وزينب نزلت آية الحجاب عند زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها، فإذن نقول: في
غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة السادسة في آخرها، تقول رضي
الله عنها: ففرغ منها..
طالب: ورجع وبنى بها.
الشيخ: لا، في غزوة بعدما أُنْزِل القتال، ففرغ منها، ورجع ودنا
من المدينة، وأَذِن بالرحيل ليلة، فمشيتُ وقضيتُ شأني، وأقبلت إلى الرَّحْل، فإذا
عقدي قد انقطع –وهو بكسر المهملة: القلادة-، فرجعت ألتمسه، وحملوا هودجي -هو ما
تَرْكَب فيه- على بعيري، يحسبونني فيه، وكانت النساء خفافًا، إنما يأكلن العُلْقَة
-وهو بضم المهملة وسكون اللام- من الطعام، أي: القليل.
تحدثت عائشة رضي الله
عنها عن قصة الإفك، تقول: إنه لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة في
ليلة من الليالي أَذِن بالرحيل، فذهبت تقضي حاجتها، كشأن الإنسان إذا أراد أن يركب،
أو أراد أن ينام، أو ما أشبه ذلك، يُفَرِّغ نفسه.
ذهبت تقضي حاجتها، يعني تبول،
أو تتغوَّط، فلما رجعت، وإذا العقد قد انقطع، فرجعت تلتمسه -وقد ذكر المؤرخون أن
هذا العقد كان عاريَّة عندها لأختها أسماء- فذهبت تلتمسه؛ تطلبه، فوجدت العقد، لما
وجدت العقد رجعت إلى مكانها، فإذا القوم قد حملوا هودجها، وما ظنوا أنها ليست فيه؛
لأنها كما قالت رضي الله عنها: كان النساء خفافًا، ما كان اللحم قد بان عليهن؛
لأنهن إنما يأكلن العُلْقة من الطعام -يعني القليل-، ثم إن الهودج الذي حمله ليس
رجلًا واحدًا أو اثنين حتى يميِّزوا خِفَّته، إنما حمله جماعة، والعادة أن الجماعة
لا يُحِسُّون بثقل الشيء، ما يهمهم، لذلك حملوه على أنها فيه، وساروا.
لما رجعت
ولم تجدهم عرفت أن القوم سيفقدونها وسيرجعون إليها، هو معروف، هي من ذكائها وعقلها
ما ذهبت يمينًا ولا شمالًا، ما راحت قالت: طيب ألحقهم، طيب أدوّر، بقيت في مكانها،
ومن عجيب أنها من طمأنينتها ورباطة جأشها نامت في هذا المكان، ولما نامت كان صفوان
بن المعطَّل رضي الله عنه في أُخْرَيَات القوم، وكان كثير النوم وثقيل النوم أيضًا،
فلما استيقظ لحق القوم، فلما أقبل على مكانهم وجد سواد شخص، فآوى إليه، وحصل ما
حصل.
الآن نقرأ القصة، تقول: (العُلْقَة -هو بضم المهملة وسكون اللام- من
الطعام، وهو القليل، ووجدت نفسي بعدما ساروا، فجلستُ في المنزل الذي كنتُ فيه،
وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون إليَّ، فغلبتني عيناي فنمتُ، وكان صفوان قد عرَّس
من وراء الجيش، فادلج، هما بتشديد الراء -يعني عرس-، والدال -ادَّلج- أي: نزل من
آخر الليل للاستراحة)، هذا معنى عرَّس، عرَّس يعني نزل في آخر الليل للاستراحة.
تقول: (فسار منه –أي: من مكانه- فأصبح في منزله -أي: في منزل الجيش- فرأى
سواد إنسان نائم -أي: شخصه- فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت
باسترجاعه حين عرفني -أي قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون-، فَخَمَّرْتُ وجهي –أي:
غطيته- بجلبابي، أي: غطيته بالملاءة، والله ما كلَّمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير
استرجاعه، حتى أناخ راحلته ووطئ على يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى
أتينا الجيش بعدما نزلوا مُوغِرِين) إلى آخره.
رضي الله عنه، لما رأى سواد
الشخص أقبل إليه، فلما أقبل وإذا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نائمة ولم
تُغَطِّ وجهها؛ لأنه ما حولها أحد، فعرفها رضي الله عنه، وكان قد رآها قبل الحجاب،
فعرفها فقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثم أناخ بعيره، ووطئ على ركبته حتى
ركبت، ولم يكلِّمها بكلمة، وإنما استرجع رضي الله عنه خوفًا مما وقع، توقَّع أمرًا
فوقع؛ لأن امرأة في فلاة من الأرض وحدها، ويأتي بها رجل متأخِّر عن الجيش، وهي
متأخرة عنه، هذا لا شك أنه بلية وابتلاء من الله، ولهذا رأى أنه مصيبة -رضي الله
عنه- فاسترجع، ولكن لعِفَّتِه وتعظيمه النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه أم
المؤمنين رضي الله عنها، ما كلَّمها ولا بكلمة، حتى ما قال: اركبي، ولا قال: ما
الذي خلَّفك، ولا قال: لا بأس عليك، ما تكلَّم بكلمة إطلاقًا احترامًا لفراش النبي
صلى الله عليه وسلم، إكرامًا له، وإنما أناخ البعير، ووطئ على ركبته، حتى ركبت رضي
الله عنها، فذهب يقود بها حتى أتى الجيش، أتاه متى؟
تقول: (مُوغِرِين في نحر
الظهيرة، أي: من أَوْغَرَ، واقفين في مكانٍ وغَر في شدة الحر)، هذا معنى
الواغرة: شدة الحر، حتى عندنا الآن في لغتنا العامية يقولون: والله ها اليوم حر
واغرة، واغرة يعني: شديدة الحر.
تقول: (فهلك مَن هلك فيَّ، وكان الذي تولى
كِبْرَه منهم عبد الله بن أبي ابن سلول. انتهى قولها..)، أيش؟
طلبة: (رواه الشيخان).
الشيخ:
(رواه الشيخان).
لما حصل الذي حصل هذا، وجد عبد الله بن أبي ونظراؤه من
المنافقين مُتَنَفَّسًا يتنفسون منه الصُّعَداء للقَدْح في النبي صلى الله عليه
وسلم، فجعلوا يتكلمون: أيش اللي جابه، أيش اللي خلَّفه، أيش الذي خلَّف عائشة؟! ثم
صاروا يَشُون الحديث ويصوغونه ويُزَخْرِفُونَه، حتى شاع الخبر وانتشر.
