولَى سَكِرُوا بَلْ قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْمُصَـــــــــــلِّينَا

نقول: نعم، قاله ولكنه ملحد، ما قرأ الآية الثانية، الوقف على: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَفيه فائدة قد لا تظهر لبعض الناس؛ لأنه إذا سُمِع القارئ يقرأ: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَوقف، تجده يشوِّش، كيف فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ؟ ثم تأتيه: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، فتكون كأنها الغيث نزل على أرض يابسة، وهذا هو السر في أن الأَوْلَى اتباع الآيات إذا أمكن، تقف على كل آية ولو تعلق ما بعدها فيها.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي الإظهار في موضع الإضمار إذا دعت الحاجة؛ لقوله: لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم في آيات متعددة، مثل قول الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [ البقرة: ٩٨ ]، ما قال: عدو له، مع أن الآية: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَفيها مناسبة ثالثة، وهي مراعاة فواصل الآيات، فانظر كيف كان الإظهار في موضع الإضمار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مكابرة أولئك المشركين الذين يكذِّبون النبي صلى الله عليه وسلم بصرفهم الحق إلى باطل، الحق أنه قرآن من عند الله، وهم يصرفونه إلى السحر، هذا السحر الذي قالوه هل هو في بلاغة القرآن، وفصاحة القرآن، وبيان القرآن، أو في كونه أتى بكتاب نزل من السماء فمَوَّه على أبصارهم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين، يقول: هذا ما هو حقيقة يا محمد، سحرتنا، أو يقولون إنه لبيانه وفصاحته سَحَرَهم، وأيًّا كان فالجاحد -والعياذ بالله- يتشبث في كل شيء
طالب: (...).
الشيخ: إي تقف، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة: ٢٨٥] قف، يختلف لو قلت: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ [البقرة: ٢٨٥] صرت سامعًا مطيعًا غفران الله، وليس كذلك.
طالب: في أثناء القراءة سواء قراءة الحزب التي بسرعة جدًّا، أو في أثناء التسميع، هل يراعي الإنسان هذه الوقوف؟
الشيخ: إي نعم، ينبغي أن يراعي هذا ويقف حتى وإن كان مدرَجًا.
طالب: أحسن الله إليك، في رسم المصحف تجد يكتبون في بعض الأحيان على رأس الآيات لا على آخر الآية، مع أن الموضع يعني وقف ما ..
الشيخ: لا هذا من النساخ، ما هو مأثور.
طالب: بارك الله فيك، رجل مسحور أتى إليه رجل هو ما يعرف هل هو ساحر أم لا، قال له: سأخبرك بمكان السحر، فهل يتعامل معه، فإذا تعامل معه يعني يدخل في ..
الشيخ: هذا يسمى عند أهل العلم نقض السحر بالسحر، ونقض السحر بالسحر ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد، نقل عن سعيد بن المسيب أنه لا بأس به، وقال: إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يَنْهَ عنه، ولعله أخذه من قوله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [البقرة: ١٠٢]، ومن قوله: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ١٠٢]، لكن هذا لا ينبغي أن يُفْتَى به الناس فتوى عامة هكذا؛ لأنه يُخْشَى أولًا: من دجل السحرة، وثانيًا: من تكاثرهم وخيانتهم وخداعهم، فيقول أحدهم للآخر: اسحر فلانًا وأنا (...)، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ثالثًا: أنه لا ينقض الساحر السحر إلا بتعلم السحر، ولذلك لا ينبغي فتح الباب للناس في هذه المسألة العظيمة ويكونون على باب (...).

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ.
الشيخ: قف لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
الطالب: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام: ٨ - ١٠].
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
من فوائدها: علم الله تبارك وتعالى بما سيكون لو كان؛ لأنه عَلِم ماذا سيكون قول هؤلاء لو نُزِّلَ عليهم كتاب في قرطاس.
ومنها: تأكيد المعلوم بالمحسوس، وإن شئت فقل: المعقول بالمحسوس؛ لقوله: فِي قِرْطَاسٍ، وقوله: لَمَسُوهُ؛ لأن هذا تأكيد لشيء محسوس يُنظر أنه في قرطاس، ويُلْمَس باليد.
ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء كفار؛ لقوله: لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ، وكان مقتضى السياق أن يقول: (لقالوا)، لكنه أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
منها: الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه الوصف الظاهر، أيش الوصف الظاهر معنا؟ الَّذِينَ كَفَرُوا، مرجع الضمير لو كان ضميرًا: أولئك المكذِّبون.
الفائدة الثانية: القياس، بمعنى أن كل من قال قولهم فهو كافر؛ لأنه لو قال: (لقالوا)، ما استفدنا أن من قال مثل قولهم يكون كافرًا بالنص، فإذا كان ظاهرًا هذا الوصف قسنا عليه كل ما ماثله، أو كل ما اتصف بهذا الوصف.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للسحر تأثيرًا، وهل التأثير يكون بقلب الحقائق، أو بالتخييل على الحواس؟ الجواب: الثاني، وإلا فإنه لا يقلب الحقائق، فالعِصِيّ والحبال التي ألقاها سحرة فرعون لم تنقلب حيات، ولكن خُيِّل للرَّائين أنها حيات، وإلا فهي على حقيقتها عِصِيّ وحبال.
وبهذا نجمع بين قول من قال: إنه لا يؤثر، وقول من قال: إنه يؤثر، فيقال: أما تأثيره بقلب الحقائق فهذا لا يمكن؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، وأما تأثيره بالتخييل فإنه يمكن؛ لأن التخييل في الواقع مرض في الإدراك، والمرض ينتج من السحر؛ لأن السحرة أيضًا أحيانًا يسحرون الإنسان حتى يكون مريضًا، أو يختلَّ ذهنه، أو ما أشبه ذلك.
تفسير الآيتين (8-9)
00:23:15

