يجب على الإمام أن يقيمها، والتعزير بعض العلماء يقول: لا يجوز ليس كوجوب الحد،
الحدود فرائض، لا بد من إقامتها، والتعزير منهم من يرى أنه يرجع إلى اجتهاد الإمام،
إذا رأى أنه لا يُقام ما يقيمه، فإذا فرضنا أن الإمام اجتهد، سواء أخطأ في اجتهاده
أو أصاب، ولم يقم الحد عليه، فهذا معناه أنه يعاقب في الآخرة ولا بد.
طالب: نقول: إن الحديث عام والآية خاصة.
الشيخ: أيهم؟
الطالب:
(...).
الشيخ: لا، الحديث عام على عمومه، والآية كذلك،
الآية ظاهرها أنه يجمع له بين الأمرين.
الطالب:
والحديث.
الشيخ: والحديث يدل على أنه ما يسن له
الأمران، نعم، التوفيق هو هذا، أن نقول: إنه إذا فاته عذاب الدنيا أصيب بعذاب
الآخرة.
الطالب: فإذا عُزّر بمحبته الفحشاء؟
الشيخ: إذا عزّر بمحبته للفحشاء فلا يعذب في الآخرة؛ لأن الله لا
يجمع بين عقوبتين على العبد في ذنب واحد، لكن إذا فاته التعزير إما لكونه اجتهد
الحاكم أو لكونه أخفى نفسه أو ما أشبه ذلك يبقى عذاب الآخرة.
الطالب: كيف نعرف حبهم للفحشاء (...)؟
الشيخ: نعرفه بإظهارهم، كونه يقول: عسى الله يبين فلانًا؛ لأنه
إن أشاعها هو بنفسه صار مشيعًا، وإن كان ما أشاعها، لكن يحب، نعرف أنه يحب هذا،
يتتبع ويقول: ساروا الناس في هذا، وأيش عملوا؟ عرفنا أنه (...) فيها فاحشة.
***
وقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩] يقول المؤلف: (يعلم انتفاءها عنهم)، سواء هذا أو قصة أخرى؛ لأن الصحيح على العموم يعني انتفاء الفاحشة الذي أحب هؤلاء أن تشيع في المؤمنين يعلم سبحانه وتعالى أنها ليست فيهم أو أنها فيهم.وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَهذا النفي هل هو على إطلاقه، يعني لا تعلمون شيئا، أو: لا تعلمون ما يعلمه الله؟
الأخير، يعني لا تعلمون ما يعلمه الله، وإلا فعند الإنسان علم، الإنسان عنده علم وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل: ٧٨]، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]، لكن لا تعلمون ما عند الله من العلم، ولا تعلمون كعلم الله؛ لأن علم الله واسع شامل تام، وعلم الإنسان قاصر ناقص، يعني محدودًا وناقصًا، بخلاف علم الله سبحانه وتعالى، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم بمثل هذه الأمور حتى يكون لديه علم، وإذا كان لديه علم أيضًا فإنه يجب أن يتبع المصالح في ذلك، لو فرضنا أني أدري أن هذا الرجل أصاب فاحشة، فهل من المستحسن أن أرفعها إلى الإمام لتبين وتبرز؟ أو من المستحسن ألا أرفعها؟
الجواب: هذا يتعلق بالمصلحة، إذا كان هذا الذي وقعت منه الفاحشة رجلًا معروفًا بالعفة وبالصلاح، وأن الأمر بدر منه هكذا هفوة، فإنه لا ينبغي أن يُرفع إلى الإمام ويشهر، بل يُسر عليه ويُنصح، وإذا كان الرجل معروفًا بالشر والفساد كان من الواجب أن يبيَّن أمره ويُظهر ويُشهر.
ومثل ذلك أيضًا مسألة العفو؛ العفو عن الجناة هل هو أولى من الأخذ بالحق أو الأخذ بالحق أولى من العفو؟ نعم، ينبني على هذا التفصيل، إذا كان في العفو صلاح فالعفو أفضل، وإلا فالأخذ بالحق أفضل، وكل الآيات التي تندب إلى العفو هي مقيدة بقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ، نعم، قيد الله تعالى العفو بالإصلاح، وأيضًا من الناحية المعنوية أن يقال: العفو إحسان، والإصلاح واجب ولَّا لا؟ الإصلاح واجب، وطلب الصلاح واجب، والعفو إحسان، وإذا تعارض الواجب والإحسان أيهما يقدَّم؟
الواجب، فعلى هذا إذا تعارض إصلاح الخلق أو العفو عن هذا المجرم، نقول: إن الإصلاح أولى، هذا المجرم لو عفوت عنه ذهب يفعل إجرامًا بغيره، وإذا عفا ذهب يفعل إجرامًا آخر، وهكذا، فنقول: لا ينبغي العفو هنا إن لم نقل بتحريمه، وعلى هذا يتنزل فعل بعض الناس الآن، بعض الناس الآن إنسان مثلًا صدمه ولّا دعس له مال ولّا دعس له نفس، تجده على طول يبادر بالعفو، وهذا خطأ عظيم، هذا يجب أن الناس يبيَّن لهم أن الواجب النظر، إن هذا الرجل الذي تهور مثلًا ودعس هذا الآدمي أو هذه البهيمة أو هذا المال وأفسده هل هو إنسان متهور شرير؟ فإنه لا ينبغي العفو عنه، وهل أيضًا المصلحة أن نعفو عنه، أو ربما إذا عفونا أصبح الناس لا يبالون بهذا الشيء، يعني لو أن كل من جرى منه مثل هذا الأمر عُزّر، حُبس، وغُرِّم المال؛ ما كان الناس على هذا الوجه الذي ترون الآن، لكن مع الأسف إن بعض الإخوان تجده تأخذه العاطفة، ويأخذه الزهد في الدنيا أمام الصدمة العظيمة التي أصابته، ثم على طول يزهد، عندما يصاب مثلًا بمصيبة فادحة هذه ترخص الدنيا كلها عنده، نعم، يقول مثلًا: إذا راح عزيز هذا الذي عليّ عزيز ما يهمنا، الدنيا كلها صارت عندي ما (...) بشيء ثم على طول (...)، هذا خطأ، والواجب التعقل.
ولهذا الحقيقة أن الأخذ بالعاطفة دون عقل من شيم النساء، وليس من شيم الرجال، ولا من شيم أيضًا أهل الإصلاح، فإن الواجب في هذه الأمور أن ينظر ما هو الأصلح بالنسبة لهذا الشخص الخاص وبالنسبة للعموم.
***
ثم قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْأيها العصبة وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[النور: ٢٠] بكم لعاجلكم بالعقوبة) قرر الله سبحانه وتعالى هنا لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُإلى آخره؛ لأن المقام كله مقام عظيم، ففي الأول الآية التي قبل الإفك (...) في القذف، وهو أمر عظيم وتدنيس لأعراض المسلمين، فلولا فضل الله على المسلمين ورحمته بإقامة الحدود التي تردعهم وتمنعهم لحصل ما حصل، وكذلك ذكر لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُفي قصة الإفك، كم مرت علينا من مرة؟
طلبة: (...).
الشيخ: ثلاث؟
طلبة: (...).
الشيخ: هذه الثالثة؟ طيب.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، رَءُوفٌالرأفة: هي الرحمة المتضمِّنة للرقة البالغة، يعني أنها أخص من الرحمة المطلقة، رحمة وزيادة، ولهذا قال: رَحِيمٌ، فجمع بين الأخص من حيث المعنى والأعم، الرحمة أعم من الرأفة، كل رأفة فهي رحمة ولا عكس؛ لأنها -أي الرأفة- رحمة من نوع خاص، تقتضي زيادة في الرحمة وعناية به، والرحيم سبق أنه من أسماء الله سبحانه وتعالى.