النبي
عليه الصلاة والسلام تألَّم، ولا بد أن يتألم، تألم في الحقيقة من وجهين؛ أولًا: أن
عائشة رضي الله عنها فراشه وأحب نسائه إليه، وهو يحبها وهي تحبه، والشيء الثاني:
أنها بنت أعز الناس إليه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكيف يقع هذا الأمر، وكيف
يكون؟!
ولذلك ضاقت على النبي صلى الله عليه وسلم الضائقة، حتى إنه مع شدة صبره
ومع فهمه لأهله ونزاهتهم وبُعْدِهم عما رُمُوا به، حتى إنه دخل عليه شيء مما دخل،
فصار يستشير بعض أصحابه هل يفارق عائشة أو لا يفارقها، منهم من يشير عليه بعدم
المفارقة، ويقول: أهلك يا رسول الله، لا نعلم إلا خيرًا.
ومنهم من أشار عليه بالمفارقة، بما رأى من تَأَذِّيه صلى الله عليه
وسلم، وقال: إنه إذا فارقها يستريح، وممن أشار بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قريب النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى من
النبي عليه الصلاة والسلام مشقة عظيمة، وأذى كبيرًا، فقال: لعله إذا طلَّقها يستريح
ويطمئن.
لكن كبار الصحابة رضي الله عنهم قالوا: هذا أمر لا يمكن، وممن أشار
عليه أسامة بن زيد بأن يمسكها ولا يطلِّقها.
على كل حال بقي الأمر هكذا في
زعزعة وقلق وشدة إلى تمام الشهر، عائشة رضي الله عنها ما كانت تعلم فيما يخوض فيه
الناس، ولا تدري عن شيء؛ لأنها كانت مريضة، وكانت في بيت والدها، ولا علمت بشيء إلا
في آخر الأمر؛ خرجت تقضي حاجتها، فعَثَرَت، فقالت لها أمها أم رومان: تَعِسَ مسطح؛
لأن أمها أيضًا ما في قلبها إلا ما حصل، وإنما خَصَّت مسطح بن أثاثة من بين الذين
قالوا ما قالوا؛ لأنه كان ابن خالة أبي بكر قريبًا منه، وكان المفروض أن مثله يدافع
عن هذه القضية؛ لقرابته، لكن كان أمر الله قدَرًا مقدورًا.
لما قالت: تعس مسطح،
استغربت عائشة رضي الله عنها من أم رومان؛ تقول في مسطح ما تقول، مع أنه ابن خالة
أبي بكر؟! فسألت: ما شأنه، ما الأمر؟ فأخبرتها بالأمر، وقالت: إن الناس يخوضون في
هذا الأمر منذ كذا وكذا، فازداد ألمها ألمًا، ومرضها مرضًا، حتى جعلت تبكي، ما تنام
رضي الله عنها، وحُقَّ لها أن تفعل هذا؛ لأن الأمر عظيم.
فجاء النبي عليه
الصلاة والسلام ذات يوم إليهم، تقول أنها أيضًا قد استنكرت من النبي صلى الله عليه
وسلم؛ لأنها كانت تعتاد منه لين الجانب، والتَّحَفِّي عند السؤال إذا مرضت، ودخل
عليها يسأل ويتحقق، أما في هذه المرة ما كان يتحقق، بل يقول: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، ويجلس قليلًا ثم يخرج.
في يوم من
الأيام كان قد جاء، وقال: «كَيْفَ تِيكُمْ؟»، على
العادة، فبينما هو جالس إذ نزل عليه الوحي بالفرج من الله عز وجل، وببراءة عائشة
رضي الله عنها، فلما سُرِّيَ عنه، وإذا هو يضحك عليه الصلاة والسلام، فقال لها:
«أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ»، فَقَالَتْ: منك أو من الله؟ قال:
«بَلْ مِنَ اللهِ»، فقالت: الحمد لله.
ثم
انتهت قصة الإفك، ولكن حصل ما حصل فيها من هذا البلاء العظيم.
***
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ، أي: من هؤلاء العُصْبة، مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، قال المؤلف: (أي: عليه)، فتكون اللام بمعنى (على)، هذا ما رآه المؤلف؛ أن اللام بمعنى (على).
وإذا كانت مُضَمَّنَة معنى (على) فلماذا عُدِل عنها للام؛ لتفيد الاستحقاق، وأنهم مُستحِقُّون لما عليهم من الإثم، فاللام إذن للاستحقاق، أي: لبيان أن هؤلاء العُصْبة الذين ارتكبوا ما ارتكبوا مُستحِقُّون لما عليهم من الإثم.
وقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَفي هذا العدل من الله عز وجل في المجازاة على السيئة، وأن الإنسان لا يحمل إلا ما اكتسب لا زيادة، وفيه أيضًا دليل على أن هذه المسألة ليسوا مُشْتَرِكين في إثم واحد، بل كل واحد له إثمه الكامل فيما اشترك فيه من هذه القضية.
وقوله: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُأي: تَحَمَّل معظمه، فبدأ بالخوض فيه وأشاعه، وهو عبد الله بن أبي، لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، هو النار في الآخرة).
شوف الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُأتى بالجملة على هذه الصفة للمبالغة، ما قال: ولمن تولى كبره منهم عذاب عظيم، بل قال: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، جعلها في الحقيقة جملتين، جملتين في جملة؛ لأن الَّذِيمبتدأ، ولَهُخبر مقدم، وعَذَابٌ عَظِيمٌمبتدأ ثانٍ، فكأنها صارت الجملة جملتين؛ لبيان الأهمية، والتأكيد والإشارة إلى أن تولِّيه لهذا الشيء أمر عظيم.
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُتولى الشيء بمعنى: احتفى به وأَوْلَاه عنايته، وقوله: كِبْرَهُأي: معظمه، فكِبْرُ الشيء بمعنى معظمه، يعني ابتدأ به، وصار يُغَذِّيه ويُنَمِّيه ويذكره في المجالس، ويُوغِر الصدور به، وهو عبد الله بن أُبَيّ، وهو جدير بمثل هذه الخِسَّة؛ لأنه منافق، بل هو رأس المنافقين، وهو يتمنى أن يقع مثل هذا الأمر ليجد فيه منفذًا للطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم وبفراشه، وبخاصَّةِ أصحابه، لعنه الله.
يقول: لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، عَذَابٌأيش معنى العذاب؟ عقوبة، وعَظِيمٌبمعنى عظيم في قدره، وعظيم في نوعه وجنسه، وعظيم في أمده؛ لأنه -والعياذ بالله- في الدرك الأسفل من النار، لا يوجد أحد من أهل النار أسفل من المنافقين، ورأس المنافقين في هذه الأمة مَن؟
طلبة: عبد الله بن أُبَيّ.
