.. أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يَسُرُّ، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه
تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره.
أو يقال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] على سبيل
التهكم، حيث جعل الإنذار بلفظ البشارة نظير هذا، قال الله عز وجل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩]،
ذُقْأمر إهانة، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩]، قال بعض المفسرين: إن هذا من باب
التهكم به حتى يزداد غمًّا إلى غَمِّه، وقيل: المعنى أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُفي الدنيا، وليس لك في الآخرة إلا الإهانة.
قال
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الأنعام: ٤٨]، فلماذا حصر هذا في البشارة والإنذار؟ حتى لا
يدَّعِيَ مُدَّعٍ أن وظيفة الرسل تتعلق بالربوبية، وأن لهم نصيبًا من تدبير الخلق،
وهذا واضح، فالرسل ليس لهم إلا أن يُبَشِّروا الناس وينذروهم فقط، أما أن
يَهْدُوهم، أو يرزقوهم، أو يدفعوا عنهم السوء، فليس من وظائفهم.
ثم قال: فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ [الأنعام: ٤٨] وَالَّذِينَ كَذَّبُواإلى آخره [الأنعام: ٤٩].
والتفريق
ظاهر، النبي من النبأ؛ وهو الخبر، أُخْبِرَ بالوحي ولكن لم يكلَّف بتبليغه، وإنما
يتعبد به هو نفسه، ومن اتبعه فعلى هدى، لكن الرسول مكلَّف أن يبلِّغ ما أُرْسِل به،
وهذا اللي عليه جمهور العلماء، وهو ظاهر؛ لأن آدم نبي، وليس مكمِّلًا لشريعة من
قبله، بل شريعته مستقلة، فدل هذا على أن القول بأن النبي هو مَن تعبَّد بشريعة من
سبقه، قول ضعيف، وأن قول الجمهور أصح.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ، سبق الكلام على هذا نأخذ في الفوائد.من الفوائد: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ، أي: آمن بقلبه وأصلح العمل، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأنعام: ٤٨]، لكن آمَنَهذه مطلقة لم تقيَّد بشيء، إلا أن النصوص قَيَّدت ذلك، كما في قوله تعالى وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
وَأَصْلَحَأي: أصلح العمل، وإصلاح العمل لا يتم إلى بأمرين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل، فمن أشرك مع الله في العبادة فإنه لم يصلح العمل، حتى ولو كان الشرك أصغر؛ لقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن لم يتابع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العبادة فعبادته غير صحيحة، وهو غير مُصْلِح، حتى لو خشع، ورَقَّ قلبه، ودمعت عينه، فإن ذلك لا ينفعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، أي: مردود عليه.
مَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، المتابعة لا تتحقق إلا إذا وافق العملُ الشريعةَ في الأمور الستة التي مرت علينا كثيرًا، وهي: الموافقة في السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.
وقوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْأي: لما يستقبل.
وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَأي: لما مضى، فلا يحزنون على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم استغرقوه في طاعة الله، ولا يخافون العذاب؛ لأنهم ناجون من العذاب.
ثم قال: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ٤٩]، هذا القسم الثاني من الذين أرسل إليهم الرسل، القسم الأول الذي آمن وأصلح، الثاني: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاأي: رَدُّوها ولم يقبلوها.
يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأنعام: ٤٩]، يَمَسُّهُمُأي: يصيبهم إصابة مباشرة، كمَسِّ الجسم للجسد، يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُأي: عقوبة الله عز وجل.
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَأي: بما كانوا يخرجون عن طاعة الله، والباء هنا للسببية، أي: بكونهم، و(ما) مصدرية، ويُقَدَّر الكلام بكونهم يفسقون.
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: منَّة الله عز وجل على عباده بإرسال الرسل، ولا بد من إرسال الرسل، يعني أن حكمة الله عز وجل تقضي بإرسال الرسل؛ لأن العقل البشري لا يستقلّ بمعرفة ما يجب لله من الأسماء، والصفات، والأحكام، ولا يمكن أن يستقل بمعرفة العبادات، فالناس مضطرون غاية الضرورة إلى الرسل، كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة: ٢١٣]: على دين واحد، فلما كفروا تفرقوا واختلفوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣].
ومنها: أن رسالة الرسل تتضمن هذين الشيئين؛ وهما: البشارة، والإنذار، فلمن تكون البشارة، ولمن يكون الإنذار؟ تكون البشارة لمن أطاع واتبع الرسل، والإنذار لمن كذَّب بالعقوبة، يعني ينذَّر بعقوبة الله عز وجل.
يتفرع على هذه الفائدة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يأتوا بمجرد الأحكام، أي: بمجرد أن يقولوا: هذا حلال، هذا حرام، بل قَرَنُوا ذلك بالبشارة والإنذار؛ لأن البشارة تحمل الإنسان على فعل المأمور، أليس كذلك؟ لأنك لو بشَّرت إنسانًا بأنه سيحصل على كنز في المكان الفلاني، تجده يسابق إليه، ويفعل ما يوصله إليه، الإنذار يحصل به البعد عن المعاصي، وعلى هذا تتركب دعوة الرسل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس انقسموا في تقبُّل وقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن، ومكذِّب.
من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس بالنسبة لقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن عمل صالحًا، ومكذِّب، هذا من الحكمة، بل ومن الرحمة، لماذا؟ لأنه لو لم يكن كفر لم يُعرَف قدر الإسلام، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يروى عنه: إنه لا يَنقضُ الإسلامَ عروةً عروةً إلَّا مَن لم يعرفِ الكفرَ ، من عرف الكفر ما يمكن ينقض الإسلام.
من رحمة الله وحكمة الله أن انقسم الناس إلى قسمين، لولا هذا الانقسام هل يحصل جهاد؟ لا، هل يحصل أمر بالمعروف ونهي عن منكر؟ لا، هل يحصل امتحان واختبار؟ لا؛ لأن الناس كلهم على وتيرة واحدة، حتى الإنسان لا يمكن أن (...) عن الناس، لكن إذا انقسموا إلى مؤمن وكافر حصل الامتحان والاختبار للمؤمن والكافر، فلا تظن أن الله عز وجل إذا أزاغ قلوب الكافرين أن في ذلك لَغوًا، بل هو عين الحكمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من جمع بين هذين الوصفين؛ الإيمان والإصلاح، فليبشر أنه لا خوف عليه ولا حزن عليه؛ لقوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
فإن قال قائل: أليس المؤمنون المصلحون ينالهم خوف من الأعداء؟
فالجواب: بلى، ينالهم خوف من الأعداء، لكن ليس هذا هو الخوف المنفي في الآية؛ لأن هذا الخوف بعده أمن، ومع قوة الإيمان لا يرى المؤمن أن في هذا خوفًا، ولهذا نجد الصحابة رضي الله عنهم في جهادهم وقتالهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده أيضًا هم بأنفسهم يتلقون الموت بكل رحب وسعة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تشجيع الإنسان على الإيمان والعمل الصالح، والحث على ذلك بذكر عاقبة هذا المؤمن المصلِح، فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ.
ومن الفوائد في الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي، لا بد من إصلاح، ولكن هل نقول: إنه لمجرد الإفساد، أو مجرد ترك العمل الصالح يكون الإنسان كافرًا؟ نقول: نحن لا نستطيع أن نحكم على شخص بأنه كافر أو مؤمن إلا بدليل من الكتاب والسنة، من الذي يحكم بالكفر ويحكم بالإيمان؟ الله عز وجل ورسوله، نحن ليس لنا حق أن نقول: هذا كافر، ولا هذا مؤمن، إلا بدليل من الشرع.
ولذلك نعتب على أولئك الذين يرددون الأسئلة: هل الأعمال شرط في كمال الإيمان، أو شرط في أصل الإيمان؟ أو ما أشبه ذلك من العبارات، نقول: كل هذا لا حاجة إليه؛ لأن لدينا يا إخواننا أدلة واضحة؛ كفر من القرآن والسنة، إيمان من القرآن والسنة.