ثم قال الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، قَالُواأي: المكذِّبون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌأي: هلَّا أُنْزِل عليه ملك ليكون ذلك مصدِّقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنُّت، وإلا فقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، انشق القمر نصفين ، وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز.
لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌوالملك واحد من الملائكة.
وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَيعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة ثم أُعْطُوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا، أُخِذُوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخَذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد، أَرِنَا آية، فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذِّبون للرسل آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب.
وقوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُأي: لقضي شأن هؤلاء، وذلك بإهلاكهم.
ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَأي: ثم لا يُمْهَلُون، بل يعاجَلون بالعقوبة، والعياذ بالله.
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًايعني: لو جعلنا الرسول ملَكًا، لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، حتى لو فُرِضَ أننا جعلناه ملَكًا، فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم ملك مع البشر، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٥]، لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن نرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب.
لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، وحينئذ يبقى الإشكال، ولهذا قال: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ، أي: خلطنا عليهم الأمر كما خلطوه على أنفسهم.
نستفيد من هذه الآية فوائد؛ منها: تعنُّت المكذِّبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنِّتون.
ومنها: أنهم يؤمنون بالملائكة، أعني المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
ومنها: أنهم يعلمون أن الملائكة في السماء، هي مقرُّهم ومسكنهم، الدليل: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
ومنها -يعني- من فوائد هذه الآية: أن الملك آية من آيات الله عز وجل إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم هم أقرُّوا بأنه آية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات؛ لقوله: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ.
ومنها: ما أشرنا إليه أن المكذِّبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عُجِّلَت لهم العقوبة.
ومن فوائد الآية الثانية: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، ولجعله أيش؟ رجلًا، لماذا؟ من أجل التناسب؛ تناسب الرسل والمرسَل إليهم.
ومنها: حكمة الله تبارك وتعالى في إرسال الرسل من البشر من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله تبارك وتعالى يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، وهذا لا يضر، أن يجعل الله تبارك وتعالى للرسل من يحميهم من أقوامهم، ويدل لذلك قول قوم شعيب له: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود: ٩١]، مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط عليه السلام: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠ ]، يعني إلى قوم يكونون عمادًا لي.
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن المحاجة في القرآن الكريم، وهو أنه لو جاء الأمر على اقتراح هؤلاء لم يكن على ما اقترحوه، أي: لم يكن ملَكًا، لماذا؟ لعدم المناسبة بين الرسول والمرسَل إليهم، فإذا كان رجلًا عاد اللبس والاقتراح الذي اقترحوه؛ لقوله: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ.