الشيخ: عبد الله بن أُبَيّ، فيكون هو أسفل مَن في الدرك الأسفل من النار، ولذلك عظُم عذابه -والعياذ بالله- في شكله، ومُدَّته، وفي قدره، فهذا الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.
بقينا هل حُدَّ هؤلاء الذين تكلّموا، ويش الجواب؟ ما حَدَّ النبي عليه الصلاة والسلام منهم إلا المؤمنين فقط، وهم حسان بن ثابت رضي الله عنه، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَة بنت جحش، حمنة بنت جحش من هي؟ أخت زينب بنت جحش، وزينب زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، على أنها ضرَّة عائشة رضي الله عنها، لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة أَثْنَت عليها خيرًا، وأختها هلكت فيمن هلك، فحَدَّهُم النبي عليه الصلاة والسلام حد القذف، ثمانين جلدة.
وأما المنافقون فما حَدَّهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ إما لأن الحد تطهير وكفَّارة، والمنافقون ليسوا أهلًا للتطهير ولا للكفارة، وهذا تعليل واضح؛ واضح من حيث المعنى، لكن من حيث الواقع قد يكون غير واضح؛ لأن المنافقين يُظْهِرُون أنهم مسلمون، فكان ينبغي أن تُجْرَى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة، وتبقى سرائرهم إلى الله عز وجل.
وقال آخرون: إنما لم يَحُدَّهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ما كانوا يُصَرِّحون،لم يصرحوا بأن صفوان فعل بعائشة مثلًا، ولكنهم كانوا يجمعون الحديث ويصيغونه بعبارات تعطي هذا المعنى، لكن بدون تصريح، ومعلوم أن من لم يُصَرِّح بالزنا ما يُحَدّ للقذف، فلذلك لم يحدهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام ترك حَدَّهم لهذا ولغيره، قد يكون مثلًا ترك حد عبد الله بن أُبَيّ لأنه رأس المنافقين، وكان زعيمًا في قومه، فيخشى أن يكون في ذلك فتنة كبيرة، وحد القذف -على القول بأنه للآدمي- يجوز إسقاطه إذا أسقطه من هو له.
لكن الذي يظهر -والله أعلم- أن السبب في ذلك أن المنافقين كعادتهم، المنافق (...)، ولا يستطيع أن يصرِّح، وعادته الخداع في كل شيء، فتجدهم لا يصرِّحون، ولكن يحومون حول الشيء حتى يملؤوا قلوب الناس منه، ولهذا الصحابة الذين هم صُرَحَاء صَرَّحوا بما ظنوه، وإن كان ظنًّا باطلًا، لكن على كل حال هم ظَنُّوا هذا فصرَّحوا به، فحَدَّهم النبي صلى الله عليه وسلم حد القذف.
***
ثم قال الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ، لَوْلَايقول المؤلف: (هَلَّا إِذْحين سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْأي: ظن بعضهم ببعض خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌكذبٌ بَيِّنٌ، فيه التفات).
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُيقول الشارح: (لَوْلَابمعنى هلَّا). فهي أداة تحضيض، وفيها شيء من التوبيخ، حيث ظنوا أمرًا لا ينبغي أن يكون، يعني هَلَّا إذ سمعتموه، أي سمعتم هذا الخبر الذي فَشَا ولا أصل له.
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، أولًا: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُيقول المؤلف: (فيه التفات من الخطاب)، يعني إلى الظاهر، لولا إذ سمعتموه، ويش مقتضى السياق أن يقال؟ ظننتم بأنفسكم خيرًا، لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا، لكنه قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، فالتفت منين؟ من الخطاب إلى الظاهر، يعني من ضمير الخطاب إلى الاسم الظاهر، وقد مر علينا سابقًا أن للالتفات فائدتين على الأقل، ما هما؟
طالب: تنبيه السائل.
الشيخ: التنبيه، هذه واحدة.
طالب: التحدي.
الشيخ: لا، ما هو بدائم التحدي الفائدة الثانية يُعَيِّنها السياق، فالالتفات على كل حال فيه الفائدة المتيَقَّنَة المعيَّنة هي التنبيه، ليش؟ لأن مجرى الخطاب إذا اختلف، أيش يقتضي؟ يقتضي أن ينتبه الإنسان، ولهذا كان بعض الخطباء يغير الأسلوب، لا من خبر إلى إنشاء، أو من إنشاء إلى خبر، أو من استفهام إلى إثبات، وما أشبه ذلك، حتى في الصوت والإلقاء تجده يغير لأجل أن ينتبه؛ لأن الناس إذا خوطبوا على وتيرة واحدة في الخطاب يمكن يتوهون، لكن إذا تغير الأسلوب أو كيفية الأداء يحصل بذلك الانتباه، إذن فائدة الالتفات ما هي؟ التنبيه هذه فائدة معينة في كل التفات والفائدة الثانية؟
طالب: يعينها السياق.
الشيخ: الفائدة الثانية نقول: يعيِّنها السياق، ما نقدر نحدِّد أو نعيِّن هنا الآن، يعيِّنها السياق، إذن نشوف الفائدة الثانية هنا ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ، ولم يقل: ظننتم، إشارة إلى أن ظنهم هذا يُخْرِجهم من الإيمان؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين ما ظنوا إلا الخير، ولم يقل: ظننتم خيرًا؛ لأنهم في ظنهم هذا الظن خرجوا من الإيمان، لكن ليس خروجًا مطلقًا إلا بعد نزول الآيات.
الفائدة الثانية بعد فائدة التنبيه، الإشارة إلى أنهم في ظنهم هذا ليسوا بمؤمنين؛ لأن المؤمنين لا يظنون إلا الخير، الفائدة الثانية أنه كان ينبغي عليهم أن يظنوا هذا الظن لأنهم مؤمنون، هم يقولون إنهم مؤمنون، وهم مؤمنون حقًّا، فكان ينبغي عليهم ويش أن يظنوا؟ أن يظنوا خيرًا، فعندنا الآن هم ظنوا ما ظنوا، فكانوا بذلك غير مؤمنين؛ إذ المؤمنون لا يظنون إلا خيرًا.
ثانيًا: كان ينبغي عليهم لإيمانهم أيش؟ أن يظنوا خيرًا.