وإذا دار الأمر بين أن يكون هذا الرجل كافرًا أو مؤمنًا، وهو من المسلمين، فالأصل بقاء إسلامه، ولا يحل لنا أن نكفِّره، هل يمكن أن نجعل الأبيض أسود، أو الأسود أبيض؟ لا يمكن، كذلك الأحكام الشرعية، ما لنا حق أن نكفِّر أحدًا إلا بدليل، ولا أن نقول: هذا مؤمن، إلا بدليل، وبهذا نستريح من الخوض واللعب بآراء الناس وعقول الناس.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القول بالمفهوم، وهو أن مَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، ومن لم يكن كذلك فعليه الخوف والحزن.
من فوائد الآية التي بعدها: أن التكذيب بآيات الله سبب للعقوبة؛ لقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، وليُعْلَم أن آيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية؛ الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من شرائع الله؛ لأنك لو تأملت هذه الأحكام، سواء في الأمة الإسلامية، أو في الأمم السابقة، لوجدتها مطابقة تمامًا للحكمة والمصلحة، وأنه لو اجتمع كل أهل الأرض على أن يأتوا بمثل ذلك ما أتوا، قال الله عز وجل: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
فلا تظن أن أي نظام أو قانون يُصْلِح من الخلق ما تُصْلِحه الشريعة الإسلامية، ولذلك ضلَّ أولئك القوم الذين ذهبوا إلى تحكيم القوانين الوضعية التي وضعها بشر، هذا البشر الذي وضعها أهو مُعَرَّض للخطأ أم لا؟ مُعَرَّض، ثانيًا: أهو محيط بجميع مصالح الخلق في جميع أقطار الدنيا؟ لا، أهو محيط بمصالح الخلق في جميع الأزمان المقبلة؟ لا، الأمور تتغير، إذن فلا يجوز الاعتماد على هذه القوانين، يجب أن تؤخذ القوانين من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بالخلق حالًا ومستقبلًا، ولأنه أرحم بالخلق، ولأنه أحكم الحاكمين، هذه الآيات الشرعية.
الآيات القدرية: الليل والنهار، يعني المخلوقات: الليل والنهار، الشمس والقمر، إحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك.
كيف يكون التكذيب بهذا وهذا؟ نقول: أما التكذيب بالشرائع فهو إما أن يكذِّب الأخبار، فيقول: هذا غير صحيح ما يدخل العقل ولا يمكن، وإما بتحريف النصوص؛ يحرِّف النص، مثل قول بعضهم: المراد بـ (استوى): استولى، والمراد باليد: القدرة، أو القوة، أو النعمة، وما أشبه ذلك، الحال الثالث الاستكبار عنها؛ لا يعمل بها.
أما آيات الله الكونية فإما أن ينسبها لغير الله، كما يفعل السببيون الملحدون الذين ينسبون الأشياء لأسبابها المحضة، ويرون أن السبب فاعل بنفسه، أو يقول: هي من الله ومعه غيره، هذا أيضًا تكذيب بآيات الله الكونية؛ لأنه شرك، أو يقول: هي لله وحده، لكن له معين، هذا أيضًا كفر بالآيات الكونية، فصارت الآيات الكونية هي المخلوقات كلها، والشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذِّبين سيصيبهم العذاب مباشرة؛ لقوله: يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ، وإن أفلتوا من العذاب في الدنيا لم يفلتوا منه في الآخرة.
ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ، الباء للسببية، وإثبات الأسباب دل عليه العقل والسمع، ولا ينكره إلا أحمق، والقرآن مملوء من هذا، ولولا أننا في زمن اختبار قريب لطلبت منكم أن كل واحد يأخذ مثلًا نصف جزء ويأتي بالآيات التي فيها ذكر السبب؛ لأنه قد قيل: إن في القرآن أكثر من ألف دليل يدل على إثبات الأسباب، وهذا حقيقة، نفس القرآن سبب، قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، وقال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، لكن نظرًا لقرب الامتحانات أخشى أن يكون في هذا تكليف، توافقون على هذا؟ إن شاء الله في وقت آخر كل واحد مثلًا يأخذ نصف جزء خمس ورقات ويستنبط الآيات التي فيها الأسباب، وهي كثيرة جدًّا.
انقسم الناس في الأسباب إلى ثلاثة أقسام:
قسم جعلها مؤثِّرة بنفسها، وأنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبَّب، وهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا يعترفون بالله عز وجل، ولا يخفى حكمهم أنهم أيش؟ كفرة.
القسم الثاني: أنكر الأسباب، أنكر تأثير الأسباب في مسبِّباتها، وقال: إن هذه الأسباب مجرد علامات فقط، وأن المسبَّب حصل عند السبب لا بالسبب، وهؤلاء ضلُّوا سمعًا وعقلًا، حتى إنه لو رمى إنسان زجاجة بحجر وصقعها، ثم تكسرت، فالحجر ما كسر الزجاجة، ليه؟ ما يجوز تقول: كسر الزجاجة، لو قلت هذا لكنت مشركًا –الله المستعان- وأنا لو قلت هذا لكنت موحِّدًا في الواقع، مُثْبِتًا لله الحكمة، هل يمكن لو تأتي صبيًّا والصبي ضرب الزجاجة وكسرها، هل يمكن أن يقول: أنا ما كسرتها، حصل كسر عند فعلي وليس بفعلي؟ أبدًا ما يمكن، ولكن أناس كبار ذوو عقول إدراك لا عقول رشد، يقولون: الأسباب، ما فيه أسباب، حصل الشيء عند السبب لا بالسبب.
القسم الثالث: أثبتوا الأسباب، لكن جعلوا تأثيرها في مسبَّباتها بما أودع الله فيها من القوى المؤثِّرة، وجعلوا الخالق أولًا وآخرًا هو الله عز وجل، قالوا: لو شاء الله لم تؤثِّر هذه الأسباب، فمثلًا: النار محرقة، لا إشكال، ولما أُلْقِي فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، هل أثَّر هذا السبب في مُسَبَّبه؟ لا؛ لأن الله تعالى قال: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا [الأنبياء: ٦٩]، وهذا القول هو المتعيِّن، ولا أقول: الراجح فقط، هو المتعيِّن، وما سواه فهو ضلال باطل.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلَق على الكفر؛ لقوله: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ؛ لأنه قال الذين كذبوا بآياتنا كفار لا إشكال، التكذيب بالآيات كفر، قال: بما كانوا يفسقون، واقرأ قول الله تعالى في تنزيل السجدة: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ١٩، ٢٠]، الفسق هنا إيه؟ كفر، وقد يطلَق الفسق على ما دون الكفر، وهذا هو المراد من كلام الفقهاء رحمهم الله، ومنه قول الله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: ٧]، فهنا الفسوق ما دون الكفر ولَّا الكفر؟ ما دون الكفر، يتعيَّن، وجه التعيُّن العطف على الكفر، والعطف يقتضي المغايرة.
ومن فوائد الآية: تمام عدل الله عز وجل، حيث إنه لم يعذِّب هؤلاء إلا لأنهم استحقوا العذاب بفسقهم جزاءً وفاقًا.
فإن قال قائل: جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ» ؟
فالجواب: لا إشكال في هذا، يعني أنه لو وقع تعذيب أهل الأرض والسماوات لكان هذا العذاب مستحَقًّا عليهم، وهو غير ظالم لهم، وليس المعنى أنه لو عذَّبهم بدون جرم لم يكن ظالمًا؛ لأن تعذيبهم بغير ظلم قد أحاله الله عز وجل ومنع منه نفسه، فقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، وقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، لكن لو عذَّبهم لكانوا مستحِقِّين للعذاب، وبهذا يزول الإشكال في هذا الحديث.
طالب: في الآية ذكرنا هنا أن الفسق يُطلَق على الكفر في بعض الفوائد، وأن الكفر يُطلَق على الفسق.
