فالداعي إلى الكفر يُقْتَل؛ خوفًا من أن ينشر كفرَه في الناس.
قال تعالى:
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢] غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما.
وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَاتحت أيش؟ الجدار، كَنْزٌأي: مال مدفون كَنْزٌ لَهُمَا.
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَأراد الله
عز وجل أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَاأي: يبلغا
ويَكْبُرا حتى يصلا إلى سن الأَشُدِّ وهو أربعون سنة عند الكثير من
العلماء.
وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَالأنه سيبقى
تحت الجدار، ولو أن الجدار انهدم وانقض لبرز الكنز وأخذه الناس.
قال: وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًافكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة
الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَاوهنا ما قال:
فأردنا، ولا قال: فأردت، قال: (أَرَادَ رَبُّكَ)؛ لأن بقاء الغلامين حتى يبلغا
الأَشُدَّ ليس للخضر ولا لموسى فيه أي شيء، لكن الخشية خشية أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًاتكون من موسى ومن
الخضر، وإرادة عيب السفينة تكون من الخضر، وفعلًا عابها، لكن مسألة نشأة الغلامين
على طاعة الله عز وجل حتى يكبرا ويستخرجا كنزهما ليس لموسى ولا للخضر فيها
آية.
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَامنين؟ من تحت الجدار.
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَهذه مفعول لأجله العامل فيه (أراد)،
يعني: أراد الله ذلك رحمة منه جل وعلا.
وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِييعني: ما فعلت هذا الشيء عن ذكاء مني أو عقل مني، ولكنه
بإلهام من الله عز وجل وتوفيق؛ لأن هذا الشيء فوق ما يدركه العقل البشري.
ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(تأويله) يعني: تفسيره؛ لأنه في الأول قال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِثم ختم ذلك بقوله: ذَلِكَ تَأْوِيلُأي: تفسير، ويحتمل أن يكون المراد بالتأويل هنا في الثانية
العاقبة، يعني: ذلك عاقبة ما لم تستطع عليه صبرًا؛ لأن التأويل يراد به العاقبة
ويراد به التفسير.
وقوله: مَا لَمْ تَسْطِعْوفي
الأول قال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًاالإتيان باللغتين يعني: أن استطاع واسطاع، ويستطيع
ويسطيع، كل منها لغة صحيحة عربية.
ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًافي هذه القصة من العبر شيءٌ كثير لو أردت أن
يقوم كل واحد بذكر فوائد من تصويرها أو مشهدها، هل لكم طاقة بذلك؟ يعني مثلًا؛ واحد
يأخذ القصة من حين خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى أن آوى إلى الصخرة وفارقها، ثم
من ركوبه مع الخضر السفينة وما جرى من الخضر على السفينة، وبيان السبب في ذلك ثم
الغلام، ثم الجدار، يعني: أربعة، كل واحد يأخذ موضوعًا.
ثم قال الله عز وجل:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣]..
الطالب: (...).
الشيخ: هذه خليها للباحث.
الطالب:
(...).
الشيخ: (...) هذه للباحث.
الطالب: (...).
الشيخ: كل القصة ولا
بعضها؟
الطالب: لأن موسى يا شيخ في بعض القصة؛ لأن موسى
أعلم من الخضر وأفضل من الخضر، فهو كليم الله سبحانه وتعالى ومن أولي العزم الخمسة،
لكن معنى القصة هنا امتحان لموسى بما سبق من كلامه، والخضر أطلعه الله على شيء على
قتل الغلام، وخرق السفينة بمنزلة الغيب، لا (...) خرق السفينة، قتل الغلام والجدار،
يعني: أقرب ما يكون لمسألة الغيب، والغيب ما يعلمه إلا الله سبحانه
وتعالى.
الشيخ: إي، هذا أطلعه الله عليه، والله عز وجل
قد يطلع بعض الأولياء على الغيب.
الطالب: لكن موسى يا
شيخ أفضل منه.
الشيخ: ولو كان أفضل منه قد يغيب عن موسى
شيء، ويتضح لغيره مثل الآن يوجد مثلًا فضائل في الصحابة، لبعض الصحابة فضل لم يحصل
لأبي بكر ولا لعمر.
الطالب: (...) في قول الله عز وجل:
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةًألا يمكن لقائل أن يقول: إن الرحمة هنا رحمة النبوة كما في قول نوح عليه السلام:
وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود: ٢٨] ، وقول
صالح عليه السلام: وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً [هود: ٦٣]؟
الشيخ: (...) هذا لا يدل على أنه نبي، بل هو رجل
صالح، حتى كل صالح فإن الله تعالى قد رحمه؛ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٩]، كل عبد صالح فهو
مرحوم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هو أقرب ما يكون لو قلنا به وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(...) الرحمة لكل أحد،
نعم.
الطالب: ما وجه إنكار الخضر على موسى في قوله:
قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًاما
(...) هذا عرض عليه، ما فيه لا إنكار ولم يقل: (...)؟
الشيخ: لا، هذا يتضمن الإنكار، يعني: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًاهو عرض لطيف، لكن وراءه
انتقاد.
الطالب: في قوله تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًااستدل البعض على إثبات
العلم اللدني، وما ضابط ذلك؟
الشيخ: لا، نقول: كل شيء
لا يمكن للإنسان أن يتوصل إليه بنفسه، فهو من لدن الله عز وجل، وأما ما قاله
الصوفية: العلم اللدني وأنه يقول: إنه حضر مع الله في الليلة الماضية وسهر مع الله
وأعطاني علمًا وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافاتهم، أليس هكذا؟
الطالب: يقولون هكذا.
الشيخ: نعم،
يقولون هكذا.
الطالب: شيخ، بالنسبة للخضر والقول عنه
إنه عائش (...)؟
الشيخ: لا، الخضر لا شك أنه مات في
وقته، ولهذا لم يجر له ذكر لا مع عيسى ولا مع غيره من الأنبياء، ولا مع محمد عليه
الصلاة والسلام؛ لأنه لو كان حيًّا حياة الآدميين لوجب عليه أن يؤمن بمحمد عليه
الصلاة والسلام، وأن يأتي إليه، ويشاركه في جهاده، وأيضًا فقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم في آخر حياته: إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ
لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ
أَحَدٌ لا،
هو مات في وقته.