وقوله تعالى: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ؛ لأن الواقع أن القضية بين ذكر وأنثى، كذا صفوان بن المعطل وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فهي من الجنسين، ولذلك قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ، نص على الجنسين؛ لأن القضية أو التهمة في الجنسين جميعًا؛ في صفوان، وهو من المؤمنين، وفي عائشة، وهي من المؤمنات، ولهذا قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَالذين هم بمنزلة صفوان، وَالْمُؤْمِنَاتُاللاتي هن بمنزلة من؟ عائشة.
وقوله: بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًاهل معناه أني أنا أظن بنفسي خيرًا، وأن اتهام عائشة يكون الإنسان ظن بنفسه شرًّا، أو أن المراد بالأنفس هنا الجنس؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، والمعنى: ظنوا بأنفسهم، أي: ظنوا بصفوان وعائشة، بل وبالنبي عليه الصلاة والسلام خيرًا، فهل هذا المراد أو المراد الأول؟ أنتم فاهمون السؤال الآن؟ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْهل المراد بِأَنْفُسِهِمْأنفسهم هم، يعني بأعينهم، أو المراد بِأَنْفُسِهِمْ: بعائشة وصفوان والنبي صلى الله عليه وسلم، وجعلهم الله أنفسًا؛ لأن المؤمنين كلهم كنفس واحدة، كما في قوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] أي المعنيين يراد؟
طالب: الأخير.
الشيخ: إي، الأخير واضح، إن المراد ظنُّوا أي بعضهم ببعض، كما قال المؤلف، يعني ظنوا بأنفسهم، أي: بهؤلاء المتهَمين كذبًا وزورًا خيرًا؛ لأنهم من أنفسهم، يعرفونهم ويعرفون أحوالهم، وهم إخوانهم في الإيمان، أو إن المعنى الذي أشرنا إليه: بأنفسهم هم، يعني: يظنون خيرًا بأنفسهم، وكأنهم لو اتُّهِمُوا بهذا الأمر وهم يعرفون أنفسهم، ويش يظنون بأنفسهم؟ خيرًا وبراءة، يعني: كما أنكم لا تتَّهِمون أنفسكم لو قيل فيكم ذلك، فالواجب كذلك أن تظنوا بعائشة وصفوان رضي الله عنهما، ففسرنا المراد بالأنفس يُراد بها نفس الظَّانّ.
وكيف يعني يَتَنَزَّل المعنى؟ المعنى: يظنون بأنفسهم خيرًا، أي: بأن هذا الأمر لو كان أمرًا متهَمين به لكانوا يعرفون أنفسهم، ولا يمكن أن يصدِّقوا بهذا الأمر؛ لأنهم يعرفون أنهم نزيهون منه وبريئون منه.
على كل حال المعنيان محتملان، وكلاهما له وجه صحيح؛ فعائشة وصفوان من أنفس المؤمنين؛ لأن المؤمن مع أخيه كنفس واحدة، والذي يظن بأم المؤمنين وصفوان خلاف ما ينبغي كأنما ظن في نفسه، يعني: فكما أنك تعرف في نفسك، ولا تظن فيها مثل هذا الظن، فكذلك يجب أن تعرف أم المؤمنين وصفوان، فلا تظن فيهما إلا ما تظن في نفسك، فكما أنك لا تظن في نفسك إلا خيرًا، كذلك لا تظن في أم المؤمنين وصفوان إلا خيرًا.
بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، قوله: وَقَالُوامعطوفة على ظَنَّ؛ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَوَقَالُوا، وفي هذا أنه يجب على المؤمن إبطال الباطل بقلبه، ويش بعد؟ وبلسانه، ما يكفي أنك تعتقد أن هذا ما هو بصحيح، بل يجب أن تبيِّن بطلان هذا الشيء؛ لأن من يعتقد أن هذا الأمر غير صحيح ويسكت، ويش موقفه؟ موقفه سلبي في الواقع، غاية ما هنالك أنه برَّأ نفسه، لكن الواجب أن يُبْطِل الباطل.
ولهذا قال: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، أيش بعد؟ وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌلازم مِن ظنٍّ وقَوْل، ما يكفي أنك تعتقد أن ما قيل في عائشة وصفوان أنه إفك؛ بل يجب أن تقول، لماذا؟ لأجل أن نقابل هذا الباطل بالإبطال، وأما أن نسكت ونقول: والله احنا نبرأ إلى الله، ونقول: هذا ما هو صحيح أبدًا، ما يكفي هذا، لا بد أن نظن الخير، ويش بعد؟ ونُبْطِل، أيش نُبْطِل؟ الباطل.
وَقَالُوا هَذَا، وَقَالُوامعطوفة على ظَنَّ، فهي داخلة في التحضيض، أي أن الله تعالى يقول: الواجب أن يظنوا الخير، أيش بعد؟ وأن يُبْطِلُوا (...).
إذن الالتفات هنا من الغيبة إلى الخطاب فائدته التنبيه وقوة التوبيخ؛ لأن الخطاب أبلغ، انظر إلى قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١ - ٣]، في الأول عَبَسَللغائب، ثم قال: وَمَا يُدْرِيكَ؛ لأنه -النبي عليه الصلاة والسلام- كأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يخاطبه بهذا اللفظ: عبست وتوليت، بل عَبَسَ وَتَوَلَّى، حتى تَبَيَّن، ثم قال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىهذه مثلها.
المهم أنه إذا انْتُقِل من صيغة الغَيْبَة إلى صيغة الخطاب فله فائدة التنبيه، وزيادة فائدة أخرى تُسْتَفَاد من السياق.
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْذلك؛ لإلقاء الكلام إلى الغير، وفيه إشارة إلى أن هذا القول لا يصل إلى القلب، وإنما هو مجرد كلام باللسان، وذلك لتشكك كثير من الصحابة في هذا الخبر، وسبق أن جمهورهم وفضلاءهم أنكروه من أول الأمر.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وفي هذا من التوبيخ ما فيه؛ أن يقول الإنسان بفمه، بأفواه جمع (فاه)، وهو الفم، تقول بفمك ما ليس لك به علم.
إذا قال قائل: أليس القول بالفم؟ لماذا قال: تقولون بأفواهكم، مع أن القول لا يكون إلا بالفم؟
طالب: للفائدة التي ذكرت، يعني: لمجرد كلام وليس..
الشيخ: أي: وليس مستقرًّا في نفوسهم، إي نعم، هذا هو؛ لأنه مجرد كلام باللسان وبالفم، ولكنه لم يستقر في القلب؛ لأنه ليس عن علم.