الشيخ: والسؤال؟
الطالب: السؤال قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، هل هذا تغير ألفاظ فقط؟
الشيخ: تغير ألفاظ، وأين الألفاظ؟
طالب: في الآية التي بعدها: فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧].
الشيخ: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥]، الظالمون ثم الفاسقون، إي نعم، وأيش الإشكال؟ هذه المسألة بعضهم يقول: إن هذا مُنَزَّل على أحوال؛ فمن كان حاكمًا بغير ما أنزل الله فهو كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ لمحبته للعدوان والظلم وظلم الناس فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لا ردًّا لحكم الله، ولكن لأن نفسه تهواه، فهذا فاسق.
نضرب لهذا بثلاثة حكام: حاكم حكم بالقانون وردَّ حكم الله، وقال: لا نقبله، فهذا كافر، الثاني في نفسه شيء على شخص معين، وحكم عليه دون خصمه، هذا نصفه بأنه ظالم، والثالث حكم بغير ما أنزل الله، لا ردًّا لما أنزل الله، ولا إرادة للظلم، لكن تهواه نفسه، بمعنى حكم مثلًا لشخص بأن له الأرض الفلانية، وهو ما فيه ظلم، لكن تهواه نفسه؛ إما لصداقته له، أو لقرابته له، أو لأنه يقول: الأرض بيني وبينه، هذا نقول: إنه فاسق، فنُنَزِّلها على أحوال.
ومنهم من قال: إنها على حال واحدة، وأن الكافر فاسق وظالم، كما قال عز وجل: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤].
والأقرب عندي أنها مُنَزَّلة على أحوال؛ لأنه لو قلنا: إن الأوصاف هذه على موصوف واحد، صارت شبه مكررة.
الطالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، الذين يستشهدون في هذه المسألة، أعني مسألة دخول الأعمال في الإيمان، هل نقول: إن عندهم شيء من التشبه بالخوارج؟
الشيخ: هم بالحقيقة بحثهم هذا لا أصل له، لو أنهم سلكوا في الأحكام الشرعية ما سلكوه في أسماء الله وصفاته؛ ما ذكره الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، وهنا نقول: من كَفَّره الله كَفَّرناه، ومن لم يُكَفِّره لم نُكَفِّره، وما أبلغ الناس إلى مثل هذا التأويل؛ هذا كفر مُخْرِج عن المِلَّة، وده يقول: غير مُخْرِج، حتى إن بعضهم أنكر ما ورد عن ابن عباس: كفر دون كفر ، وقال: هذه الرواية لا تثبت، وحققها بعض تلاميذنا وقال: إنها ثابتة، والعلماء كلهم ينقلون عن ابن عباس مُقِرِّين لها، مشهورة عنه.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ [الأنعام: ٥٠]، الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أمر من الله إليه، أي: إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا أمر لإبلاغ خاص، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، لكن تأتي بعض الأحكام مصدَّرة بـ (قل)، إشارة إلى أهميتها، كقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠]، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور: ٣١]، قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ [إبراهيم: ٣١]، والأمثلة على هذا كثيرة.
فيكون في هذا الحكم المذكور يكون وصية خاصة لإبلاغهم، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، كما قال تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ، الخطاب في قوله: لَكُمْللمشركين المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِهذه مقول القول، أي: لا أقول: عندي خزائن الله، أي: خزائن رزقه فأرزقكم، وأحرم من أشاء.
وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: ٥٠] يعني: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، والغيب: ما غاب، وهو نوعان:
غيب نسبي؛ وهذا قد يُعلَم، فمثلًا الشارع الآن فيه أناس أنا لا أعلمهم، والذي يشاهدهم يعلمهم، هذا غيب نسبي.
وغيب مطلق حقيقي؛ وهو ما غاب عن الناس كلهم، فهذا لا يعلمه أحد، كالعلم بما سيحدث في المستقبل، هذا لا يمكن أن يعلمه أحد، لا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا غيره، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.
إذن الغيب كل ما غاب، وهو نوعان: نسبي، وحقيقي؛ فالنسبي ما غاب عن بعض الناس دون بعض، والحقيقي ما غاب عن جميع الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ لا النسبي، ولا الحقيقي، لكن في النسبي من شاهده عَلِم به.
ولذلك لما انخنس منه أبو هريرة رضي الله عنه، وكان أبو هريرة جُنُبًا، قال له: «أَيْنَ كُنْتَ؟» ، فهو لا يعلم، كذلك لما دخل بيته وطلب الطعام وأتوا إليه بتمر، وطلب اللحم قال: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ» ، وهنا لم يجزم بأن فيها لحمًا، مع أنها عنده في البيت؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب.
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]، خاطبهم مخاطبة غير الأولى، يعني كرَّر المخاطبة؛ لأن المقام هنا -وهو نفي أن يكون ملَكًا- أبلغ وأشد، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، والإتيان بكاف الخطاب يدل على شدة توجيه الخطاب إلى المخاطَب، ولهذا اقرؤوا في سورة الكهف قول الخضر لموسى؛ في الأول قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٢]، وفي الثاني قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف: ٧٥].
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌواحد الملائكة، إذن هو بشر من بني آدم، ثم ذكر الله تعالى وظيفته التي يقولها، قال: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: ٥٠]، (إن) بمعنى (ما)، فهي نافية، و(إن) في اللغة العربية لها معانٍ حسب السياق، فتأتي نافية، وتأتي شرطية، مثالها: إن اجتهدت نجحت، وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، أي إنهم كانوا، وتأتي زائدة لا معنى لها إلا التوكيد، كقول الشاعر:
| بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ | وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ |
الصريف: الفضة، الشاهد في قوله: (ما إن أنتم ذهب)، فإن (إن) زائدة، ولهذا لو قال الشاعر: ما أنتم ذهبًا، صح، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنها السياق، فدل ذلك على أن الألفاظ يتعين معناها بالسياق، وهو مما يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن لا مجاز في اللغة؛ لأن الكلمة يتعين معناها بسياقها، حتى وإن استُعْمِلت بمعنى آخر في غير هذا السياق، إذن الذي يعيِّن السياقُ، كذلك يعيِّن المعنى القرينةُ الحالية؛ لأن السياق قرينة لفظية، القرينة الحالية أن يدل حال المتحدَّث عنهم على المعنى، مثل قوله:
| ........................ | وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ |
هنا ما يمكن أن تكون نافية؛ لأنه كان يفتخر بقومه، فيتعين أن تكون مخفَّفة من الثقيلة.
إِنْ أَتَّبِعُأي: ما أتبع، إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ، يعني: إلا ما أوحاه الله إليَّ، والوحي هو إعلام الله تبارك وتعالى لأحد أنبيائه بالشرع، هذا الوحي، وسُمِّيَ ذلك من الإيحاء، وهو السر والإخفاء؛ لأن الوحي يقع خفيًّا، ما كل أحد يدري عنه.
وقوله: إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّلم يبيِّن الْمُوحِي، وذلك للعلم به، كما قال عز وجل: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: ٥٠]، الْمُوحِي هو الله عز وجل.
إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّهذه وظيفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه لا يختص بها ولا تقع منه.
قُلْيعني: يا محمد، بعد أن تبيَّن هذا.
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، هَلْبمعنى (ما)، وجاءت أداة الاستفهام بمعنى النفي؛ لأنها مُشْرَبة معنى التحدي، يعني: لا يستوي الأعمى والبصير، وإن كنتم صادقين فبيِّنُوا لي.
الْأَعْمَىصفة مشبهة، وَالْبَصِيرُ: من يُبْصِر، ومن المعلوم أنه لا أحد يقول: إن الأعمى والبصير سواء، فما المراد بالأعمى هنا، وما المراد بالبصير؟ المراد بالأعمى الكافر، كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٨]، والمراد بالبصير المؤمن؛ بصير من البصيرة، وبصير من البصر.
أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠] الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: أَبَعْدَ هذا تُعرِضون فلا تتفكرون؟!
في هذه الآية فوائد عظيمة، منها: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلِن للأمة ما أمره الله به؛ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ.
ومنها: أن ما صُدِّر بـ (قُلْ) بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلًا على أهميته، وأن الله تعالى أوصى نبيه أن يُبَلِّغه خاصة، مما يدل على العناية به.
ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك خزائن الله عز وجل، أي: خزائن الرزق، ولذلك يعيش صلى الله عليه وسلم الشهرين والثلاثة لا يُوقَد في بيته نار ، ولو كان عنده خزائن الله لأدركها، مع أنه لو شاء لدعا ربه أن يحقِّق له ما يريد، لكنه صلى الله عليه وسلم خُيِّرَ بين أن يكون عبدًا نبيًّا، أو ملَكًا نَبِيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نَبِيًّا .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك خزائن الله فإنه لا يجوز أن يُطْلَب الرزق من الرسول مباشرة؛ لأنه لو طُلِب الرزق من الرسول مباشرة لكان هذا شركًا وتجاوزًا لما هو عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما السؤال في حياته فله تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها، وقد يُعْطِي وقد لا يُعْطِي، كما منع الأشعريين حين طلبوا رواحل يجاهدون عليها، قال: لا أجد ما أحملهم عليه .
ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب؛ لقوله: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يحدِّث عن أشياء مستقبَلة؟
فالجواب: بلى، ولكن بوحي من الله عز وجل، والله تبارك وتعالى يعلم الغيب، ولهذا نقول: كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أمور المستقبل فهي بوحي خاص من الله عز وجل، وحينئذ لا ينافي ما أخبر به من أمور الغيب ما ذكره الله تعالى في هذه الآية: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ؛ لأن علمه بالمستقبل بما أوحى الله إليه ليس علمًا ذاتيًّا أدركه بنفسه، ولكنه علم من عند الله عز وجل، كما أن الإنسان يرى الرؤيا الصالحة في المنام وينتفع بها في المستقبل، و«الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» .
ومن فوائد هذه الآية: الرد الصريح على من قالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، ثم لَبَّسوا وشَبَّهُوا بما أخبر به من المغيَّبَات التي أوحى الله إليه بها، فيقال: الأصل أنه لا يعلم الغيب، وإذا جاء شيء تحدث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المستقبل فإننا نعلم أن ذلك بوحي خاص من الله تبارك وتعالى.
من فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر كغيره، لا يعلم الغيب، وينسى كما ننسى، ويلحقه الجوع والظمأ، والبرد والحر، كل الخصائص البشرية تلحق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن فوائد هذه الِآية: أن الملَك قد يتصور بصورة إنسان؛ لقوله: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ؛ لأنه لولا أنه يمكن تصوره بصورة إنسان ما احتيج إلى النفي؛ إذ إنه معلوم بدون نفي، وهذا هو الواقع، وقد جاء جبريل عليه السلام بصورة البشر.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الذين قالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: ٨]، وقالوا: لولا نزل عليه الملائكة، فإن الملائكة لا يمكن أن ينزلوا ليكونوا رسلًا إلى البشر، كما قال عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩].
ومن فوائد الآية: كمال عبودية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لله عز وجل؛ لقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، لا يزيد ولا ينقص، حتى لو كان الذي نزل إليه على شخصيته عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يمكن أن يدعه، وانظر إلى قول الله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧]، كلمات عظيمة، يوجِّهها الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو كان كاتمًا شيئًا مما أوحاه الله إليه لكتم هذا؛ لأنه شيء عظيم، أو كقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: ١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرائع توقيفية لا يجوز لأحد أن يبتدع منها شيئًا، كقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، ولهذا قرَّر أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله تعالى بشيء إلا ما أذن الله فيه شرعًا، وهذا حق مستنِد إلى آيات متعددة، وإلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
هل مثلًا لو أن أحدًا استحسن شيئًا يتعبد لله به هل يكون حسنًا؟ لا يكون حسنًا أبدًا، وبذلك يبطل تقسيم من قسم البدعة إلى نوعين: ضلالة، وحسنى، أو إلى خمسة أنواع، فإن هذا باطل لا شك فيه؛ لأن أعلم الخلق بشريعة الله، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ، (كل) بصيغة العموم التي هي أعم الألفاظ، أعم صيغ العموم (كل)، «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وهذا العموم الْمُحْكَم لا يخرج منه شيء.
ولا يرد على هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وتميم الداري، وكان الناس بعد أن امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من إقامة قيام رمضان بهم جماعة صاروا يقومون أفرادًا، أو الرجل مع الثاني، أو الرجل مع اثنين، وما أشبه ذلك، ويحصل التشويش، خرج عمر ذات ليلة وهم على هذا، فأمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقومَا للناس بإحدى عشرة ركعة، ففعلَا، وقامَا بالناس بإحدى عشرة ركعة، ثم خرج مرة أخرى ورآهم على هذه الحال فقال: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، فسمَّاها بدعة وأثنى عليها، أفهمتم؟ هذا الأثر استدل به جميع أهل البدع على استساغة بدعهم، ونحن نجيبهم بأمرين:
الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين الذين بدعتهم إن صارت بدعة أيش هي؟ سُنَّة، فهل أنتم أيها الخلَف المتخلِّف هل أنتم كعمر؟ لا، إذن لو صح أنها بدعة شرعية لكان عمر ممن يُقْتَدَى به، وسُنَّتُه مُتَّبَعة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثانيًا: أنها بدعة نسبِيَّة باعتبار هَجْرِها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن أقامها عمر، فهذه بدعة نسبيَّة، ولا يصح أن نقول: إنها بدعة لغوية؛ لأن البدعة اللغوية لا بد ألَّا تكون مسبوقة، لكن نقول: هي بدعة نسبية، باعتبار أنها هُجِرَت من عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مارًّا بعهد أبي بكر، ثم أول خلافة عمر.
ثالثًا: هذه البدعة لها أصل، أصل وسنة، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بأصحابه في قيام رمضان ثلاث ليال، وتخلَّف في الرابعة، وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» ، هذه العلة التي تأخَّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إقامتها جماعة هل هي باقية في عهد عمر؟ الجواب: لا، فالحكم يدور مع علَّته، وهذه العلة في عهد عمر لا يمكن أن تكون، فبطل تشبُّث أهل البدع بمثل هذه الكلمة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فإن قال قائل: ابتُدِعَت أشياء أقرَّها المسلمون، كجمع القرآن على مصحف واحد، وكتبويب الأحاديث، وكبناء المدارس، وأشياء كثيرة، ما تقول في هذا؟
أقول: هذه ليست مقصودة بذاتها، بل هي مقصودة لغيرها، فجمع الناس على مصحف واحد لئلَّا تتفرق الأمة، لو كان الناس يقرؤون بالمصاحف التي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتمزقت الأمة تمزقًا عظيمًا، ولقالت النصارى: إذا كان عندنا أربعة أناجيل أو خمسة فعندكم عشرات، فلهذا كان توحيد المصحف مقصودًا لغيره، وهو جمع كلمة المسلمين وعدم تنازعهم.
كذلك أيضًا تبويب الأحاديث أو جمعها على المسانيد، هو أيضًا مقصود لغيره، حتى يتيسر على المسلمين أصول السنة، أرأيتم لو أنه لم تُبَوَّب على الأبواب، ولا على المسانيد، لكان الإنسان يجب إذا أراد مسألة أن يقرأ كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يخفى ما في هذا من التعب العظيم، وما في هذا أيضًا من تعطل الشريعة، فكان هذا مقصودًا لغيره.