وقد قسم العلماء الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة: هي الشاملة لكل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر وإنسان وبهيم، (...) ولهذا لو قال لك قائل: هل الكافر مرحوم ولَّا لا؟ نقول: بالمعنى العام مرحوم، لولا رحمة الله ما أكل ولا شرب ولا اكتسى ولا تزوج ولا ولد له إلى آخره، نعم، وأما الرحمة الخاصة فهي الخاصة بالمؤمنين التي تتضمن سعادة الدنيا والآخرة، وأما العامة: فهي سعادة في الدنيا فقط، وأما الخاصة سعادة في الدنيا والآخرة، هذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين.
***
ثم قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[النور: ٢١] أي طرق تزيينه) لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِالخطوات: جمع خُطوة، وهي عبارة عما بين المسافة التي بين القدمين في المشي، هذه الخطوة، والمراد بخطوات الشيطان طرقه، فعبر بالخطوة عن الطريق؛ لأن الطريق أثر الخطى، وقول المؤلف: (طرق تزيينه) نعم هو هكذا، الشيطان جميع طرقه مكروهة للنفوس، لكنه يزينها للإنسان حتى يدخل فيها، طرق الشيطان من حيث المعنى العام هي التكذيب والاستكبار، هذه الطرق العامة للشيطان، فالشيطان مكذِّب ومستكبِر، مستكبر مثلًا من أدلة استكباره أنه أبى أن يسجد لآدم، نعم، وتكذيبه أنه ادعى أنه خير من آدم، فإن هذا يقتضي أنه كذّب بكون آدم خيرًا منه، فهذه الطريق طريق الشيطان على سبيل العموم؛ التكذيب والاستكبار.
طيب التكذيب يقابل أيش؟ يقابل الأخبار، والاستكبار يقابل التكليف؛ الأوامر والنواهي. وإذا تأملت جميع المعاصي وجدتها لا تخرج عن هذين الأمرين؛ إما تكذيب وإما استكبار، فهو -أي الشيطان- طريقه مبني على هذين الأمرين: التكذيب والاستكبار، التكذيب فيما يتعلق بالأخبار، والاستكبار فيما يتعلق بالتكليف من الأوامر والنواهي.
طيب عندما نأتي للتفصيل مثلًا البخل من خطوات الشيطان ولَّا لا؟ نعم؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يأمر به.
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨] قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالفحشاء هنا البخل؛ لأن الآية في سياق الإنفاق، وإن كان الأصلح (...)، طيب الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟
الطلبة: (...).
الشيخ: من خطواته أيضًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ، وعلى هذا فالأكل بالشمال والشرب بالشمال يكون حرامًا؛ لأن الله نهى عن اتباع خطوات الشيطان، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى أيضًا أن يأكل الإنسان بشماله ويشرب بشماله ، ومن ثم نأخذ خطر تهاون الناس اليوم بهذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس -نسأل الله لهم الهداية الآن- يأكلون بالشمال ويشربون بالشمال، ويزعمون أن هذا تقدم ومدنية، والسبب هو الشعور بالنقص؛ لأن الإنسان مع الأسف متى شعر بنقصه فإنه لا بد أن يقلد من يرى أنه أكمل منه، فهؤلاء المخبولون ظنوا أن غيرهم من هذه الأمم الكافرة أرقى منهم وأشد تقدمًا، وصحيح أنهم أرقى منا في الصناعة وفي أمور الدنيا أرقى منا، لكن في الأخلاق والآداب التي أرشدنا إليها الإسلام ليسوا أرقى منا، إلا أنه بالنظر لحال المسلمين اليوم لا شك أن عندهم هم من الآداب الإسلامية التي يطبقونها لا عن قصد، ولكن لمجرد أنها أخلاق فاضلة، لا تعبدًا لله، خير منه، ومع الأسف أن المسلم الذي أمر بتطبيق هذه الآداب والأخلاق هو الذي تقاعص عنها، مع أن المسلم إذا طبقها يكون متصفًا بهذه الأخلاق الفاضلة، وهذه لا شك أنها نبل وشرف، وزيادة على ذلك يكون مأجورًا لأنه يفعلها امتثالًا لأمر الله ورسوله، أولئك إذا فعلوها يؤجرون ولَّا لا؟ ما يؤجرون، إنما يفعلونها لأنها أخلاق فاضلة، فهم مثلًا عندهم صدق في المعاملة وعندهم بيان وعدم غش وعندهم وفاء بالوعد، كل هذه من الصفات التي أمر الإسلام بها، كثير من المسلمين الآن متخلٍّ عن هذه الصفات، لكن إذا اتصف بها المسلم يكون محمودًا عليها ويكون مأجورًا عليها أيضًا؛ لأنه يفعلها امتثالًا.
أقول: إن خطوات الشيطان إذن طرقه التي يسير عليها والتي هي منهج سلوكه، وذلك دائر على أمرين؛ هما: التكذيب والاستكبار، وقد تكون خطوات الشيطان مبينة مخصوصة كما قلنا في مسألة الأكل بالشمال والشرب بالشمال.
قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُأي المتبع يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِأي القبيح وَالْمُنْكَرِشرعًا باتباعهما).
وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؛ (من) أيش نعربها؟ شرطية، (من) اسم شرط، و(من) الشرطية تحتاج إلى شرط وجزاء، يعني إلى فعل شرط وجواب شرط، أين فعل الشرط؟ يَتَّبِعْ، وجواب الشرط فَإِنَّهُالجملة فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، طيب عندنا الآن مَنْ يَتَّبِعْوعندنا الشيطان خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: فَإِنَّهُالضمير يعود على أيهما؟ إن نظرنا إلى أصل الجملة والموضوع قلنا: إنه يعود إلى مَنْ، يعنى التحدث الآن يعني جواب الشرط يعود على ما يعود عليه فعل الشرط، جواب الشرط يعود على ما يعود إليه فعل الشرط، وإذا نظرنا إلى السياق وإلى أقرب مذكور قلنا: إنه يعود إلى الشيطان، يصبح المعنى: ومن يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر، ليصير جملة فَإِنَّهُ...تكون دالة على جواب الشرط وليست هي جواب الشرط.
أما على ما سلك المؤلف فإنه يأمر، تكون هي جواب الشرط، هي بعينها جواب الشرط، واضح أظن أو ما هو بواضح؟ إذا قلنا: الضمير عائد على مَنْ يَتَّبِعْفإنه -أيْ مَن يَتَّبِع، أيِ المتَّبِع- كما قال المفسِّر، فالجملة هي جواب الشرط.
ويرجِّح هذا التقدير أن الأصل أن المذكور جواب الشرط، وأن الضمير في جوابه يعود على ما يعود إليه فعل الشرط، هذا الأصل، وأما على الرأي الثاني يقول: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، يقول: فإن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ويكون هذا دالًّا على الجواب، ويؤيد هذا -يعنى هذا الرأي- أن السياق في النهي عن اتباع أيش؟ خطوات الشيطان، فكأنه يقول: من يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وهذا أظهر من وجهين؛ لأن السياق يدل عليه، هذا وجه، ولأن المتبع لخطوات الشيطان قد لا يأمر بالفحشاء والمنكر، قد يفعل الفحشاء والمنكر ولكن لا يأمر بها، فليس بلازم من اتبع خطوات الشيطان أن يأمر بالفحشاء والمنكر، نعم، من اتبع اتباعًا مطلقًا، يعني الاتباع المطلق، لزم أن يأمر بالفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر.