***

تفسير الآية (10)
00:28:38

ثم قال الله عز وجل: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، (اللام) هنا موطِّئة للقسم ومؤكِّدة له، و(قد) للتحقيق، وهذا يرد في القرآن كثيرًا، وعلى هذا فالجملة تكون مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: قسم مُقدَّر، والثاني (اللام)، والثالث (قد).
اسْتُهْزِئَأي: سُخِرَ، بدليل قوله: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ، سخروا بهم، وقالوا: هذا رجل، أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦]، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود: ٣٨].
وقوله: بِرُسُلٍنكرة في سياق الإثبات، لا تدل على العموم، أي: لا تدل على أن جميع الرسل سُخِرَ بهم، بل برسل.
واعلم أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على هذا، فإنها تكون للعموم، مثل قول الله تبارك وتعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار: ٥ ]، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [ التكوير: ١٤ ]، فهنا نَفْسٌنكرة في سياق الإثبات لكنها للعموم؛ إذ معنى الآية: علمت كل نفس.
بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَأي: في الزمن.
فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْأي: نزل بهم.
مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَأي: عقوبة ما كانوا به يستهزئون، أو جزاء ما كانوا به يستهزئون، وإنما عبَّر الله تعالى عن الجزاء بالفعل؛ للإشارة إلى سببه من وجه، وليُعْلَم أن الجزاء بقدر العمل من وجه آخر، فالعقوبة سببها العمل الذي استحق به العامل أن يعاقَب، فأُطْلِق على العقوبة نفس العمل الذي هو السبب.
ثانيًا: إذا كان الإنسان يجازَى عمله، نفس العمل، فهذا يعني أن الجزاء أو العقوبة بقدر العمل، مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
في الآية الكريمة فوائد، منها: توكيد الجملة بأنواع المؤكِّدات.
فإذا قال قائل: أليس خبر الله تعالى صدقًا، سواء اقترن بالقسم وأدوات التوكيد أم لا؟
فالجواب: بلى، لكن القرآن الكريم جاء باللسان العربي، واللسان العربي يحسُن فيه التأكيد إذا اقتضت الحال ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الله إذا أخبر بخبر وإن لم يؤكَّد فهو حق وصدق كما نشاهد الشمس، لكن القرآن بلسان عربي مبين، هذه واحدة.
ثانيًا: تأكيد الله له بالقسم يدل على أهميته، وأنه من الأمور التي لا بد أن يقبلها الإنسان ويصدِّق بها، واضح؟
ثالثًا: أنه قد يراد به دفع إنكار من أنكر مدلول الخبر، ككون الله عز وجل يؤكِّد قيام الساعة بالمؤكِّدات الكثيرة لرد إنكار المكذِّبين.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس بغريب أن يستهزئ المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا قد سبق من الأمم السابقة، استهزاء المكذِّبين للرسول بأي شيء؟ بأمور متعددة: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]، كأنهم يقولون: محمد لا يستحق هذا، وكما في قولهم: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦]، والاستفهام هنا للتحقير، يعني: من هذا الرجل الذي يذكر آلهتكم بالسوء! ليس بشيء، وليس له قيمة، ومنها وصفهم إياه بأنه مجنون مخرِّف، وما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية: عناية الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث ينزل عليه من القرآن ما يسلِّيه به، وجهه؟ أن ذكر هذا -أعني استهزاء الأمم السابقة برسلها- تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن كونه يعلم بأن الأمم السابقة كذَّبت رسلها يهون عليه الأمر، أليس كذلك؟ وهذا واضح، فإن الإنسان يتسلَّى بالمصائب إذا أصابت غيره، وتهون عليه مصيبته، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩ ]، مع أنه لو كان في الدنيا واشترك الناس في العذاب لهان عليهم ونفعهم، وحملهم على الصبر، لكن في القيامة لا ينفع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أين تؤخذ؟ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، يعني: فاحذروا أيها المكذِّبون لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المستهزئون به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد، انتبهوا، هل يمكن أن تؤخذ من الآية أو لا؟
طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: الواقع أنه ليس بواضح؛ لأن: بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَهذا تسلية الإنسان بما مضى، ولا يمنع لو كان ممكنًا أن يوجد رسل آخرون بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، إذن ليس فيها دليل على هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السخرية والاستهزاء بالرسل موجِب للعقاب؛ لقوله: فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، ثم هل هذا العقاب عقاب على كفر أو على فسوق؟ الجواب: الأول؛ على كفر، فكل من سخر بالرسل أو استهزأ بهم فهو كافر، لا إشكال في هذا.
ولكن هل تُقبَل توبته؟
الجواب: نعم، تُقْبَل توبته؛ لعموم قول الله تبارك وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣ ].
ودليل عقلي: أن سبَّ النبي إنما كان كفرًا؛ لنبوته لا لشخصيته، والنبوة والعمل بالشريعة التي جاءت بها من حقوق الله في الواقع، وحقوق الله تُقْبَل فيها التوبة بالاتفاق، فالصحيح أن مَن سَخِر بالنبي أو استهزأ به فإنه إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ارتفع عنه وصف الردة، وصار مسلمًا، وارتفع عنه القتل.
لكن إذا سبَّ الرسول فهل إذا تاب وقبلنا توبته ارتفع عنه القتل أو لا؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء من قال: إنها تُقْبَل توبته، وذلك لأن سبَّ الرسول ليس سبًّا شخصيًّا، وإنما السب منصبٌّ أيش؟ على النبوة والرسالة، والنبوة والرسالة من حق الله، فتُقْبَل، فلا يُقْتَل ما دُمْنَا قبلنا توبته.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها تُقْبَل توبته، ولكنه يُقتَل حَدًّا، وعلل ذلك بأن سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام عدوان على شخصه وعلى رسالته لا شك، فعلى رسالته نقول أيش؟ تُقبَل التوبة، وأما على شخصه فلا بد أن نثأر لنبينا صلى الله عليه وسلم ونأخذ بالثأر ونقتله، فيتحتم قتل سابِّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن قبلنا توبة الساب.
إذن ما الفائدة إذا قلنا: تُقْبَل توبته ويُقتَل؟ الفائدة: أنه يُقتَل مسلمًا، يُغَسَّل ويُكَفَّن ويصلَّى عليه، ويرثه أقاربه المسلمون، ويبقى على حكم الإسلام، بخلاف ما إذا قلنا: إنه مرتد، فلا يثبت له هذا الحكم.
فإن قال قائل: أليس قد وُجِد مَن سبَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته وتاب وقبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبته؟
فالجواب: بلى؛ لأن الحق له، فإذا عفا عنه فله الحق، هذا من جهة، من جهة أخرى: ترغيبًا له في التوبة رَفَع عنه القتل.
ثالثًا: أنه إذا تاب فسيكون من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين استؤذن في قتل المنافقين: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، أما بعد موته فكل هذه العلل منتفية، فيجب على أمته أن يقتلوا مَن سَبَّه عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي سبب للعقوبة؛ لقوله: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأن العقوبة بقدر العمل، ولذلك عُبِّرَ به عنها، وهذا من عدل الله عز وجل؛ أن العقوبة بقدر العمل، أما المثوبة فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
تفسير الآية (11)
00:38:25