أتى أناس وقالوا: المحاريب، هذه محاريب المساجد هذه بدعة لا بد أن تهدمها، ولو أن الإنسان أوصى أن يُبْنَى له مسجد فيه محراب بطلت الوصية، ليش؟ قال: لأن المحاريب نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله محذِّرًا: «إِيَّاكُمْ وَمَذَابِحَ النَّصَارَى» ، أو كلمة نحوها، فما الجواب؟
الجواب أن نقول: أولًا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيَّد فقال: كمذابح النصارى، فإذا كان المحراب على غير الشكل النصراني فلا بأس به، هذا إن صح الحديث، مع أن الحديث فيه مقال.
ثانيًا: أن نقول: إذا انتفى أن تكون هذه المحاريب كمحاريب النصارى، بقي أن يقال: هل فيها مصلحة أو لا؟
الجواب: فيها مصلحة، فيها أنها تُغْنِي عن صف كامل، إذا كان المسجد ضيقًا ثم دخل الإمام في المحراب أغنى عن صف كامل؛ لأن مكانه الذي يفترض أن يقوم فيه لولا المحراب صف كامل، هذه واحدة.
ثانيًا: الدلالة على القبلة، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يُسْتَدَلّ على القبلة بالمحاريب الإسلامية، وهذا أمر مشاهَد، لو كانت المساجد كحجرة مقفَلة ليس فيها إلا الزوايا الأربع ما عرف الناس القبلة، أليس هذا واضحًا؟ إذن فيها مصلحة، فإذا كان فيها مصلحة فكيف نقول: إنها بدعة محرَّمة يجب هدمها.
فإذا قال قائل: يمكن أن يُستَعَاض عنها بالتلوين، أو بوضع بلاط يخالف بلاط المسجد، قلنا: ما الذي يُحْوِجنا إلى هذا؟ ونحن نقول: فيها غير هذه الفائدة وهي التوسعة على المصلين إذا ضاق المسجد.
بقي أن يقال: إن بعض الناس يكتب على المحراب كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ [آل عمران: ٣٧]، شوف؟! أعوذ بالله، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]، هل هذا المحراب اللي دخل عليها زكريا فيه؟ لا، ثم المحراب في اللغة القديمة مكان العبادة، هذا المحراب مكان العبادة، سواء محراب، أو حجرة، أو أي شيء، فأخطأ هؤلاء من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس المراد بالمحراب في الآية محراب القبلة، والثاني: أن زكريا ما دخل عليها المحراب، ما دخل على مريم، لكن الجهل الفاضح، فمثل هذا يجب على وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تتتبع المساجد التي كُتِب بها هذا وتطمسه، كيف يُحَرَّف كلام الله في قبلة المسلمين، والحمد لله.
هل يلزمنا أن كل ما حدث لا بد أن يكون له شاهد من القرآن؟ أبدًا لا يلزمنا، المهم أن الآية الكريمة أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقول: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ.
الطالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لتعليلكم في مسألة المحراب قد يُفتَح باب عريض لأهل البدع.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو مسألة المصالح، أغلب أهل البدع الآن يفعلون بعض البدع يقولون: فيها مصالح، مثل القرآن مثلًا، يجتمعون على قراءة القرآن جماعة، ويقول لك: أنا ما أستطيع أقرأ لوحدي، مثل الذِّكْر، يقول: أنا لا أستطيع أن أذكر الله لوحدي، فمسألة المصالح قد تفتح بابًا عريضًا.
الشيخ: يُنْظَر، إذا كانت المصلحة حقيقة فلتُتَّبَع، لكن كونك تُحْدِث عبادة ما أحدثها الرسول وتتقرب إلى الله بها! نحن مثلًا نضع المحاريب لا للقربة بها لذاتها، ولكن لأنها علامة على شيء مقصود شرعي.
الطالب: شيخنا، حفظك الله، كثير من المساجد، خصوصًا يعني في ديارنا، ما تجد المحراب إلا وهو فوقها على اليمين (الله)، وعلى اليسار (محمد صلى الله عليه وسلم)، يجي سؤال عن هذا، أنا سمعت أنها شرك، سمعت منك يا شيخ، والإخوان هناك قالوا: نريد فتوى مكتوبة حتى نستند إليها.
الشيخ: الفتوى الآن مكتوبة عند الأخ.
طالب: ما وصلت إلينا يا شيخ.
الشيخ: تصل إن شاء الله.
الطالب: طيب الآن يا شيخ بالنسبة لـ..
الشيخ: لو فرضنا الإنسان ما يعرف الله ولا محمد، يعرف أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكُتِبَ أمامه على خط مستوٍ: الله محمد، وأيش يفهم؟ أنهما متساويان، هذا غلط، هذا مع أن الأصل أنها بدعة، ما كان السلف يفعلون هذا، هي أصلًا بدعة.
الطالب: أعطيناها للوزارة، ولا قامت بهذا العمل، تهاونوا بهذا الأمر، فهل نغيره نحن؟
الشيخ: لا، ما تغيروه، هذه الأمور متعلقة بالمسؤولين، حتى أنا ما أفتي بها، يعني لو جاءني واحد مثلًا من العسكر يشكو من شيء مفعول على سبيل العموم، ما أستطيع أني أفتيه؛ لأنه يُحْدِث باب شر وفتن، أقول: هات كتابًا رسميًّا من مسؤول يمكنه أن يغيِّر، وإذا جاءنا وجب على الإنسان أن يُفْتِي بما يرى.
وهذه مسألة أرجو أن تنتبهوا لها أنتم، أنتم طلاب علم، وإن شاء الله نرجو لكم مستقبلًا حافلًا بالمنافع، الشيء اللي يجيك من واحد من أفراد تحت مظلة إدارة، أو وزارة، أو ما أشبه ذلك، لا تفتي به؛ لأنك إذا أفتيت به ماذا يصنع؟ فتنة، هو نفسه مثلًا يترك هذا الشيء، فيكون عليه علامة استفهام، أو يجمع حوله ناسًا، ثم يُحْدِثُون فتنة، لكن تقول -الحمد لله-: اطلب من المسؤول اللي فوقك أن يكتب إليَّ كتابة رسميَّة، وحينئذ يجب عليَّ أن أفعل.
طالب: بارك الله فيكم، الذي يدَّعي علم الغيب النسبي هل نُكَفِّره، اللي يستعين بالجن هل يُكَفَّر كفرًا أكبر؟
الشيخ: لا، لا ما يُكَفَّر كفرًا أكبر، يعني مثلًا عنده جن يخبرونه بشيء بعيد، ما يُكَفَّر، وكيف يُكفَّر، وأيش سَوَّى حتى يُكَفَّر؟
الطالب: لكن ما موه منه كتاب زي نجم غاسق، ويتمتم.
الشيخ: أحسنت، هذا شيء عارض، يمكن نمنعه؛ لأنه عارض، لكن ما نقول: هذا شرك، لو راجعتم كلام شيخ الإسلام رحمه الله بالفتاوى في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة، وفي كتاب النبوات، وفتوى أيضًا خاصة، عرفتم الموضوع، الجن ربما يُنْتَفَع بهم على وجه مباح في أشياء مباحة.
***
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، ما المراد بخزائن الله؟طالب: الرزق.
الشيخ: خزائن الرزق، قوله: وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَمعطوفة على أيش؟
طالب: قُلْ.
الشيخ: (...) والمعنى: ولا أقول: إني أعلم الغيب، ما المراد بالغيب هنا؟
طالب: الغيب الحقيقي.
الشيخ: وأيش معنى الحقيقي؟
الطالب: هو المستقبل، وكذلك ما غاب عنا.
الشيخ: لعلك نسيت.
طالب: الذي لا يعرفه إلا الله.
الشيخ: تمام الذي لا يعلمه أحد، ما هو الغيب النسبي؟
طالب: بعض.
الشيخ: يعلمه بعض دون بعض، أحسنت، تمام، هل النفي هنا للمعنيين جميعًا أو للأول؟
طالب: (...).
الشيخ: لهما، يعني ما غاب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو كان مشاهَدًا لغيره لا يعلمه، وفي هذا رد على طائفة غَلَت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلم الغيب.
طالب: (...).