فعلى كل حال الأرجح أن الضمير في قوله: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ، نعم، الأرجح أنه عائد إلى الشيطان، لا إلى المتبع، يرجحه أمران: أولًا: دلالة السياق عليه؛ لأن الله نهى عن اتباع خطوات الشيطان، ثم ذكر ما يؤيد هذا النهي من التحذير، حيث بين أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وهذا كل عاقل إذا علم أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر هل يسوغ لنفسه أن يتبع خطواته؟ الجواب؟ لا.
الوجه الثاني مما يؤيد ذلك: أن الذي يتبع خطوات الشيطان قد لا يأمر بالفحشاء والمنكر، قد يتبع ذلك بنفسه ولكن لا يأمر به، وكثير من أهل الضلال تجدهم ضالين بأنفسهم، لكن ما عندهم دعوة لما هم عليه، وإن كان نجد أيضًا أن كثيرًا أيضًا من أهل الضلال عندهم دعوة يأمرون بالفحشاء والمنكر، أي بما هم عليه، فالصحيح إذن أن الضمير في قوله فَإِنَّهُيعود على الشيطان، وإذا قلنا بأنه يعود على الشيطان يبقى النظر: أين جواب الشرط؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا قلنا: فَإِنَّهُأي الشيطان..
طالب: (...).
الشيخ: نعم، محذوف، تدل عليه هذه الجملة، وأيش تقديره؟ ومن يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، فمن اتبعه وقع فيه، والله أعلم. (...) من الآية التي قدر الزمن.
طالب: أيكون العذاب معنويًّا (...).
الشيخ: يمكن يكون العذاب معنويًّا بما يحصل له من الحسرة والقلق وما أشبه ذلك، يمكن يكون هذا.
طالب: النهي (...).
الشيخ: للتحريم نعم، النهي للتحريم، ولهذا إذا كان للتحريم ما يسوغه ما يفعل بعض الناس الآن: والله أنا آكِل، أخاف أني شربت باليمين، وأنا آكِل، أخاف أني ألوث الإناء.
***
وقد يكون الصفح بدون عفو، كما أن الإنسان يعرض عن هذا الاعتداء لكن قلبه مملوء على صاحبه ولم يعف عنه، وقد يكون العفو بدون صفح، بأن يتجاوز ولا يعاقبه على ذنبه، ولكنه ليس معرضًا عن هذا الذنب، كلما جاءت مناسبة ذكره، على هذا أمر الله تعالى بالأمرين جميعًا؛ يعفون ويصفحون، وهذا نظير قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن: ١٤] ففرق الله تعالى بين العفو والصفح.
قال الله تعالى: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢]، قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورَجَع إلى مِسْطَح –أو ورَجَّع إلى مِسْطَح- ما كان ينفقه عليه .
قوله أَلَا تُحِبُّونَهذا عرض أو تحضيض؟ هو عرض لكنه بمعنى التحضيض، يعني يحضنا أن نحب هذا الشيء، لكننا ليس المقصود أن نحب هذا الشيء فقط، بل أن نسعى في أسبابه؛ لأن من أحب شيئًا سعى في أسباب الحصول عليه، قد يَدَّعي كل واحد يقول: أنا أحب أن يغفر لي، ومع ذلك هو منهمك في المعاصي. من ترك الواجب وفعل المحرم، وهو يقول: أنا أحب أن يغفر لي، هل محبته هذه صادقة؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، ليست صادقة؛ لأن من أحب شيئًا سعى في الوصول إليه، ولهذا قال الله تعالى: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني فإذا كنتم تحبون ذلك فاعفوا واصفحوا عن غيركم، فإن من عفا وصفح عن غيره غفر الله له.
ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، الغفور مأخوذ من المغفرة، وهي ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست مطلق الستر، بل ستر مع التجاوز، أما الستر بدون تجاوز فليس بمغفرة، وإنما قلنا: إنها الستر مع التجاوز؛ لأن التجاوز هو الذي به الوقاية من العذاب، وأصل ذلك من الْمِغْفَر، فإن الْمِغْفَر يستر الرأس، أيش بعد؟ ويقيه، ويدل على ذلك أيضًا -على أن المغفرة هي الستر مع الوقاية- أنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا أَقَّرَ بِهَا قَالَ اللَّهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ، فدل ذلك على أن المغفرة غير الستر، وإلا لكانت المغفرة في الدنيا من قبل، فالمغفرة شيء والستر شيء آخر، لكن كل مغفرة تتضمن الستر، وليس كل ستر يتضمن المغفرة؛ لأن من غفر لك ولم يعاقبك معناه أنه ستر عليك؛ إذ لو عاقبك لفضحك، طيب أبو بكر رضي الله عنه، يقول المؤلف: إنه رجَّع أو رَجَع، نقول رجَع ولا رَجَّع؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن أنا قصدي هل نشدد الجيم أو نخففها؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يصلح التخفيف؟ قال الله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ [التوبة: ٨٣]، (إن رجَعك) بمعنى ردك؛ لأن (رجع) في الحقيقة تستعمل متعديًا ولازمًا، (رجع) فعل ماضٍ يستعمل متعديًا ولازمًا، فإذا قلت: (رجعت من كذا) فهذا لازم، وإذا قلت: (رجَعت إلى فلان ما استعرته منه) صارت الآن متعدية. إذن (رجع إلى مِسْطح ما كان ينفقه عليه) بمعنى (رَدَّ) فتصلح بالتخفيف.
طالب: إذا قلنا: إن الغفران بغير الستر؟
الشيخ: لا، ما هو بغير الستر، بمعنى مباين له، يعني ليس مجرد الستر.
طالب: الحديث يدل على (...).
الشيخ: نعم؟ وأيش يدل؟
الطالب: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ»، ألا يدل على (...).
الشيخ: لا، يدل، نعم يدل على أنه ليس مجرد الستر؛ لأنه لو كان الغفر هو الستر فقط لكان هذا قد حصل في الدنيا، لكنه الستر مع عدم العقوبة، يعني الستر مع التجاوز.
الطالب: طيب قد يفعل الإنسان الخطيئة الحقيقة، يشرب الخمر، فيغفر له الله لكن ما يستره، يعلمه الناس جميعًا أنه فعل أشياء.
الشيخ: في هذه الحال إذا فُضح ثم غُفر له صار سترًا؛ لأنه إذا افتضح عند معاصريه وعند من حوله ولم يغفر له معناه أنه افتضح عند جميع الناس، كذا ولَّا لا؟ فإذا افتضح عند قومه ثم غُفِر له فمعناه أنه ستر عن أكثر الناس؛ لأن أكثر الناس غير المعاصرين له، إي نعم.
طالب: العفو، بمعنى (...)؟
الشيخ: العفو بمعنى التجاوز، يعني أن الله عفا عنهم، بمعنى تجاوز عنهم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الله ما يقول: صفحت عنكم، إنما الصفح فيما نحن نؤمَر به، وأما الله فلا أذكر الآن أن الله يقول: صفح عنه، بل يقول عفا عنه، ولا يقول: صفح. فالصفح والعفو إذا اجتمعا في حق المخلوق فإنه يفسر العفو بكذا؛ بعدم المؤاخذة على الذنب، والصفح بالإعراض عنه كليةً وكأنه لم يجرِ، فيكون تكميلًا للعفو.
الطالب: أن يكون العفو (...).