قال الله تبارك وتعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فِيبمعنى (على)، وإنما أتت فِيبمعنى (على) لبيان أنه ينبغي أن يكون السير عميقًا، كأنما يسيرون في أجواف الأرض، سِيرُوا فِي الْأَرْضِ، وهل السير هنا بالقلوب أو بالأقدام؟
الجواب: يحتمل هذا وهذا، فالسير في القلوب أن يتأمل الإنسان ما جرى للأمم السابقة بما صح من تاريخهم، وأصح تاريخ للأمم السابقة ما جاء في القرآن، أو صحَّت به السنة، أو بأقدامكم، سيروا في الأرض بأقدامكم، بأن ينظروا آثار المكذِّبين المهلَكين، كما في قول الله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، فصار السير هنا يشمل السير بالقلب، والسير بالقدم لأجل الاعتبار.
ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، انْظُرُوابأعينكم أو ببصائركم، يعني: بأبصاركم أو بصائركم؟ إذا قلنا: السير بالقلب، فالمراد انظروا بالبصائر، وإذا قلنا: بالقدم، فالمراد بالبصر، وينبني على ما سبق.
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام: ١١]، كَيْفَهذه خبر (كان) مقدم، ويتعين أن يكون مقدمًا لأنه اسم استفهام، واسم الاستفهام له صدر الكلام؛ لأنه هو المقصود بالجملة، وإذا كان المقصود بالجملة كان حقه أن يُقَدَّم، ولهذا إذا قلت: أين زيد؟ تعيَّن أن تكون (أين) خبرًا مقدمًا، ولا يجوز أن تقول: زيد أين؟
فـكَيْفَفي محل نصب خبر (كان) مقدم، وعَاقِبَةُاسمها مؤخَّر باعتبار تقديم الخبر، وإلا هو في مكانه.
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَفماذا كانت؟ كانت أسوأ عاقبة -والعياذ بالله- دمَّرهم الله عز وجل، وجعلهم مثلًا للآخِرين يعتبرون بهم.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار؛ لقوله: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، من أي مصدر؟ من القرآن وصحيح السنة، قيِّد؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب؛ لقوله: انْظُرُوا، وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم، أو بمن أثابهم؛ إن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، وإن كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية أيّ الاعتبارين؟ بمن انتقم الله منهم.
ومن فوائد هذه الآية: أن الآثار تدل على المؤثِّر، وهذا أمر معلوم بالحس والواقع، سُئِلَ أعرابي: بما عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير -يعنى على السير- والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى والله تدل على السميع البصير، فالآثار تدل على المؤثِّر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عقوبة المكذِّب، والتكذيب أحد شِقَّيِ ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين: إما التكذيب، وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كَذَّب إلا أنه يرى أنه فوق المرسَل.
إن قال قائل: يُشْكِل على قولكم: إن السير يشمل السير بالقدم لينظر بالبصر، يشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن دخول ديار المكذِّبين أو المهلَكين؟
فالجواب: أنه عليه الصلاة والسلام لم يَنْهَ عنها مطلقًا، بل نهى عنها عن أن ندخل فرِحِين بَطِرِين معجَبِين بالآثار، وما أشبه ذلك، أما أن ندخل معتَبِرين باكين خائفين فلا، ولهذا قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» .
فهناك فرق بين إنسان يدخل هذه الديار ليعتبر ويخاف ويبكي، وإنسان آخر يدخلها للبَطَر والأَشَر، والنزهة والإعجاب بالآثار؛ الأول محمود، والثاني مذموم، وبذلك يزول الإشكال.