***
قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣] يَسْأَلُونَكَالواو فاعل للناس سواء من اليهود أو من قريش أو من غيرهم.
عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِأي: صاحب ذي القرنين، وكان له ذكر في التاريخ، وقد قال اليهود لقريش: اسألوه عن هذا الرجل؛ إن أخبركم عنه فهو نبيٌّ.
قال الله تعالى: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا؛ يعني: قل لمن سألك: سَأَتْلُوسأقرأ عليك مِنْهُ ذِكْرًاوليس كلَّ ذكره، بل ذكرًا منه، ما هو كل أحواله، ثم قص الله القصة.
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ} مَكَّنَّا لَهُأي: ثبَّتْنا له في الأرض؛ وذلك بثبوت ملكه وسهولة سيره وقوته.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًاأي: شيئًا يتوصل به إلى مقصوده.
وقوله: مِنْ كُلِّ شَيْءٍلا يعمُّ كل شيء، لكن المراد من كل شيء يحتاج إليه، والدليل على هذا أن كل شيء بحسب ما تضاف إليه؛ فأنتم ترون أن الهدهد قال لسليمان عليه الصلاة والسلام عن ملكة سبأ قال: إنها أيش؟ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣]، ومعلوم أنها ما أوتيت السماوات ولا الأرض لكن من كل شيء يكون به تمام الملك، كذلك قال الله تعالى عن ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف: ٢٥]، ومعلوم أنها ما دمرت كل شيء، المساكن ما دمرت كما قال عز وجل: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥].
إذن هنا آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًاأي: من كل شيء يكون به التمكين في الأرض، وقوة السلطة من كل شيء سببًا.
{فَأَتْبَعَ سَبَبًا} فَأَتْبَعَبمعنى تبع، يعني: أنه –أي: ذا القرنين- انتفع بما أعطاه الله تعالى من الأسباب؛ لأن من الناس من ينتفع، ومن الناس من لا ينتفع لكن هذا الملك انتفع (أَتْبَعَ سَبَبًا) وجال في الأرض.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} موضع غروبها وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًاحَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِمن المعلوم أن المراد المكان الذي تغرب الشمس فيه، وهو البحر؛ لأن الساعي إلى المغرب سوف يصطدم بأيش؟ بالبحر المحيط، والشمس إذا رآها الرائي وجد أنها تغرب فيه.
أرض البحر حَمِئَةٍيعني: مُسْوَدَّة من الماء؛ لأن الماء إذا مكث طويلًا في الأرض صارت سوداء.
وَجَدَهَا تَغْرُبُفي هذه العين، ومعلوم أنها تغرب في هذه العين الحمئة حسب رؤية الإنسان، وإلَّا فهي أكبر من الأرض، وأكبر من هذه العين الحمئة وأعظم، وهي تدور على الأرض، لكن لا حرج أن الإنسان يُخْبِر عن الشيء حسب رؤيته إياه.
وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَاأي: عند هذه العين الحمئة وهو البحر قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا [الكهف: ٨٦] يعني: أن الله عز وجل خَيَّره بين أن يعذبهم بالقتل، أو غير القتل، أو يحسن إليهم يتخذ فيهم حسنًا؛ وذلك لأن الرجل ملكٌ عادل، ملك عاقل، ويدل لعقله ودينه أنه قال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف: ٨٧، ٨٨] حُكم عدل.
{أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} وذلك بالشرك؛ لأن الظلم يطلق على الشرك، وعلى غيره لكن الظاهر -والله أعلم- أن المراد هنا الشرك؛ لقوله: وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا.
يقول: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُالعذاب الذي يكون تعزيرًا، وعذاب التعزير يرجع إلى رأي الحاكم إما بالقتل أو بغيره.
ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِوهو الله -عز وجل- فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا؛ لأن العقوبات لا تُطَهِّر الكافرين، المسلم تُطَهِّره العقوبات، الكافر لا، يعذب في الدنيا وفي الآخرة، نعوذ بالله من ذلك.
عَذَابًا نُكْرًانكرًا على المعذب أو نكرًا ينكره المعذَّب؟
الثاني هو المتعيِّن؛ لأن عذاب الله ليس بِنُكر، بل هو حق وعدل، لكنه ينكره المعذَّب، ويرى أنه شديد.
{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} وهي الجنة، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًاالمؤمن العامل للصالحات له جزاء عند مَنْ؟ له جزاء عند الله، وهي الجنة كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن (الحسنى) هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًاهذا المؤمن الذي عمل الصالح سيقول له من شأنه أو من أمره اللفظي يُسْرًاأي: ما فيه اليسر له، فوُعِدَ هذا وهذا بأمرين؛ الظالم وعده بأمرين وهما: أنه يعذبه، ثم يرد إلى الله فيعذبه، وهذا وعده بأمرين؛ أن له الحسنى، وأنه يعامل بالأيسر.
لكن تأمل في حال المشرك بدأ بتعذيبه ثم ثنَّى بتعذيب الله، المؤمن بدأ بثواب الله أولًا ثم معاملته باليسر ثانيًا، والفرق ظاهر؛ لأن مقصود المؤمن والعامل الصالحات ما هو؟ الوصول إلى الجنة، والوصول إلى الجنة لا شك أنه أفضل وأشرف من أن يقال له قول يسر، وهذا يدل على أن هذا الملك فصيح بليغ ينزِّل القضايا منازلها.
{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف: ٨٩، ٩٠] سبحان الله، اتجه أولًا للمغرب ووصل إلى نهاية الأرض اليابسة مما يمكنه أن يصل إليه ثم عاد إلى المشرق، وهكذا في الغالب أن الملك يكون من المشرق إلى المغرب أو المغرب إلى المشرق، والشمال والجنوب لا، أضعف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا» دون شَمالها وجنوبها؛ لأن الشمال والجنوب -كما يعلم كثير من الناس- ليس محلًّا للسُكْنَى، أقصاه من الشمال وأقصاه من الجنوب كله ثلج، ما فيه سكان، السكان يتَّبِعون الشمس من المشرق للمغرب أو من المغرب إلى المشرق.