الشيخ: لا، هو إذا نظرنا إلى معناه الأصلي في العفو -أنه عدم المؤاخذة على الذنب- ما يلزم أن الله سبحانه وتعالى، ما أدري يمكن يصير العفو في حق الله أنه شامل للأمرين، بمعنى أن الله يتجاوز عنه نهائيًّا، ولا يجعل هناك أمورًا خلفية لهذا العفو، يعني يمكن نقول: إن العفو في حق الله يشمل الصفح، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: الحديث ذكرنا أن هذا في الحدود الشرعية، لكن هذه في غير الحدود الشرعية؛ لأن محبة إشاعة الفاحشة أو شيوع الفاحشة ليس هو القدر الموجب للحد، هذا إنما يوجب التعزير، والتعزير قد يتخلف، نعم، مثل يصير هؤلاء المستحقون للعذاب في الآخرة، وهو التعزير، لكن قد لا يُعزَّرون، يتخلف بسبب من الأسباب، وأما عذابهم في الآخرة فباقٍ، يعني لو تخلف عذاب الدنيا ما تخلف عذاب الآخرة.
على أن بعض الإخوان أمس قال: ربما أن المراد بالعذاب ما هو أعم من الجلد وشبهه، يكون عذابًا أن الله تعالى يجعل في قلبه ألمًا وحزنًا وقلقًا وما أشبه ذلك.
طالب: لو عُزِّر كان (...) الإمام.
الشيخ: إلا، لو عزره الإمام فإننا نقول بمقتضى أن الحد يكفِّر: التعزير يكفِّر أيضًا، التعزير يكفِّر إذا كان مستوفيًا؛ لأن حقيقة الأمر أن الإمام بالنسبة للتعزير قد يتركه إطلاقًا مع وجوبه، وقد يفعله مع التهاون به، وقد يفعله على وجه الكمال، بمعنى أنه يعاقب هذا المعتدي عقوبة تامة تكون كالحد الشرعي؛ لأن نحن نعلم أن الحد الشرعي أنه عقوبة تامة؛ لأنه من الله، لكن التعزير قد يَنقُص عن مقابلة الذنب أو الجرم، يصير أقل فيكون ناقصًا، وقد يكون مساويًا فيكون تامًّا، وقد لا يؤخَذ به الإنسان إطلاقًا، مثل أن الحاكم إما ظالم وإلا له قرابة مع هذا الشخص فيحابيه.
طالب: (...).
الشيخ: قلنا على هذا: للعرض الذي بمعنى التحضيض، يعني أن الله يحضنا على أن نحب مغفرة الله ويلزم من محبة المغفرة السعي في أسباب حصولها.
طالب: (...) وعدتنا (...).
الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه انتهى، أنا وعدتكم بأن أقول: أحب أنكم تستعرضون الفوائد التي فيها وتكتبونها، نعم، إن شئتم اذكروا الآيات أولًا، ثم اسردوا الفوائد بدون تفسير ما يحتاج التفسير، وإن شئتم اذكروا كل آية وحدها، وقولوا: يستفاد من هذه الآية كذا وكذا، لا بأس، نعم، فنبغي نشوف لعلنا نحصل على فوائد أكثر، الشافعي رحمه الله استنبط من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» ألف فائدة، وهو حديث من كلمتين، وبمعنى القرآن عشر آيات يقتضي منكم تجيبوا لنا عشرة آلاف.
طيب على كل حال، اتقوا الله ما استطعتم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما قال رجل لعلي بن أبي طالب: هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: ما عهد إلينا بشيء إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى في الكتاب، وما في هذه الصحيفة . وذكر ما في هذه الصحيفة. الشاهد أن الناس يختلفون في التحصيل العلمي، ليس بحسب كثرة الاطلاع فقط، ولكن بحسب كثرة الاطلاع وبحسب الفهم؛ لأنك تجد بعض العلماء يستعرض له آية ويستنبط منها فوائد كثيرة جدًّا، وهي آية واحدة، من الدلالة الضمنية ودلالة المطابقة ودلالة الالتزام؛ لأن الدلالات كما هو معروف لكم دلالة تضمن ومطابقة والتزام:
فدلالة الكلام على معناه كاملًا تسمى دلالة مطابقة، ودلالته على جزء معناه يسمى دلالة تضمن، ودلالته على أمر يلزم من وقوعه كذا كذا يسمى دلالة بالالتزام، فمثلًا إذا قلت: هذا بيت، هذه الكلمة تدل على كل البيت بغرفه وحجره وسطوحه دلالة أيش؟ مطابقة، وكونها تدل على أن فيه حجرة وفيه غرفة وفيه سطح، ويش فيه دلالة؟ تضمن، وكونها تدل على أن له بانيًا بناه هذه دلالة التزام؛ لأنه من لازم وجوده أن يكون له بانٍ، فهذه الدلالات الثلاث يختلف فيها الناس اختلافًا كثيرًا، وبحسب هذا الاختلاف يتسع علم الإنسان.
ولذلك ينبغي أن الطالب يمرن نفسه على كثرة الاستنباط من النصوص؛ لأنه كم من نص واحد تأخذ منه صفحة من الفوائد والمسائل، ويجي واحد آخر يمكن ما يحصِّل منه ولا سطرين، فلذلك ينبغي لطالب العلم كما أنه يمرن نفسه على كثرة المطالعة وقراءة الكتب ينبغي أيضًا أن يمرن نفسه على الاستنباط، الاستنباط منين؟ من الأدلة، وكم من دليل واحد دل على مئات المسائل بحسب فهم الإنسان، فيستغني بذلك عن نصوص كثيرة، ما يحتاج إلى أن يجهد نفسه في تحصيلها ومطالعتها، إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» النغير طائر صغير يلعب به، وكان مع صبي يكنى بهذه الكنية، يلعب به، فلما مات اغتم هذا الصبي، مثل العادة الصبي مسك عصفور يفرح به، فإذا مات عصفوره، نعم، يغتم به، حتى إنه بعض الأحيان يلعب به وهو ميت، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما دخل ذات يوم ووجد أن الصبي محزون على فقد هذا النغير قال له: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
***
أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النور: ٢٢] وأن هذا نزل في أبي بكر مع مسطح بن أُثاثة ابن خالته، ولكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.ثم قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَبالزِّنا الْمُحْصَنَاتِالعفائف الْغَافِلَاتِعن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها الْمُؤْمِنَاتِبالله ورسوله لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[النور: ٢٣]).
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِالرمي هو القذف بالزنا، وسمي رميًا لأنه يشبه الرمي بالحجارة من حيث إيلامه للمقذوف.
وقوله: الْمُحْصَنَاتِتقدم أن المراد بهن العفائف عن الزنا، وأن المحصن في القرآن يطلق ويراد به عدة معان، منها هذه: العفيفات عن الزنا، ومنها: ذوات الأزواج، مثل قوله تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٢٤]، ومنها الحرائر وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِأي الحرائر فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٢٥]، وذكرنا أيضًا على هذا الكلام أن الألفاظ المشتركة التي تطلق على معانٍ متعددة يعين المراد منها السياق، السياق هو المعين للمراد.
الْغَافِلَاتِيقول: (عن الفواحش بألا يقع في قلوبهن فعلها) هذا المراد بالغافل، وهذا القيد ليس بشرط، يعني ليس بشرط أن تكون المرمية ممن هي غافلة، هكذا قال بعض أهل العلم، بدليل أن من قذف محصنة بالزنا وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، ولكن الأصل في القيد، أيش الأصل فيه؟ أنه معتبر، وأن مفهومه -مفهوم المخالفة- غير داخل فيه، هذا الأصل، فمن قال: إن هذا القيد لا يعتبر مثلًا إما بناء على الغالب أو ما أشبه ذلك لنا أن نطالبه بأيش؟ بالدليل، نقول: هات دليلًا على أن هذا القيد لبيان الغالب، وأنه ليس بمقصود، وإلا فالأصل أن القيود يراد بها ما يخالف مفرداتها، يعني يراد بها أن ما يخالفها يكون مخالفًا لها في الحكم، ما أدري فاهمين هذا ولَّا لا؟
الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِبعض العلماء يقول: إن (الغافلات) هذه قيد لبيان الواقع وليست مقصودة، بمعنى أن من رمى محصنة فعليه هذه اللعنة وإن لم تكن غافلة، وأيش دليله؟ قال: لأن من قذف محصنة وجب عليه حد القذف وإن لم تكن غافلة، والغافلة فهمتوا المعنى أنها التي لا يرد في ذهنها هذا الأمر الذي رميت به، وهو أبلغ من كونها لم تفعله ولم تتهم به، الغافلة أبلغ ممن لا تتهم به؛ لأنها قد لا تتهم به ولكن قد يرد في قلبها هذا الشيء إلا أنها لا تفعله، فالغافلات أكمل حالًا من مجرد أيش؟ المحصنات.