وقد يقال: إن هذا من باب التأكيد، كما في قوله: مشى برجله إلى فلان، تحقيقًا للمشي، يعني أنه قول محقَّق تقولونه قولًا صريحًا، وليس ذلك ظنًّا في النفس، فإن القول يُطْلَق على الظن، ومثله أيضًا: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: ٣٨]، فإن الطائر يطير بجناحيه، معلوم أن الطائر ما يطير إلا بجناحيه، وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ.
فعلى كل حال نقول: إن قوله: بِأَفْوَاهِكُمْإما أن يراد به تحقيق القول، وأنه ليس مجرد ظن أو تخيل، بل يقولونه صراحةً بأفواههم، وإما أن يقال: إن هذا القول على مجرد الفم فقط، ولا يصل إلى قرارة النفس؛ لأنهم وإن كانوا يقولونه لكن كأنهم مُسْتَبْعِدُونَه مُسْتَرِيبُون في حقيقته.
وقوله: مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌما أكثر ما يقع هذا من الناس! يفيد أنه لا بد أن الإنسان لا يقول قولًا إلا وله به علم، ما يكفي أن تقول قولًا لمجرد الظن، ولا لمجرد الوهم أو التخيل، لا تقل -خصوصًا في الأمور الخطيرة- إلا فيما لك به علم، ولهذا قال الله عز وجل في سورة الإسراء: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌيعني: لا تتبعه، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦]، فأنت مسؤول عن سمعك وبصرك وقلبك اللي هو محل الظن والاعتقاد.
إذن لا تقل ما ليس لك به علم، لا تتبع ما ليس لك به علم، فلا بد من أن يكون الإنسان على علم، وهذه تربية من الله عز وجل، تفيد أن الإنسان يتثبَّت فيما يقول؛ ليكون قوله معتَبَرًا، وليسلم من إثم القول بلا علم، لا سيما إذا كان القول على الله؛ فإنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، أو كان القول في مثل هذه الأمور الخطيرة التي فيها القدح بالنبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته، وأصحابه، وبالتالي القدح في الدين؛ لأنه إذا قدح في الرسول الذي جاء به فهو قدح في نفس الدين الذي أتى به هذا الرسول (...) فيه.
قال الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا: لا إثم فيه، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌفي الإثم، في هذه الجملة من تعظيم هذا الأمر ما فيه، يعني: تحسبون أن القول في هذا الأمر هينًا، وأنها كلمات تقال وتُنْقَل، لكنه عند الله عظيم، ويتعاظم كلما كان الإنسان المقُول فيه أبعد عما قيل فيه.
ولهذا قَذْف المحصَن فيه الحد، وقَذْف غير المحصَن فيه التعزير، يعني لو قذف إنسانًا متهمًا بالزنا وليس عفيفًا عُزِّر فقط، ولو قذف إنسانًا معروفًا بالعفة وجب فيه الحد كاملًا، ولهذا قال: تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
وقلنا: إنه يتعاظم بحسب إيش؟ حال المقذوف المتكلَم فيه، وكذلك إذا لم يكن الكلام قذفًا يكون أعظم بحسب حال القول، ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]، فأعظم الكذب الكذب على الله، ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا يتعاظم الكذب بحسب من نُمِيَ إليه الكلام.
***
ثم قال تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ، هو للتعجب، هَذَا بُهْتَانٌ: كذب، عَظِيمٌ.
لَوْلَابمعنى هَلَّا، وهي للتحضيض الْمُشْرَب بالتوبيخ.
إِذْ سَمِعْتُمُوهُويش الضمير اللي يعود عليه؟ على الإفك، قُلْتُمْهذه جواب لَوْلَا.
مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، مَا يَكُونُيقول المؤلف: (ما ينبغي لنا)، واعلم أن كلمة (ما يكون)، وكلمة (ما ينبغي) تأتي للشيء الممتَنِع، عندما نعبِّر في كتب الفقه: (ولا ينبغي أن يفعل كذا وكذا)، أيش المراد؟ أن ذلك ليس بمستحَب فقط.
لكن عندما تأتي (ما ينبغي) في كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يراد بها الممتَنِع غاية الامتناع، الذي لا يصح ولا يليق، كما في قوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، أيش ما ينبغي يعني؟ يعني: يمتنع غاية الامتناع، ولا يليق ولا يصح.
وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» ، أيش معنى «لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ»؟ أنه ممتنع، لا يليق ولا يصح أن ينام سبحانه وتعالى؛ لكمال حياته.
على كل حال مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَيعني: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، ولا يصح منا أن نتكلم بهذا، لماذا؟ (...)
لأنه أيش؟
طالب: ممتنع.
الشيخ: لماذا هو ممتنع؟ لأنه لا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أبدًا، يمتنع حسب ما تقتضي حكمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الأمر واقعًا من أهل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لما في ذلك من الأمر الذي لا يليق بحكمة الله عز وجل، ولهذا قال: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا؛ لخطورة الأمر وعظمه (...).
وقوله: سُبْحَانَكَهو للتعجب هنا، هذا ليس بصحيح أنه للتعجب، ولكنه للتنزيه البالغ، يعني: نُنَزِّهك يا ربنا أن يقع هذا من أهل بيت رسولك صلى الله عليه وسلم، سُبْحَانَكَيعني: تَنْزيهًا لك عما لا يليق بك، ومنه أن يقع مثل هذا من أهل النبي صلى الله عليه وسلم.
فكلمة سُبْحَانَكَفي هذا الموضع من أحسن ما يكون، بل هي أحسن ما يكون في الحقيقة، مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَاليش؟ لأن ذلك ينافي تنزيهك، ولهذا قالوا: سُبْحَانَكَ، أي: سبحانك أن يقع هذا من أهل بيت نبيك صلى الله عليه وسلم، وليس للتعجب أنهم يتعجبون مما قيل، لا، بل إنهم يُنَزِّهون الله سبحانه وتعالى عما نُسِب إلى أهله، يعني: تنزيهًا لك يا ربنا أن يقع مثل هذا في بيت رسولك صلى الله عليه وسلم، فهذا التنزيه في هذا المقام من أحسن ما يكون، بل هو أحسن ما يكون.
هَذَا بُهْتَانٌ: كذب عَظِيمٌ، هَذَا بُهْتَانٌ: كذب؛ لأنه خلاف ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وعظيم، ليش وُصِف بالعِظَم؟ المقام يا جماعة، أيش مقامه؟ في أهل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، أي بهتان أعظم من بهتان يكون فيه القدح بالنبي عليه الصلاة والسلام وأهل بيته وأصحابه.