الشيخ: أحسنت، ومنه قول البوصيري:
| ......................... | وَمِنْ عُلُومِكَ ............... |
طالب: اللوح والقلم.
الشيخ: تمام، وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، الملَك أيش؟
طالب: واحد الملائكة.
الشيخ: ومَن الملائكة؟
الطالب: عالم غيبي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
الشيخ: خلقهم الله لعبادته، ما معنى قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، هل المراد: من العبادات أو من المعلومات؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني علم الغيب لا أعلمه، ولا أتبع إلا ما أوحاه الله إليَّ، وكذلك لا أتعبد له إلا بما أوحى إليَّ.
من فوائد هذه الآية الكريمة: كمال تعبُّد النبي صلى الله عليه وسلم لله؛ لقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ.
ومنها: إثبات وحي الله له؛ لقوله: إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ، وأنواع الوحي مذكورة في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٥١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير، ولا يمكن أن يستويَا؛ لقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي، ووجهه أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، والاستفهام بمعنى النفي مُضَمَّن أو مُشْرَب معنى التحدي.
ومنها: أنه كما أنه لا يستوي الأعمى والبصير حِسًّا، فلا يستوي الأعمى والبصير معنًى، أليس كذلك؟ الأعمى والبصير معنًى لا يستويان، فالجاهل أعمى والعالِم بصير.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكر؛ لقوله: أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ.
ومنها: ذم مَن لم يتفكر؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ، ولكن التفكر في أيش؟ التفكر في الأمور على حسب الواقع، لا يتخيل أشياء لا تمت للواقع بصلة، ولا يتفكر في أشياء لا يمكنه الوصول إليها، فلو أراد أحد أن يتفكر في ذات الله عز وجل فإنه لا يجوز، ممنوع؛ لأنه لا يمكن الوصول إليه، ولو أراد أن يتفكر في كيفية النزول إلى السماء الدنيا فلا يجوز؛ لأن ذلك لا يمكن الوصول إليه، والله عز وجل قال: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣]، فإذا كان البصر الذي يدرك الأشياء إدراكًا حسيًّا لا يمكن أن يدرك الله عز وجل، فالفكر من باب أولى.
إذن بماذا نتفكر؟ نتفكر في الأمور الواقعة، في آيات الله عز وجل الكونية والشرعية؛ فالآيات الكونية هي المخلوقات، وما أبدع الله فيها من الحِكم والأسرار العظيمة، والآيات الشرعية هي الأحكام الشرعية التي شرعها الله للعباد، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، يعني إذا طُبِّقَت الشريعة فهي صالحة لكل زمان ومكان، لا يمكن أن تُدَمِّر.
وهنا نقف لنذكر من توسل بهذه العبارة إلى تكييف الشريعة حسب الواقع، فإن هذا غلط عظيم، والواجب تكييف الواقع حسب الشريعة، وإذا كُيِّفَ الواقع حسب الشريعة صلحت الأمور، أما أن يكيِّف الشريعة على الواقع ويكون لنا في كل زمان شريعة، أو في كل مكان شريعة، أو في كل أمة شريعة، فهذا يعني أن الشريعة تُبَدَّل، وتُعَدَّل، وتدخلها الأهواء، وهذا شيء ممتنع، فإذن التفكر في آيات الله عز وجل الكونية والشرعية.
كذلك أيضًا تفكر في أسمائه وصفاته، تفكر في الاسم ماذا يدل عليه من الصفة، سواء كانت الدلالة دلالة تضُّمن، أو دلالة مطابقة، أو دلالة التزام.
***
ثم قال الله عز وجل: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٥١]، أَنذِرْ بِهِأي: بالقرآن، والإنذار الإعلام بالشيء على وجه التخويف.
الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ، يعني: يؤمنون بالبعث، ويخافون من اليوم الذي يُبْعَثُون فيه، كما قال عز وجل في الأبرار: وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: ٧].
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: ٥١] أي: لا يتولاهم أحد من دون الله عز وجل، ولا يشفع لهم أحد من دون الله، فالولي أن يتولاهم أحد بدون شفاعة، يعني هو يقوم بكشف الضر عنهم، أو جلب النفع لهم، والشفاعة أن يتوسط لهم إلى الله عز وجل؛ لأن الشفاعة التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة، هذه هي الشفاعة، فشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل الموقف أن يقضى بينهم، هذه من أي النوعين؟ من دفع الضرر، أو من حصول المنفعة؟ من دفع الضرر؛ لأن الناس يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، من أيّ؟ من جلب النفع.
ومثاله في الواقع لو أن إنسانًا شفع لشخص إلى مدير أن يوظفه في عمله، فهذا أيش؟ هذا جلب نفع، ولو شفع في شخص إلى مدير من أجل أن يرفع عنه التعزير، سواء بالمال أو بالحبس، فهذا من دفع الضرر، هؤلاء الذين أمر الله أن ينذر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن إياهم، نقول: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع.
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: ٥١]، (لعل) تعليل، يعني: لأجل أن يتقوا، ويتقون مَن؟ يتقون الله عز وجل، أو يتقون اليوم الذي يُحْشَرون فيه إلى الله، وهما متلازمان.
والتقوى مأخوذة من الوقاية، وتتكرر كثيرًا في القرآن الكريم، ومعناها اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره على علم وبصيرة.
ومنهم من قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.
وبعضهم قال التقوى في أبيات:
| خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَــــــا | وَكَبِيرَهَـــــــــــا ذَاكَ التُّــــــــــقَـــــــــى |
| وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ | ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى |
| لَا تَحْـــــــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــغِيرَةً | إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَـــــــــى |
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
في هذه الآية الكريمة فوائد: وجوب الإنذار بالقرآن.
ويتفرع من هذا: أن خير ما يُنْذَر به هو القرآن؛ لأنه أبلغ المواعظ في الإنذار، لكن كما قال الله عز وجل: لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧].
ومن الفوائد: أنه لا ينتفع بالإنذار بالقرآن إلا الذين يؤمنون باليوم الآخر؛ لقوله: أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحشر إلى الله عز وجل، وهذا يكون يوم القيامة، تُحْشَر الخلائق إلى ربها عز وجل ليقضي بينهم قضاء دائرًا بين العدل والفضل؛ العدل لمن؟ للكفار، والفضل للمؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يمنع من الله؛ لقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ.
ومن فوائدها: إثبات الشفاعة؛ لأنه لولا وجودها ما صح نفيها، والشفاعة أنواع:
الشفاعة العظمى ليُقْضَى بين الناس، هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعتذر أولو العزم عنها، وتستقر للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينكرها أحد من طوائف الملة، يُقِرُّون بها.
والنوع الثاني: الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين أن يخرجوا من النار، وهذه ينازع فيها طائفتان من أهل الملة حسب انتسابهم، وهم الخوارج والمعتزلة؛ لأن هاتين الطائفتين يرون أن فاعل الكبيرة مخلَّد في النار -والعياذ بالله- وإذا كان الله قد قضى عليه أن يُخَلَّد في النار فإن الشفاعة لا تنفعه.
وهناك شفاعات أخرى ليس هذا موضع ذكرها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وهذا أمر شرحناه كثيرًا، فلا حاجة إلى الإعادة، وكل إنسان يعرف أن الأمور لها أسباب ولها علل.
***
ثم قال عز وجل: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٥٢]، هذه الآية تحتاج إلى إعراب.
فقوله: لَا تَطْرُدِ الَّذِينَ، لَاناهية، والفعل مجزوم بها، ولكنه حُرِّكَ بالكسر لالتقاء الساكنين.
الثاني: قوله: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، فيها شَيْءٍمبتدأ، لكن دخل عليها حرف الجر الزائد، فعمل به لفظًا لا محلًّا.
ولهذا نعرب مِنْحرف جر زائد إعرابًا، وشَيْءٍمبتدأ.