***

تفسير الآية (12)
00:43:53

ثم قال الله عز وجل: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الأنعام: ١٢]، اسأل هؤلاء المكذِّبين المنكِرين لتوحيد الألوهية: لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ألزيد، أو لعمرٍو، أو لفلان أو لفلان؟
ثم أمره تبارك وتعالى، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه، فقال: قُلْ لِلَّهِ، وهنا نقول: هل الجواب من الله أو من الرسول؟ الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله عز وجل؛ لأن الله أمر الرسول أن يقول هكذا: قُلْ لِلَّهِ.
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ١٢]، كَتَبَبمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]، كُتِبَبمعنى أيش؟ فُرِض وأُوجِب، وقال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣ ] أي فريضة مؤقتة.
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، عَلَى نَفْسِهِأي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته، وليست صفة، بل هي الذات، قال الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨]، ليس المعنى: يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى: يحذركم الله إياه، أي: ذات الله عز وجل، فليست صفة، بل هي الذات، ومعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علمًا مهمًّا فقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨]، فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب، الترهيب في أي جملة؟
طالب: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، هذا التحذير.
الشيخ: هذا التحذير، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌهذا الترغيب، فأمرنا سبحانه وتعالى أن نعلم عن أفعاله وصفاته تحذيرًا وترغيبًا، هنا قال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة، يخاطب المشركين المكذِّبين.
وقوله: الرَّحْمَةَيعني أن يرحم عباده عز وجل، فرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» ، رحمة الله بالعباد فرضها الله على نفسه، لسنا الذين فرضناها عليه، بل هو فرضها على نفسه.
فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟
فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه أيش؟ رحمة؛ لأنه إذا صبر أُثِيبَ ثواب الصابرين، وإذا احتسب أُثِيبَ ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رُزِقُوا صحة ومالًا وأولادًا لبطروا وأفسدهم الغنى، وكم من أناس بالعكس.
كل شيء يصيب المؤمن -والحمد لله- فهو رحمة وكفَّارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كُتِبَ له بذلك أجر -اللهم لك الحمد- حتى جاء في الحديث: لو أن إنسانًا فقد شيئًا في جيبه مثلًا ثم فزع، خاف أن يكون ضاع مثلًا، فله أجر ، إلى هذا الحد!! إذن هذه رحمة، وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها.
والآلام، والبؤس، والتعب، والهم، والغم في الدنيا كله يزول، إما أن يزول إلى ضده، وإما أن يصل بصاحبه إلى الهلاك، ولا بد أن يزول، لكن الأجر باقٍ.
فإذا قال قائل: والكافر؟
فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوَّت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسَّرَه له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن، وما أشبه ذلك.
ثم قال عز وجل: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ، صدق الله، لَيَجْمَعَنَّكُمْهذه أيضًا جملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: القسم المقدَّر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، لَيَجْمَعَنَّكُمْأيها الناس كلكم، كما قال عز وجل: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠] الله أكبر، نُجْمَع مع آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا، إلى آدم، كل يُجْمَع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، لما شَبَّه المكذِّبون بالبعث بقولهم: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، قيل لهم: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الجاثية: ٢٦] أنتم ما قيل لكم أنكم الآن تُبْعَثُون حتى تحتجوا، وتقولوا: هاتوا آباءنا، بل قيل لكم: أنكم مجموعون لأيش؟ ليوم القيامة لا ريب فيه.
وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يوم القيامة هو اليوم الآخِر، وسُمِّيَ بهذا؛ لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه، والله أعلم إن كان وراءه شيء، لأمور ثلاثة:
الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم يا إخواننا، كل العالم بصيحة واحدة يحضرون كلهم لا يتخلف أحد، وهذا قيام عظيم جدًّا جدًّا، حتى الذي أكلته السباع، أحرقته النار، أغرقه الماء، لا بد أن يخرج.
وسُمِّي أيضًا قيامة لأنه يُقام فيه العدل، يُقتَصُّ حتى للشاة الْجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء ، هذه اثنان.
الثالث: تُقَامُ فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون شهيدًا على هذه الأمة، فلهذه الأمور الثلاثة سُمِّيَ يوم القيامة.
إذا قيل: ما هو الدليل؟
قلنا: أما الأول فدليله قول الله عز وجل: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٦].
وأما الثاني فقوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] أي: لليوم الذي يُقَام فيه العدل.
وأما الثالث فقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١].
ثم قال عز وجل: لَا رَيْبَ فِيهِ، هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق، ما هو الإثبات؟ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، أي: جمعًا مؤكَّدًا لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفيًا محضًا، بل لبيان كمال الإثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه.
وقيل: إن النفي بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل: لَا رَيْبَ فِيهِ، فإذا ارتاب إنسان فلِخَلَلٍ في عقله؛ لأن ما نُفِيَ فيه الريب مطلقًا لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى.
ثم قال عز وجل: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْمبتدأ، والخبر قد يكون محذوفًا، التقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال عز وجل: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَمن؟ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ الزمر: ١٥ ]، فيكون المعنى: الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقًّا.
فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَتوكيد أو بيان للسبب الذي كان به الخسران، ويحتمل أن تكون جملة فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَخبر المبتدأ، وقُرِنَت بالفاء لأن (الذين) اسم موصول وهو مفيد للعموم، والاسم الموصول يشبه الشرط في عمومه، فكان اقتران الفاء في خبره.
في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جميع من في السماوات والأرض لله عز وجل، الدليل: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ.
فإن قال قائل: كيف أخذتم العموم مع أن (من) للعاقل، و(ما) لغير العاقل؟
فالجواب: أن هذين الاسمين يتناوبان، بمعنى أن أحدهما يقع مكان الآخر، الدليل قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [الجمعة: ١]، وفي آية أخرى: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ [النور: ٤١]، وهذا يدل على أن (مَن) و(ما) يتناوبان، وإن كان الأكثر استعمالًا أن (ما) في غير العاقل، و(مَن) في العاقل، وعليه فنقول: (مَن) هنا تشمل العاقل وغير العاقل، أو نقول: (مَن) للعاقل، لكن عُبِّر به أي بالعاقل؛ لأنه إذا كان الله تعالى يملك العاقل وهو مختار مريد، فغيره من باب أولى.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات والأرض، وهذا متكرر كثيرًا علينا، وتعلمون أن السماوات سبع والأرضين سبع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أننا متى آمنا بهذا، وأن مَن في السماوات والأرض لله، فإننا لن نلجأ إلا لله، ولن نخاف إلا من الله عز وجل؛ لأنه مالك من في السماوات والأرض، وليتنا نتوكل على الله حق توكله، لو توكلنا على الله حق توكله لكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» ، «تَغْدُو خِمَاصًا» أي: تطير في أول النهار وهي جائعة، وترجع في آخر النهار وهي ممتلئة البطون، سبحان الله!
وهذا شيء مشاهَد، تجد الطيور في أول الصباح تطير في الجو، وقد أعطاها الله تعالى قوة النظر -من رحمة الله عز وجل- تنظر للحَبِّ وهي في جو السماء، فتنزل عليه، وتنظر للحبة الصغيرة التي لا يدركها الإنسان إلا بمشقة، وهي تنظرها بسهولة، تجد أنها تأخذ الحبة الصغيرة جدًّا في وسط القطيفة المفروشة من بين الخمل اللي فيها، لكن الله عز وجل أعطاها قوة بصر حتى تعيش.
المهم أنك متى علمت أن من في السماوات والأرض لله فعلى من تتوكل؟ ومن تخاف؟ ومن ترجو؟ الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواب إجابة السائل نفسه إذا كان الأمر واضحًا؛ لقوله: قُلْ لِلَّهِ، مع أنه أمره أن يسأل، ثم أمره أن يجيب، فإذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه فأَجِب أنت؛ لأن المسؤول قد يمنعه من الإجابة استكباره وكبرياؤه، فأَجِب أنت إذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يكتب على نفسه ما شاء؛ لقوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
فإذا قال قائل: كيف يكون الشيء لازمًا على الله؟
فالجواب: أن الله ألزم نفسه به، وله أن يفعل ما شاء، نحن لا نلزم الله بشيء، لكن الله له أن يلزم نفسه بشيء، فكتابة الله على نفسه الرحمة لا تنافي كماله، بل هي من كماله عز وجل أن يفرض على نفسه الرحمة، لكن نحن ليس لنا على الله حق إلا ما أوجبه على نفسه، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ

هو أوجب، ما هو نحن..
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ ... ...................