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِأي: موضع طلوعها.
وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًاإلى آخره وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍليس عندهم بناء، ولا أشجار ظليلة، وبعض العلماء بالغ حتى قال: وليس عليهم ثياب؛ لأن الثياب فيها نوع من الستر -فالله أعلم- المهم أن الشمس تحرقهم، وليس لهم من دونها سترًا، لا أشجار ظليلة، ولا دور، ولا قصور.
قال الله تعالى: كَذَلِكَيعني: الأمر كما قلنا، يعني: الأمر كذلك حق على حقيقته.
وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًاسبحان الله، يعني: قد علمنا علم اليقين بما عنده من وسائل الملك وامتداده، وغير ذلك من كل ما لديه، والله أعلم.
الطالب: إعراب جَزَاءً.
الشيخ: حال؛ يعني: فلهم الحسنى جزاءً، حال كونها جزاء.
***
الطالب: (...).
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ(إذ) ما محلها من الإعراب؟
الطالب: في محل نصب ظرف زمان.
الشيخ: أين عاملها؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: التقدير (اذكر)؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل.
قوله: لِفَتَاهُ؟
الطالب: يوشع بن نون.
الشيخ: إي، هذا اسمه يوشع بن نون، ولكن (فتى)؟
الطالب: خادمه.
الشيخ: لخادمه. قوله: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَأين خبر لَا أَبْرَحُ؟
الطالب: محذوف.
الشيخ: ويش التقدير؟
الطالب: لا أبرح أسير.
الشيخ: لا أبرح أسير. أين مكان مجمع البحرين؟
الطالب: قيل: هو..
الشيخ: فيه أقوال: لكن أقرب شيء؟
الطالب: عند التقاء البحرين البحر الأبيض مع البحر الأحمر.
الشيخ: نعم، في هذا المكان، القرن هذا، فهذا أقرب شيء؛ لأن موسى كان بمصر.
ما الفرق بين قول الخضر لموسى في الأول: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ، وفي الثانية قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ؟
الطالب: أن موسى كرر أن يسأل..
الشيخ: لكن ما الفرق بين العبارتين: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَوأَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟
الطالب: الأولى فيها تخفيف أن عاتبه بخفة؛ يعني..
الشيخ: أخفُّ عتابًا من الثانية؛ لأنه قال: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَيعني: لك أو لغيرك، إنك لا تستطيع لكن إذا صرَّح أَلَمْ أَقُلْ لَكَيكون أشدَّ وقعًا في نفس موسى وأشدَّ ألمًا في التوبيخ كذا؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ}.
الآن لو أقول مثلًا لواحد: ألم أقل: إنك لم تفعل كذا، ما يكون عتاب مواجهة، قد يكون ألم أقل لغيرك مثلًا، لكن أَلَمْ أَقُلْ لَكَأشد عتابًا من الأولى.
في الغلام قتله الخضر خوفًا من أيش؟
الطالب: خوفًا من أن يدخل على أبويه (...).
الشيخ: إي نعم، طيب كيف الولد يؤثر على الوالدين؟
الطالب: يؤثِّر بالحب، ويؤثِّر بكثرة المخالطة.
الشيخ: نعم، يعني: قد يكونا قد تعلقا به كثيرًا وأحبَّاه كثيرًا، ومثل هذا قد يؤثر عليهما.
هل الخضر نبي؟
الطالب: ليس نبيًّا.
الشيخ: على القول الراجح ليس نبيًّا ولا رسولًا.
الطالب: إنه وليٌّ وإِنَّه عبد صالح.
الشيخ: إي نعم، والأظهر -والله أعلم- أنه وليٌّ؛ لأن هذه الأشياء كرامات؛ أنه أُكْرِم بما حصل من هذا العلم الذي علمه الله.
***
قيل معناه: أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فإن المشرق قَرْن والمغرب قرن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» فيكون هذا كناية عن أيش؟ عن سعة ملكه.
وقيل: ذو القرنين لقوته؛ ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشدَّ وأقوى، وقيل: ذو القرنين، إنهما علامتان وضعهما على رأسه كالقرن، كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن لم يُبَيِّن، لكن أقرب ما يكون للقرآن الكريم أن معناه المالك للمشرق والمغرب، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في الشمس: «إِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»
قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًاوأخذناها أظن؟ إلى قوله؟
الطالب: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(...).
الشيخ: نعم، ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًايعني: سار واتخذ سببًا يصل به إلى مراده.
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} السَّدَّيْنِهما جبلان عظيمان يحولان بين الجهة الشرقية من شرق آسيا، والجهة الغربية، وهما جبلان عظيمان لكن بينهما منفذ ينفذ منه الناس، بلغ بينهما؛ بين السدين.
وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًامِنْ دُونِهِمَايعني: لا بينهما، ولا وراءهما مِنْ دُونِهِمَا، وقد قيل: إنهم الأتراك تركيا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا.
{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} فيها قراءتان: {لَا يَكَادُونَ يُفْقِهُون قَوْلًا} ، ولا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًاوالفرق بينهما ظاهر (لا يَفْقَهُونَ) يعني: هم، (لا يُفقِهون) غيرهم؛ يعني هم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم، وهذه فائدة القراءتين؛ لأن القراءتين كلتاهما صحيح، وكل واحدة تحمل معنى غير معنى القراءة الأخرى، لكن بازدواجهما نعرف أن هؤلاء القوم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا.
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٩٤] وحينئذ يقع إشكال؛ كيف يقول: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًاثم ينقل عنهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح فصيح؛ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ؟
الجواب عن هذا سهل جدًّا، وهو أن ذا القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا، وعنده من المترجمين ما يُعْرَف به ما يريد، وما يَعْرِف به ما يريد غيره على أنه قد يكون الله -عز وجل- قد ألهمه لغة الناس الذين استولى عليهم كلهم، المهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح.
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِنادوه بلقبه تعظيمًا له إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًاإلى آخره.