فَتَطْرُدَهُمْالفاء للسببية، والفعل بعدها منصوب بها -على رأي الكوفيين-، وبـ (أن) مُضْمَرَة بعدها -على رأي البصريين- ولكن هي جواب للنهي أو للنفي؟ لأنه سبق الآن نفي ونهي، لَا تَطْرُدِنهي، ومَا عَلَيْكَهذه نفي، هل هي جواب للنفي، أو للنهي؟ للنفي، يعني: ليس من حسابك عليهم من شيء، ولا من حسابهم عليك من شيء فتطردَهم، ليش تطردهم؟
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَالفاء للسببية، وتَكُونَفعل مضارع منصوب بـ (أن) بعد فاء السببية، على رأي مَن؟ البصريين، أو بها -على رأي الكوفيين-، لكن جواب لأيش؟ لقوله: لَا تَطْرُدِ، يعني: لا تطردهم فتكون من الظالمين.
نعود إلى المعاني: لَا تَطْرُدِالطرد معناه: الإبعاد، يعني: لا تبعدهم.
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَدْعُونَدعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ دعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر، دعاء العبادة أن يقوموا بعبادة الله عز وجل من صلاة وغيرها.
فإذا قال قائل: ما وجه كون العابد داعيًا؟
فالجواب: للدليل الأثري، والنظري؛ أما الأثري فقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، فجعل الله الدعاء عبادة، وأما كون العبادة دعاء فلأن العابد لو سئل: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو ثواب الله وأخاف عقابه، إذن فهو دعاء بلسان الحال، لا بلسان المقال، على أن كثيرًا من العبادات لا يخلو من دعاء صريح.
وقوله: بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، الباء هنا بمعنى (في)، وتأتي الباء بمعنى (في) كثيرًا، كما في قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، يعني (في).
فهل هناك من حكمة أن تأتي الباء بمعنى (في)؟
اعلم أن القرآن الكريم لا يمكن أن يعدل عن الشيء المتعارَف لغة إلّا لسبب، السبب هنا أن الباء التي للظرفية أُشْرِبَت معنى الاستيعاب؛ لأن الباء تأتي للاستيعاب، كما في قوله تعالى: امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة: ٦]، وكما في قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]، الباء للاستيعاب، أي أنهم قد استوعبوا الغداة والعَشِيّ بالدعاء، والغداة أول النهار، والعَشِيّ آخر النهار.
وقوله عز وجل: يُرِيدُونَ وَجْهَهُحال من الفاعل في يَدْعُونَ، المعنى أنهم مخلصون لله، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة.
مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، يعني أن حسابك ليس عليهم، وحسابهم ليس عليك، وإذا كان كذلك فلماذا تطردهم، دعهم يحضرون مجالس ينتفعون بها، وينفعون بها، ليس عليك من حسابهم من شيء، ولا من حسابك عليهم من شيء فتطردهم، هذا مبنى على قوله: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ.
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَفي هذه العبارة تلطُّف في مخاطبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث لم يقل: فتكون ظالمًا، قال: مِنَ الظَّالِمِينَ، وهذا فيه شيء من التسلية؛ أن هناك من هو ظالم، والظالمون كثيرون، ومعلوم أن كون الإنسان مع عالَم يشاركونه في الوصف أهون من كونه ينفرد بذلك.
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: تحريم طرد المؤمنين الصالحين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك القوم الذين يحضرون جلسات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما ذكر الله عز وجل أنهم يَدْعُون الله بالغداة والعشي مع الإخلاص لله عز وجل.
ومن فوائدها: إثبات وجه الله عز وجل؛ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، والوجه صفة لله عز وجل، صفة حقيقية يجب علينا أن نؤمن بذلك، ولكن على حد قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، وأما من فسر ذلك بأن المراد بالوجه الثواب فقد أخطأ؛ لأن ذلك مخالف لظاهر اللفظ، ومخالف لإجماع السلف، ثم إن الله عز وجل قال في القرآن الكريم: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، جعله وصفًا للوجه.
فهل يمكن أن يقول قائل: إن الثواب موصوف بأنه ذو الجلال والإكرام؟
الجواب: لا، وتأمل هذا مع قوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٧٨]، فجعلها بالجر صفة لـ (رب)، ولم تكن بالرفع صفة للاسم، مع أن أسماء الله عز وجل لها من الجلالة والتعظيم ما لها، ولكن نسأل الله العافية، مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠].
وسبحان الله! ما أدري ماذا يلاقي الإنسان ربه يوم القيامة إذا كان الله تعالى قد قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وقال: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وما أشبه ذلك من الآيات، ثم يقول: لا وجه لك يا رب، بل المراد بوجهك الثواب، ما أدري كيف يستطيع الإنسان أن يجيب الله عز وجل.
والمسألة ليست جدلًا دنيويًّا ومغالبة دنيوية، المسألة عقيدة يجب على الإنسان أن يتهيأ للجواب عنها يوم القيامة، الإنسان قد يتخلص بالدنيا بالمجادلة والمغالبة، لكن عند الله لا ينفعه، كما قال عز وجل: هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء: ١٠٩].
هؤلاء نقول: أنتم إذا غَلَبتم في الجدل في الدنيا لكن هل تغلبون الله عز وجل يوم القيامة؟ لا، والله ما يغلبونه، المسألة خطيرة، وفي ظني أن هؤلاء المحرِّفين لمثل هذه الآيات أنهم عند تلاوتها وتحريفها ينسون أنهم سيقابلون الله عز وجل، وإلا لو كانوا على ذكرٍ ما ذهبوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه في أعظم الأشياء، إذا كانت آيات الأحكام وأحاديث الأحكام تُجْرَى على ظاهرها، وهي أحكام للعقل فيها مجال، فكيف لا تُجْرَى هذه الأخبار العظيمة على ظاهرها، وهي تتعلق بمن؟ بالله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: أن كل إنسان لا يحاسَب عن الآخر؛ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وهذا العموم مقيَّد بما إذا لم يفرِّط الإنسان في حق أخيه، فإن فرَّط جُوزِي على ذلك، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يجب على الإنسان إذا رأى نائمًا وقد ضاق الوقت عن الصلاة يجب أن يُعْلِمه، أن يوقظه، مع أن النائم معذور ليس عليه إثم، لكن أنت أيها اليقظان يجب أن تُعْلِمه، توقظه وتُعْلِمه، لو لم تفعل صار عليك من حسابه، لكن الواحد في الحقيقة من حسابه، والواقع أنه من حسابك أنت؛ لأنك تركت الواجب.
وكذلك قال العلماء: يجب على من رأى شخصًا يريد أن يتوضأ بماء نجس، يجب عليه أيش؟ أن يُعْلِمه، ويجب على من رأى في ثوب أخيه بقعة نجسة أن ينبهه عليها؛ لقول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢].
ومن فوائد هذه الآية: كمال عدل الله عز وجل؛ لأنه خاطب نبيَّه بهذا الخطاب القوي من أجل قومٍ من أصحابه، هو -أي النبي صلى الله عليه وسلم- عند الله أعظم جاهًا وأعلى منزلة، لكن الله عز وجل حكمٌ عدْلٌ، يقضي بالحق سبحانه وتعالى.
ومن فوائد هذه الآية: أن منْع الإنسان حقَّه ظلم، وإن لم يكن عدوان، يعني بضرب أو أخْذ مال، لكن إذا منعه حقَّه فإنه ظالم؛ لقوله: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وهذا حق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، مع أن هذا لم يأكل من مال الفقير مثلًا، لكن مماطلته، يعني منع حقه، فكل مَن منَع صاحب حقٍّ حقَّه فهو ظالم له، كما لو اعتدى بأخذ شيء من ماله.
***
ثم قال عز وجل: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين [الأنعام: ٥٣] كذلك فتنَّا بعضهم ببعض، أي أضللنا بعضهم ببعض، لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، يعني أن الأغنياء لا يؤمنون، فتنة، لماذا لا يؤمنون؟ يقولون: كيف يسبقنا إلى الإيمان هؤلاء! فنحن لا نؤمن.