لأن الذنب ذنبهم..
.............. أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ

سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله يُعَبِّر عنه بالنفس؛ لقوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، ولها نظائر، قال الله عز وجل: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨]، وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦].
وليست نفس الله كنفس الإنسان، الإنسان يطلِق على نفسه نفس، وله نفس، قال الله عز وجل: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، وقال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥].
فهنا: يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَيعني الروح اللي في البدن وليس الجسم؛ لأنه عند الموت الجسم ما يُقْبَض، الجسم في الأرض ويتوارى، الذي يُقْبَض هو الروح، فالإنسان له نفس وهي الروح، ويعبِّر عن ذاته بالنفس، فيقول: كلمتك بنفسي، وتقول: جاء الرجل نفسه، أما الله عز وجل فليس له نفس، بل هو نفسه، هو ذاته عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ.
ومن فوائدها: تأكيد الشيء بالقسم وغيره من المؤكِّدات إذا دعت الحاجة إليه، متى تدعو الحاجة؟ تدعو الحاجة في مواطن، منها: إذا كان المخاطَب منكِرًا، فهنا يجب -حسب البلاغة- أن يؤكَّد الكلام، ومنها: إذا كان الأمر بعيدًا يُسْتَغْرَب، فإنه يؤكَّد، لكن ليس كالأول، الأول يؤكَّد وجوبًا، وهذا يؤكَّد..؟
طالب: (...).
الشيخ: لا ما هو جوازًا، نقول: استحبابًا، يعني توكيده أحسن من عدمه، ونقول: استحسانًا، كلما دعت الحاجة إلى توكيد الكلام أَكِّد، ولا يعد هذا تطويلًا ولا إخلالًا بالبلاغة.
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جمع الأولين والآخرين حتى يكون هذا اليوم يومًا مشهودًا، كما قال عز وجل: يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣]: يشهده الأوَّلون والآخِرون، نحن نشهد هابيل وقابيل، ونشهد آخر واحد من هذه الأمة، كل العالم مشهود، بل كل شيء مشهود، الجن، البهائم، الوحوش، كل شيء، قال الله عز وجل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِفوق الأرض، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، كل شيء، لو تصور الإنسان هذا اليوم لرأى مشهدًا عظيمًا ما يستطيع أن يدركه الآن، لكن نفهم معناه ولا ندرك حقيقته، حقيقته أبلغ مما نتصوره، اللهم اجعله علينا يسيرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسمية يوم البعث بيوم القيامة؛ للوجوه التي سمعتموها في التفسير.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ريب في هذا اليوم شرعًا وعقلًا؛ شرعًا: لأن الله أخبر به، وأكَّده، وضرب له الأمثال.
وعقلًا: لأنه ليس من المعقول أن الله تعالى يوجِد هذه الخليقة، ويأمرها وينهاها، ويرسل إليها الرسل، وتُسْتَبَاح الأنفس، والأموال، والذرية، في القتال في سبيل الله، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبلعهم فقط، هذا ينافي الحكمة، فالعقل يوجِب أن يكون هناك بعث، حتى وإن لم يكن نصٌّ، فكيف والنصوص كثيرة كثيرة.
ومن رحمة الله عز وجل -وله الحمد، والفضل، والمِنَّة- أنه يُكْثِر من إثبات يوم القيامة، ويضرب له الأمثال؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان حقيقةً على الإيمان؛ إذ لولا اعتقاد المؤمن أنه سيُبْعَث ويجازَى، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ما عمل أبدًا، ولصارت الأمة موطنًا للسلب والنهب والأخذ والعدوان.
من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذِّبين خسروا أنفسهم، يعني كأن لم يوجَدوا على الأرض؛ لأنهم لم يستفيدوا من حياتهم، ولذلك لما لم يستفيدوا من حياة الدنيا لم يستفيدوا من حياة الآخرة، فكانوا مخلَّدين في نار جهنم، والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية: أنه من الفصاحة أن يُذْكَر السبب بعد الْمُسَبَّب، إذا جعلنا جملة: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَخبرًا، وجه ذلك أن سبب خسرانهم هو عدم الإيمان، فأُخِّر السبب وقُدِّم المسبَّب، هذا إذا جعلنا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَخبرًا لقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، أما إذا جعلناها جملة مستقلة فلا تتأتى هذه الفائدة؛ لأنها على الترتيب.

***

تفسير الآية (13)
01:02:39

ثم قال عز وجل: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الأنعام: ١٣]، لَهُالضمير يعود على الله عز وجل.
مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، سَكَنَيصح أن تكون من السُّكْنَى، ويصح أن تكون من السُّكُون الذي هو ضد الحركة، فإن كان من السُّكون بقي أن يقال: وأين المتحرك؟ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: لَهُ مَا سَكَنَ؟
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، ونظيره قول الله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١]، السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يُلْبَس عند حرارة الجو، والثاني يُلْبَس عند حرارة القتال، فقال: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ، المهم أنه استغنى بذكر الحر عن ذكر البرد.
أما إذا جعلناها من السكنى وَلَهُ مَا سَكَنَ، فالمعنى: أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارِّها.
إذا كانت الآية صالحة لها، أو إذا كان اللفظ صالحًا لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟ نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أُخِذَ بما يُرَجِّحه الدليل.
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، تأمل قوله: فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِتجد أنه عامٌّ في الزمن، والتي قبلها: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِعامٌّ في المكان، فذكر الله تبارك وتعالى عموم المكان وعموم الزمن؛ عموم المكان في قوله: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ، وعموم الزمان: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُذَكَر السمع لكل صوت، والعليم بكل حال.
ولا بأس أن نعيد أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه، وهو أولًا قسمان: سمع إجابة، وسمع صوت؛ سمع إجابة في مثل قول الله تبارك وتعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، هذا يشمل سمع الإجابة، وسمع الصوت، ومنه قول المصلِّي: سمع الله لمن حمده.
سمع الصوت أقسام أو أنواع -إن شئت قل: أنواع؛ لأنك ذكرت الأول أقسامًا، فاذكر الثاني أنواعًا- النوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني: المراد به التهديد، والثالث: المراد به الإحاطة.
مثال الأول الذي يُقصَد به التأييد قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
ومثال الثاني المراد به التهديد قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى [الزخرف: ٨٠].
ومثال الثالث قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١].
قال الله تبارك وتعالى: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُفي سَكَنَمعنيان:
طالب: (...).
الشيخ: نعم، والثاني؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، من السكون، وهل المعنيان يتنافيان؟
طالب: لا يتنافيان.
الشيخ: إذن تكون الآية دالة على المعنيين.
قوله: هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُالمراد بالسمع هنا سمع الإجابة وليس سمع الصوت؟
طالب: يدخل سمع الصوت.
الشيخ: إذن يراد بها المعنيان جميعًا، ما تقول في قول الله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ، من أي النوعين؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعهم ثم يجيبهم.
هل لديك دليل على أن السمع يأتي بمعنى الإجابة أو الاستجابة؟ دليل من القرآن.
طالب: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ.
الشيخ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، هذا نص صريح، سَمِعْنَايعني الإدراك بالصوت، ذاك الصوت.
وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَأي: لا يستجيبون، وإلا فهم يسمعون بآذانهم.
من فوائد هذه الآية الكريمة العظيمة وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ: اختصاص الله تبارك وتعالى بملك كل شيء، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر وَلَهُ؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥] توحيد خالص، بمعنى: لا نعبد إلا إياك، وكذلك نقول في: إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السكون والحركة بيد الله عز وجل؛ لأن مالك من يسكن ويتحرك مالك للحركة والسكون، فيكون في هذا دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف وأهل السنة، وهو وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين: السميع والعليم، وإثبات ما تضمناه من صفة؛ صفة السمع في السَّمِيعُ، والعلم في الْعَلِيمُ.