عَظِيمٌواضح عِظَمه، لو كان هذا قذفًا لفلان، أو لفلان، أو لفلان، صار عظيمًا، لكن ليس كعِظَم هذا، ليس كعِظَم ما نُسِب لأهل الرسول صلى الله عليه وسلم، فلذلك وُصِف بالعِظَم؛ لأن محله؟
طالب: قذف (...).
الشيخ: نعم، قال الله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ: ينهاكم، أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أو إنا أسقطنا جملة من قبل في الشرح، وهي قوله: تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، قال: (حُذِف من الفعل إحدى التاءين) أصله: إذ تتلقونه بألسنتكم، ولا يمكن أن نقول: إن (تَلَقَّى) هنا فعل ماضٍ، ما يمكن أن نقول: إنها فعل ماضٍ، فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤]، ممكن أن يقال فيها: فعل ماضٍ، لكنها فعل مضارع، هي أصلًا (تتلظى)، لكن هنا هل يمكن أن نجعل (تلقى)؛ لأن (تلقى) فعل ماضٍ، لو جاءت مجرَّدة: تلقيت الحديث، تَلَقَّوْنَهُيمكن هنا نجعلها فعلًا ماضيًا ولَّا ما يمكن؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، لماذا؟
طالب: لأن (إذ) لما يُسْتَقْبَل.
الشيخ: لا؛ لأن (إذ) للتعريف هنا.
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: لأنه قال بعدها: وَتَقُولُونَ.
الشيخ: لا، أصلها الفعل الماضي ما تأتي فيه الواو والنون، تأتي فيه الواو صحيح (تلقوا)، لكن ما تأتي النون؛ لأن النون من الأفعال الخمسة؛ المضارع، وهنا فيها نون ولَّا لا؟ تلقون تَلَقَّوْنَهُ، فإذن هنا لا يجوز أن تكون فعلًا ماضيًا، فيقينًا أنه حُذِفَ منها إحدى التاءين.
ثم قال المؤلف: (و(إذ) منصوب بـ(مسكم) أو (أفضتم))، وهنا: (لمسكم إذ تلقونه) أو: (أفضتم إذ تلقونه)، ويُستَفَاد من كلام المؤلف أن (إذ) هنا اسم، وقد مر علينا أن كثيرًا من الْمُعْرِبين يجعلون (إذ) التعليلية يجعلونها حرفًا لا اسمًا؛ لأن المعنى: من أجل كذا.
قال الله عز وجل:..
طالب: (...) تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ.
الشيخ: إي نعم، يعني: ما يصل إلى قلوبكم، غاية ما هنالك أنه يصل إلى اللسان وتنطقون به.
الطالب: الباء؟
الشيخ: الباء هذه للتعدية، وأصل التلقي يكون بالسمع في الحقيقة، تلقِّي الكلام بالسمع، لكن على أساس أنه بمجرد ما يتلقاه يُفِيض به، يقوله، هذا السبب.
***
قال: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًاالوعظ يقول المؤلف: (ينهاكم الله أن تعودوا)، والأمر والنهي موعظة؛ ولهذا قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨]، فجعل الأمر موعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها، هكذا هنا.
يَعِظُكُمُ اللَّهُأي: يحذِّركم بالموعظة، والتحذير متضمِّن للنهي، وعلى هذا فيجب أن نعرف أن قول المؤلف: (ينهاكم) ليس تفسيرًا لها بمقتضى اللفظ، ولكن بما يدل عليه المعنى، وإلا فالموعظة التحذير بما يُلِين القلب تخويفًا أو ترغيبًا، فمعنى يَعِظُكُمُأي: يُحَذِّركم الله سبحانه وتعالى.
أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِيعني: من أن تعودوا ترجعوا لمثله، أَبَدًايعني: ما دمتم أحياء.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَهل هي شرط للموعظة: ليعظكم أو لا، أو جملة مستقلة، والتقدير: إن كنتم مؤمنين فاتعظوا بذلك؟ يقول المؤلف: (إن كنتم مؤمنين) ويش بعد؟ (تتعظون بذلك)، هذه الجملة في الحقيقة إن قلت: إنها شرط في قوله: يَعِظُكُمُ؛ يَعِظُكُمُ اللَّهُإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإنه يجب أن يؤول الموعظة هنا بالموعظة النافعة، لا بمجرد ذكر الموعظة؛ لأن الموعظة لا تنفع إلا بشرط الإيمان.
وأما إذا قلنا: إن الموعظة بيان ما يَتَّعِظ به المرء، فليس الإيمان شرطًا في ذلك، فإن موعظة الله مُلْقَاة لكل أحد، سواء كان مؤمنًا أم غير مؤمن، ولكن لا ينتفع بها إلا المؤمن، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِهذا عام، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧].
فالحاصل أن نقول: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إن كانت قيدًا في قوله: يَعِظُكُمُ، فالمراد بالموعظة الموعظة النافعة؛ فإنها هي التي تنفع المؤمن.
وإن كانت الموعظة إلقاء ما به الوعظ للناس، سواءٌ انتفعوا أو لم ينتفعوا، فإن قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَمستقلة، وجوابها محذوف، أي: إن كنتم مؤمنين فاتَّعِظوا بما وعظكم الله به.
وفيه إشارة إلى أنه لا ينتفع بالموعظة إلَّا المؤمنين، على كلا الاحتمالين هي إشارة واضحة على أنه لا ينتفع بموعظة الله إلا المؤمن، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع.
***
ثم قال الله تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، في الأمر والنهي، وَاللَّهُ عَلِيمٌبما يأمر به وينهى عنه، حَكِيمٌفيه).
يُبَيِّنُبمعنى: يُظْهِر، والْآيَاتِبمعنى العلامات الدالة عليه سبحانه وتعالى، وقد مر علينا أن الآيات تنقسم..؟
طالب: الآيات تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية؛ وهذه (...) كلها، والآيات الشرعية (...) وهي القرآن.
الشيخ: ما تضمنه وحيه المنزل على رسله، سواء القرآن أو غير القرآن، فالآيات الكونية هي ما خلقه الله في الكون وقدَّره، وهذه ظاهرة للمؤمنين وغيرهم، حتى المؤمنون يعرفون أن هذه آيات ما يستطيع البشر أن يفعل مثلها، وآيات شرعية لا تتبين وتظهر إلا للمؤمنين، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، أيش فيه؟ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، فالآيات الشرعية التي تضمنها وحيه المنزَّل على رسله لا يستفيد منها إلا المؤمن، أما الكافر -والعياذ بالله- فإنه يزداد بها رِجْسًا إلى رِجْسه، ويموت على كفر.