فيقول هذا القائل الذي ذهب إلى أن (الغافلات) قيد لبيان الواقع، وأنه لا مفهوم له، أؤيد رأيه هذا بأن المحصنة إذا قُذفت وجب على قاذفها الحد وإن لم تكن غافلة، مفهوم هذا ولَّا لا؟
نقول له ردًّا على كلامه وتقريره: ادعاؤك أن الغافلات قيد أغلبي، وإنه لا مفهوم له، واستدلالك على ذلك بأن رمي المحصنة بالقذف يوجب الحد وإن لم تكن غافلة هذا غير مسلم به، لماذا؟ لأن الأصل في القيد الاعتبار، وأنه يخرج ما عداه بمفهوم المخالفة، هذا الأصل، أن القيود التي ترد في القرآن أو في السنة الأصل فيها أنها قيود تخرج محترزاتها من هذا الحكم، فمثلًا عندنا نقول: إن (الغافلات) قيد أغلبي لا يخرج محترزه، هذا خلاف الأصل، وعلى مدعيه أيش عليه؟ الدليل.
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟ على مدعيه الدليل، هو استدل على ذلك بأن قذف المحصنة يوجب الحد وإن لم تكن غافلة، هذا صحيح ولّا لا؟ هذا صحيح، المرأة المحصنة التي لا تتهم بالزنا إذا قذفها القاذف وجب عليه الحد وإن لم تكن غافلة؛ لأننا نرد هذا الاستدلال أو هذا التأييد الذي أيد به قوله بأن الحكم مختلف، فهناك حد القذف وهنا اللعنة لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مثل من قذف محصنة استحق حد القذف، لكن اللعنة إنما تكون على من قذف محصنة غافلة، هذا هو الأصل، ولذلك نؤيد أن الغافلات قيد اعتباري لا أغلبي، وأن الحكم الذي هو اللعن في الدنيا والآخرة لا يكون إلا لمن قذف محصنة غافلة؛ ذلك لأن الأصل على حسب ما سمعتم في هذا التخريج: الأصل أن القيود أيش؟ اعتبارية، تخرج عن الحكم محترزاتها، هذا الأصل، فمن خرج عن هذا الأصل أُلزم بالدليل.
طيب، أما من قال: إن المراد بهذه الآية عائشة رضي الله عنها مثلًا، إن المراد عائشة، وإنها غافلة عن هذا الأمر، فهذا صحيح، عائشة غافلة، لكننا أيضًا نرد قوله بماذا؟ بأن الآية عامة، فهذا أيضًا مثل الأول، حمل العام على الخصوص يحتاج إلى دليل، فمن ادعاه فعليه الدليل، وإلا وجب الأخذ بالعموم.
(الْمُؤْمِنَاتِبالله ورسوله) الْمُؤْمِنَاتِإذا قال قائل: لماذا قدم الله الوصف بالإحصان على الإيمان؛ لأنَّ الإيمان أعظم، وهو الأصل، فلماذا قدمه؟
فنقول: وجه تقديمه هنا واضح؛ لأن الرمي بالزنا ينقض الإحصان وينافيه، فبدأ بالوصف الذي ينقض ما رميت به، وهو الإحصان، ليش؟ لأن المؤمنة قد تكون مؤمنة وليست محصنة، لكن المحصنة اللي هي أبعد شيء عما رميت به ليست هي مؤمنة فقط، بل ومحصنة أيضًا، فعلى هذا نقول: وجه تقديم المحصنة على المؤمنة مع أن الإيمان أكمل وأولى بالاعتبار أن المسألة في رد قول يتعلق بأيش؟ بالإحصان، فناسب أن يذكر ما يتعلق به من الحكم، وهو وصف الإحصان قبل وصف الإيمان.
وقوله: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِالجملة أيش محلها من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش هي؟ ما هي جواب شرط، ما عندنا شرط.
طالب: خبر.
الشيخ: خبر (إن): إن الذين يرمون لعنوا.
لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، هنا ما قال: لعنهم الله، قال: لُعِنُوا؛ لأجل أن يشمل ذلك لعنة الله وغيره سبحانه وتعالى، لُعِنُوامثل قوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩] يعني أن الله يلعنهم وكذلك اللاعنون يلعنونهم.
وبناء الفعل للمجهول من فوائده العموم، (...) من الفوائد، لكن في مثل هذه الآية من العموم، مثل اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦، ٧]، ما قال: غير من غضبت عليهم، مثلما قال: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْليش؟ لأن النعمة من الله، والغضب من الله ومن غيره، كل من استكبر عن الحق فإنه مغضوب عليه، لا من قبل الله فحسب، ولكن من قبل الله وغيره، هذا أيضًا اللعن هنا من قبل الله وغيره، ولذلك بُنيت للمجهول لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، هذا بالنسبة للعنة الله، فهم -والعياذ بالله- مطرودون عن رحمة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالنسبة لغير الله يلعنون في الدنيا بحيث يسبون ويوبخ فيهم ويبعد عن الاختلاط بهم، تجد الناس يبتعدون عنهم، ويش السبب؟ لأنهم ممقوتون محذورون، كل يحذر منهم ويخاف أن يتهموه بما اتهموا به فلانًا وفلانًا.
طيب هذه الآية الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِهل المحصنون الغافلون مثلهن؟ نعم، بالإجماع، أن المحصنات، بل أن المحصنين مثل المحصنات في هذه.
إذن ما وجه ذكر هذا بالنساء دون الرجال ما داموا مشتركين في الحكم؟ لأن كثرة القذف في النساء أكثر، لأن القذف في النساء أكثر من الرجال، يعنى كون المرأة تقذف وتتهم بالزنا أكثر من الرجال، لذلك ذُكرت هي والرجل مثلها بالاتفاق.
***
قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْإلى آخره [النور: ٢٤] قال: (يَوْمَناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم) وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَما جعلها المؤلف متعلقة بـلُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِجعلها متعلقة بـ(لَهُمْ)، (...) بجار ومجرور؟ بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور؛ لأن لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌنريد الأخ يعربها لنا.
طالب: (...).
الشيخ: (...) عَظِيمٌ، أعرب لَهُمْ عَذَابٌ؟ مين يعربه؟ نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، الجار والمجرور خبر مقدم لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، (لَهُمْ) جار ومجرور خبر مقدم، وعَذَابٌمبتدأ، وعَظِيمٌصفة، طيب الجار والمجرور إذا صار خبر مبتدأ يقولون: إنه يجوز أن تجعله متعلقًا بفعل، ويجوز أن تجعله متعلقًا باسم فاعل، قال ابن مالك:
| وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ | نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــــــنٍ أَوِ اسْتَقَــــــــرْ |
فهنا نقول: لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌاستقر لهم عذاب أليم، نجعل الخبر جملة، أو: كائن لهم، نجعلها اسم فاعل، وأيًّا كان فإن (كائن) يصح أن يتعلق به الظرف، و(استقر) أيضًا يصح أن يتعلق به الظرف، وعلى هذا فنقول: يَوْمَ تَشْهَدُ، العذاب العظيم يكون لهم متى؟ يكون لهم يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [النور: ٢٤] إلى آخره.