***

تفسير الآية (14)
01:08:37

{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا}
[الأنعام: ١٤]، أَتَّخِذُهذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (غير) مقدَّمًا، والثاني وَلِيًّا، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية: قل أتخذ غير الله وليًّا، المهم أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول مُعْلِنًا: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّاأستنصر به ويتولى أمري وأتولى شرعه؟ والاستفهام هنا للنفي.
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأي: خالقهما على غير مثال سبق.
والسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِتقدم الكلام عليها مرارًا.
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُهو الله عز وجل، يُطْعِمُ، ما من طاعم يطعم إلا والله الذي أطعمه، أطعمه: يسَّر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعام.
قال الله عز وجل مبينًا هذا: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، الجواب: بل أنت يا ربنا، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطامًا ما طعمناه.
ثم: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربنا، هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع: الطعام، والماء: الشراب.
ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي الذي يكون بالنار، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [الواقعة: ٧١، ٧٢].
إذن الذي يُطْعِم هو الله عز وجل، ثم لو شاء الله تعالى ما طعِمْنَا حتى لو وُجِدَ الطعام، لو شاء الله لم يخلق لنا أفواهًا ولا أمعاء ولا معدات فلا نطعم.
إذن يُطْعِمُأي: يوجِد الطعام من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به.
ذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أنه لن يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاث مئة واحد؛ لأنك تبدأ من الحرث، والسقي، وتصريف الماء، وغير ذلك، والشراء، والطحن، والعجن، تجد أشياء كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه الأشياء.
وَلَا يُطْعَمُأو: ولا يَطْعَم؟ اللي عندنا وَلَا يُطْعَمُ، إذن غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو لَا يُطْعَمُ؛ لغناه عن كل أحد، ثم هو جل وعلا لا يَطْعَم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجًا للطعام، وهذا مستحيل على الله عز وجل.
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ، إعلان آخر، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة.
قُلْأي: للناس معلِنًا، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَمن هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى أَسْلَمَهنا أي: استسلم لله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام يطلَق على هذا، وإذا كان الإسلام بمعنى هذا دخل فيه الإيمان.
وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قوله: وَلَا تَكُونَنَّمعطوفة على قُلْ، يعني: قل هذا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بل أَخْلِص العبادة والإسلام لله عز وجل.
في هذه الآية الكريمة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلن أنه لن يتخذ وليًّا من دون الله، وهذا واجب عليه أو لا؟ نعم، واجب عليه أن يعلن؛ لأنه رسول إمام مقتدًى به، فلا بد أن يعلِن تحقيق الربوبية.
ومن فوائدها: ألا يلجأ العبد إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله عز وجل ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال؛ يعني أنه سبحانه وتعالى لم يخلق سماوات وأرضين قبل ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه.
ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله تبارك وتعالى: الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس: ٣٨] وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [يس: ٣٩] لم تختلف.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى هو الْمُطْعِم لا مُطْعِمَ سواه.
وينبني على هذه الفائدة: ألا نسأل الإطعام إلا من الله تبارك وتعالى، ولو أننا -ونستغفر الله ونتوب إليه- لو أننا تمسَّكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضمونًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان -مع الأسف- يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب عز وجل.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا»، أي: تذهب في أول النهار جائعة، «وَتَرُوحُ بِطَانًا» : ترجع في آخر النهار.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُطْعِمُه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره، فهو لَا يُطْعَمُ؛ لأنه لا يحتاج للطعام، وَلَا يُطْعَمُأيضًا يعني: لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه، وكل من سواه مفتقر إليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعلان النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الأنعام: ١٤]، يعني من هذه الأمة، وهذا هو الذي صار.
ومن فوائد الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك هو عليه الصلاة والسلام، حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم: يا فلان ابن فلان، إلى أن وصل إلى بنته فاطمة فقال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة النهي عما لا يمكن أن يقع؛ لقوله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فشرك النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقع شرعًا، ومع ذلك نهى عنه.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟
قلنا: الحكمة فيما نعلمه وجهان:
الوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص حتى لا يشرك في المستقبل.
والثاني: تطمين أمته إذا نُهُوا عن الشرك أن ذلك ليس بمستنكَر، وليس به بأس؛ لأنه أمر إمامهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون من المشركين.
هل يؤخذ من هذا أننا نقول للشخص: أنت مشرك، إذا فعل ما يكون شركًا؟ يمكن أن نقول هذا، وهو على حسب الحال، إن كنا نظن أنَّا إذا قلنا: أنت مشرك، أخذته حمية الجاهلية واستكبر واستنكر، فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كان نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: هذا شرك، فإن فعلته فأنت مشرك، وإن قلته فأنت مشرك، أخذه خوف الله عز وجل، فأبعد عن ذلك إبعادًا كاملًا، فإننا لا بأس أن نقول: إنك مشرك، على حسب ما تقتضيه الحال.