وهذه فتنة قد تقع من الإنسان، أن يقول: شيء ابتدأه فلان أنا لا أشارك فيه، مثلًا، أو شيء عمله فلان لا أعمل فيه، ولهذا قال: لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل، المعنى: فَتَنَّا بعضهم ببعض، فقالوا: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، والاستفهام هنا للتحقير، مثل قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١].
فالمعنى في قوله: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، الاستفهام هنا أيش؟ للتحقير، قال الله عز وجل ردًّا عليهم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، يعني: وقد علم أن هؤلاء يشكرون الله إذا أنعم الله عليهم، وأما أنتم فلا، فهو رد عليهم.
في هذه الآية من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يفتن بعض الناس ببعض، فيضلّ بسبب الآخر، وهذا واقع، تجد مثلًا تفتح باب مساهمة في الخير، فيسبق فلان وفلان وفلان، فيقول آخرون: شيء تدخَّل فيه فلان ما نوافق ولا نبغيه، ولا يمكن يسبقوننا، واضح؟ هذا واقع، صلة الآية بالتي قبلها واضحة جدًّا؛ لأن الذين يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويجلسون عليه فقراء، وأما الملأ فلا يجلسون؛ لأنهم يحتقرون هؤلاء، ويقولون: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار الكافرين بأن الإيمان والإسلام مِنَّة من الله تعالى؛ لقولهم: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا.
ومنها: أن أعداء المؤمنين يأتون بكل أسلوب للتنفير عن المؤمنين؛ لقولهم أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا، وهذا مشاهَد في كل شيء، الرسل عليهم الصلاة والسلام هل ذكر أعداؤهم ما يُنَفِّر عنهم من الأوصاف؟ نعم، اقرأ الآية العامة الجامعة الشاملة: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات: ٥٢، ٥٣].
كذلك أيضًا أعداء أهل التعطيل من أهل السنة والجماعة يصفهم أهل التعطيل بأوصاف تُنَفِّر عنهم، يقولون: هذا مُجَسِّم؛ لأنه أثبت الصفات، فيقولون: هذا تجسيم، حتى ينفر الناس من هذا، وأهل الكلام يقولون: هؤلاء حَشْوِيَّة ما عندهم فهم، ولا عندهم معنى، ولا عندهم عقول، حَشْوِيَّة يعني لا خير فيهم، ويسمونهم نوابت، جمع نابتة، وهي الذي ينبت في الزرع من ذات الأوراق التي لا خير فيها.
على كل حال ألقاب السوء لأهل الخير من أهل الشر لا تزال موجودة، ولكن هل يصمد صاحب الخير أمام هذه الألقاب، أو ينهزم؟ الواجب أن يثبت ولا ينهزم؛ لأنه إذا انهزم ليس انهزامًا لشخصه، بل هو انهزام للحق الذي جاء به، أو الذي كان عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تقرير علم الله عز وجل في قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أن الله عالم بِمَن هو شاكر، وهل المعنى بِمَن هو شاكر، أي: بمن هو شاكر الآن أو بمن سيشكر، أو بالجميع؟ بالجميع، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، (أعلم) مجرورة بالفتحة، لماذا جُرَّت بالفتحة؟ لأن الوصفية بوزن (أفعل)، ولكن نقول: وزن الفعل، يكون أعم. نقف على هذا.
طالب: (...).
الشيخ: أي مثل ذلك الذي حصل من هؤلاء الكبراء، واحتقارهم لهؤلاء الذين يحضرون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ذلك الفتنة فَتَنَّا.
الطالب: (...).
الشيخ: لا ما هو على كل حال لكن كل موضع بحسبه.
الطالب: يقولون: (...) عالم.
الشيخ: هذا من جهلهم أيهما أكمل: (أعلم) أو (عالم)؟ (أعلم) اسم تفضيل، و(عالم) ليس اسم تفضيل، ما يمنع التساوي، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] يقول: سبح اسم ربك العالي؟!
طالب: ما يقولون.
الشيخ: حتى لو قالوها فهم مخطئون، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] تقول: الله عالم؟ سبحان الله! الله يصف نفسه بالأكمل، وأنتم تُنَزِّلُونه؟ فإذا قالوا: إنك إذا قلت: أعلم، فأنت قارَنت بينه وبين العالِمين الآخرين وفضَّلته عليهم، قلت: نعم، وأنتم إذا قلتم: عالِم، وصفتموه بما يوصف به الآخرون بدون تفضيل، فانظر كيف صار تحريفهم حجةً عليهم.
طالب: (...) ضابط.
الشيخ: مثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠].
الطالب: الضابط هو السياق؟
الشيخ: إي، السياق هو المعيِّن للمعنى، ومن ثم قلنا: إنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن.
طالب: (...) فيما يُستَعْمَل؟
الشيخ: لا، المراد تقرير ما ذهب إليه هؤلاء من أننا نقول: المؤمن بصير، والكافر أعمى، هل يستوي هذا وهذا؟ ما يستويان.
الطالب: الأعمى يُفْتَن و..
الشيخ: قلنا: شامل للأمرين حِسًّا ومعنًى.
طالب: طلب المناسبة بين الآيات؟
الشيخ: لا بأس به، لكن رأيت بعض الناس بعض المؤلِّفين في هذا يتكلَّف كلافة عظيمة، ثم إنه لا يتأتى في بعض الأحيان، قال الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]، بعدها وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: ٢٤٠]، ما المناسبة؟
فالمهم أنه لا شك بعض الآيات واضحة المناسبة فيها، وبعض الآيات ما تعرف المناسبة، مما يجعل الإنسان يستسلم استسلامًا كاملًا لترتيب الآيات، وأنها أمر توقيفي، ما هو عقلي، وبعض الآيات تكون مقارِبة غير واضحة.
طالب: قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١١٧] ما المعنى؟
الشيخ: أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ، هنا أَعْلَمُعملت عمل الفعل، بمعنى يعلم من يضل عن سبيله، اسم التفضيل عمل الآن في (مَن)، فهي مفعول به، والغالب كما هو معروف أن تتعدى بالباء أو بـ (مِن).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...).
الشيخ: لا، الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا خوطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثل هذا فغيره من باب أولى.
طالب: (...) وإن لم يكن كذلك يا شيخ، ما الحكمة يا شيخ من ذكر الوجه دائمًا في التعبير عن..؟
الشيخ: هذا السؤال جيد، يقول: في هذه الآية دلالة على رؤية الله عز وجل؛ لقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وهذا صحيح، يعني يصلح أن نجعلها من الأدلة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى؛ لأن أفضل شيء وأطيب شيء لأهل الجنة أن ينظروا إلى وجه الله عز وجل، اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك.
ولهذا يجب التنبه من بعض الأذكياء الْمُصَنِّفين، قال الزمخشري صاحب الكشاف، وهو جيد في اللغة والبيان، هو جيد في البلاغة وفي اللغة، وكل من بعده كلهم عيال عليه، يأخذون كلامه، قال في قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] فقال: أيُّ فوز أعظم من هذا؟! كلام إذا قرأته ما تجد فيه شيئًا، لكن يريد إنكار رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية الله أعظم من هذا الفوز، لكنه رجل ذكي، قال: أي فوز أعظم من هذا؟ نقول: أعظم من هذا أن يرى الإنسان ربه عز وجل رؤية حقيقية.
الطالب: (...).
الشيخ: التعزير؟ إذا شفع لك؟
الطالب: أيوه.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما حكم الشفاعة؟
الشيخ: لا بأس، لكن لا يشفع لك عند القاضي، يشفع عند من له الحق، فيقول: يا فلان، الآن أنت تمكنت من أخذ حقك، اعف عنه، أما الحدود فلا يمكن أن يشفع فيها؛ لإنكار النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على أسامة، قال: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ» .