الآيات الكونية حتى غير المؤمنين بالله سبحانه وتعالى، يعني غير المنقادين والْمُذْعِنين لشرائعه يؤمنون بأن مثل هذه الأمور لا يمكن لبشر أن يأتي بها على اختلاف مشاربهم.
لهذا نقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِأي: يُظْهِرها حتى تتبين، ولا فرق في ذلك بين الآيات الكونية والآيات الشرعية، ولهذا لما خسفت الشمس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ماذا قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ» ، حتى خسوفهما من آيات الله؛ لأنه لو أن البشر كلهم اجتمعوا على أن يكسفوا الشمس، يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون.
فإذن هو من آيات الله؛ لأن الآية معناها هو ما يدل على ما كانت آية لهم، بمعنى أنها لا يمكن أن يأتي بها أحد سوى من كانت آية لهم.
وقوله تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ، قول الشارح أو المفسر: (في الأمر والنهي) كأنه حملها على الآيات الشرعية، والحقيقة أنها شاملة للآيات الشرعية والآيات الكونية.
وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، عَلِيمٌأي: ذو علم واسع شامل فيما يتعلق بفعله، وفيما يتعلق بفعل المخلوقين، والله سبحانه وتعالى عليم بما كان، وما سيكون من فعله ومن فعل المخلوقين،
وحَكِيمٌسبق لنا أنها مشتقة من أين؟
طالب: من الحِكْمة والحُكْم.
الشيخ: من الحِكْمة والحُكْم، صحيح، وسبق لنا أن الحكمة تكون في..؟ هذا هو المطلوب.
طالب: الحكمة على نوعين..
الشيخ: لا، موضعها؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، موضع الحكمة، الشرع والقَدَر، تكون أولًا في الشرع والقدَر، فكل ما شرعه الله فإنه مطابق للحكمة، وفي القدَر كل ما خلقه الله فهو مطابق للحكمة، فمحلها إذن الشرع والقدَر، أما هي الحكمة نفسها فهي على ثلاثة أشياء في أيش؟
طلبة: في الإيجاد، والصورة، والغاية.
الشيخ: في الإيجاد والصورة والغاية، فإيجاد الشيء حكمة، لولا أن الحكمة في وجوده ما وُجِد، وكونه على هذا الشكل المعيَّن أو بهذه الصورة المعيَّنة هو أيضًا حكمة، والغاية منه أيضًا حكمة، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥].
إذا ضربنا اثنين في ثلاثة كم تكون؟ الشرع والقدَر، وكل منها إما في الإيجاد، أو في الصورة، أو في الغاية، تكون الجميع ستة، أما الحُكم فإنه ينقسم أيضًا إلى قسمين: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني؟
طالب: قوله تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ.
الشيخ: الكوني، هذا كوني؟ لأن هذا لاحظ أنه ذُكِر بعد أن قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، أيش يصير هذا؟ شرعي؛ لأن الأمور هذه اللي سبقت كلها تشريعات، هذا مثال للشرعي، مثال الكوني؟
طالب: حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي.
الشيخ: إي، قول أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يوسف: ٨٠].
إذا كان الحكم كونيًّا أو شرعيًّا كله مطابق للحكمة، فهل يلزم أن نعرف هذه الحكمة، ولَّا ما يلزم؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم، لكن يجب علينا أن نؤمن بأنه ما من شيء أوجده الله أو شرعه إلا وله حكمة، لكننا لقصورنا يخفى علينا كثير من هذه الحكم.
***
ثم قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُباللسان، لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
قلنا: إن مثل هذا التركيب كونه يأتي في الجملة على جملتين يفيد ذلك التأكيد، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ لَهُمْ، ما قال: إن للذين يحبون أن تشيع الفاحشة عذابًا، فجعل المسألة جملتين: صغرى وكبرى؛ فقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌهذه الكبرى، وقوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌهذه الصغرى، سُمِّيت صغرى؛ لأنها قائمة مقام الاسم المفرد إذ هي خبر، والأصل في الخبر أن يكون مفردًا، أرجو أن ننتبه؛ لأنه أمس نسيت أنا أن أبحث هذا.
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَهذه الأولى، إِنَّ الَّذِينَأيش إعرابها؟ اسم (إن)، فهي في محل المبتدأ، يُحِبُّونَصلة الموصول، أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوامفعول يُحِبُّونَ، لَهُمْخبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ مؤخَّر، والجملة خبر إِنَّ.
إذن هذه الجملة نقول: تضمنت جملتين: صغرى وكبرى؛ الكبرى المجموع: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، هذه جملة كبرى، والصغرى: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وسمَّيناها صغرى وإن كانت مكوَّنة من مبتدأ وخبر؛ لأنها خبر، فهي في مقام المفرد؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا، تقول مثلًا: الطالب فاهم، (فاهم) خبر المبتدأ مفرد، تقول: الطالب له فهم، صارت الآن جملة، والجميع جملتان، كبرى؛ وهي مجموعهما، وصغرى؛ وهي الجملة التي صارت خبرًا، والله أعلم.
(...) يمكن أن ينكرها؛ لأنها آيات كونية واقعة للناس؛ الليل، والنهار، والشمس، والقمر، طيب والشرعية؟
طالب: (...).
الشيخ: هل بيَّنها الله تعالى وهي ظاهرة لكل أحد ولَّا لا؟
طالب: بَيَّن (...).
الشيخ: بيَّنَها، لكنها ليست ظاهرة لمن أعمى الله بصيرته، كما قال الله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ، وأيش بعده؟ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت: ٤٤]، إذن فبيان الآيات واتضاحها إن كانت كونية فهي واضحة، ولا أحد يشك فيها، وإذا كانت شرعية فهي واضحة في حد ذاتها، لكن من الناس من يعمى عنها، إي نعم.
كما أنه أيضًا ربما يقال: حتى الآيات الكونية ربما يعمى عنها بعض الناس في الحقيقة عند التأمل؛ لأن من الناس من يظن أن هذه الآيات ليست ناتجة، أو ليست من فعل الخالق، وإنما هي طبائع تتفاعل ويتولد بعضها عن بعض، وبدون أن يكون لها مُدَبِّر أو خالق، وعلى هذا فتكون أيضًا الآيات الكونية كالآيات الشرعية، خلافًا لما قرَّرناه سابقًا.
***
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ، الَّذِينَاسم من الأسماء الموصولة، والمعروف في علم الأصول أن الاسم الموصول يفيد العموم، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَيكون عامًّا.
وقوله: يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ، تَشِيعَبمعنى: تنتشر وتظهر، وقول المؤلف: (باللسان) هذا تفسير للشيوع، يعني تشيع بالقول وتظهر، ويتداولها الناس.
ولكن الأظهر أنها أعم من الشيوع باللسان، وأنها تشيع بالفعل بحيث يشاهدهم الناس، وبالقول بحيث يُشَاع عنهم ذلك.
فهؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، سواء يحبون أن تشيع بالقول -كما أشار إليه المؤلف: باللسان- أو يحبون أن تشيع بالفعل، بمعنى أن يظهر أمرهم ويتبين ويُرَوْن ويُشَاهَدُون.
وقوله: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، هذه جملة نسميها أيش؟ جملة صغرى؛ لأن إِنَّ الَّذِينَ، الَّذِينَاسم (إن)، وهي في محل المبتدأ، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌجملة خبرية خبر (إن)، وهذا يفيد التوكيد أوكد مما لو قيل: إن للذين يحبون أن تشيع الفاحشة عذابًا أليمًا، مثلًا، هذا أبلغ؛ لأنها تكون جملتين كأنهما مكررتان.
وقول المؤلف: (بنسبتها إليهم)، هذا بناءً على أن المراد بالشيوع شيوع اللسان، والأصح أنه أعم، أي: بنسبتها إليهم؛ فيما يقال فيهم، أو برؤيتها منهم فيما فعلوا.
وقول المؤلف: (وهم العُصْبة) هذا ليس بصحيح؛ لأنه أراد أن يفسِّر العام بالخاص؛ لأن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة هو خاصٌّ بالعُصْبة الذين جاؤوا بالإفك، أو عامٌّ في كل أحد؟
طلبة: عامٌّ في كل أحد.
الشيخ: عامٌّ في كل أحد إلى يوم القيامة، حتى مثلًا من أراد أو من أحب أن تشيع الفاحشة في المؤمنين في زمنه، فهو داخل في هذه الآية.
وتخصيص الآية بشيء لا دليل عليه، هذا لا يجوز، وقد قال أهل العلم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعرف أن صورة السبب قطعية الدخول، يعني: إذا ورد لفظ عام لسبب خاص فإن السبب الذي وردت من أجله قطعي الدخول في هذا العام، وغيره من أفراد العموم ليس قطعيًّا، ولكنه ظاهر فيه.
وبيان ذلك أن دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية ولَّا ظنية؟ دلالة ظنية، يعني ليست قطعًا؛ إذ يجوز أن يكون بعض الأفراد قد خُصِّص بحكم يخالف هذا العموم، ولهذا نقول: دلالة اللفظ العام على عمومه ظنية، فهمتم؟ لماذا نقول: ظنية؟ لاحتمال أن يكون بعض أفراده قد خُصَّ، إلا صورة السبب، يعني الصورة التي هي سبب هذا العموم فهي قطعية الدخول؛ لأنه ما يمكن أن نخرجها عن العموم وهو وارد من أجلها.
فمثلًا لو قال قائل: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ [المجادلة: ٢]، إلى آخره، لو قال قائل: إنه لا يدخل فيها أوس بن الصامت الذي ظاهَر من زوجته وهو سبب النزول، ماذا نقول له؟ نقول: هذا غير صحيح، قطعًا هو داخل.
لو قال قائل: إن الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم قد ظُلِّل عليه والناس حوله وهو صائم في السفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» ، لو قال قائل: هذا الرجل لا يدخل في هذا الحديث، نقول: غير صحيح، ولا يمكن؛ لأن الصورة التي هي سبب النزول قطعية الدخول، غيرها ما هو قطعي لكن ظني.
المؤلف رحمه الله الآن فَسَّر هذا العموم بالخاص، يجوز ولَّا ما يجوز؟ لا يجوز، إذا وُجِد لفظ عامٌّ يجب الأخذ بعمومه، وإن كانت دلالته على جميع أفراده -كما سمعتم- ظنية، لكن يجب الأخذ بعمومه، حتى يرد دليل على التخصيص.
فنقول: هذه الآية عامة في العُصْبة وغيرهم.
***
طالب: بحد القذف.
الشيخ: عندي: (بالحد للقذف)، والمعنى واحد.
(وَالْآخِرَةِبالنار لحق الله تعالى).
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ في الدنيا من العذاب ما ذكره المؤلف، وقد يكون عذاب أشد، لكن الآن المتبادَر لنا أن العذاب الأليم في الدنيا هو العقوبة.
وعَذَابٌكما أشرنا إليه سابقًا معناه عقوبة، وأَلِيمٌبمعنى مؤلِم، وأما عذاب الآخرة فهو عند الله أيضًا.
وقول المؤلف: (إن الحد للقذف وعذاب الآخرة لحق الله)، هذا يشكل عليه أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ شَيْئًا وَعُوقِبَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ» ، ولهذا قالوا: إن الحدود كفارة لأصحابها، الحدود -كحد الزنا، وحد السرقة، وغيرها- كفارة لأصحابها؛ إذ إن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين، فعلى هذا نقول: إن الآية هذه فيمن يحب أن تشيع الفاحشة لا فيمن أشاعها؛ لأنه إذا كان هذه فيمن يحب من أن تشيع الفاحشة، ولكن هو ما أشاعها، هل عليه حد في الدنيا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما عليه حد، مجرد محبة الإنسان لشيوع الفاحشة في المؤمنين ليس بقذف، فلا يُقَام عليه الحد، لكن يعذَّب أو يعاقَب بما يسميه أهل العلم التعزير، تأديب يردعه وأمثاله عن هذا العمل.
وأما عذاب الآخرة فيقال: إن هذا ما دام الأمر ليس بحد فقد لا يُعَزَّر، وحينئذٍ يكون العذاب عليه في الآخرة، وأما من أُقِيم عليه الحد لمعصية من المعاصي فإنه يكون كفارة له، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا كان هذا الوعيد فيمن يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، فكيف يكون حال من أشاع الفاحشة، أيهم أعظم؟
طالب: الذي يُشِيعها.
الشيخ: الذي يُشِيع أشد من الذي يحب أن تشيع؛ لأن الذي يُشِيع يحب ويفعل، أحب وفعل؛ إذ ما أشاع الشيء إلا لمحبته لشيوعه، فيكون قد أحب وفعل، والذي أحب قد لا يفعل، ومع ذلك له عذاب أليم، واضح أظن؟
***
طالب: وأنتم أيها العُصْبة بما قلتم من الإثم لا تعلمونه.
الشيخ: ما هي بعندي، بما قلت ماذا؟
طالب: (...).