لَهُمْجار ومجرور خبر مقدم، فهمتم؟ لكن هل الجار والمجرور هو الخبر ولَّا متعلق الجار والمجرور هو الخبر؟ الجواب: متعلقه، لكن هم يقولون: الجار والمجرور خبر من باب التسامح والتجوز، الخبر هو المحذوف الذي تعلق به الجار والمجرور، ويش تقديره؟ مستقر أو استقر، مستقر لهم عذاب أليم، أو استقر لهم عذاب عظيم، يشير المؤلف يقول في التفسير: (ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لَهُمْ)، وين الاستقرار؟ ها اللي قدرناه ها اللي قلنا تقديره: مستقر لهم، أو تقديره: استقر لهم. إذن كلمة يَوْمَظرف منصوب، أيش اللي ناصبه؟ الاستقرار، نحن بدل ما نقول: الاستقرار نقول: ناصبه المقدَّر الذي تعلق به الجار والمجرور، سواء قدرته (مستقر) أو قدرته (استقر)، فـيَوْمَهذه متعلقة بها، إذن متعلقة بما تعلق به الجار والمجرور في لَهُمْ، سواء قدرتها (مستقر) أو قدرت (استقر).
الآن انتهينا من تفسير الآية.
وذلك لأن الخبر إذا كان جارًّا ومجرورًا لا بد أن يتعلق بمحذوف؛ إما أن تقدره فعلًا وإما أن تقدره اسم فاعل، فتقول: استقر له أو مستقِر له. وسمعتم البيت الذي أنشدناه لهذه القاعدة في الألفية:
| وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرْفِ جَرْ | نَاوِينَ مَعْنَى كَائِـــنٍ أَوِ اسْتَقَــرْ |
(كائن) هذا اسم فاعل، (استقر) فعل.
هذا العذاب العظيم متى يكون لهم؟ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، (تَشْهَدُبالفوقانية والتحتانية) تَشْهَدُو{يَشْهَدُ}، (أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[النور: ٢٤] من قول وفعل، وهو يوم القيامة) يعني اليوم الذي تشهد فيه هذه الجوارح هو يوم القيامة.
قوله: (تَشْهَدُبالفوقانية والتحتانية) يعني أن فيها قراءتين تَشْهَدُو{يَشْهَدُ}؛ وذلك لأن (ألسنة) جمع، تكسير ولَّا مذكر؟ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، تقول: قال الرجال وقالت الرجال. تَشْهَدُمؤنث ولَّا مذكر؟ مؤنث، و{يَشْهَدُ} مذكر، كلاهما جائز.
أَلْسِنَتُهُمْجمع لسان وأَيْدِيهِمْجمع يد وأَرْجُلُهُمْجمع رجل، بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قال المؤلف: (من قول وفعل) استفدنا من كلام المؤلف رحمه الله فائدة عظيمة، وهو أن العمل يشمل القول والفعل، بخلاف الفعل، ولهذا نجعل القول ويش قسيمه؟ تقول: قول، ويش قسيمه هذا اللي يكون مقابلًا له؟ فعل، ما تقول: قول وعمل، إذا أردت أن تحرر تمامًا تقول: قول وفعل، (...) قول وعمل، لكن على سبيل التجوز.
إذن فهمنا أن العمل يطلق على القول وعلى الفعل. بل قال أهل السنة والجماعة في بحثهم في الإيمان: إن العمل يشمل عمل اللسان، وهو القول، وعمل الجوارح، وهو الفعل، وعمل القلب أيضًا، عمل القلب مثل خوفه ورجائه ومحبته وما أشبه ذلك، يعنى حركة القلب، الحركة القلبية. فصار إذن العمل إذا قيل: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا أردت أن تقسم تقول: قول وفعل.
إذا سمعت أو جاءك عبارة فيها قول وعمل فاعلم أن هذا من باب التجوز، تجوَّز بالعمل عن الفعل، وإلا فالأصل أن الفعل قسيم القول، لا أن العمل قسيم القول.
طالب: فيه فرق في المعنى؟
الشيخ: إي نعم فيه فرق، معروف، إذا قلت: عمل، يشمل القول والفعل، وإذا قلت: فعل، يختص بالفعل اللي هو عمل الجوارح، والقول عمل اللسان، فالعمل يشمل قول اللسان وفعل الجوارح، لكن الفعل يختص بفعل الجوارح فقط.
طالب: (...).
الشيخ: لا، إذا قيل: قول وعمل من باب التقسيم، لكنه تجوَّز في إطلاق العمل على أحد معنييه، وهو الفعل، نقول: ما هو بحاطط عام على خاص (...) التقسيم.
طيب، أقول: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْاللسان يشهد على الإنسان، كيف يشهد؟ يقول لهذا القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة، يقول: إنك قذفتها، لسانه نفسه يقول: إنك قذفتها، مع أن الفعل منه فعل في الدنيا، العمل عمل اللسان، ومع ذلك يشهد اللسان على صاحبه بهذا القول الذي هو القذف، أيديهم أيضا تشهد عليهم، أرجلهم تشهد عليهم، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن هذه الأعضاء تشهد على الإنسان يوم القيامة، وكذلك ذكر أن الجلود تشهد أيضًا، وأنه يحصل محاورة بين الإنسان وبين جلده، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [فصلت: ٢١].
ففي هذه الآية: إثبات البعث وإثبات الجزاء، وأن الجزاء من جنس العمل، ويش الدليل؟ قوله: بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، تشهد بما كانوا يعلمون، لا بزيادة ولا بنقص.
وفيه أيضًا: تمام قدرة الله عز وجل، حيث إن هذه الأعضاء تنطق، مع أن النطق في العادة باللسان، لكن يكون نطق بكل شيء إذا أراد الله سبحانه وتعالى، ولهذا تقول الجلود: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وفي هذا دليل على عظم القذف للمحصنات الغافلات المؤمنات، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الكبائر، فقال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، وذكر منهن: «قَذْف الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» .
وفي هذا دليل على غَيرة الله عز وجل، على كمال غَيرة الله، وأنه جل وعلا غيور، وقد جاء في الحديث الصحيح: «مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» ، وكذلك قصة سعد بن عُبَادَة لما نزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٤] فإن سعدًا رضي الله عنه استشكل كيف أن الرجل يجد على زوجته رجلًا ثم يذهب يطلب أربعة شهود، لا يأتيه إلا وقد فرغ، وقال رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام: والله لأضربنه بالسيف غير مُصفَح. يعني أضربه بالسيف بحده حتى أقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» ، نعم، ويدلك على هذا، شوف كيف أوجب الله لهؤلاء القاذفين، أوجب لهم أن يُلعَنوا في الدنيا والآخرة، وأن لهم عذابًا عظيمًا، ولهذا جاء الشرع بما أراده سعد بن عبادة رضي الله عنه، فإن الإنسان لو وجد والعياذ بالله إنسانًا على امرأته فله قتله، له أن يقتله سواء كان هذا الفاعل محصنًا أم غير محصن، ولا يحتاج أيضًا إلى مدافعة، ما يحتاج أنه يقول: إذا عجز عن (...) فله قتله، بل له قتله مباشرة؛ لأن هذا ليس من باب دفع الصائل، ولكنه من باب الغيرة على محارمه.
ولهذا وقعت القصة في عهد عمر رضي الله عنه، واختصموا إليه وأقروا بأن هذا المقتول.. يعني ما أنكروا ادعاء الزوج بأنه وجده على امرأته؛ لأنه قال: يا أمير المؤمنين، أنا ما ضربت إلا فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فأخذ السيف رضي الله عنه عمر وقال له: إن عادوا فعد ، ولم ينكر عليه هذا الفعل؛ لأن هذا الإنسان ما يتحمل أنه يجد إنسانًا ينتهك محارمه إلى هذا الحد حتى يقتله.
فعلى كل حال في هذه الآية قلت: إثبات غيرة الله عز وجل، ووجه هذا أنه سبحانه وتعالى حمى أعراض عباده المؤمنين المحصنين الغافلين بهذه العقوبة العظيمة، وهي اللعن في الدنيا والآخرة.
طيب هل يستفاد من الآية جواز لعن القاذف للمحصنة الغافلة المؤمنة؛ لقوله: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا، أم هذا بيان لواقع الأمر أن الناس يلعنونهم ويكرهونهم ويبعدونهم عن مجالسهم وعن مخالطتهم؟ ما رأيكم؟
الحقيقة أن الآية محتملة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ» ورواية مسلم: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ». قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ» ، فسمى ذلك لعنًا.
فهل المعنى أن هؤلاء الناس الذين يفعلون هذا الفعل ينفر الناس منهم ويبعدونهم ويتخلون عن أخلاقهم، أو يجوز أن نلعنهم؛ نقول: اللهم العن من تخلى في طريق الناس أو ظلهم، وهنا نقول: اللهم العن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؟
الظاهر أن الأمر يتناول هذا وهذا، يتناول الأمر الواقع أن الناس يلعنونهم بالفعل ويبعدون عنهم ويبعدونهم من مجالسهم، وأنه يجوز للإنسان أن يلعن من قذف محصنة غافلة مؤمنة؛ لأن الله لعنه، فالدعاء عليه باللعن من باب تحقيق ما أخبر الله به.
***
قال الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّيجازيهم جزاء الواجب عليهم وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ[النور: ٢٥] حيث حقق لهم جزاءهم الذي كانوا يشكون فيه، ومنهم عبد الله بن أُبَيٍّ، والمحصنات هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكر في قذفهن توبة، ومن ذُكر في قذفهن أول السورة التوبة غيرهن).
يقول: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، يُوَفِّيهِمُبمعنى يعطيهم وافيًا، تقول: وفيته حقه؛ أي أعطيته إياه وافيًا. وقوله: دِينَهُمُأي جزاءهم، والدين -كما أسلفنا كثيرًا- يُطلَق على العمل وعلى جزاء العمل، فمن إطلاق الدين على العمل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] المراد: جزاءكم ولَّا لا؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْيعني جزاءكم؟ لا، وإن المراد العمل الذي تدينون الله به.
ومثل قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] أيش المراد؟ الجزاء، فالدين إذن يطلق ويراد به العمل، والجزاء على العمل، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تجازى.
فإذن دِينَهُمُ الْحَقَّدِينَهُمُأي: جزاء عملهم.
وقوله: الْحَقَّبمعنى العدل؛ وذلك لأن الحق إن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن قيل في مقابلة الحكم -سواء كان حكم تفسيريًّا أم جزائيًّا- فمعناه العدل، هنا قيل في مقابلة حكم جزائي، وعليه فيكون المراد بالحق يعني العدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور، وهكذا جزاء الله سبحانه وتعالى يكون دائمًا حقًّا، يعني عدلًا ليس فيه جور.
أليس جزاء الله تعالى للحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هل ينافي الآية هذه ولَّا لا؟ الجواب: لا ينافيها؛ لأن هذا عدل وزيادة، كون الله يجازي العامل أكثر من عمله هذا عدل وزيادة، لكن كون الإنسان الذي يجازي غيره على عمل خير فيعاقبه بأكثر مما يستحق، هذا جور ولَّا لا؟ جور، فالله تعالى منزَّه عن هذا، عن الأخير؛ لأنه جور، لكن الأول فضل من الله، فالله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم.
يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّفي هذه الجملة مؤكدان، وإن شئنا قلنا: ثلاثة مؤكدات؟
طالب: (...).
الشيخ: (أن) وضمير الفصل، هذه اثنين؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الجملة هذه، من يعرف؟ المؤكد الثالث؟
طالب: اللام.
الشيخ: وينها اللام؟ فيها لام؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذه (أل) للتعريف.
طالب: (...) يعلمون.
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لا ما هي اسمية، (...) الجملة مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة، وكون المبتدأ والخبر معرفة هذا يفيد التوكيد والحصر أيضًا، يفيد التوكيد والحصر، إذن فالله تعالى هو الحق، مؤكد بهذه المؤكدات الثلاثة، ويش معنى كون الله حقًّا؟ أولًا: وجوده حق، ما يستحقه من الحقوق حق، كالعبادة مثلًا، فهو الإله الحق، ما صدر عنه من خبر أو حكم فهو حق، إذن فهو الحق في ذاته وجودًا واستحقاقًا، وكذلك أحكامًا، فهو سبحانه وتعالى موجود حقًّا، وهو المستحق لما يختص به حقًّا، ما يشاركه أحد فيه، وهو سبحانه وتعالى الذي لا يصدر عنه إلا حق، يعني أحكامه وأفعاله كلها حق.
إذن وجه الأحقية لله عز وجل من وجوه ثلاثة:
أولًا: في وجوده؛ فإن وجوده حق، وهو أحق الأشياء وجودًا، ولهذا جميع الفطر السليمة تشهد به، وكذلك العقول الصريحة، يعني الخالصة عن الشبهات والشهوات تشهد به، وكذلك أيضًا ما يصدر عنه فهو حق، ما يصدر عنه من خبر أو حكم، فما أخبر به فهو حق، وما حكم به فهو حق، سواء كان الأحكام هذه تشريعية وهو ما يشرعه للعباد، أو جزائية وهو ما يجازي به العباد، وأيش المعنى الثالث؟
طالب: ما يستحقه من العبادة.
الشيخ: ما يستحقه أيضًا، ما يستحقه فهو حق، يعني كون الله يختص بأشياء لا يشاركه فيها غيره هذا أيضًا حق، ولهذا يقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان: ٣٠]. إذن فالحق في جانب الله سبحانه وتعالى يكون على الوجوه التالية: الوجود، والاستحقاق، وما يصدر عنه، الوجود والاستحقاق والصادر عنه، مفهوم؟ فوجوده حق، وما يستحقه من الأمور حق، يعني من كمال الصفات والعبادة وغير ذلك، والثالث: ما صدر عنه تبارك وتعالى فهو الحق، من خبر أو حكم، والحكم سواء كان جزائيًّا أو تشريعيًّا.
طيب ما نقول: أو قدريًّا؟ لأن الأحكام القدرية أيضا تعتبر حكمًا، مثلما قلنا: إن الحكم قسمان: كوني وقدري، وفي الحقيقة أنه نعم لا بد أن يضاف؛ لأن ما يصدر عنه من أحكام جزائية أو كونية أو تشريعية فهي حق.
طالب: القدرية هي الكونية؟
الشيخ: القدرية هي الكونية، نعم.
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وقوله: الْمُبِينُمن (أبان)، يعني من الفعل الرباعي، وأبان بمعنى أظهر ولَّا بمعنى ظهر؟
طالب: (...).
الشيخ: تصلح، أبان الفعل الرباعي هذا قالوا: إنه يستعمل متعديًا ولازمًا، يستعمل لازمًا بمعنى (بان)، ومتعديًا بمعنى (بان) أي ظهر.
طيب هنا الْمُبِينُهل المعنى البَيِّن الأحقية أو المعنى الذي أبان لخلقه أنه حق؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: أو كلاهما، أم كلاهما، الواقع أن الله تعالى بين الأحقية وقد أبان لعباده كونه حقًّا.
قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] أيش معنى مُبِينٌ؟ بَيِّن ولَّا مبين بمعنى مُظْهِر؟
طالب: بيِّن.
طالب آخر: بمعنى بين.
الشيخ: القرآن بَيِّن ولَّا مُبِين؟
طلبة: بَيِّن.
طلبة: كلاهما.
الشيخ: أو بَيِّنٌ ومُبِين في الحقيقة، لكن المبين هنا أظهر؛ لقوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: ٧٠].
في قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] أيش معنى (مبين)؟ بَيِّنٌ، هذه بمعنى بَيّن، والحاصل أن كلمة (مُبِين) تستعمل من المتعدي واللازم، لأن هي أصلها فعل رباعي، (أبان) تستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كان لازمًا فهي بمعنى بَيِّن، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وإن كانت من المتعدي فهي بمعنى مظهر للشيء مبينه، أبنته بمعنى أظهرته حتى بان، ومنه قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩]، أي: مظهر؛ لقوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس: ٧٠]، وكذلك أيضًا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، بمعنى مظهر، وإن كان من لازم أنه إذا كان مظهرًا فهو ظاهر في نفسه، فالمُبِين بمعنى المظهر، لا بد أن يكون بينًا بنفسه وإلا لما أظهر.
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُهذه الآية هل تنزلها على المبين اللازم ولَّا المبين المتعدي؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: على كليهما في الحقيقة؛ لأن الله تعالى بيّن الحق، بيّن الأحقية، ومُبِين ذلك لعباده، كيف أبان لعباده أنه الحق؟ أولًا: بما ركب فيهم من الفِطَر والعقول، الفطر السليمة والعقول، ولهذا دائمًا يحيل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور إلى العقل، فيقول: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]، دليل على أن العقل مرجع، لكن المراد بالعقل العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشبهات أو الشهوات فهذا عقل فاسد، لا يحكم بشيء.
أيضًا أبان الحق تبارك وتعالى بغير العقل، بالفطرة، فإن الفطرة السليمة تشهد بالحق، وأبان العقل بالوحي الذي أرسل به الرسل، فتكون إبانة الله تعالى للحق بهذه الطرق الثلاثة: أيش هي؟ العقل والفطرة والوحي، كل هذه الطرق الثلاث يتبين بها الحق، ولذلك يضرب الله الأمثال للناس، لماذا؟ لأجل أنهم يعتذرون، المورد والمضرب، مورد المثل ومضربه، فيعتذرون بهذا على هذا، والله أعلم.
طالب: (...) يقول الله تعالى: (...).
الشيخ: اقرأ اللي بعدها، اقرأ الآية اللي نسيتها.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم (...)، المراد بالختم على الأفواه بحيث لا ينكرون، ولا ينافي أن تشهد الألسن بما يرى في مرادها، مفهوم؟ أو يقال: إن القيامة مواقف؛ لأن القيامة خمسون ألف سنة، فتارة كذا، وتارة كذا، مثلما جمع ابن عباس رضي الله عنه بهذا بين قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، كذا وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًايعني كل شيء (...)، وقال في آية أخرى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] وهذا جحود ولَّا لا؟ هذا جحود، فكيف نجمع بين الآيتين؟ أن نقول: إن القيامة مواقف، وهكذا أيضًا جمع بعض العلماء بين قوله تعالى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢]، وقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]، هاهنا سواد وهناك زرقة، منهم من قال: إن هذا باعتبار مواقف القيامة، ومنهم من قال: إن الزرقة في العيون والسواد في الوجوه، ومنهم من قال: إن الناس يختلفون، الكفار منهم أزرق ومنهم أسود.
على كل حال إنما قصدي أن أهل العلم رحمهم الله لجؤوا إلى الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض يوم القيامة؛ لأن يوم القيامة ليس ساعة واحدة حتى تتعارض فيه الآيات، يوم القيامة خمسون ألف سنة تختلف الأحوال فيه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذا المراد، يعني يدافع عنهم، ولكن (...)، يصير اللسان لسانين: لسان شاهد موافق للجوارح، وهو المقصود بهذه الآية، ولسان آخر منكر، وهو الموافق لمراد صاحبه، التفسير: كأنه لو أنكر الإنسان باللسان الذي يتابعه بإرادته نفس اللسان يشهد عليه، والحكمة هنا والله أعلم من ذكر اللسان لأن القذف إنما حصل به، ولهذا قدمه على الأيدي والأرجل.
***
{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور: ٢٦]
من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الأشياء متناسبة متشاكلة، كل شيء وما يناسبه في الدنيا وفي الآخرة أيضًا، كما قال الله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢]، أَزْوَاجَهُمْيعنى أشكالهم ونظراءهم، فكل شيء من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه جعله يشاكل الآخر ويميل إليه. من جملة هذه القاعدة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى بعد ذكر ما تقدم من قصة الإفك وما جرى من هؤلاء الذين أرادوا أن يدنسوا فراش رسول لله صلى الله عليه وسلم ويطعنوا في أهله وفي أصحابه كما مر علينا، ومن المعلوم أن أطيب الطيبين من الخلق هو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن أن الله سبحانه وتعالى يجعل تحته امرأة خبيثة، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (الْخَبِيثَاتُمن النساء ومن الكلمات لِلْخَبِيثِينَمن الناس، وَالْخَبِيثُونَمن الناس لِلْخَبِيثَاتِمما ذُكِر، وَالطَّيِّبَاتُمما ذُكر لِلطَّيِّبِينَمن الناس وَالطَّيِّبُونَمنهم لِلطَّيِّبَاتِمما ذُكِر، أي: اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله).
قال: (الْخَبِيثَاتُمن النساء والكلمات لِلْخَبِيثِينَ) بمعنى أن الخبيث يكون عنده خبيثة، ولا يمكن أن تكون الطيبة عند الخبيث، وكذلك لا يمكن أن تكون خبيثة عند طيب، مثال الأخير مثلا قضية الإفك، لو فُرِض أن عائشة رضي الله عنها حصل منها ما رُمِيَت به لكانت خبيثة تحت طيب، وهذا لا يمكن؛ لأن الخبيثات لمن؟ للخبيثين الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ.
وقوله: (من النساء ومن الكلمات) من النساء واضح، ومن الكلمات يعني كذلك أيضًا لا يُوصَف بالكلمات الخبيثة ولا يستحق أن يوصف بها إلا من كان خبيثًا، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لا يمكن أن توصف بما وصفت به لأنها طيبة، ولا يليق بالطيب إلا الطيب من الكلمات، وهكذا أيضًا الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِيعني كذلك أيضًا لو أن شخصًا رمى رجلًا عند امرأة طيبة، رماه بالزنا، لقلنا: هذا أيضًا لا يمكن؛ لأنه ما يمكن خبيث إلا لخبيثة؛ لأن هذه هي حكمة الله عز وجل، ولهذا من جملة هذه المسألة؛ القاعدة العامة: صارت المراحيض ومواضع الأذى مأوى لمن؟ للشياطين، والمساجد والأماكن الطيبة مأوى للملائكة. بل نزيد على ذلك نقول: النفس الطيبة يقترن بها الطيب، تؤيدها الملائكة، والنفس الخبيثة يقترن بها الخبيث. يعنى مثلًا الإنسان السيئ الزائغ يُسلَّط عليه قرينه حتى يكون مصاحبًا له على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعِينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يسلم، وحتى لا يأمرها بشر، كل هذا بناء على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ: الطَّيِّبَاتُمن النساء ومن الكلمات أيضًا.