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَهاتان قبيلتان من بني آدم كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما حدث الصحابة بأن الله عز وجل يأمر آدم يوم القيامة يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بَعْثًا إلى النار، فيقول: يا رب وما بَعْثُ النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، عَظُمَ ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله، أَيُّنا ذلك الواحد؟ فقال: أَبْشِرُوا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كَثَرَتَاهُ: يأجوج ومأجوج وبهذا نعرف خطأ من قال: إنهم ليسوا على شكل الآدميين، وأن بعضهم في غاية ما يكون من القصر، وبعضهم في غاية ما يكون من الطول، وأن بعضهم له أذن يفترشها وأذن يلتحف بها، وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافات بني إسرائيل، ولا يجوز أن يُصَدَّق.
بل يقال: إنهم من بني آدم، لكن قد يختلفون كما يختلف الناس في البيئات، الآن تجد مثلًا أهل خط الاستواء بيئتهم غير بيئة الشماليين، كل له بيئة، الشرقيين الآن يختلفون عن وسط الكرة الأرضية هذا ربما يختلفون، أما أن يختلفوا اختلافًا فاضحًا كما يُذْكَر فهذا ليس بصحيح.
مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِوبماذا يفسدون؟ الإفساد في الأرض يعُمُّ كل ما كان غير صالح وغير أصلح، يفسدونها في القتل، في النهب، في الانحراف، في الشرك، في كل شيء، المهم أنهم يحتاجون إلى أحد يحميهم من هؤلاء.
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّايعني حاجزًا يمنع من حضورهم إلينا، فعرضوا عليه أن يعطوه شيئًا، وهذا اجتهاد في غير محله، لكنهم خافوا أن يقول: لا، ولا يمكنهم بعد ذلك، وإلا هذا الاجتهاد كيف يقولون لهذا الملك الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها يقولون: هَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا؟ هذا لا يقال إلا لشخص لا يستطيع، لكنهم قالوا ذلك خوفًا من أن يَرُدَّ طلبهم، يريدون أن يقيموا عليه الحجة بأنهم أرادوا أن يعطوه شيئًا يحميهم به من هؤلاء.
وقال في الجواب: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌمَامبتدأ، وخَيْرٌخبر المبتدأ، يعني: الذي مكني فيه ربي من الملك والمال والخدم وكل شيء خير من أيش؟ خير من هذا الخرج الذي تعرضونه علي، وهذا كقول سليمان عليه الصلاة والسلام في الهدية -هدية ملكة سبأ- قال أيش؟ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ [النمل: ٣٦]، وهذا من اعتراف الإنسان بنعم ربه -عز وجل- التي لا يحتاج معها إلى أحد.
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍبقوة بدنية لا بقوة مالية؛ لأنه عنده من الأموال الشيء العظيم.
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًايعني: أكبر مما سألوا، هم سألوا سدًّا، ولكنه قال: رَدْمًايعني: أشدَّ من السدِّ.
فطلب منهم آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِفجمعوه له، و(الزبَر) يعني: القطع من الحديد، فجمعوا الحديد، وجعلوه يساوي الجبال، وهذا يدل على القوة العظيمة في ذلك الوقت، يعني أرطالًا من الحديد تُجْمَع حتى تساوي الجبال الشاهقة العظيمة.
حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِيعني جانبي الجبلين، قَالَ انْفُخُوايعني: انفخوا على هذا الحديد، وليس المراد بأفواهكم؛ لأن هذا لا يمكن، ولكن انفخوا بالآلات والمعدات التي عنده؛ لأن الله أعطاه ملكًا عظيمًا فنفخوا.
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًاوالحديد معروف أنه إذا أوقد عليه في النار يكون نارًا، تكون القطعة كأنها جمرة، بل هي أشد من الجمرة، ثم طلب أن يأتوا قطرًا يفرغه عليه، القطر: هو النحاس المذاب كما قال الله تعالى: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ: ١٢]، يعني: النحاس أساله الله تعالى لسليمان، بدل ما كان معدنًا قاسيًا يحتاج إلى إخراج بالمعاول، ثم صهر بالنار لا، أسال الله له عين القطر كأنها ماء -سبحان الله- هذا ذو القرنين قال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًافأفرغ عليه القطر النحاس، اشتبك النحاس مع قطع الحديد، فكان قويًا.
يقول: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًامَا اسْطَاعُوا، وَمَا اسْتَطَاعُوامعناهما واحد، وسبق في قصة موسى مع الخضر مَا لَمْ تَسْتَطِعْومَا لَمْ تَسْطِعْ، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُيعني: أن يصعدوا عليه، لماذا؟ لأنه عالٍ، ولأن الظاهر أنه أملس، فهم لا يستطيعون أن يصعدوا عليه، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًاوهنا لم تأت التاء في الفعل الأول، وأتت به ثانيًا، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أيهما أشق أن يصعدوا الجبل أو أن ينقبوا هذا الحديد؟ الثاني أصعب، ولهذا قال: مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا؛ لأنه حديد ممسوك بالنحاس، فصاروا لا يستطيعون ظهوره لعلوه وملاسته فيما يظهر، ولم يستطيعوا له نقبًا لصلابته وقوته، إذن صار سدًّا منيعًا، وكفى الله شر هؤلاء المفسدين وهم يأجوج ومأجوج.
{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} يقوله مَن؟ يقوله ذو القرنين، وانظر إلى عباد الله الصالحين كيف لا يسندون ما يعملونه لأنفسهم، ولكنهم يسندونه إلى الله -عز وجل- وإلى فضله؛ ولهذا لما قالت النملة حين أقبل سليمان بجنوده على وادي النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ [النمل: ١٨] قامت خطيبة فصيحة يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٨، ١٩]، هذا أيضًا ذو القرنين -رحمه الله- قال: هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّيوليس بحولي ولا قوتي، ولكنه رحمة به ورحمة بالذين طلبوا منه السد أن حصل هذا الردم المنيع.
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الكهف: ٩٨] إِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّييعني: بخروج هؤلاء المفسدين جَعَلَهُ دَكَّاءَأي: جعل هذا السد دكًا؛ أي: منهدمًا تمامًا وسواه بالأرض، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ؛ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وأشار بالسبابة والوسطى. يعني: شيء يسير، لكن ما ظهر فيه الشقُّ لا بد أن يتوسع.
يقول: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّافما هذا الوعد؟ الوعد أن الله سبحانه وتعالى يخرجهم في آخر الزمان، وذلك بعد خروج الدجال وقتله، يخرج الله هؤلاء يخرجهم في عالم كثير مثل الجراد أو أكثر، حتى إنهم يمرون ببحيرة طبرية ويشربون ماءها، فيمرُّ آخرهم ويقول: قد كان في هذه يومًا ماء من كثرتهم، ثم يُحْصَر عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين في جبل الطور، ويلحقهم مشقة، ويرغبون إلى الله تعالى في هلاك هؤلاء، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم حتى يموتوا مِيتَة رجل واحد، يصبحون في ليلة واحدة على كثرتهم مَيِّتِين ميتة رجل واحد حتى تنتن الأرض من رائحتهم، فيرسل الله أمطارًا تحملهم إلى البحر، أو يرسل طيورًا تحملهم إلى البحر، والله على كل شيء قدير.
هذه الأشياء نؤمن بها كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، أما كيف تصل الحال إلى ذلك؟ فهذا أمره إلى الله عز وجل.
وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّايعني: وعد الله تعالى بخروجهم حقًّا، كان حقًّا لا بد أن يقع، كل ما وعد الله بشيء فلا بد أن يقع؛ لأن عدم الوفاء بالوعد إما أن يكون عن عجز، وإما أن يكون عن كذب، والله عز وجل منزه عن أيش؟ عنهما جميعًا عن العجز، وعن الكذب، فهو عز وجل لا يخلف الميعاد لكمال قدرته، وكمال صدقه، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍالمفسرون الذين رأيت كلامهم يقولون: يَوْمَئِذٍيعني: إذا خرجوا صار يموج بعضهم في بعض، ثم اختلفوا في معنى يموج بعضهم في بعض هل معناه أنهم يموجون مع الناس؟ أو يموج بعضهم في بعض يتدافعون عند الخروج من السد؟ وإذا كان أحد من العلماء يقول: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍيعني: بعد السد صاروا هم بأنفسهم يموج بعضهم في بعض، إن كان أحد يقول بهذا فهو أقرب إلى سياق الآية، لكن الذي رأيته أنهم يموج بعضهم في بعض يعني: إذا خرجوا.
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍيَوْمَئِذٍأي: يوم إذ يريد الله عز وجل خروجهم.
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًانُفِخَ فِي الصُّورِالنافخ إسرافيل أحد الملائكة الكرام، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح صلاة الليل بهذا الاستفتاح: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» هؤلاء الثلاثة الملائكة الكرام كل واحد منهم موكَّل بما فيه الحياة، جبريل موكل بما فيه حياة القلوب، ميكائيل بما فيه حياة النبات وهو القطر، والثالث إسرافيل بما فيه حياة الناس عند البعث، ينفخ في الصور نفختين؛ الأولى فزع وصعق، ولا يمكن الآن أن ندرك عظمة هذه النفخ، نفخ تفزع الخلائق منه وتَصْعَق بعد ذلك، كلهم يموتون إلا من شاء الله من شدة هذا النفخ، وشدة وقعه، الآن لو أن أحدًا ضرب بمدفع خارج المسجد أيش يكون؟ تفزعون ولَّا ما تفزعون؟ تفزعون، في مسجد جمعة قبل سنوات انفصل الكهرباء في المسجد الجامع، والناس ينتظرون الصلاة، وصار له صوت عظيم ذكروا لنا أن المسجد كله فزع وخرج، نعم هذا النفخ في الصور أشد وأشد ما يمكن أن نتصوره؛ لأن الناس يفزعون، بل فزع من في السماوات، ومن في الأرض، ثم يصعقون -الله أكبر- شيء عظيم كل ما يتصور الإنسان يقشعر جلده من عظمته وهوله فنفخ في الصور.
النفخة الثانية: يقول الله عز وجل: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر: ٦٨]، لا إله إلا الله، النفخة الثانية يقوم الناس من قبورهم أحياء ينظرون ماذا حدث؛ لأن الأجسام في القبور يُنزِّل الله عليها مطرًا عظيمًا، ثم تنمو في داخل الأرض، حتى إذا تكاملت الأجسام نُفخ في الصور نفخة البعث، فقاموا ينظرون فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا(جَمَعْنَاهُمْ) مَنْ؟ الخلائق، جَمْعًاأي: جمعًا عظيمًا، هذا الجمع يشمل الإنس والجن والملائكة والوحوش وجميع الداوب، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: ٣٨]، كل الخلائق حتى الملائكة ملائكة السماء كما قال الله سبحانه وتعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، يا له من مشهد عظيم، الله أكبر.
يقول: فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا [الكهف: ١٠٠] اللهم أجرنا منها، عرضناها لهم تكون أمامهم، عَرْضًايعني :عرضًا عظيمًا؛ ولذلك نكِّر، يعني: عرضًا عظيمًا تتساقط منه القلوب، وإخبار الله -عز وجل- بذلك لا تظنوا أنها مجرد حكايات تاريخ، المقصود من ذلك هو أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الله، وأن يخاف من هذا اليوم، وأن يستعد له، وأن يصور نفسه، وكأنه تحت قدميه كما قال الصديق رضي الله عنه:
| كُـــلُّ امْــرِئٍ مُصَبَّــحٌ فِي أَهْلِــــهِ | وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ |
فتصور هذا، وتصور أنه ليس بينك وبينه إلا أن تخرج هذه الروح من الجسد، وحينئذ ينتهي كل شيء.
{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف: ١٠٠، ١٠١] هؤلاء الكافرون كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله لا ينظرون إلى ذكر الله، وقد ذكر الله تعالى فيما سبق في نفس السورة أن على قلوبهم أَكِنَّة، فالآن القلوب والأبصار والأسماع كلها مغلقة.
وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًاهل المراد لا يريدون كقوله تعالى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ [المائدة: ١١٢] أي: هل يريد؟ أو المعنى أنهم لا يستطيعون سمعًا سمع الإجابة، وليس سمع الإدراك؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل المعنيين جميعًا، وكلاهما حق وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا.
{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} يعني: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. مَنْ عِبادُه؟ عباده كل شيء فهو عبد لله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، مَن الذي اتُّخذ وليًّا من دون الله؛ يعني: عُبِدَ من دون الله؟
عُبِدت الملائكة، عُبِدت الرسل، عُبِدت الشمس، عُبِد القمر، عُبِدت الأشجار، عُبدت الأحجار، عُبدت البقر، نسأل الله العافية، الشيطان يأتي ابن آدم من كل طريق.
أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَيعني: أربابًا يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينسون ولاية الله عز وجل؛ يعني: أيظن هؤلاء الذين فعلوا ذلك أنهم ينصرون؟
الجواب: لا، لا ينصرون، ومن ظَنَّ ذلك فهو مخبَّل في عقله، قال الله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًايعني: أن الله -عز وجل- هيأ النار نُزُلًاللكافرين، ومعنى النُّزل: ما يُقَدِّمه صاحب البيت للضيف، هذا النُّزُل، ويحتمل أن يكون بمعنى المَنزِل، وكلاهما صحيح؛ فهم نازلون فيها، وهم يُعْطَونها كأنها ضيافة وبئست الضيافة إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا.
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} يعني: قل يا محمد للأمة كلها: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا.
الجواب: نعم، نريد أن نُخبَر عن الأخسرين أعمالًا حتى نتجنب عمل هؤلاء، ونكون من الرابحين، وقد بَيَّن الله تعالى في سورة العصر أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بأربع صفات إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ٣].
وهنا يقول: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًاضَلَّ سَعْيُهُمْيعني: ضاع وبطل في الحياة الدنيا لكنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فغطي عليهم الحق -والعياذ بالله- وظنوا وهم على باطل أن الباطل هو الحق، وهذا كثير، مثلًا اليهود يظنون أنهم على حق، والنصارى يظنون أنهم على حق، والشيوعيون يظنون أنهم على حق، وهات كل واحد منهم يظن أنه على الحق؛ ولذلك مكثوا على ما هم عليه، ومنهم من يعلم أنه ليس على الحق لكنه -والعياذ بالله- لاستكباره واستعلائه، أَصَرَّ على ما هو عليه.
{وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [الكهف: ١٠٤، ١٠٥] أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْالكونية أو الشرعية؟
الطلبة: (...).
الشيخ: الظاهر كلاهما، لكن الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم كذبوا بالآيات الشرعية ولم يكذبوا بالآيات الكونية، الدليل أن الله تعالى أخبر بأنهم إذا سئلوا مَنْ خلق السماوات والأرض يقولون: الله عز وجل، ولا أحد منهم يَدَّعي أن هناك خالقًا مع الله لكنهم كذبوا بالآيات الشرعية، كذبوا الرسول، وكذبوا بما جاء به فهم داخلون في الآية.
وَلِقَائِهِأي: كذَّبوا بلقاء الله، ومتى يكون لقاء الله؟ يكون يوم القيامة، فهؤلاء كذبوا بيوم القيامة، وجادلوا وأُرُوا الآيات، ولكنهم أصروا؛ قال الله تبارك وتعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا [يس: ٧٧، ٧٨] يكذبنا فيه، فقال: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨] تحدٍّ، مَنْ يُحْييها؟ رَمِيمٌلا فيها حياة ولا شيء، أُجِيب قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] مَنْ أنشأها أول مرة؟ الله، يحييها الله، والإعادة أهون من الابتداء كما قال -عز وجل-: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧] هذا الدليل، إذن الدليل على إمكان البعث، وإحياء العظام وهي رميم أن الله تعالى ابتدأها، ولما قال زكريا حين بُشِّرَ بالولد، وقد بلغ في الكبر عتيًا، وأن امرأته عاقر قال الله تعالى: قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩]، فالذي خلقك من قبل وأنت لم تكن شيئًا قادر على أن يجعل لك ولدًا، إذن يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] هذا الدليل.
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩] وإذا كان بكل خلق عليمًا فإنه لن يتعذر عليه أن يخلق ما شاء، من الذي يَمْنَعُه إذا كان عليمًا بكل الخلق؟ لا أحد يمنعه، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: ٨٠] شَجَرٌ أَخضر يخرج منه نار! هكذا عندكم؟!
الطالب: (...).
الشيخ: لا تعرفه؟! الشجر عندكم، الشجر الأخضر يضرب بالزند ثم ينقدح نارًا، وكان العرب يعرفون هذا فالذي يخرج هذه النار، وهي حارة يابسة من غصن رطب بارد، يعني: متضادان غاية التضاد قادر على أن يخلق الإنسان أو أن يعيد خلق هذه العظام وهي رميم، كم هذا من دليل؟
الطالب: (...).
الشيخ: الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: ٧٩، ٨٠] ثم حقق هذه النار بقوله: فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.
الدليل الرابع: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: ٨١] الجواب: بَلَى.
قال الله تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر: ٥٧]، فالذي خلق السماوات والأرض بكبرها وعظمها قادر على أن يعيد جزءًا من لا شيء بالنسبة للأرض، من أنت يا ابن آدم بالنسبة للأرض؟ لا شيء، أنت خلقت منها، أنت بعض منها، بعض يَسيرٌ منها، فالذي قدر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.
بَلَىقال الله تعالى مجيبًا نفسه: بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١] هذا دليل خامس، الْخَلَّاقُصيغة مبالغة، وإن شئت فاجعلها نسبة يعني: أنه موصوف بالخلق أزلًا وأبدًا، وهو تأكيدٌ لقوله قبل: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١].
الدليل السادس: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، لا يحتاج إلى عُمَّال، ولا بنائين، ولا أحد كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]؛ ولهذا قال -عز وجل-: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، كلمة واحدة إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. الدليل السابع؟
طالب: (...).
الشيخ: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] فبيده ملكوته -عز وجل- يتصرف كما يشاء، فنسأله -عز وجل- أن يهدينا صراطه المستقيم.
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٨٣] هذا الدليل الثامن، وإنما كان دليلًا؛ لأنه لولا رجوعنا إلى الله -عز وجل- لكان وجودنا عبثًا، وهذا ينافي الحكمة فتأمل سياق هذه الأدلة الثمانية في هذا القول الموجز، ومع ذلك ينكرون لقاء الله، قال الله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ.
وفي قوله: بِآيَاتِ رَبِّهِمْإلزام لهم بالإيمان بالآيات؛ لأن كونه ربُّهم -عز وجل- يجب أن يطيعوه وأن يؤمنوا به، لكن مَنْ حقَّت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن.
فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْحبطت يعني: بطلت ولم ينتفعوا بها، حتى لو أن الكافر أحسن وأصلح الطرق وبنى الرُبُط وتصدَّق على الفقراء، فإن ذلك لا ينفعه، إن أراد الله أن يثيبه عجَّل له الثواب في الدنيا، أما في الآخرة فلا نصيب له -نعوذ بالله- نسأل الله الحماية والعافية؛ لأن أعماله حبطت.
ولكن هل يَحْبَط العمل بمجرد الردة، أم لا بد من شرط؟ لا بد من شرط، وهو أن يموت على ردته، قال الله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [البقرة: ٢١٧]، أما لو ارتد ثم مَنَّ الله عليه بالرجوع إلى الإسلام، فإنه يعود عليه عمله الصالح السابق للردة.
فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥] يعني: أنه لا قدر لهم عندنا ولا يزان، وهو كناية عن سقوط مرتبتهم عند الله -عز وجل- وقيل: إن المعنى لا نزنهم؛ لأن الوزن إنما يُحتاج إليه لمعرفة ما يترجح من حسنات أو سيئات، والكافر ليس له عمل حتى يوزن، ولكن الصحيح أن الأعمال توزن كلها، قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة: ٦-١١]. فيقام الوزن لإظهار الحجة عليهم، والمسألة هذه فيها خلاف، نكمل إن تمكنا من ذكر الخلاف، وإلا فالكتب بين أيديكم.
{ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا} [الكهف: ١٠٦] يعني: ذلك المذكور من أنه لا يقام له الوزن، وأن أعمالهم تكون حابطة.
ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُاسم من أسماء النار بِمَا كَفَرُواالباء للسببية، وما مصدرية، وتقدير الكلام بكفرهم.
وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًاقوله: وَاتَّخَذُوامعطوفة على كفروا أي: بما كفروا واتخذوا، فهم -والعياذ بالله- كفروا، وتعدَّى كفرهم إلى غيرهم، صاروا يستهزئون بالآيات ويستهزئون بالرسل، ولم يقتصروا على كفرهم بالله.
وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًاأي: محل هُزْء يسخرون منهم؛ ولهذا قال الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الأنبياء: ٣٦] ويقولون: أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١]، والاستفهام هنا لا يخفى أنه للتحقير، أهذا الرسول؟ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا [الفرقان: ٤١، ٤٢]، أعوذ بالله يفتخرون بأنهم صبروا على آلهتهم، وانتصروا لها.
يقول هنا عز وجل: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا.
ثم ذكر ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف: ١٠٧]، بدل ما كانت جهنم نُزُلًا للكافرين صارت جنات الفردوس نُزُلًا للمؤمنين، لكن بشرطين: الإيمان والعمل الصالح، والإيمان محله القلب، والعمل الصالح محله الجوارح، وقد يراد به أيضًا عمل القلب كالتوكل، والخوف، والإنابة، والمحبة، وما أشبه ذلك.
والصالحات هي التي كانت خالصة لله موافقة لشريعة الله، ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذا: الإخلاص لله، والثاني: الموافقة لشريعة الله، فمن أشرك فعمله غير صالح، ومن ابتدع فعمله غير صالح، ويكون مردودًا عليه لا الأول الذي لم يخلص، ولا الثاني الذي لم يتبع، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود عليه، فصار العمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعة الله -انتبه- ولَّا لرسول الله؟ لشريعة الله أحسن إلا إذا أريد بمتابعة رسول الله الجنس دون محمد -صلى الله عليه وسلم- فنعم؛ لأن المؤمنين من قوم موسى وقوم عيسى يدخلون في هذا، إذن الإخلاص لله، والموافقة لشريعة الله.
كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًاكَانَتْ لَهُمْالمراد بالكينونة هنا هل هي الكينونة الماضية أو المراد تحقيق كونها نُزُلًا لهم؟ كقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦] نقول: الأمران واقعان فكانت في علم الله نزلًا لهم، وكانت نزلًا لهم على وجه التحقيق؛ لأن (كان) قد يسلب منها معنى الزمان، ويكون المراد بها التحقيق.
كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًاجَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِهل هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أو لأن الفردوس هو أعلى الجنات والجنات الأخرى تحته؟ الظاهر الثاني؛ لأنه ليس جميع المؤمنين العاملين للصالحات ليسوا كلهم في الفردوس، بل هم في جنات الفردوس، والفردوس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا أَعْلَى الْجَنَّةِ وَوَسَطُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا عَرْشُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، «أَعْلَى الْجَنَّةِ وَوَسَطُ الْجَنَّةِ» معناه أن الجنة مثل القبة، وفيه أيضًا وصف رابع «وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».
{كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا} [الكهف: ١٠٧، ١٠٨] خَالِدِينَ فِيهَايعني أبدًا، أو لا؟ أبدًا، ولا نزاع في هذا بين أهل السنة.
لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٨] أي: لا يطلبون عَنْهَاأي: بدلًا عنها حِوَلًاأي: تَحَوُّلًا، لماذا؟ لأن كل واحد راضٍ بما هو فيه من النعم، وكل واحد لا يرى أن أحدًا أكملُ منه، وهذا من تمام النعيم، أنت مثلًا لو نزلت قصرًا مُنيفًا فيه من كل ما يَبْهج النفس، ولكنك ترى قصر فلان أعظم منه، هل يكمل سرورك؟ مَنْ يريد الدنيا لا يكمل سروره؛ لأنه يرى أن غيره خير منه، لكن في الجنة -وإن كان الناس درجات- لكن النازل منهم -وليس فيهم نازل- يرى أنه لا أحد أنعم منه، عكس أهل النار؛ أهل النار يرى الواحد منهم أنه لا أحد أشد منه، وأنه أشدهم.
لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًايعني: لو قيل للواحد: هل ترغب أن نجعلك في مكان آخر غير مكانك؟ لقال: لا، وهذا من نعمة الله على الإنسان أن يقنع الإنسان بما أعطاه الله -عز وجل- وأن يطمئن، ولا يقلق، لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا.
{قُلْ} يعني: يا محمد لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي [الكهف: ١٠٩] سبحان الله العظيم، لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًايعني: حِبرًا يُكْتَب به لكلمات الله.
لَنَفِدَ الْبَحْرُقبل أن تنفد كلمات الله عز وجل؛ لأن المدبر لكل الأمور، وبكلمة (كن) لا نفاد لكلامه -عز وجل- بل في الآية الأخرى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ [لقمان: ٢٧] يعني: لو كان أقلامًا وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧]، لنفد البحر وتكسرت الأقلام، وكلمة الله باقية جل وعلا.
وهنا يقول: لِكَلِمَاتُ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًايعني: زيادة فإن كلمات الله لا تنفد، وفي هذا نص صريح على إثبات كلام الله -عز وجل- كَلِمَاتُوكلمات الله -عز وجل- كونية وشرعية: أما الشرعية فهو ما أوحاه إلى رسله، وأما الكونية فهي ما قضى به قدره إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وكل شيء بإرادته، إذن فهو يقول لكل شيء: كن، فيكون، ومن كلماته الشرعية ما أوحاه الله -عز وجل- إلى من دون الرسل كالكلمات التي أوحاها إلى آدم فإن آدم عليه السلام نبي، وليس برسول، وقد أمره الله ونهاه، والأمر والنهي كلمات كونية أو شرعية؟ كلمات شرعية.
وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١٠٩، ١١٠] يعني: أَعْلِن للملأ أنك لست مَلَكًا، وأنك من جنس البشر.
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْوذكر المثلية لتحقيق البشرية أي: أنه بشر لا يتعدى البشرية، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يغضب كما يغضب الناس، أليس هكذا؟ وكان عليه الصلاة والسلام يمرض كما يمرض الناس، وكان يجوع كما يجوع الناس، وكان يعطش كما يعطش الناس، وكان يتوقى الحر كما يتوقاه الناس، وكان يتوقى سهام القتال كما يتوقاه الناس، وكان ينسى كما ينسى الناس، كل الطبيعة البشرية ثابتة للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان له ظل كما يكون للناس.
أما من زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم نُوراني ليس له ظل، فهذا كذب بلا شك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر له ظِلٌّ، ويستظل أيضًا هو نفسه يستظل، ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له ظِلٌّ لنُقِلَ هذا نقلًا متواترًا؛ لأنه من آيات الله عز وجل.
إذن الرسول عليه الصلاة والسلام بَشَرٌ مثل الناس، هل يقدر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجلب للناس نفعًا أو ضرًا؟ لا، كما أمره الله -عز وجل- أن يقول: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا [الجن: ٢١]، ومن العجب أن أقوامًا لا يزالون موجودين يتعلقون بالرسول صلى الله عليه وسلم أكثر مما يتعلقون بالله -أعوذ بالله- إذا ذكر الرسول اقشعرت جلودهم، وإذا ذكر الله كأن لم يذكر حتى إن بعضهم يؤثر أن يحلف بالرسول دون أن يحلف بالله -عز وجل- وحتى إن بعضهم يرى أن زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من زيارة الكعبة، ولقد شاهدت أناسًا حُجِزوا عن المدينة في أيام الحج لقرب وقت الحج؛ لأنه إذا قرب وقت الحج منعوهم من الذهاب إلى المدينة؛ لئلا يفوتهم الحج، يبكي يقول: أنا مُنعت من الأنوار، ومنعت من كذا وكذا، ويعدد ما نسيته الآن، طيب أنت جاي لأيش؟ قال: جاي لمشاهدة الأنوار، كأنه ما جاء إلا لزيارة المدينة، ونسي أنه جاي للحج يؤدي فريضة من فرائض الحج، وسبب ذلك الجهل أن العلماء لا يبينون للعامة، وإلا فالعامي عنده عاطفة جياشة، لو أنه أُخبر بالحق لرجع إليه.
يقول: يُوحَى إِلَيَّهذا هو الميزة للرسول عليه الصلاة والسلام أنه يوحى إليه، وغيره لا يوحى إليه إلا إخوانه من المرسلين، يقول: يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌأَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌالجملة هذه حصر كأنه قال: لا إله لكم إلا واحد، من أين استفدنا الحصر؟ من (إِنَّمَا) لأن كلمة (إنما) من أدوات الحصر، تقول: إنما زيد قائم، يعني: وليس له وصف غير القيام، وتقول: إنما العلم بالتعلم، وليس هناك طريق للعلم إلا بالتعلم، أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِيعني: يؤمل أن يلقى الله -عز وجل- ويؤمن بذلك فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًايعني: دعوة يسيرة سهلة، أتريد أن تلقى ربك وقلبك مملوء بالرجاء؟ إذا كان كذلك فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًاكل إنسان عاقل يرجو لقاء الله -عز وجل- ولقاء الله ليس ببعيد، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٥]، قال بعض العلماء إن قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت: ٥] بمعنى قولهم: كل آت قريب، فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
إذا قال قائل: ألستم قررتم أن العمل الصالح لا بد فيه من إخلاص ومتابعة؟ قلنا: بلى، لكنه لما كان الإخلاص ذا أهمية عظيمة ذكره تخصيصًا بعد دخوله ضمن قوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، وتأمل قوله: بِعِبَادَةِ رَبِّهِليتبين لك أنه -جل وعلا- حقيق بألا يشرك به لأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
إنا نقول بقلوبنا وألسنتنا: ربنا الله، ونسأل الله تعالى الاستقامة حتى ندخل في قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
على كل حال الحمد لله الذي وفقنا لإكمال هذه السورة، والحقيقة أن لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في هذه السورة نفسها فوائد جمة عظيمة لا تجدها في كتاب آخر، ذكر فوائد عظيمة في قصة موسى والخضر ينبغي لطالب العلم أن يراجعها؛ لأنها مفيدة جدًّا جدًّا.