***

تفسير الآية (15)
01:17:20

ثم قال الله عز وجل: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: ١٥]، أيضًا أَعْلِن أنك إن عصيت الله فإنك ستُعَذَّب.
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، عَذَابَمفعول أيش؟ مفعول أَخَافُ، ولّا عَصَيْتُ؟ أَخَافُ، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، فما هو اليوم العظيم؟ اليوم العظيم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج: ١].
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلن الجزاء يوم القيامة، وأنه يخافه إن عصى ربه.
ومن فوائدها: أن المعصية سبب للعذاب، ولكن المعاصي على نوعين: معاصٍ لا يغفرها الله؛ وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله؛ وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تُكَفِّرها الأعمال الصالحة؛ وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله عز وجل.
أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالهم حقَّهم؛ إما باستحلالٍ منه في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخَذ من أعمال هذا الظالم، وسبق لنا أن الإنسان إذا تاب من ذنب فيه جناية على غيره هل يسقط حق الغير أو لا، وذكرنا أن ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مالٍ، كالذي يزني بامرأة كرهًا ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه، ويُرضِي التي أُكْرِهت على الزنا، قال: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ [الأنعام: ١٦].
قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: ١٥]، قُلْأي: لهؤلاء وغيرهم، مُعْلِنًا هذا الكلام المهم.
وفي قوله إِنِّيقراءتان: {إِنِّيَ}، وإِنِّي، وهما سبعيتان.
وقوله عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍمفعول أَخَافُ، يعني: أخاف من عذاب هذا اليوم العظيم، وأظن أننا شرحنا هذا وفوائده.
تفسير الآية (16)
01:19:42

{مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ}
، مَنْ يُصْرَفْفيها أيضًا قراءتان: {مَنْ يَصْرِفْ} ومَنْ يُصْرَفْ.
عَنْهُيعني: عنه العذاب.
فَقَدْ رَحِمَهُأي: رحمه الله عز وجل، والضمير في قوله: رَحِمَهُقد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله عز وجل؟
فيقال: لأنه تقدم ذكره: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، {مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ} يعني ربي، هذا العذاب، فَقَدْ رَحِمَهُ، أو مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُهذا العذاب فَقَدْ رَحِمَهُأي: ربي.
وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ، المشار إليه ذَلِكَيعني الصرف المفهوم من قوله: مَنْ يُصْرَفْ.
وقوله: الْفَوْزُهذه خبر المبتدأ، الْمُبِينُصفة للفوز.
في هذه الآية: دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرف الله العذاب عن الإنسان يوم القيامة؛ أي الفوز لبيان الحقيقة الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى مَن وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سببًا للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة.
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُأي: البيِّن، وهي اسم فاعل من (أبان)، و(أبان) يصح أن تكون لازمة، ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلم للطالب معنى الكتاب، هذه أيش؟ متعدية، وإذا قلت: أبان الصبح، بمعنى انجلى، فهذه لازمة، إذن الْمُبِينُهنا بمعنى بَيِّن.
في الآية فوائد، منها: فوز من يُصْرَف عنه العذاب يوم القيامة.
ومنها: إثبات الرحمة لله عز وجل بلفظ الفعل؛ لقوله: فَقَدْ رَحِمَهُ، ورحمة الله تبارك وتعالى من الصفات الذاتية الفعلية؛ فباعتبار المفهوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفًا ثابتًا لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.
فإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أو هي عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟ فالجواب: هي حقيقية ولكنها ليست كرحمة المخلوق يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده -عز وجل-.
وقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يُوصَف برحمة حقيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذا قلنا لهم: فسِّروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة، وإما الثواب والفضل الذي حصل برحمة الله.
فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا: لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم.
فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جدًّا، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه عز وجل.
ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدل على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يكون رحيمًا، وهو ذو سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيمًا بمن يستحق الرحمة، فنمنع أولًا الدعوى، ثم لو سلَّمنا جدلًا بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز من نجاة العذاب يوم القيامة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك.
تفسير الآية (17)
01:24:09

ثم قال الله عز وجل مسلِّيًا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومُثْبِّتًا له ومقوِّيًا عزيمته: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [الأنعام: ١٧]، والضر هنا يشمل: الضر في البدن، والعقل، والمال، وكل ما يكون به الضرر على الإنسان.
وكلمة ضُرٍّكما تشاهدون نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أيُّ ضر يمسسك الله به، يعني يصيبك، فَلَا كَاشِفَأي: لا مزيل له إلا الله عز وجل.
وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، والخير هنا المراد به ضد الضرر؛ من الصحة، والعقل، والمال، والأهل، والأمن، وشرح الصدر، وغير ذلك.
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: قادر على أن يزيل الضرر الذي أصابك إلى خير.
وفي الآية الأخرى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧] عز وجل.
يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله.