تفسير سورة الكهف - 3
عدد الزيارات 4241

عناصر المادة :
تفسير الآية (32)
تفسير الآية (33)
تفسير الآية (34)
تفسير الآية (35)
تفسير الآية (36)
تفسير الآية (37)
تفسير الآية (38)
تفسير الآية (39)
تفسير الآية (40)
تفسير الآية (41)
تفسير الآية (42)
تفسير الآية (43)
تفسير الآية (44)
تفسير الآية (45)
تفسير الآية (46)
تفسير الآية (47)
تفسير الآية (48)
تفسير الآية (49)
تفسير الآية (50)
تفسير الآية (51)

قال بعضهم: إن (مِن) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ٢١]، فـ(مِن) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (مِن) لا تُزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)

وإذا بطل هذا القول فإن (مِن) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؟ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد، ما ندري فتكون (مِن) أيش؟ بيانية.
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ [الكهف: ٣١]، إما أن تكون للتبعيض، يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض، يعني بعض أساور؛ أي يُحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذ لا يكون فيه إشكال.
ومِنْ ذَهَبٍ، هذه (من) بيانية، مِنْبيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا، يختلف اختلافًا عظيمًا؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، ولو كان كذهب الدنيا لكانت العين رأته، مِنْ ذَهَبٍ.
وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ، السندس: ما رق من الديباج والحرير، يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا، وخصها بالـ(خُضْر)؛ لأن اللون الأخضر أشد ما يكون راحة للعين، ففيه جمال، وفيه راحة للعين لناظره، و مِنْ سُندُسٍ.
وقوله: وَإِسْتَبْرَقٍ، هذا ما غلظ من الديباج، فالسندس الديباج الرقيق، والإستبرق الديباج الغليظ.
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ؛ مُتَّكِئِينَهذا حال من قوله تبارك وتعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، يعني حال كونهم متكئين فيها، والاتكاء يدل على راحة النفس، وعلى الطمأنينة.
عَلَى الأَرَائِكِ؛ جمع أريكة، والأريكة نوع من المرتفق الذي يرتفق فيه، وقيل: إن الأريكة هي الخيمة الصغيرة المغطاة بالثياب الجميلة، تشبه ما يسمونه بالكوخ، يعني أن كل واحد منهم يكون متكئًا على هذا، فهي إذن عبارة عن حجلة صغيرة، وفيها أَسِرَّة يتكئون فيها.
عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ، هذا إنشاء للمدح، مدح هذه الجنة وما فيها من النعيم، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا؛ ففيها الثناء على هذه الجنة بأمرين: بأنها نعم الثواب وأنها حسنت مرتفقا، قال الله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
تفسير الآية (32)
00:05:14

ثم قال الله عز وجل: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الكهف: ٣٢]، اضْرِبْبمعنى: اجعل وصَيِّر، لَهُمْأي: للكفار من قريش وغيرهم، مَثَلًامفعول (اضرب)، وبيّن هذا المثل بقوله: رَجُلَيْنِوعلى هذا فيكون رَجُلَيْنِعطف بيان، وتفسير للمثل، جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا؛ أي لأحد الرجلين، جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، أغلب ما في الجنتين العنب، وأطراف الجنتين النخيل، وما بينهما زرع، ففيها الفاكهة والغذاء من الحب وثمر النخيل.
تفسير الآية (33)
00:06:17

يقول عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف: ٣٣]، ولم يقل: أتتا أكلها؛ لأنه يجوز مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى في (كلتا)، وقد اجتمع ذلك؛ أي مراعاة اللفظ والمعنى في قول الشاعر:
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَرْيُ بَيْنَهُمَا قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِــــــــــــــــــمَا رَابِي

يشير إلى فرسين تسابقا، فيقول: (كلاهما)، أي كلا الفرسين، (حين جد الجري بينهما): يعني المسابقة، (قد أقلعا): وقفا، (وكلا أنفيهما رابي) يعني: منتفخ؛ لأنه مع شدة الجري تنتفخ مناخر الفرسين الشاهد (كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا)، ولم يقل: قد أقلع، (وكلا أنفيهما رابي) ولم يقل: رابيان، ففي البيت مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، وهنا آتَتْ أُكُلَهَامراعاة أيش؟
طالب: اللفظ.
الشيخ: اللفظ آتَتْ أُكُلَهَايعني ثمرها، وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًاأي: لم تنقص، وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًاكان خلال الجنتين نهر، لو تصورت المشهد لتصورت مشهدًا عظيمًا، جنتان فيهما كل مقومات الغذاء، أعناب وأيش؟ ونخيل وزرع، ثم بينهما هذا النهر المُطّرد.
تفسير الآية (34)
00:08:33

{وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}
[الكهف: ٣٣، ٣٤]، كَانَيعني أحد الرجلين، لَهُ ثَمَرٌكأن له ثمرًا زائدًا على ما تثمره هاتان الجنتان، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُفي الكلام، يتجاذبان الكلام، أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، افتخر عليه بشيئين: أولًا: كثرة المال. وثاني: عز العشيرة والقبيلة، ولهذا قال: أَعَزُّ نَفَرًا، فافتخر عليه بالغنى والحسب.
أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًايقول ذلك افتخارًا ولّا تحدثًا بنعم الله؟
طلبة: افتخارا.
الشيخ: يقوله افتخارًا بدليل العقوبة التي حصلت عليه، والله أعلم.

***

وأيضًا لتناسب رؤوس الآيات.
قوله: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ، الأساور جمع سوار، أو أسْوِرة، وأسورة جمع سوار، نعم.
طالب: (...).
الشيخ: وما هو السوار؟
الطالب: ما تلبسه المرأة (...).
الشيخ: لا، يعني معناه أنه ما يلبس الأسورة في الجنة إلا النساء؟
الطالب: ما يلبسه الشخص في يده.
الشيخ: نعم، ما يتحلى به في يده.
الواقع أن الله عز وجل ذكر لهم أساور من ذهب وفضة ولؤلؤ، يعني أصنافا ثلاثة، وإذا اجتمعت في ذراع الإنسان فهي من أكمل ما يكون رؤية وانشراحًا.
قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًاهذا مبتدأ درس اليوم؟
طالب: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ.
الشيخ: نعم، قول الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رجلين، هل هذا المثل حقيقي أو تقديري؟ بمعنى: هل هذا الشيء واقع أو أنه شيء مقدر ضربه الله تعالى مثلًا؟ أظن هذه لم نتعرض لها، لكن الآن نتعرض لها، نقول: من العلماء من قال: إنه مثل تقديري؛ كقوله تبارك وتعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ [النحل: ٧٦]، وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [الزمر: ٢٩]، وما أشبه هذا، فيكون هذا مثلًا تقديريًّا وليس واقعيًّا، ولكن السياق وما فيه من المحاورة والأخذ والرد يدل على أنه مثل حقيقي واقعي، رَجُلَيْنِأحدهما أنعم الله عليه في الدنيا، والثاني لم يكن له مثله، بماذا افتخر صاحب الجنتين؟
طالب: بالمال، والسلطان.
الشيخ: بالمال وأيش؟
الطالب: بالمال، والسلطان.
الشيخ: بالمال والثاني ويش؟
الطالب: العزة.
طالب آخر: القبيلة يا شيخ، إنه من قبيلة..
الشيخ: يعني بالمال والعشيرة.

***

تفسير الآية (35)
00:12:50

قال الله تعالى: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ [الكهف: ٣٥]، يعني أحد الرجلين، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قوله: دَخَلَ جَنَّتَهُمع أنه قال: جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنتَينِ، فإما أن يراد الجنس، وإما أن يراد إحدى الجنتين وتكون العظمى منهما هي التي دخلها، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، الجملة حالية، يعني: والحال أنه ظالم لنفسه، وبماذا ظلم نفسه؟ ظلم نفسه بالكفر كما سيتبين.
قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، يعني ما أظن أن تفنى وتزول أبدًا، أُعجب بها وبما فيها من القوة وحسن المنظر وغير ذلك، حتى نسي أن الدنيا كلها تزول وأنها لا تبقى لأحد، قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًامن إعجابه بها.
تفسير الآية (36)
00:14:15

ثم أضاف إلى ذلك: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف: ٣٦]، والعياذ بالله، أنكر البعث؛ لأن إذا كانت جنته لا تبيد فهو يقول: وأيضًا أنا لا أبيد، ولا موت ولا بعث، مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةًوالمراد بالساعة ساعة البعث.
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، لَئِنْ رُدِدْتُيعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله، لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًاأي: مرجعًا، فكأنه يقول: إن الله لما أنعم الله عليه في الدنيا فلا بد أن يُنعم عليه في الآخرة، وهذا قياس فاسد؛ لأنه لا يلزم من التنعيم في الدنيا أن يُنعَّم الإنسان في الآخرة، ولا من كون الإنسان لا ينعم في الدنيا ألا ينعم في الآخرة، لا تلازم بين هذا وهذا، بل إن الكفار يُنعّمون في الدنيا وتُعجّل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولكنهم في الآخرة يعذبون.
إذن لَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّيلا إشكال فيها، فإن بعض الناس يقول: كيف يكون هذا وهو قد أنكر البعث؟ والجواب أيش؟ أنه على سبيل الفرض، يعني إن رددت فسأجد خيرًا من ذلك، وهذا كقوله تبارك وتعالى في سورة فصلت: لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٤٩، ٥٠]، هذا مثل هذا، فهم قاسوا أمر الآخرة على أمر الدنيا لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا.
تفسير الآية (37)
00:16:31

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}
[الكهف: ٣٧]، أي: يناقشه في الكلام، أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، ذكّره أصله، والهمزة هنا للإنكار، أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، أما قوله: خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍفلأن آدم أبو البشر خلق من تراب، وأما من نطفة فلأن بني آدم خلقوا من نطفة، يعني فكأنه يقول: إن الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا قادر على أيش؟ على البعث الذي أنت تنكره، ثُمَّ سَوَّاكَيعني: عدلك وصَيّرك رجلًا، وهذا الاستفهام للإنكار بلا شك، ثم هل يمكن أن نجعله للتعجب أيضًا؟ يمكن أن يكون للإنكار والتعجب، يعني كيف تكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا؟ نعم، ويستفاد من هذا أن منكِر البعث كافر، ولا شك في هذا كما قال عز وجل: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: ٧].
تفسير الآية (38)
00:18:05

{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي}
[الكهف: ٣٨]، أصل لَكِنَّالكن أنا، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا، وأدغمت النون الساكنة الأولى في النون الثانية المفتوحة فصارت لَكِنَّا، وهل تقرأ بالألف وصلًا ووقفًا أو بالألف وقفًا فقط؟
فيها قراءتان؛ فمنهم من قال: تقرؤها بالألف {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} وصلًا ووقفًا، ومنهم من قال: إنك إذا وقفت وقلت: لَكِنَّاتقف، إذا وقفت فبالألف، وإن أدرجت فبدون ألف؛ فتقول: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّيفهما قراءتان.
لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، هُوَ اللَّهُ رَبِّيمثل قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١]، وعلى هذا فتكون (هو) ضمير الشأن، يعني: الشأن أن الله تعالى ربي ولا أشرك بربي أحدًا، وهذا كقول ابن آدم لأخيه قابيل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، يعني: أنت كفرت ولكني أنا أعتز بإيماني وأؤمن بالله عز وجل.
تفسير الآية (39)
00:19:36

{وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ}
[الكهف: ٣٩] يعني: هلّا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ، أي: حين دخولك إياها، قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، حتى تجعل الأمر مفوضًا إلى من؟ إلى الله عز وجل، وقوله: مَا شَاءَ اللَّهُفيها وجهان:
الوجه الأول: أن مَااسم موصول خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ما شاء الله.
والثاني: أن مَاشرطية، وشَاءَ اللَّهُفعل الشرط، وجوابه محذوف، والتقدير ما شاء الله كان.
لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِيعني تفويض القوة إلى الله عز وجل، فهو الذي له القوة المطلقة، القوة جميعا، يعني: وهذه الجنة ما صارت بقوتك أنت ولا بمشيئتك أنت، ولكنها بمشيئة الله وقوته، وينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء من ماله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، حتى يُفوّض الأمر إلى الله عز وجل لا إلى حوله وقوته، وقد جاء في الأثر: أن من قال ذلك في شيء يعجبه من ماله فإنه لن يرى فيه مكروهًا.
قال الله عز وجل: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي [الكهف: ٣٩، ٤٠]، إِنْهذه شرطية، وفعل الشرط (تَرَ)، والنون للوقاية، والياء محذوفة للتخفيف، والأصل: إن ترني، أَنَاضمير فصل لا محل له من الإعراب.
أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِيعني: أنت إن احتقرتني بكوني أقل منك مالا وأقل منك ولدا، ولست مثلك في عزة النفر.
تفسير الآية (40)
00:21:52

{فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ}
إلى آخره، جملة فَعَسَى رَبِّيهي جواب الشرط، وقوله: فَعَسَى رَبِّيهل هي للترجي أو للتوقع؟ فيها احتمالان:
الاحتمال الأول: أنها للترجي، وأن هذا دعا أن يؤتيه الله خيرًا من جنته، وأن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؛ لأنه احتقره واستذله، فدعا عليه بمثل ما فعل به من الظلم، ولا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بمثل ما ظلمه.
الوجه الثاني: أنه دعا عليه من أجل أن يعرف -هذا المفتخر- يعرف ربه عز وجل، ويدع الإعجاب بالمال، وهذا من مصلحته، فكأنه دعا أن يؤتيه الله ما يستأثر به عليه خيرًا من جنته، وأن يُتلف هذه الجنة حتى يعرف هذا الذي افتخر بجنته وعزة نفره، أن الأمر أمر الله عز وجل، فكأنه دعا عليه بما يضره لمصلحةٍ هي أيش؟ هي أعظم، كون الإنسان يعرف نفسه ويرجع إلى ربه خير له من أن يفخر بماله ويعتز به، هذا إذا جعلنا عسى للترجي.
ويحتمل أن تكون عسى للتوقع لا للترجي، المعنى إن كنت ترى هذا فإنه يُتوقع أن الله تعالى يُزيل عني ما عبتني به، ويُزيل عنك ما تفتخر به، وأيًّا كان فالأمر وقع، إما استجابة لدعائه وإما تحقيقًا لتوقعه.
إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا، على أيش؟ على جنته حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، والمراد بالحسبان هنا ما يدمرها من صواعق، أو عذاب آخر.
وقوله: مِنَ السَّمَاءِخص السماء؛ لأن ما جاء من الأرض قد يدافع؛ لأن لو نفرض أنه جاءت أمطار وسيول جارفة يمكن أن تُدافع، نيران محرقة تسعى وتُحرق أمامها يمكن أن تُدافع، لكن من السماء صعب.
فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، تُصْبِحَ صَعِيدًايعني: لا نبات فيها، زَلَقًايعني: قد غمرتها المياه حتى صارت زلقًا.
تفسير الآية (41)
00:25:08

{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا}
[الكهف: ٤١]، عكس الزلق، بمعنى ألا يوجد فيها ماء، فدعا دعوة يكون فيها زوال هذه الجنة إما بماء يغرقها حتى تصبح أيش؟
طالب: هشيمًا (...).
الشيخ: لا، صَعِيدًا زَلَقًا، وإما بغور لا سقيا معه؛ لقوله: أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وكلا الأمرين تدمير وتخريب، الفيضانات تدمر المحصول، وغور الماء حتى لا نستطيع أن نطلبه لبعده في قاع الأرض أيضًا يدمر المحصول.
أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ، غَوْرًابمعنى غائر، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، فماذا كان بعد هذا التوقع أو بعد هذا الدعاء؟
تفسير الآية (42)
00:26:22

قال الله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: ٤٢] أحيط بثمر من؟ صاحب الجنتين، فهلكت الجنتان فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُإلى آخره، أصبح يُقلب كفيه من الندم، تعرفون الإنسان إذا ندم يُقلب كفيه: ويش اللي حصل؟ ويش اللي كان؟ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا، وهذا يدل على أنه أنفق فيها شيئًا كثيرًا، وَهِيَ خَاوِيَةٌنعوذ بالله عَلَى عُرُوشِهَا، خاوية: يعني هامدة، عَلَى عُرُوشِهَاجمع عرش، أو عريش، وهو ما يوضع لتتمدد عليه أغصان الأعناب وغيرها، وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا.
لكن بعد أن فات الأوان يتندم: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، ولكن الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينفع من سمع القصة، من سمع القصة فسوف ينتفع، أما من وقعت عليه فلا ينفعه؛ لأنه قد فات الأوان.
تفسير الآية (43)
00:27:54

قال الله عز وجل: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا [الكهف: ٤٣]، الله أكبر، الذي كان يفتخر به يقول: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، لم تنفعه، لم تمنعه من عقوبة الله عز وجل، ولم ينتصر هو بنفسه، ففاته ما كان يفتخر به؛ لأنه -والعياذ بالله- كفر وحاور المؤمن وعوقب بهذه العقوبة.
تفسير الآية (44)
00:28:31

قال الله تعالى: هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ٤٤]، هُنَالِكَ الْوَلَايَةُفيها قراءتان: {الوِلَايَةُ} والْوَلَايَةُ، فـالْوَلَايَةُبمعنى النصرة، كما قال تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢]، والوِلاية بمعنى الملك والسلطة، فيوم القيامة لا نصرة ولا ملك إلا لمن؟ لله الحق سبحانه وتعالى، وإذا كان ليس هناك انتصار ولا سلطان إلا لله فإن جميع من دونه لا يفيد صاحبه شيئًا.
هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًاهُوَالضمير يعود على الله، خَيْرٌ ثَوَابًامن غيره، إذا أثاب على العمل فهو خَيْرٌ ثَوَابًا؛ لأن غير الله إن أثاب يثيب على العمل بمثله، وإن زاد يزيد شيئًا يسيرًا، أما الله عز وجل فإنه يثيب العمل بعشرة أمثاله إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كذلك هو خَيْرٌ عُقْبًاجل وعلا؛ لأن من كان عاقبته نصر الله عز وجل وتولِّيه فلا شك أن هذا خير من كل ما سواه، جميع العواقب التي تكون للإنسان على يد البشر تزول، لكن العاقبة التي عند الله عز وجل لا تزول.
انتهى ضرب المثل عند هذا، وفيه عبر كثيرة، فوائد، لكن من شرطنا في هذا الدرس ألا نذكرها.
تفسير الآية (45)
00:30:40

يقول وَاضْرِبْ لَهُمْ [الكهف: ٤٥]، مثل آخر، وَاضْرِبْ لَهُمْيعني اجعل لهم مثلًا، مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، وهو المطر، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ، اختلط به يعني: أن الرياض صارت مختلطة بأنواع النبات المتنوع في أزهاره وأوراقه وأشجاره، كما تشاهدون في وقت الربيع، كيف تكون الأرض، سبحان الله، كأنها وشي من أحسن الوشيات، اخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِمن كل نوع، ومن كل جنس.
فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، (أصبح) يعني هذا النبات المختلط المتنوع أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ؛ هامد، تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ: تحمله، هذا مَثل الحياة الدنيا، الآن الدنيا تزدهر للإنسان، وتزهو له، وإذا بها تخمد، بأي شيء؟ بموته أو فقد الدنيا، لا بد من هذا، إما أن يموت الإنسان وإما أن يفقد الدنيا.
هذا مَثل مطابق تمامًا، وهذا النوع من الأمثال ضربه الله تعالى في عدة سور من القرآن الكريم حتى لا نغتر بالدنيا ولا نتمسك بها، والعجب أننا مغترون بها، متمسكون بها مع أن أكدارها وهمومها وغمومها أكثر بكثير من صفوها وراحتها، والشاعر الذي قال:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَر

لا يريد فيما يظهر لنا المعادلة، لكن المعنى أنه ما من سرور إلا ومعه إساءة، وما من إساءة إلا معها سرور، لكن صفوها أقل بكثير من أكدارها، حتى المُنَعّمون بها ليسوا مطمئنين إليها، كما قال الشاعر الآخر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــــــــــــــــــــــوْتِ وَالْهَرَمِ

فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا، كان الله تعالى على كل شيء مقتدرًا، ما وُجد قادر على إعدامه وما عُدم قادر أيش؟
طالب: على إيجاده.
الشيخ: على إيجاده، وليس بين الإيجاد والعدم إلا كلمة كن، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
تفسير الآية (46)
00:34:10

ثم قال عز وجل مقارنا لما يبقى وما لا يبقى، قال: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: ٤٦]، المال من أي نوع، سواء كان من العروض أو النقود أو الآدميين أو البهائم، وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاولا تنفع الإنسان في الآخرة إلا ما قدم منها.
وذكر البنين دون البنات؛ لأنه جرت العادة أنهم لا يفتخرون إلا بأيش؟ إلا بالبنين، والبنات في الجاهلية مَهينات قد أهن بأعظم المهونة، كما قال الله عز وجل: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [النحل: ٥٨]، أي: صار وجهه مسودًا وقلبه ممتلئًا غيظًا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل: ٥٨، ٥٩]، يعني يختفي منهم، مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل: ٥٩]، ثم يقدر في نفسه أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل: ٥٩]، بقي قسم ثالث: أن يمسكه على عز، وهذا عندهم غير ممكن، ليس به إلا أحد أمرين: إما أن يمسكه على هون وذل، أو يدسه في التراب يئده؛ قال الله عز وجل: أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٩].
زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاالإنسان يتجمل بها، يتجمل عنده أولاد، قدر نفسك أنك صاحب قِرَى، يعني أنك مضياف، وعندك شباب خمسة، عشرة، يستقبلون الضيوف، تجد أن هذا في غاية ما يكون من السرور والراحة، هذه زينة، أليس كذلك؟ كذلك قَدِّر نفسك أنك تسير على فرس، وحولك هؤلاء الشباب يحوطونك من اليمين والشمال، ومن الخلف والأمام، ستجد شيئًا عظيمًا من الزينة، ولكن هناك شيء خير من ذلك، قال: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا.
الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُهي الأعمال الصالحة من أقوال وأفعال، ومنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنها الصدقات، وغير ذلك، هذه هي الباقيات الصالحات.
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا، ولا شك أن الأمر كما قال ربنا عز وجل: خَيْرٌ ثَوَابًا؛ أي: أجرًا ومثوبة، وخير أملًاأي: مؤملًا يؤمله الإنسان؛ لأن هذه الباقيات الصالحات كما وصف الله باقيات، أما الدنيا فهي أيش؟
طلبة: فانية.
الشيخ: فانية وزائلة.
تفسير الآية (47)
00:38:06

ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ [الكهف: ٤٧]، اذكر يوم نسير، وعلى هذا فـيَوْمَظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر يوم نسير الجبال.
وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْإلى آخره، يعني: اذكر لهم للناس هذه الحال، وهذا المشهد العظيم يوم نسير الجبال، وقد بَيّن الله عز وجل في آية أخرى أنه يسيرها فتكون سرابًا، وتكون كالعهن المنفوش، وذلك أن الله تعالى يدك الأرض، وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا ثم تتطاير في الجو، هذا معنى تسييرها.
ومن ذلك، من الآيات الدالة على هذا قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨]، بعض الناس قال: إن هذه الآية في النمل، يعني دوران الأرض، وأنك ترى الجبال تظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط، وقول على الله تعالى بلا علم؛ لأن سياق الآية متى؟ يوم القيامة، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا [النمل: ٨٧ - ٨٩]، والآية واضحة أنها يوم القيامة.
وأما زعم هذا الرجل القائل بذلك بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق، وهنا يقول: تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَافلا حسبان في الآخرة فهذا غلط أيضًا؛ لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به، ثم إن الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت} {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى [الحج: ١، ٢]، فإذا قلنا: إن زلزلة الساعة هي قيامها فأثبت الله أن الناس يراهم الرائي ويظنهم سكارى وما هم بسكارى.
على كل حال هذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها، الواجب علينا أن نجري الآيات على ظاهرها، وأن نعرف السياق بأنه يُعَين المعنى، فكم من جملة في سياق جمل أخرى لو كانت في غير هذا السياق لكان لها معنى، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب للسياق، وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةًظاهرة، الأرض؛ لأنها تكون قاعًا واحدًا، وهي الآن ما هي بارزة؛ لأنها مكورة أكثرها الآن غير بارز لنا أليس كذلك؟
ثم إن البارز لنا أيضًا كثير منه مختفٍ في الجبال لا نراه، لكن يوم القيامة لا جبال ولا كروية، تُمَد الأرض مد الأديم كما قال الله عز وجل: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ١ - ٣]، إِذَا الأَرْضُ مُدَّتْمعناها الآن غير ممدودة، الآن هي مكورة لكن يوم القيامة تُمَد، سبحان الله العظيم.
وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْيعني: جمعناهم؛ أي: الناس جميعًا، بل إن الوحوش تُحشر كما قال عز وجل: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥]، بل غير الوحوش أيضًا كما قال تعالى في سورة الأنعام: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، لما ذكر الدواب كلها، قال: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ، أتلو الآية كلها أحسن: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَكل شيء يحشر، ولهذا يقول عز وجل هنا: وَحَشَرْنَاهُمْيعني الناس جميعًا، وفي الآيات الأخرى أنه تحشر الوحوش، وأنها تحشر جميع الدواب.
وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، الله أكبر، نُغَادِرْيعني نترك، مِنْهُمْ أَحَدًاكل الناس يُحْشرون، إن مات في البر حُشر، في البحر حُشر، في أي مكان، لا بد أن يُحشر يوم القيامة ويجمع.
تفسير الآية (48)
00:43:56

{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا}
[الكهف: ٤٨] عُرِضُوامن العارض؟
طالب: الله.
الشيخ: الله عز وجل، ويحتمل أن الملائكة تأتي بعلم الله وتعرضهم عليه، عَلَى رَبِّكَوهو الله سبحانه وتعالى.
صَفًّايعني: حال كونهم صفا، بمعنى صفوفا، فيحاسبهم جل وعلا، أما المؤمن فإنه يخلو به سبحانه وتعالى وحده ويقرره بذنوبه، ويقول له: عملت كذا وعملت كذا، فيُقِر، فيقول له أكرم الأكرمين: إني قد سترتها عليك بالدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ، اللهم لك الحمد، يغفرها الله عز وجل يوم القيامة فلا يؤاخذه عليها، وفي الدنيا يسترها، وهذا هو الواقع، الآن كم من ذنوب عندك في الخفاء؟ كثيرة، سواء كانت عملية في الجوارح الظاهرة أو عملية من عمل القلوب، تُستر، سوء الظن موجود، الحسد موجود، إرادة السوء بالمسلم -ما هو بكل المسلمين- موجود، وهو مستور عليك، أعمال أخرى من أعمال الجوارح موجودة، ولكن الله تعالى يسترها على العبد، إننا نؤمل إن شاء الله أن الذي سترها علينا في الدنيا أن يغفرها لنا في الآخرة، يغفرها الله عز وجل يقول: أغفرها لك اليوم.
ثم قال: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، الله أكبر، الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، وقد، والقسم المقدر، يعني: والله لقد جئتمونا.
كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍليس معكم مال، ولا ثياب، ولا غير ذلك، بل ربما نقول: كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، بل ما فُقِد منكم يرد إليكم، كما جاء في الحديث الصحيح أنهم «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ، جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يُختن، يعني سبحان الله، قلفة الذكر التي أخذت في الدنيا ختانًا ترجع يوم القيامة.
كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، شوف، يعرضون على الله صفًّا، ويقال: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ويقال: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، هذا إضراب انتقال، فهم يوبخون، لَقَدْ جِئْتُمُونَافلا مفر لكم، كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍفلا مال عندكم ولا أهل، بَلْ زَعَمْتُمْفي الدنيا أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا، وهذا الزعم تبين بطلانه أو صحته؟ تبين بطلانه فهو باطل.
تفسير الآية (49)
00:47:43

ثم قال عز وجل: وَوُضِعَ الْكِتَابُ [الكهف: ٤٩]، وُضِعَيعني وُزِّع بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ: تراهم أيها الإنسان، المجرمين: أي الكافرين، مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِأي خائفين؛ لأنهم يعلمون عملهم، وهذا يشبه قول الله تعالى عن اليهود الذين قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، فتُحُدُّوا، قيل لهم: إن كانت لكم الآخرة فتمنوا الموت، قال الله عز وجل: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا{ ليش؟بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [الجمعة: ٧]؛ لأنهم يعرفون أنهم إذا ماتوا عذبوا، ومن كان يعلم أنه إذا مات عُذّب فلا يتمنى الموت أبدا، فهؤلاء مشفقون مما في كتابهم؛ لأنهم يعلمون أنه محتوٍ على الفضائح والسيئات العظيمة.
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَإذا عاينوه يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا،يَا وَيْلَتَنَا: يَاحرف نداء، وَيْلَتَنَاكيف تنادى الويلة؟ والويلة هي الهلاك، كيف ينادى؟
الجواب: إما أن نجعل يَاللتنبيه فقط؛ لأن النداء يتضمن الدعاء والتنبيه، وإما أن نقول: جعلوا ويلتهم كأنها عاقل تنادى، ويكون التقدير: يا ويلتنا احضري، لكن المعنى الأول أقرب؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، ولأنه أبلغ.

***

قال الله تبارك وتعالى في قصة الرجلين اللذين تحاورا: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، الجملة في قوله: وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ؟
طالب: حالية.
الشيخ: حالية، لماذا هو ظالم؟
الطالب: لكونه ليس شاكرًا لنعم الله عز وجل ومنكرًا للبعث، بالآيات التي تأتي من بعدها تفسر أنه كان منكرًا للبعث و..
الشيخ: إذن ظَالِمٌ لِنَفْسِهِبالكفر بالله عز وجل.
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا قال: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا؟ ما الذي حمله؟
طالب: (...).
الشيخ: لا لا، مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا.
طالب: ما رأى فيها من القوة (...).
الشيخ: أي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: المنظر يعني الإعجاب، خلاصة ذلك أنه أعجب بها حتى قال: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، طيب، بماذا كفر هل بقوله: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، أو بقوله: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً؟
طالب: بقوله: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.
الشيخ: بقوله: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً.
كيف نجمع بين قوله: مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةًوقوله: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا؟
طالب: بقياس منه، قياس فاسد، وظن أن لو صار البعث يظن أنه كما الله أعطاه في الدنيا من نعم سيعطيه في الآخرة، وهذا قياس فاسد.
الشيخ: إي، يعني على فرض أن أرد فسأجد خيرًا منها منقلبا.
هل وردت آية مثلها في المعنى لكنها عامة؟
الطالب: قوله تعالى وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٥٠].
الشيخ: ويش اللي قبلها؟
الطالب: وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا [الشورى: ٤٨].
الشيخ: نعم، في آخر فصلت.
الطالب: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٤٩، ٥٠].
الشيخ: بارك الله فيك، أخوه الذي كان يحاوره قال له: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَويش المناسبة؟
طالب: لأنه افتخر عليه بأنه أكثر منه مالًا وأعز نفرًا، فيحتمل أنه قال: إن تفخر علي بذلك وأنا أقل منك مالًا وولدًا، فيحتمل أنه دعا عليه بأن يُذهب الله ما افتخر عليه به.
الشيخ: يعني كأنه يقول: أنت الآن استذللتني وزعمت أنك أعز مني نفرًا، فدعا عليه بأن يزيل ما افتخر به عليه، هذا احتمال، واحتمال أن (عسى) تكون؟
طالب: من باب التوقع.
الشيخ: من باب التوقع.
الطالب: بأن ينزل الله سبحانه وتعالى عليه ما يستحقه.
الشيخ: نعم، تمام؛ لأنه ربما هذا الأمر الذي تفتخر به عليّ ربما تنقلب الحال، فيؤتي الله هذا الرجل خيرًا من جنة الثاني، ويرسل عليها حسبانًا من السماء.
هل وقع ما توقعه هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: اقرأ ما يدل على ذلك؟
الطالب: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا.
الشيخ: لا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا، تمام.
في قوله الله تبارك وتعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، الْمَالُ وَالْبَنُونَليش ما ذكر البنات؟
الطالب: لأن عادة الإنسان أنهم يتفاخرون بالبنين وليس بالبنات، خاصة في الجاهلية كانوا يفتخرون بالبنين وليس بالبنات.
الشيخ: يفتخرون بالأموال والبنين.
الطالب: وليس بالبنات.
الشيخ: ولا يفتخرون بالبنات، بل بالعكس، اتل علي آية تدل على حالهم بالنسبة للبنات؟
الطالب: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ.
الشيخ: نعم، كمّل؟ ما حفظت القرآن؟ وَهُوَ كَظِيمٌ، هذا اللي بعده؟
طالب: وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٨، ٥٩].
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قول الله تبارك وتعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَأين العامل في يَوْمَ؟ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ؟
طالب: ويوم نسير نحن الجبال.
الشيخ: لا، أين العامل؟
الطالب: قلنا: فيه ظرف.
الشيخ: إي، (يوم) ظرف، كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل؟
طالب: عامل محذوف.
الشيخ: التقدير؟
الطالب: اذكر.
الشيخ: اذكر يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ، وما معنى قوله: تَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً؟
طالب: خاملة.
الشيخ: خاملة؟
الطالب: يعني بارزة ظاهرة.
الشيخ: بارزة، يعني ظاهرة.
الطالب: ليس فيها..
الشيخ: ليس فيها جبال، ولا أودية، وليست كروية حتى يغيب أكثرها عن الرائي، بل تكون مسطحة ممدودة كما جاء في الحديث: «كَمَدِّ الْأَدِيمِ» .
قوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُأي كتاب هو؟
طالب: صحائف الأعمال.
الشيخ: صحائف الأعمال، يعني الذي كتب فيه الأعمال، أحسنت؛ لأن الملائكة الكرام يكتبون كل ما يعمله الإنسان قال الله عز وجل: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٦ - ١٨]. رَقِيبٌحاضر ما يغيب، وأي قول يقوله يُكتب.

***

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، (...) مثال الجنة، ومثال الأرض والعشب يا شيخ، تختلف عن السياق أن بعض الناس يقول: هذا ما هو (...)، إن قيل: للرجلين، تمثيل الرجلين يدل على أنه صحيح، تمثيل الأرض من بعده يدل على أنها مثل (...).
الشيخ: صحيح، والراجح أن قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِأنه حقيقة ما هو تقدير، هذا هو الراجح؛ لأن هذه المحاورة مع صاحبه تدل على أنه حق، شيء واقع.
طالب: شيخ عفا الله عنك، وجه قوله: لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا.
الشيخ: لا، أي نعم، أنت.
طالب: عفا الله عنكم يا شيخ، في قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَقلنا في تفسيرها: واذكر أن ربَّك، فكيف نرد يا شيخ على الذين يحرفون قول الله عز وجل: وَجَاءَ رَبُّكَ؟
الشيخ: نحن لا نرد كل تأويل، نقول: التأويل الذي له دليل نقبله، والتأويل الذي ليس له دليل نرده، فإذا كما يقول: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، فهذا واضح أن المراد جاء هو بنفسه عز وجل، وأما هذا التأويل واذكر أمر ربك، أو إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]، يعني إذا أردت قراءته، وما أشبه ذلك مما عليه الدليل فهذا لا يُنكر؛ لأن ما دل عليه الدليل إذا صرفنا ظاهر اللفظ إليه يكون هذا هو التفسير، أفهمت؟
طالب: تفسير آية القرآن بما يناسب علوم العصر الحديثة؟
الشيخ: إذا صح فلا بأس.
الطالب: وإذا كان فيه رد تفسير الآية؟
الشيخ: أقول: إذا صح، لكن بعض الإخوان الذين يفسرون الآيات بما يناسب العصر يُحمّلونها ما لا تتحمل، لكن إذا صح فلا مانع، مثل: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]، لو قال الإنسان مثلًا: إن هذا الطائرات التي تحمل الناس الآن ورُبنا يأتي غيرها أيضًا، إن هذه دخلت في قوله تعالى: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ، نقول: هذا صحيح.

***

قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، كلمة مَالِ هَذَا الْكِتَابِبين أيديكم الآن، هل هي على القواعد المشهورة في عصرنا؟ مكتوبة على القواعد المشهورة في عصرنا؟ لا؛ لأن (مال) و(هذا) وحدها، وعلى القواعد المعروفة عندنا (ما) وحدها و(لهذا) جميعًا، مَالِ هَذَا الْكِتَابِيعني: أي شيء لهذا الكتاب، لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَايعني أثبتها عددًا، كأنهم يترجلون من هذا، ولكن هذا لا ينفعهم.
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا، وَجَدُوا مَا عَمِلُواهل أعمالهم التي في الدنيا ترجع يوم القيامة؟ لا، بل المراد وَجَدُوا مَا عَمِلُواأي: ثواب ما عملوا، أو وجدوا حقيقة ما عملوا، فلا بد من إضمار؛ لأن أعمالهم في الدنيا فنيت بفنائهم لكن كُتبت، فما عملوه يجدونه في هذا الكتاب حَاضِرًا.
قال الله عز وجل: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًالا يظلم أحدا لأيش؟ لكمال عدله عز وجل لا يظلم أحدًا، فلا يزيد على مسيء سيئة واحدة، ولا ينقص من محسن حسنة واحدة؛ قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه: ١١٢]،
هذه الآية: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًامن الصفات المنفية عن الله، صح؟ فيه صفات مثبتة لله؟ نعم، أكثر الصفات المذكورة لنا هي الصفات المثبتة، الصفات المنفية لا يتم الإيمان بها حتى تؤمن بثبوت كمال ضدها، فما ضد الظلم؟
طلبة: العدل.
الشيخ: العدل، ولماذا انتفى الظلم عنه؟ لكمال عدله، لا بد من هذا، إذ أن النفي المجرد لا يمكن أن يكون في صفات الله، النفي المجرد المحض لا يمكن أن يكون في صفات الله، انتبه لهذه القاعدة: (النفي المجرد -أي الذي لم يتضمن كمالًا- لا يمكن أن يكون في صفات الله عز وجل، بل لا بد من كل نفي نفاه الله عن نفسه أن يكون متضمنًا لكمال ضده)، لا بد، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لأن النفي المحض عدم المحض) النفي عدم، هذه واحدة، (ولأن النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم قابليته)، يعني النفي الموصوف به إذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم القابلية، وإذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون للعكس، انتبهوا لهذه القواعد، إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، كيف ذلك؟ ألسنا نقول: إن الجدار لا يظلم؟ بلى، هل هذا كمال للجدار؟ لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يقبل أن يوصف بالظلم، ولا أن يوصف بالعدل، فليس نفي الظلم عن الجدار من كماله.
وقد يكون نفي العيب إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون نقصًا لعجز الموصوف به عن ضده، لو أنك وصفت شخصًا بأنه لا يظلم؛ لأنه رجل قاصر لا يستطيع أن يظلم غيره، بل لا أن يفك حقه من غيره هل هذا ثناء؟ لا، استمع إلى قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــــدِرُونَ بِــــــــذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

يمدحهم بأيش؟ هل يمدحهم بالوفاء وعدم الظلم أو يذمهم بذلك؟ يذمهم، يعني لا يغدرون بذمة؛ لأنهم ما يقدرون، ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يقدرون.
فالخلاصة يا إخواننا أن كل وصْف وصَف الله به نفسه وهو نَفْي فإنه يجب أن نعتقد ثبوت أيش؟ كمال ضده.
على هذه القاعدة أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف: ٣٣]، فنفى العي، وهو العجز عن خلق السماوات والأرض، لأيش؟ لثبوت كمال ضد العجز، وهو القدرة، إذن نؤمن الآن بأن الله سبحانه وتعالى له قدرة لا يلحقها عجز، وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، أي: من تعب وإعياء، وذلك لكمال قدرته جل وعلا، وهذه قاعدة تفيدك في باب العقيدة: أن كل شيء نفاه الله عن نفسه فإنما ذلك أيش؟ لثبوت كمال ضده، نفي الظلم؛ لأنه عدل، نفي العجز؛ لأنه قادر، نفي الغفلة؛ لأنه رقيب على كل شيء.
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًاقلنا: لكمال عدله، لكن الجهمية قالوا: لا يظلم لعدم تصور الظلم، ما هو لأنه قادر أن يظلم ولكنه لا يظلم، لا، لعدم تصور الظلم، كيف ذلك؟ قالوا: لأن الخلق كله خلق الله، ملك لله، وإذا كان ملكًا لله فإنه لو عذب محسنًا فقد عذب أيش؟ ملكه، ما فيه ظلم، هو يفعل في ملكه ما شاء.
ولكن قولهم هذا باطل؛ لأن الله عز وجل إذا كان قد وعد المحسنين الثواب والمسيئين العقاب، ثم أحسن المحسن وعذبه وأساء المسيء وأثابه، أقل ما يقال فيه: إنه عز وجل -وحاشاه سبحانه وتعالى- أنه أخلف وعده، هذا أقل ما فيه، وهو لا شك أن هذا منافٍ للعدل وللصدق، فنقول لهم: إن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» ، حرمته على نفسي، وهذا يدل على أنه قادر عليه لكن حرمه على نفسه لكمال عدله جل وعلا.
إذن نحن نقول: لا يظلم الله أحدًا لأيش؟ لكمال عدله، لا لأن الظلم ممتنع كما قالت الجهمية، وإلى هذا يقول الشيخ ابن القيم في النونية:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ........................

الظلم ما يمكن يكون لأنه ملكه، فنقول: هذا خطأ، وهذا يستلزم تكذيب الله عز وجل. وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.
تفسير الآية (50)
01:11:31

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الكهف: ٥٠] (إذ) هذه تأتي في القرآن كثيرًا، والمعربون يقولون: إنها أيش؟ إن عاملها محذوف، والتقدير اذكر، إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، المَلائِكَة: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور، وقد أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله خلقهم من نور، وأعلمنا الله تعالى في القرآن أنه خلق الجن من نار، وأنه خلق البشر من طين، فالمخلوقات التي نعلمها الملائكة من نور، والجن من نار، والإنسان من طين، فالملائكة إذن عالم غيبي، يجب أن نؤمن بهم أو لا؟ يجب وأحد أركان الإيمان.
والملائكة على خلاف الشياطين، كما يتبين من الآية، وهم أقدر من الشياطين، وأطهر من الشياطين، ولهم من النفوذ ما ليس للشياطين، الشياطين لا يمكن أن يلجوا إلى السماء، أليس كذلك؟ بل من حاول أتبع بالشهاب المحرق، والملائكة في السماء يصعدون بأرواح بني آدم إلى أن تصل إلى الله عز وجل، وهم أيضًا قد ملئوا السماوات، فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة إيمانًا لا شك فيه، وأنهم عالم غيبي، لكن قد يكونون من العالم المحسوس بقدرة الله عز وجل، كما كان جبريل عليه السلام رآه النبي صلى الله عليه وسلم مرتين له ست مئة جناح، سبحان الله! قد سد الأفق وهو واحد، وهذا دليل على عظمة خِلْقته، وعظمة خِلْقة جبريل دليل على عظمة من؟
الطلبة: الخالق.
الشيخ: الخالق جل وعلا، أحيانًا يأتي جبريل -اللي هذا وصفه وهذه خلقته- على صورة إنسان، أليس كذلك؟ يأتي على صورة إنسان، لكن ليس تقلبه هكذا بقدرته هو، ولكن بقدرة خالقه جل وعلا، لكن الله أعطاهم قدرة على التكيف والتقلب بإرادة الله سبحانه وتعالى، فالملائكة إذن عالم غيبي في الأصل، وقد يكونون من عالم الشهادة لكن لا دائمًا، بل أحيانًا، والله أعلم.

***

يقول: ما رأيكم في تفسير الجلالين وما هو أفضل التفاسير في رأيكم؟
تفسير الجلالين جيد، لكنه لا يصلح إلا لطالب العلم؛ لأنه في الحقيقة تفسيره كأنه رموز، لكنه مملوء علمًا، وأيضًا فيه أشياء تخالف مذهب أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فلا يصح لطالب علم مبتدئ؛ لأنه أرفع مستوى منه، لكن عليك بتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله؛ لأنه سهل ميسر، كل يفهمه حتى العوام يفهمونه، وفيه من الفوائد النوادر التي لا تجدها في غيره.

***

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف دعا أحد الرجلين على صاحبه أن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؟ كيف ساغ له أن يدعو الله عز وجل بأن يرسل على جنة صاحبه حسبانًا من السماء؟
طالب: لأنه ظلمه بالتكبر عليه.
الشيخ: لأنه ظلمه بتكبره عليه، وهل يجوز للإنسان أن يدعو على ظالمه؟
الطالب: يؤخذ من هذا أنه يجوز.
الشيخ: سؤال.
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز أن يدعو على ظالمه بمثل ظلمه إياه، هل أجيبت الدعوة؟
الطالب: نعم أجيبت (...).
الشيخ: ماذا صارت نهاية جنته؟
الطالب: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًاهذا اللي حصل (...).
الشيخ: (...) ويش اللي حصل؟ هذا كل دعاء.
الطالب: صار الماء غورًا لا يستطيع أن (...).
الشيخ: أليس الله قال: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ؟ هذا محل الشاهد أُحِيطَ بِثَمَرِهِ.
هل أظهر هذا الندم على ما حصل؟
طالب: أظهر الندم.
الشيخ: أظهر الندم، كيف؟
الطالب: يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا.
الشيخ: يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَاينظر إليها نظرة حسرة وتحزن.
يقول الله عز وجل مبينًا حال الدنيا كيف؟
طالب: قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ.
الشيخ: صورة المسألة؟
الطالب: صورة اختلاط النبات.
الشيخ: إن الله..
الطالب: إن الله سبحانه وتعالى أنزل (...) فنبت في الأرض فأصبحت كالربيع فاختلط النبات بعضه ببعض وازدهرت، ثم بعد ذلك أصبح هشيمًا هامدًا، وهكذا الحياة الدنيا، فإنها تزدهر لصاحبها ولكنه إما أن يتركها بالموت، وإما تنفرد وترحل.
الشيخ: الحياة الدنيا هكذا تكون، إما أن يفارقها صاحبها وإما أن تفارقه، ولا بد.
قوله: كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًاهل هي بمعنى: قديرًا أو أبلغ؟
طالب: بمعنى: قديرًا.
الشيخ: نعم بمعنى: قديرًا، إذن لماذا لم يقل: وكان الله على كل شيء قديرًا كما جاء في آية أخرى؟
الطالب: لأنها أعم (...).
طالب آخر: مقتدرًا أبلغ.
الشيخ: مقتدرًا أبلغ.
الطالب: لأنه يدل على (...) المعلوم.
الشيخ: حتى القدرة، لكن لأن صيغة البناء تدل على المبالغة فيها، وأنه أبلغ من وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧].
ذكر الله عز وجل: الْمَالُ وَالْبَنُونَلماذا لم يذكر البنات؟
طالب: ذكر البنون؛ لأنه جرت عادة العرب بأنهم يفتخرون بالبنين دون البنات.
الشيخ: نعم، لماذا لم يذكر القصور والمراكب؟
الطالب: لأنها داخلة في ضمن المال.
الشيخ: داخلة في المال، جيد.
ما هو القول الجامع في معنى الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ؟
الطالب: الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، ورد حديث يا شيخ..
الشيخ: المعنى الجامع، لا.
الطالب: هي كل ما يبقى من ذكر الله من التسبيح والتكبير والصدقة.
الشيخ: يعني كل الأعمال الصالحة، يدخل في ذلك التسبيح والتكبير والتهليل، والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم وغير ذلك، كلها داخلة في هذا.

***

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ،إِذْمفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ قلنا للملائكة، يعني اذكر هذا للأمة حتى تعتبر به، ويتبين به فضيلة بني آدم عند الله عز وجل.
إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِالملائكة: جمع ملك، بعد التصريف المعروف عند أهل الصرف، وهم -كما فسرنا بالأمس- عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور.
اسْجُدُوا لِآدَمَقال بعضهم سجود تحية وليس سجودًا على الجبهة، ولكنّ في هذا القول نظرًا؛ لأنهم إنما فروا من كونه سجودًا على الجبهة أن السجود لا يصح إلا لله عز وجل، وأنه شرك، إذا وقع لغير الله، ولكن الذي يجب علينا أن نأخذ الكلام على ظاهره، ونقول: الأصل أنه سجود على الجبهة، وإذا كان امتثالًا لأمر الله لم يكن شركًا، كما أن قتل النفس بغير حق من كبائر الذنوب وإذا وقع امتثالًا لأمر الله كان طاعة من الطاعات.
إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يذبح ابنه، هو بنفسه باشر الذبح، ولا يخفى ما في هذا من العدوان، ولا يخفى ما في هذا من قطيعة الرحم، لكن لما كان هذا امتثالًا لأمر الله عز وجل صار طاعة.
إذن السجود لآدم لولا أمر الله لكان شركًا، لكن إذا أمر الله به فالأمر كله لله عز وجل، فالصواب أن الآية على ظاهرها، وأن المراد السجود على الجبهة، لكن لما كان بأمر الله كان طاعة لله، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله عز وجل من طين، وخلقه بيده، قال أهل العلم: لم يذكر الله شيئًا بيده إلا آدم وجنة عدن، فإنه خلقها بيده، وكتب التوراة بيده جل وعلا.
فهذه ثلاثة أشياء كلها كانت بيد الله، غير آدم يخلق بالكلمة؛ كن فيكون، آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله تعالى بيده، وآدم نبي وليس برسول؛ لأن أول رسول أرسل إلى البشرية هو نوح، أرسله الله عز وجل لما اختلف الناس، كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة: ٢١٣]، أي المعنى كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أول رسول نوح عليه الصلاة والسلام وليس آدم، آدم نبي مُكَلَّم، فإذا قال قائل: كيف يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؟ نقول: نعم، يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؛ لأنه لم يكن هناك داع إلى الرسالة، الناس كانوا على ملة واحدة، والبشر لم ينتشروا بعد كثيرًا، ولم يفتتنوا بالدنيا كثيرًا، نفر قليل، فكانوا يَستنُّون بأبيهم ويعملون عمله، ولما انتشرت الأمة وكثرت واختلفوا أرسل الله الرسل.
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُواامتثالًا لأمر الله إِلَّا إِبْلِيسَلم يسجد، وإبليس هو الشيطان، ولم يسجد، بَيَّن الله ذلك بقوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وجملة كَانَ مِنَ الْجِنِّاستئنافية؛ لبيان حال إبليس أنه كان من الجن، أي من هذا الصنف، وإلا فهو أبوهم، لكنه من هذا الصنف.
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِأي خرج عن طاعة الله تعالى في أمره، وأصل الفسوق الخروج، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا انفرجت وانفتحت، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِإلى آخره، إذا قال قائل: ظاهر القرآن أن إبليس كان من الملائكة، فالجواب: لا، ليس ظاهر القرآن؛ لأنه قال: إِلَّا إِبْلِيسَ، ثم ذكر أنه كان من الجن، نعم القرآن يدل على أن الأمر توجه إلى إبليس كما هو قد توجه إلى الملائكة، ولكن لماذا؟ قال العلماء: إنه كان -أي إبليس- يأتي إلى الملائكة ويجتمع إليهم، فوُجِّه الخطاب إلى هذا المجتمع من الملائكة الذين خلقوا من نور، وإلى الشيطان الذي خلق من النار، رجع الملائكة إلى أصلهم، والشيطان إلى أصله، وهو الاستكبار والإباء والمجادلة بالباطل؛ لأنه أبى واستكبر وجادل، ماذا قال لله؟ قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢]، كيف تأمرني أن أسجد لواحد أنا خير منه، ثم علل بعلة هي عليه قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]، والمخلوق من الطين أحسن من المخلوق من النار؛ لأن المخلوق من النار؛ النار محرقة، ملتهبة، فيها علامة الطيش تجد اللُّهب فيها تروح يمين وشمال، ما لها قاعدة مستقرة، المهم ابن القيم رحمه الله في كتاب إغاثة اللهفان ذكر فروقا كثيرة بين الطين وبين النار، فهو ليس خيرًا من آدم لكونه خلق من النار، ثم على فرض أنه خلق من نار وكان خيرًا من آدم أليس الأجدر به أن يمتثل أمر خالقه؟ بلى، لكنه لم يفعل واستكبر، قال الله عز وجل لَمَّا بين حال هذا الشيطان؛ قال الله عز وجل: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا.
أَفَتَتَّخِذُونَالخطاب يعود لمن اتخذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، فعبدوا الشيطان وتركوا عبادة الرحمن قال الله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦٠، ٦١]، فيقول هنا: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ.
قوله: وَذُرِّيَّتَهُأي: من وُلدوا منه، سئل بعض السلف، سأله أناس من المتعمقين، وقالوا: هل للشيطان زوجة؟ قال: إني لم أحضر العقد، جواب صحيح ولّا لا؟ قال: إني لم أحضر العقد، السؤال: هل له زوجة؟ ما له داعي، نحن نؤمن بأن له ذرية، أما من زوجة أو من غير زوجة ما ندري، أليس الله تعالى خلق حواء مِن مَنْ؟
الطلبة: من آدم.
الشيخ: من آدم، فيجوز أن الله عز وجل خلق ذريته منه، كما خلق حواء من آدم، وهذه المسائل -مسائل الغيب- لا ينبغي للإنسان أن يورِد عليها شيئًا يَرِد على مسائل الشاهد؛ لأن هذه أمور فوق مستوانا، نحن نؤمن بأن له ذرية، ولكن هل يلزمنا أن نؤمن بأن له زوجة؟
طلبة: لا يلزمنا.
الشيخ: لا يلزمنا، نعم، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِيأي: تتولونهم وتأخذون بأمرهم من دون الله عز وجل.
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّهذا محط الإنكار، يعني كيف تتخذ هؤلاء أولياء وهم أعداء؟ وهذا من السفه، ونقص العقل، ونقص التصرف أن يتخذ الإنسان عدوه وليًّا، قال الله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًاأي بئس هذا البدل بدلًا لهم، وما هو البدل الخير؟ أن يتخذوا الله وليًّا لا الشيطان.
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، وقوله: لِلظَّالِمِينَهنا يمكن أن نقول: إنها بمعنى الكافرين؛ لأنهم هم الذين اتخذوا الشيطان وذريته أولياء على وجه الإطلاق، ويمكن أن نقول: (الظالمين) تعم الكافرين ومن كان ظلمهم دون الكفر.
تفسير الآية (51)
01:31:06

ثم قال الله عز وجل: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف: ٥١]، يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتخذوا أولياء؛ لأنه ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقة قبل الشياطين، وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْيعني بعضهم من بعض، يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض.