تفسير سورة النور - 4
عدد الزيارات 5328

عناصر المادة :
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)
تفسير الآية (30)

على وجه يغويه ويضله، والنفس الطيبة يعينها الله سبحانه وتعالى على قرينها حتى يُسلم، وحتى لا يأمرها بالشر، كل هذا بناءً على هذه القاعدة التي هي موافقة لحكمة الله عز وجل.
الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦]، الطَّيِّبَاتُمنين؟ من النساء ومن الكلمات أيضًا. لِلطَّيِّبِينَيعني معناه: ما يليق بهم إلا هذا؛ لا يليق بالطيب إلا الكلمات الطيبة والنساء الطيبات.
ولهذا كان الله سبحانه وتعالى طيبًا لا يقبل إلا طيبًا ، لو تصدق إنسان بمال كثير من كسب حرام يقبله الله ولّا لا؟ ما يقبله؛ لأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وتأمل هذه القاعدة العامة تجدها في كل شيء، على أن الطيب يناسبه طيب، والخبيث يناسبه خبيث.
طالب: شيخ ما حصل للصحابة من (...).
الشيخ: إي نعم، لكن في هذه الحال ما يثبت أنها خبيثة، وإذا ثبت فهذا شيء نادر، هذا شيء نادر يعتبر ولّا كما مر علينا أنه في مسألة اللعان إذا لاعن الزوج ثبت الحد، حتى وإن لم يأت بأربعة شهداء؛ لأن الله جعل قذفه المرأة شهادة خلاف غيره، هذا إن ثبت فهو نادر، وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نعرف أن الأمور والقاعدة العامة والكليات العامة هذه ما ينقضها فرد من أفرادها؛ لأنه قد يكون الأسباب موجودة لكن يوجد موانع، لكن يوجد موانع تمنع هذا السبب، مثلما يرد علينا كثيرًا أن الشارع جعل هذا سببًا لهذا، ثم نجده يتخلف، لماذا؟ لوجود مانع أقوى من السبب. وكما هو أيضًا في الأحكام الشرعية تكون أسباب الصحة موجودة وأسباب الاستحقاق موجودة، ثم يوجد مانع من الموانع، نعم هذا الشيء كثير جدًّا مضطرد في الأحكام والأخبار والقواعد العامة وغيرها.
طالب: هذه الآية تحكي الواقع (...).
الشيخ: أيها، لا، هذه الآية بتحكي الواقع، وتتضمن الأمر؛ لأنك إذا عكست الأمر الذي جعلها الله سنة له فقد عصيت.
قال: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ(الطيبون والطيبات، ومنهم عائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهما مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَأي: الخبيثون والخبيثات من النساء فيهم لَهُمللطيبين والطيبات مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌفي الجنة).
أُولَئِكَ: الإشارة إلى من؟ لأقرب مذكور، وهم الطيبات والطيبون.
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ: أي: مبرؤون مما يقال فيهم.
ومثَّل المؤلف بعائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل الذي رُمي بها، وقد سبق في القصة، وهكذا أيضًا نقول: عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كما أشرنا سابقًا: قصة الإفك ليست طعنًا في عائشة وصفوان فقط، بل هي طعن في عائشة وصفوان والنبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر.
كل هذا لا شك أنه يتضمنه هذا القول الخبيث، فهؤلاء الطيبون مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَأي: مما يقول فيهم هؤلاء الخبيثون.
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: لَهُمْأي: لهؤلاء الطيبين، مَغْفِرَةٌفي جانب الذنوب، وَرِزْقٌ كَرِيمٌفي جانب الطاعات، مفهوم؟ لَهُمْ مَغْفِرَةٌلذنوبهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌعلى طاعاتهم.
وإنما جعلناها هكذا مقسمة لأن الذنب ويش يناسبه؟ المغفرة، والأعمال الصالحة يناسبها الرزق الكريم؛ لأن من فعل حسنة جوزي بعشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
فتبين بهذا أنه حصل لهؤلاء الذين قيل فيهم ما قيل، حصل لهم بذلك تكفير سيئات ومغفرة ذنوب، وكذلك رفعة درجات، وها هي أيضًا فرد من أفراد القاعدة العامة: أنه ما من إنسان يصيبه هم ولا غم ولا أذى إلا كفر الله عنه بذلك، حتى الشوكة إذا أصابته يكفر الله بها عنه، لكن هل يرفع له بها درجات ولّا لا؟ يعني هذه الأشياء المؤذية من هم وغم وأذى حسي وغير ذلك، هي تكفر الخطايا، لكن هل يرفع الله بها الدرجات؟
طالب: (...) إذا صبر.
الشيخ: إذا صبر، إي نعم. إذا اقترن بها الصبر صار له مع تكفير السيئات زيادة حسنات، وإلا صارت تكفيرًا لسيئاته، ووجه ذلك: أن هذه المصائب التي تصيبه هل هي باختياره؟ لا، ليست باختياره، إذن هي عقوبات من الله عز وجل يكفر الله بها خطايا عنه، ولا يجمع له عقوبتين، لكن إذا صبر حصل منه فعل، وحينئذ يثاب عليه.
هذا هو التحقيق في هذه المسألة: أن المصائب التي تصيب الإنسان لا يؤجر عليها فقط، وإنما تكفَّر بها الخطايا، ثم إن قارنها الصبر، أو أعلى من ذلك الرضا، فإنه حينئذ يثاب مع التكفير.
طيب، هنا: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌنشوف الآن، هؤلاء في الحقيقة تصيبهم مصيبة عظيمة، صبروا ولّا ما صبروا؟
طلبة: صبروا.
الشيخ: لا شك أنهم صبروا حتى فرج الله عنهم، وأزال عنهم هذه الغمة، ففي مقابلة ما أصيبوا به من الأذى في هذه القضية حصلت لهم المغفرة، وفي مقابلة الصبر حصل لهم الرزق الكريم.
والكريم إذا قيل: الرزق، ليس مثلًا ذا شعور حتى يوصف بالكرم، يعني (...) مثلًا يقال: هذا الرجل كريم؛ لأنه يعطي، يعني له إرادة يتكرم على الناس بالعطاء. لكن كيف يوصف ما لا إرادة له بالكرم؟
نقول: المراد بالكرم فيما لا إرادة له أيش المراد به؟ الطيب الحسن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . كرائم: جمع كريمة.
إذن فالرزق الكريم هو الطيب الحسن، ويشمل ذلك الكثير مثلًا؛ لأنه من الطِّيب والحُسن.
طالب: (...).
الشيخ: (...) هذه فيها لوم عليهم.
وفي هذه الآية من الفوائد:
أولًا: الحكمة العظيمة الثابتة لله عز وجل شرعًا وقدرًا؛ فإن هذه الجمل والقواعد شرعية وقدرية، فالله تعالى جعل من الناحية القدرية، جعل لكل شيء ما يناسبه، كذلك من الناحية الشرعية ينبغي أيضًا أن ننزل الناس منازلهم، فالخبيث له خبثه، والطيب له طيبه.
فهذا يستفاد منه: بيان حكمة الله تعالى شرعًا، أيش بعد؟ وقدرًا، شرعًا وقدرًا.
الشيء الثاني مما يستفاد منه: أنه يجب على الإنسان أن ينَزّل الناس منازلهم، يجب أن ينزل الناس منازلهم؛ فلا يصف الطيب بالخبث، ولا الخبيث بالطيب؛ لأن في ذلك معاكسة للقدر وللشرع أيضًا، كما أنه يتضمن مفاسد عندما تصف شخصًا خبيثًا بطيب، ويش معنى ذلك؟ أنك رفعت عنه الوصف كذبًا وزورًا، ثم إنك أيضًا خدعت الناس به.
والإنسان مثلًا الطيب يوصف بالطيب، والخبيث يوصف بالخبث، ولا يجوز للإنسان أن يتعدى ذلك؛ لأن الله سبحانه تعالى يقول: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَإلى آخره.
وفي هذا أيضًا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يبرئ أهل الرجل الطيب العفيف، يبرئهم من الخبث؛ بأن الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات، وقد جاء في الحديث: «مَنْ زَنَى زَنَى أَهْلُهُ، وَمَنْ عَفَّ عَفَّ أَهْلُهُ»، وهذه من حكمة الله عز وجل؛ أنه كلما كان الإنسان طيبًا طاهرًا نظيفًا فإن الله تعالى يهيئ له أهلًا بهذه المثابة جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦]، والأمر كذلك بالعكس فيما لو كان خبيثًا، ولا سيما فيما يتعلق بالعفة، وهذا شيء لو تأمله الإنسان لوجده كثيرًا، ما نقول: مئة بالمئة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، لكن في الغالب أن هذا هو الواقع، أن الرجل الدنس الأخلاق يجعل الله له أهلًا كذلك ولا يحميه؛ لأنه ما حمى نفسه حتى يحميه الله عز وجل.
طالب: (...).
الشيخ: قدرًا، أن الله سبحانه وتعالى الطيب يجعل له أهلًا طيبين، والخبيث يجعل له أهلًا خبثاء.
طالب: وشرعًا؟
الشيخ: وشرعًا أيضًا، أنه ما يجوز أنك تنزل الخبيث منزلة الطيب، وبالعكس.
وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى من رحمته أنه يدافع عمن لا يستحق ما وُصف به من أوصاف خبيثة، فإن هذه الآية في الحقيقة كالدفاع البين الواضح عمن؟ عن عائشة رضي الله عنها، دفاع واضح.
وفيه أيضًا دليل على أن من أصيب بمصيبة قولية أو فعلية فإن الله تعالى يغفر له، فإن صبر على ذلك فإنه يعطى أجرًا أيضًا، يعطى أجرًا.
ومن حماية الله سبحانه وتعالى للإنسان الطيب أن الله يمنع أسباب الشر عنه، ما يتعرض لها؛ لأن حقيقة الأمر أن تعرض الإنسان للفتن قد يفتن، فمن حماية الله للعبد الطيب الذي قصد الخير أن الله يحميه سبحانه وتعالى عن أسباب الفتن، وأنا أذكر لكم قصة الآن:
رجل كان معروفًا بالورع من هذا البلد، كان معروفًا بالورع الذي يُعتبر من أكمل ما يكون، في يوم من الأيام ذهب ليحمل خشبًا من أهله، خشب أثل، وكان جاره أيضًا قاطعًا أثله، وفيه كومتان من الخشب، هذا الرجل أناخ البعير عند خشب جاره وحمّل الخشب على البعير، ثم لما أراد أنه يثوِّر البعير عيَّ لا يثور أبى نهائيًّا. يبغيه، يبغيه، غيَّ، نزل من الحمل ما فيه فائدة، نزَّل الحمل كله فثار البعير، لما ثار البعير هو فتح الله عليه وقام (...) وفكَّر، وإذا الخشب هذا ما هو له، خشبه الكومة الثانية. هذا من..
طالب: (...).
الشيخ: ما (...) فيه، لكن شوف كيف أن الله سبحانه وتعالى منعه، وإلا لو ثار البعير على طول مشى به، لكن هذه من حماية الله سبحانه وتعالى للعبد، إذا علم الله من نيته النزاهة والعفة حماه سبحانه وتعالى، بخلاف والعياذ بالله الإنسان الذي يعلم الله منه أنه يميل إلى الشر والفساد فإنه قد يُهيأ له أسباب الشر والفساد حتى يقع فيه.
(وقد افتخرت عائشة رضي الله عنها بأشياء، منها أنها خلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقًا كريمًا). يعني: كأنها رضي الله عنها فهمت أن مثل هذه الآية نزلت فيها، فكانت تفتخر، والمراد بالافتخار هنا: التحدث بنعمة الله، لا إظهار العلو على الناس؛ لأن الافتخار ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يفتخر الإنسان بنعمة الله عز وجل تحدثًا بها، تحدثًا بهذه النعمة، هذا الافتخار، طيب وهو مما أمر الله به.
والثاني: أن يفتخر الإنسان ليُظهر فضله على غيره ويعلو به على غيره، فهذا لا يجوز، قال الله تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٣]. يصير هذا الفخر منين؟ هذا الفخر من الخيلاء، هذا الفخر الذي يقصد به الإنسان إظهار فضله على الناس وعلوه عليهم، هذا من الخيلاء الذي لا يحبه الله عز وجل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وكما كانت تفتخر عائشة بهذا إن صحت القصة، وكما كانت زينب تفتخر على زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله زوجها في السماء، وغير ذلك مما يقال.

***

تفسير الآية (27)
00:18:14

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}
[النور: ٢٧] (فيقول الواحد: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» ، كما ورد في حديث ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْمن الدخول بغير استئذان، {لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ} -بإدغام التاء الثانية في الذال- خيريته فتعملون به).
هذه من الآداب التي هي في الحقيقة حماية للأعراض، تجد هذه السورة غالبها في هذا الأمر في العفة وما يتعلق بها من حماية الأعراض وغير ذلك. من جملة هذا الأدب الذي أدبنا الله به عندما نريد أن ندخل بيوتًا غير بيوتنا، يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، ذكرنا فيما سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على أهميته؛ لأن المقصود بالنداء أيش؟ تنبيه المخاطب، إذا قلت: يا فلان، لا شك أنه ينتبه، الآن لو رأيت واحدًا منكم غافلًا ولّا ينعس ولّا شيء، قلت: يا فلان، ينتبه ولّا لا؟ ينتبه، فالنداء يراد به تنبيه المخاطب. وتصدير الحكم أمرًا أو نهيًا، أو الخبر أيضًا تصديره بالنداء يدل على أهميته، وأنه ينبغي للإنسان أن يتيقظ ويتفطن له.
ثم نداء المؤمنين باسم الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواويش يدل عليه؟
طالب: (...).
الشيخ: يدل على أن هذا العمل من الإيمان، وأن مخالفته مما ينقص الإيمان، مفهوم؟ ويراد به أيضًا الإغراء، يعني توجيه الخطاب أو النداء بوصف الإيمان يراد به الإغراء على التزام الحكم، الإغراء يعني الحث البالغ على التزام الحكم، مثلما لو أقول: يا رجل، افعل كذا، أيش معناه؟ الحث والإغراء؛ لأن مقتضى رجولتك أن تفعل كذا. يا مؤمن افعل كذا، معناه الإغراء؛ لأن مقتضى إيمانك أن تفعل كذا أو تترك كذا.
فصار إذن الغرض من توجيه النداء إلى المؤمنين بوصف الإيمان ويش الغرض منه؟ الحث والإغراء على التزام هذا الحكم.
كأنما يقال: إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا، إن كان نهيًا، أو فافعل كذا، إن كان أمرًا.
ويدل ذلك أيضًا -يعني توجيهه بوصف الإيمان غير مسألة الغرض- يدل على أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان وأن خلافه مما ينقص الإيمان.
نشوف الآن الحكم الذي أرشد الله إليه: لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا.
لَا: ناهية، والنهي هنا للتحريم؛ لأنه هو الأصل في النهي.
وقوله: بُيُوتًاهذا عام. ما هي صيغة العموم فيه؟
طالب: نكرة في سياق النهي.
الشيخ: أنه نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم؛ يعني: لا تدخلوا أي بيت غير بيوتكم التي تملكونها إلا بعد أمرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا.
فسر المؤلف تَسْتَأْنِسُوابـ(تستأذنوا).
وتفسيرها بالاستئذان هذا تفسير ببعض أفرادها؛ لأن الاستئناس أعم من الاستئذان، قد يستأنس الإنسان ولا يكون في قلبه وحشة من دخول هذا البيت وإن لم يستأذن، وحينئذ ما يبقى عنده إلا السلام، مثلما لو دعاك إنسان إلى بيته بعد صلاة الظهر، فلما جئت وجدت الباب مفتوحًا، ويش يبقى عليك الآن؟
طالب: تسلم.
الشيخ: يبقى عليك أن تسلم؛ لأن حقيقة الأمر أن الاسئتذان هنا لا محل له، والسبب أن الرجل قد دعاك، وعيّن الوقت، وجئت ووجدت الباب مفتوحًا، هذا معناه إذْن، ولهذا قال الله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوايعني: حتى لا يكون بكم وحشة من الاستئناس، والأنس أيش ضده؟ الوحشة. ولهذا يقال: إنسي ووحشي، الصيد الوحشي والصيد الإنسي، ويقال: حمار وحشي وحمار أهلي، وأحيانًا يقال: إنسي.
على كل حال الاستئناس أعم من الاستئذان، فتفسيرها بالاستئذان من باب تفسير الشيء ببعض أفراده ليكون ذلك كالمثال.
وبهذا نعرف أن هذه القراءة السبعية أصح من القراءة التي وردت عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا}.
ونود أيضًا أن في هذا الحديث الذي روي عن ابن عباس أنه قال: {حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا} قال: وإن كلمة حَتَّى تَسْتَأْنِسُواخطأ من الكاتب. هذه في الحقيقة لا تصح عن ابن عباس، وإن كانت ذكرت في نفس الحديث لا تصح، والسبب أنه ما يمكن أن الكاتب يخطئ في حرف من كلام الله ثم تتلقاه الأمة بالقبول؛ لأنه لو فُرض هذا الشيء لاقتضى أن الله لم يحفظ هذا الذكر، والله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، كيف يكون خطأ من الكاتب تتلقاه الأمة بالقبول وتقرأ به في صلاتها وتعلمه صغارها؟! هذا شيء لا يمكن.
ولهذا مثل هذا الحديث إذا ورد يمكن إعلاله وإن كان صحيح السند؛ لأن من جملة ما يدل على ضعف الحديث أن يكون مخالفًا لما عُلم بالضرورة من الشرع، فإذا عُلم بالضرورة من الشرع أن هذا الحديث لا يصح يجب أن نحكم ببطلانه، لماذا؟ لأنه ما يمكن لفرد أو لرواة أن يأتوا بما يخالف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
على كل حال نعود إلى مسألتنا نقول: حَتَّى تَسْتَأْنِسُواأعم أيش؟ من (حتى تستأذنوا)، وتفسير المؤلف وغيره ذلك بالاستئذان من باب تفسير الشيء ببعض أفراده للتمثيل به فقط.
وأحيانًا يفسر العلماء الآية بفرد من أفرادها تمثيلًا، كما قال بعضهم في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: ٣٢] قال: الظالم لنفسه: الباخل بالزكاة، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌالباذل للزكاة الواجبة، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ: الباذل للصدقة بعد الزكاة، هذا ويش نجعله؟
طالب: مثال.
الشيخ: نجعله تفسيرًا بالمثال، تفسيرًا بالمثال فقط، لا على أن الآية إنما يراد بها ما ذكر، بل هذا من باب التفسير بالمثال.
طالب: قراءة سبعية؟
الشيخ: لا، ما هي بسبعية؛ السبعية: تَسْتَأْنِسُوافقط.
وقوله تُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا: بدأ الله بالاستئذان قبل السلام، وهذا هو الترتيب الطبيعي، هذا الترتيب الطبيعي؛ لأنك تستأذن، فإذا أذن لك علمت أن في البيت أحدًا، حينئذ تسلم، يعني فتقرع الباب مثلًا تقول: يا فلان، إذا خاطبك تسلم عليه.
فالآية الآن مرتبة على الترتيب الطبيعي؛ استئذان أولًا، ثم السلام ثانيًا، قبل أن يتكلم الإنسان، قبل أن يتكلم بأي شيء.
وقول المؤلف: (فيقول الواحد: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» كما ورد في حديث). هذا الحديث الذي ورد يُحمل على ما إذا كان المستأذن عالمًا بأن صاحبه موجود، حينئذ يسلم عليه ويقول: أأدخل؟ أما إذا كان لا يعلم فيقدم الاستئذان أولًا، ثم إذا علم أن فيه أحدًا سلم.
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ هل تستأذن أولًا، أو تسلم أولًا، على قولين: منهم من يرى تقديم الاستئذان على السلام؛ لظاهر الآية: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا.
ومنهم من يرى أن السلام قبل الاستئذان؛ لأحاديث وردت في ذلك، تسلم أول، ثم قل: أأدخل؟
ومنهم من فصَّل فقال: إذا علم أن صاحب البيت فيه فإنه يسلم أولًا، ثم يستأذن، وإذا لم يعلم فإنه يستأذن أولًا ثم يسلم.
وهذا القول أصح، أرجح الأقوال الثلاثة هذا التفصيل؛ لأن به جمعًا بين الآية والأحاديث الواردة، ولأنه موافق تمامًا للنظر، فإن النظر يقتضي هكذا، إذا علمت أحدًا تسلم، وإلا فكيف تقول: السلام عليكم وأنت ما تدري لعل ما فيه إلا الجدران، لكن إذا علمت أن فيه أحدًا لكونه دعاك مثلًا أو سمعت صوتًا أو رأيت شخصًا فحينئذ تسلم ثم تقول: أأدخل؟
وقوله تعالى: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ: ذَلِكُمْ: الخطاب لمن؟ للمؤمنين.
خَيْرٌ لَكُمْ: سنبحث الآن الخيرية التي تترتب على الاستئذان قبل الدخول، وقبل أن نتكلم عن هذا نتكلم عن مسألة نحوية أخطأ فيها القارئ فقال: (ذلك خير لكم)، الكاف للخطاب، كذا ولّا لا؟ و(ذا) اسم إشارة. اسم الإشارة يكون على حسب المشار إليه، والخطاب يكون على حسب المخاطب، فهمتم؟
أما القاعدة الأولى: أن اسم الإشارة يكون على حسب المشار إليه، فهذه قاعدة مضطردة ولا يمكن انخرامها.
وأما كون الكاف على حسب المخاطب فهذه على الأشهر والأكثر، أن الكاف بحسب المخاطب، فإذا كنت تشير إلى فرد مذكر تخاطب جماعة ذكور ويش تقول؟ فرد مذكر، تخاطب جماعة ذكور، ماذا تقول؟ ذلكم. (ذا) المشار إليه واحد مذكر، ذلكم، إذا كنت تشير إلى امرأة تخاطب جماعة ذكور؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، تشير إلى امرأة تخاطب جماعة ذكور.
طالب: (تلكم).
الشيخ: (تلكم)، لكن يجوز في كاف الخطاب هذه لغة ثانية، وهي أن تبقى مفردة مفتوحة للمذكر، مكسورة للمؤنث، فإذا كنت تخاطب مذكرا جماعة أو غير جماعة تقول: ذلكَ. إذا كنت تخاطب مؤنثًا جماعة وغير جماعة تقول: ذلكِ.
وفي لغة ثالثة لزوم الفتح دائمًا، يعني تجعل للمذكر المخاطب دائمًا. هذه ثلاث لغات أشهرها الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة.
خَيْرٌ لَكُمْ: ما هي الخيرية في كوننا نستأذن ثم نسلم عندما نريد بيوتًا غير بيوتنا، إذا أردنا بيوتًا غير بيوتنا، هل تعرفون شيئًا من الخير في هذا؟
طالب: فيه من الخير أولًا عدم كشف المحارم من وجوهنا.
الشيخ: نعم هذه هنا خيرية؛ أنك إذا استأذنت ما تكشف محارم صاحب هذا البيت؛ لأنك لو دخلت وهو (...) قد يكونون على حالة ما يرغبون أن أحدًا ينظر إليهم فيها، هذه واحدة. الثاني؟
طالب: إظهار شعائر الإيمان مثال الاستئذان (...).
الشيخ: إي نعم، لكن هذا بعد أن نعرف الخير الذي فيه يكون (...) لينا، هذه يمكن تمشي على رجل، يوجد معه (...). نعم.
طالب: قد يكون صاحب البيت نائمًا مثلًا (...) فإذا استأذنت..
الشيخ: يعني إحراج صاحب البيت؟
طالب: نعم.
الشيخ: فإذا استأذنت زال هذا الإحراج، هذه هي الأولى ولّا غيرها؟
طالب: لا، غيرها (...) ولكن صاحب البيت (...)، فإذن نستأذن (...).
الشيخ: غير كشف المحارم، طيب صحيح ألا يقع صاحب البيت في إحراج؛ لأن هناك (...) فتحت الباب ودخلت مهما كان صاحب البيت في شغل، على كل حال يتلقى عنه، فربما يكون مشغولًا بشغل تحرجه إذا دخلت عليه.
طالب: (...).
الشيخ: من أيش؟
طالب: تهيئ غرفة البيت.
الشيخ: تهيئ من؟
الطالب: استقبال الضيف.
الشيخ: تهيئ صاحب البيت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه أقرب إلى تهيئه واستعداده، حتى لا يظن الداخل أنه قد أهانه؛ لأنه لما يدخل بدون استئذان ولا يجد الشيء مقابلًا به، يقول: هذا أهانني ولا أكرمني، إلى آخره.
وفيه أيضًا: براءة الإنسان من التهمة، وهذه من أهم شيء؛ أن الداخل يبرأ بذلك من التهمة؛ لأنه إذا دخل على بيت بدون استئذان ربما يتهَم بهذا الشيء، بشيء لا ينبغي، فإذا استأذن فقد دخل على بصيرة، فمن أهم ما فيه من الخير: أن الداخل يبرأ من التهمة، في حالة ما يجعل هذا سارقًا، ولّا هذا يريد فاحشة، ولّا ما أشبه ذلك؛ لأنه كما هو معلوم الآن لو مثلًا واحد دخل بيتك على طول بدون أن يستأذن تتهمه ولّا لا؟
طلبة: نتهمه.
الشيخ: تتهمه بأنه يسرق، ولّا بيفعل فاحشة، ولّا بيقتل مثلًا.
ولهذا من أهم ما يكون من الخير في هذه المسألة: أن الإنسان يبرأ من التهمة.
وفي التسليم أيضًا تُسَلّمُواْفيه أيضًا (...) السنة لكن فيه: تأمين أهل البيت، مع الدعاء لهم بالسلامة.
أما تأمين أهل البيت: فإنك لو قلت: السلام عليكم، فكونك تدعو لهم بالسلام، هذا من باب أولى وأحرى أن يعرفوا أنك لن يحصل منك ضرر، أنك لا يمكن أن يحصل منك ضرر؛ لأنك ما دام تسأل الله لهم السلام فكيف عاد أنك تتعدى عليهم؟
ولهذا قال العلماء: إن الرجل إذا سلم على كافر يعتبر ذلك تأمينًا له؛ لأنه يقول: السلام عليك، خلاص الآن سلمت أنا منك، ففي السلام أيضًا زيادة على ما سبق من الخير، وهو تأمين أهل البيت من شر هذا الداخل، وهو زائد على مسألة إبرائه من التهمة.
ثم فيه أيضًا: الإحسان إليهم بالسلام عليهم.
وفيه أيضًا: أنك كسبت أجرًا؛ لأن الإنسان إذا قال لأخيه المسلم: السلام عليك، كم يجيء من حسنة؟
طالب: عشر.
الشيخ: عشر حسنات، يجيئه عشر حسنات.
سبحان الله! يعني الواحد منا -الله يتوب علينا- لو قال: لك عشرة قروش إذا قلت: السلام عليكم، هل نفرط في السلام ولّا لا؟ أبدًا.
لو يقال هالصعاليك اللي ما يسلمون ولا يردون السلام بعد القيام، لو يقال لهم: ترى لكم كل مرة عشرة قروش، نعم، لا أقل عشرة هللة، يمكن ما يدَعون السلام أبدًا، غير ما عشر حسنات يمكن تضاعف إلى سبعمئة ضعف، هذه في الحقيقة يزهد الناس بها، ما ندري عاد هل هذا جهل منهم أو تهاون؟
على كل حال فيها أيضًا هذا من الخير، أنك تدعو لإخوانك الذين سلمت عليهم، فتكون بذلك محسنًا إليهم، وأيضًا أنت محسن إلى نفسك؛ لأنك جلبت لها عشر حسنات.
قوله تعالى: وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَابعد قوله: بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، إذا قلنا: بُيُوتًاهذه عامة، وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَايقتضي أيضًا العموم.
لو كان أهلها كفارًا هل تسلم عليهم أو لا تسلم؟ ظاهر الآية تسلم، لكن هل هذا الظاهر يُخَص بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ» ؟ أو نقول: ذاك في الملاقاة، وهذا في الاستئذان؛ لأنك أنت اللي جاي إلى بيته؟
طالب: في الملاقاة.
الشيخ: أنا (...) عندي إن نظرنا إلى أن الآية عامة، والعام يجوز أن يخصَّص، قلنا: صحيح هذا يجوز أنه يخصص، أن نقول: إذا كان يهوديًّا أو نصرانيًّا وتستأذن عليه لا تقول: السلام عليكم. وإذا نظرنا إلى أن النهي عن (...).

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تقدم أن الله سبحانه وتعالى بشرعه وقدره جعل الخبيثات للخبيثين والخبيثين للخبيثات، وأن كل شيء يأوي إلى ما يشاكله، فالطيب للطيب والخبيث للخبيث، وأن هذه القاعدة العامة يستفاد منها:
براءة عائشة رضي الله عنها مما رميت به. ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها تحت أطيب الطيبين من الخلق، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يليق بحكمة الله وشرعه أن تكون خبيثة.
وتقدم أيضًا: أن الطيب إذا رماه أحد بخبث فإن الله تعالى يبرئه أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ، يبرئه بأسباب شرعية وأسباب قدرية، وهذا من عناية الله سبحانه وتعالى بأهل الطيب؛ أن الله لا بد أن يدافع عنهم شرعًا وقدرًا.
فمثلًا: نجد أن الله تعالى برأ الطيبين من قول أهل الخبث شرعًا بما أوجبه من حد القذف؛ فإن هذا -حد القذف- لا شك أنه تبرئة لمن؟ للمقذوف، تبرئة للمقذوف وقد قال الله تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣].
ونجد أيضًا أن الله تعالى يبرئ الطيب قدرًا، يعني يقدر من الأسباب الكونية ما يتبين به براءته.
ومنه صاحب جريج الذي تكلم بالمهد، فإن الله تعالى برأ جريجًا مما رمي به، شو به؟ قدرًا؛ حيث تكلم هذا الطفل في المهد وقال: أبي فلان الراعي.
كان جريج عابدًا من بني إسرائيل، فنادته أمه ذات يوم فلم يجبها؛ لأنه يصلي، فغضبت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، فقدر الله سبحانه وتعالى عليه ما قدر، حتى رمته امرأة بأنه أصابها، وأن هذا الجنين أو هذا الحمل الذي وضعته منه، فقال: هاتوا الحمل، فجاءوا به، فقال: من أبوك يا (...) قال: أبي فلان الراعي، فبرأ الله بذلك جريجًا ؛ بسبب قدري ولّا شرعي؟
طالب: قدري.
الشيخ: بسبب قدري.
على كل حال، أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُوننقول: شرعًا وقدرًا؛ أما شرعًا فبحد القذف، وأما قدرًا فبما يوفره الله سبحانه وتعالى من الأمور الكونية التي يظهر فيها براءة هذا الطيب، واضح أو لا؟ وسبق لنا أيضًا أن الله سبحانه وتعالى نهى المؤمنين أن يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم إلا بعد أمرين، هما؟
طالب: أولًا الاستئناس.
الشيخ: نعم.
طالب: الشيء الثاني: السلام على أهلها.
الشيخ: الاستئناس والسلام على أهلها، وأيهما يقدم؟ الاستئناس أولًا، ثم السلام ثانيًا على كل حال ولّا فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟
طالب: (...).
الشيخ: هو لا بد من الاستئذان، لا بد من قرع الباب، لكن هل يسلم أولًا أو يستأذن أولًا؟
طالب: يستأذن أولًا.
الشيخ: يستأذن أولًا، مطلقًا. نعم.
طالب: على ثلاثة أقوال.
الشيخ: فيها ثلاثة أقوال، ورجحنا؟
طالب: الأخير.
الشيخ: ما علمتنا حتى نعرف الأخير، ويش اللي رجحنا؟
طالب: (...).
الشيخ: التفصيل.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، للأحاديث الواردة في ذلك. والثالث؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني إذا رأى أحدًا، أو سمع قولًا في البيت، فيسلم أولًا ثم يستأذن، وإلا فيستأذن أولًا، يكون التفصيل هذا هو الراجح؛ لأنه يدل عليه النظر أيضًا.
هذه الآية وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَاعلى عمومها ولّا فيها تخصيص؟
طالب: فيها تخصيص.
الشيخ: ما هو؟
طالب: لو كان (...) فلا يسلم.
الشيخ: فلا يسلم عليه، يستأذن عليه بدون سلام. طيب الدليل العام؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ بِالسَّلَامِ».
الشيخ: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ»، وهذا عام، كذا؟ صحيح.
هذه الآية مخصوصة بمن كان من أهل السلام، وأما من لم يكن من أهل السلام فإنه يُستأنس عليه ولا يُستأذن عليه.
فيه قراءة تروى عن ابن عباس بدل تَسْتَأْنِسُواأيش؟
طالب: (...).
الشيخ: {تستأذنوا} بدل تَسْتَأْنِسُوا.
أيهما، طبعًا أيهما أرجح، ولّا ذيك شاذة ما هي سبعية.
طالب: (...) لأنها عامة.
الشيخ: لأنها عامة.
طالب: (...).
الشيخ: صحيح؛ لأن الاستئناس أعم من الاستئذان، فتكون هذه أرجح وأولى، على (...) شاذة ما يقرأ بها.
وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: أخطأ فيها الكاتب؛ فهذا كذب، لا يمكن أن يصح عن ابن عباس؛ لأن هذه قراءة سبعية أجمع عليها المسلمون، وهل يمكن أن يجمع المسلمون على خطأ في كلام الله؟ لا يمكن أبدًا لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: ٤٢].
ثم إننا نقول: هل وسيلة القرآن هي الكتابة فقط ولّا الكتابة والنطق؟
طالب: الكتابة والنطق.
الشيخ: الكتابة والنطق، لا سيما في الصدر الأول، فالنطق أكثر، تلقي القرآن بالنطق لا سيما في الصدر الأول أكثر من تلقيه بالكتابة، وبهذا يتبين أن هذا الأثر عن ابن عباس باطل، وإنما نبهنا عليه ولم يكن موجودًا عندنا؛ لئلا تغتروا به.
قوله تعالى: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْالخيرية هنا بين لنا منها شيئًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: التفسير الثاني (...) البيت.
الشيخ: طمأنينة صاحب البيت.
طالب: ثم الدعاء له.
الشيخ: والدعاء له بالسلام.
طالب: وكسب الأجر.
الشيخ: وكسب الأجر من هذا السلام.
طالب: دفع التهمة عن..
الشيخ: دفع التهمة عن الداخل، نعم. هذه أربع؟ نعم.
طالب: حفظ العورات.
الشيخ: حفظ العورات، هذه خمس.
طالب: إعداد المكان..
الشيخ: إي هي، نعم، يعني استعداد صاحب البيت للضيف، تهيئته، حتى لا يدخل عليه وهو في حالة تحرجه.
طالب: عدم الإحراج.
الشيخ: إي عدم الإحراج، نعم.
طالب: (...).
الشيخ: ذكرناها، هذه مما علمناه، ومالم نعلمه يمكن أكثر من هذا، المهم أنه خير لنا، وقبل ذلك، يعني هذا الخير الذي علمنا أن الشارع أمر بذلك من أجله، لكن بعد أن يأمر الشارع بالشيء تكون الخيرية فيه هي امتثال أمر الشرع، لكن هذه بعد أن يأمر به الشرع، بعد أن يأمر الشرع بشيء أو ينهى عن شيء تكون الخيرية التي لا نعارض فيها شو هو؟ امتثال الشرع؛ فعل للأمر، وترك للنهي، فهذا خير ما يوجد في الأحكام الشرعية هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه الذي من أجله خُلق الخلق وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
هذه منفصلة عما قبلها، يعني ما ينبغي أنك تقرأ تقول: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: (لعل) إذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل، يعني أننا أمرناكم بذلك وبيناه لكم، وبينا أنه خير، لماذا؟ لأجل أن تذَكّروا.
يقول المؤلف: (بإدغام التاء الثانية في الذال، خيريته فتعملون به).
قوله تَذَكَّرُونَ: أصله: (تتذكرون).
ويقول: إنها (بإدغام التاء الثانية في الذال)، فالقراءة على كلام المؤلف: {تَذَّكَّرُون} بتشديد الذال {تَذَّكَّرُون}، وأصلها (تتذكرون) فأدغمت التاء الثانية في الذال فصارت: {تَذَّكَّرُون}.
ومعنى {تَذَّكَّرُون} يعني تتعظون؛ لأن التذكر اتعاظ الإنسان، وكون الأمر يقع منه على بال لا يغفل عنه ولا يسهو عنه.
وقول المؤلف: (خيريته فتعملون به) يفيد أن مفعول تَذَكَّرُونَمحذوف تقديره خيريته، على أن الحقيقة أن هذا الفعل لا يظهر لي أنه متعدٍّ، بل الظاهر أنه لازم؛ يقال: تذكر، أي اتعظ، فالظاهر أنه لازم، والمعنى: تتعظون.

***

تفسير الآية (28)
00:55:07

قال الله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا [النور: ٢٨] يأذن لكم فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُبعد الاستئذان ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَأي الرجوع أَزْكَىأي: خير لَكُمْمن القعود على الباب).
إن لم تجدوا فيها أحدًا؛ أي في البيوت غير بيوتكم، مثلًا: افرض أنك تريد أن تذهب إلى صاحب لك، وجئت ولم تجد في البيت أحدًا، وعندنا علامة على عدم وجود أحد في البيت، إذا كان البيت مثلًا مغلقًا بـالقفلين عُلم أن صاحب البيت ليس فيه.
وقوله: لَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْكيف حتى يؤذن لنا ونحن لم نجد فيها أحدًا؟ يعني إذا كان ما فيها أحد هل يمكن يوجد إذن؟
طالب: بإذن سابق.
الشيخ: إذن سابق؟ كيف؟ يعني حتى يكون قد أذن لكم؟ ما يصح، ما يستقيم الكلام.
طالب: صاحب البيت يمكن أذن لهذا وما هو موجود.
الشيخ: وما هو موجود؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني إذن سابق لكن هذا يمنعه أن.. حَتَّى يُؤْذَنَ، ما قال: إلا إن أذن لكم، يعني: ينتظر.
المعنى أنه إذا لم تجد أحدًا مستحيل الدخول، فكما أنه لا إذن مع عدم وجود أحد، فلا دخول إذن، ولكن جاءت بهذه الصيغة -والله أعلم- إشارة إلى أن العلة في الدخول وعدمه هو الإذن فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْطبعًا أنا إذا علمت أن ما فيها أحد، ما فيه إذن، لكن معنى لا تدخلوها لأنه لا إذن، فإن انتظرتم حتى جاء صاحب البيت وأذن لكم فادخلوا، وإن انصرفتم فلا حرج.
واحتمال أن يكون الإذن مسبقًا، إذن سابق يعني احتمال هذا ذهنًا وارد، يعني: ممكن، لكن التعبير لا يساعده؛ لأنه قال: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَلا تفعل كذا حتى يكون كذا، إذن فهذا الكون لا بد أن يكون بعدما ورد به النهي، وهذا ينفي أن يكون الإذن سابقًا.
طالب: وكيل صاحب البيت؟
الشيخ: إي، المعلوم إذا كان وكيل صاحب البيت فقد وجدنا أحدًا.
طالب: يكون فيه ضرر على (...) فإذا أراد (...).
الشيخ: ما يخالف؛ هذا ما نقول: إنه فيه إذن سابق، هذا نقول: وكيل عن صاحب البيت، فهو بمنزلته، لكن إن وجد إنسان أصلًا بيستأذن وما فيه أحد ما يدخل حتى يؤذن له فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا.
لو استأذنت على صاحب البيت ويقول: والله ارجع يا أخي، ما أبغي جلوسًا، أو ما أبغي الفتح، فهل تقول: لا، وتأنف من كونه يردك تقول: والله أنا عديت ما يمكن لا تفتح، ويش الجواب؟
الجواب: يقول له: ارْجِعُوا، إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا، وفي هذا دليل على أن الإسلام صريح، يعني لا بأس أن صاحب البيت يقول: ارجع ما أنا بفاتح البيت، ويجب على من قيل له ذلك أن يرجع، لا يأنف، (...) أنا ما يمكن إلا أدخل، يقول الله: ارْجِعُوا.
ولما كان هذا الرجوع شاقًّا على النفوس رغب الله فيه بقوله: هُوَ أَزْكَى لَكُمْ.
(فَارْجِعُوا هُوَأي: الرجوع أَزْكَىأي: خير لَكُمْمن القعود على الباب).
المهم، بين المفضل عليه وهو القعود على الباب، ولكن ينبغي أن نقول: إن الآية عامة أَزْكَى لَكُمْمطلقًا، سواء قعدتم على الباب، أو لزّمتم وأحرجتم صاحب البيت، المهم أن هذه الجملة ترغيب وحث على الرجوع؛ لأن الرجوع في الحقيقة يشق على النفس؛ إن صاحب البيت يقول له: ارجع، ثم يرجع، لا سيما إذا كان قد أتى من بعيد فإنه يشق عليه، لكن بين الله سبحانه وتعالى أن هذا العمل الذي هو الرجوع أزكى للإنسان، يعني أشد زكاءً، والزكاء هو عبارة عن سمو الأخلاق وعلو الآداب، وكذلك من ناحية العبادة أيضًا، فزكاء الإنسان عبارة عن نماء أخلاقه وآدابه ودينه أيضًا، ودينه.
قال بعض السلف: لقد تمنيت أن أحصل على هذه مرة في عمري، ويش لأجله؟ لأجل أن يحصل الزكاء، ولكن قَلّ أن توجد هذه.
وفي هذه الآية من بيان صراحة الإسلام وآداب الإسلام ما فيه، وأن الإنسان ينبغي أن يكون صريحًا غير ملتوٍ.
يعني مثلًا: أرغب أن تدخل، أقول: ادخل، لا أرغب، أقول: ارجع، وهذه كثير من الناس لا يفعلها، ولكن الشرع يبيح لك أن تفعل، يبيح لك أن تقول لمن استأذن عليك: ارجع، لا تقول: والله هذا شيء صعب، شيء شاق، ولا أتمكن من أن أقوله، نقول: الشرع لا يحرجك، إذا كان غير مناسب أنه يدخل عندك، وعندك أشغال مهمة مثلًا، أو هذا الرجل مثلا يحتاج إلى ضيافة بينة كبيرة ولست مستعدًّا له، فلا حرج أن تقول: ارجع، وإذا رجع كان ذلك أزكى له وأطهر.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هو يحدث في نفسه إذا كان ما قرأ هذه الآية، أما إذا كنت قرأت هذه الآية وقال لي: ارجع، ورجعت كل يريد الزكاء، كل إنسان يريد الزكاء، ولهذا نحن قلنا: الحكمة في أن الله قال: هُوَ أَزْكَى لَكُمْ: الحث والإغراء على الرجوع وعدم الأنفة، وألا يكون في قلبه شيء، هذه آداب إسلامية ينبغي أن نتأدب بها وأن نكون صرحاء. أيما هذا أو أنه يأذن لي؟ يأذن لي على إغماض، وعلى إحراج، ويمكن أفوته مصالح كثيرة! أيهما أولى؟ الأول أولى.
وهذه يعني الظاهر أنها مرت عليكم، إنه مر عليكم أحيانًا يستأذن عليك إنسان وأنت ما ودك يدخل، ما ودك أبدًا يدخل، إما في الشغل ضروري، ولّا في حاجة ما يمكن يشاهدها في البيت، ولّا غير ذلك. على كل حال هذه المسألة هي الآداب الإسلامية، وأن الإنسان ينبغي أن يكون صريحًا، ليس في عمله ولا في قوله شيء من الالتواء.
قال: هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَمن الدخول بإذن وبغير إذن، عَلِيمٌفيجازيكم عليه).
بِمَا تَعْمَلُونَ: (ما) اسم موصول، توافقون على هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أي بالذي تعملونه، واسم الموصول يفيد؟
طالب: العموم.
الشيخ: العموم، وتقييده بالدخول بإذن أو بغير إذن لا ينبغي في الحقيقة، وإن كان إنه في سياق ذلك، لكن العبرة شو به؟ بعموم اللفظ، فالله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل من الدخول بإذن أو بغير إذن، والرجوع إذا قيل: ارجعوا، وعدم الرجوع، وغير ذلك أيضًا من أعمالنا عَلِيمٌ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، حتى الأعمال التي لا يطلع عليها أحد كأعمال القلوب فالله سبحانه وتعالى عليم بها.
ما هي الفائدة من كون الله سبحانه وتعالى يُعْلمنا بأنه عليم بعملنا؟
الفائدة واضحة هي الحذر، كما قال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]، الحذر منه تبارك وتعالى إذا كنا عملنا معصية، والرغبة فيما عنده إذا عملنا طاعة، يعني أنا عندما أُومن بأن الله عليم بما أعمل فهذا يوجب لي الحذر من مخالفته، ويوجب لي أيضًا: الرغبة في موافقة شرعه؛ لأنه سيعلم ذلك وسيجازيني على ما عملت.
فالحاصل أن إخبار الله عباده بأنه عليم بما يعملون يتضمن أمرين: تحذيرًا وترغيبًا. تحذيرًا منين؟
طالب: من المخالفة.
الشيخ: من المخالفة. وترغيبًا: في الموافقة، موافقة الشرع؛ لأن ذلك لا يضيع، فإنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى.

***

تفسير الآية (29)
01:07:28

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ [النور: ٢٩] أي منفعة لَكُمباستكنان وغيره كبيوت الربط والخانات المُسبلة وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَتظهرون وَمَا تَكْتُمُونَتخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره) إلى آخره.
طالب: يعني (...) هنالك.
الشيخ: باستئذان.
طالب: باستكنان.
الشيخ: أيش؟
طالب: بالكاف، باستكنان.
الشيخ: باستكنان وغيره؟ طيب، هي أصلًا لخبطت عندي شوية.
يقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ، الجناح: الإثم.
فيستفاد مما سبق أن الأوامر هناك للوجوب؛ لأنها هي التي يأثم الإنسان بمخالفته، فقول الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌيدل على أن ما سبق يكون في مخالفته الجناح.
أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْالمتاع: يقول المؤلف: المنفعة، والأصح أنها أعم من ذلك، سواء منفعة باستكنان كما قال المؤلف أو غيره، متاع يعني: ما يكون متعة لكم من منافع وأعيان، حتى لو كان البيت مثلًا فيه أعيان لي، ككونه مخزنًا فيه أموال، هذا أيضًا ليس عليَّ جناح أن أدخله بدون استئذان، وإن كان البيت لغيري. والسبب لأن وجود الحاجة فيه لي، أو المتاع لي فيه، هو إذن لي بالدخول، كون هذا الرجل بيعطيني جزءًا من بيته أضع فيه متاعًا لي هذا يدل على أنه قد أذن لي بذلك، ما حاجة أني أستأذن إذنًا جديدًا. وهذا أيضًا الإذن الذي أوجبه الشارع في هذه الحال ما يظهر أنه يجب؛ لأن البيت غير مسكون، وإذا صار غير مسكون فأصل الاستئذان إنما جعل من أجل النظر، والنظر هنا مفقود؛ لأنه ما فيه أحد، لكن لما كان لغيري صار الإنسان قد يكون متحرجًا؛ لأنه قال: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ، لو أخذنا بعموم ها الآية ذي لقلنا: البيوت غير المسكونة ولو فيها متاع لنا ما ندخلها حتى يؤذن لنا، لكن في هذه الحال إذا كانت غير مسكونة وليست محلًّا للسكنى وفيها متاع لنا، سواء منفعة أو عين، فإنه لا حرج علينا أن ندخلها بدون استئذان.
وقوله: فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْدليل على أنه إذا لم يكن فيها متاع لنا فإننا لا ندخلها ولو كانت غير مسكونة، والحكمة في هذا ظاهرة؛ لأن الرجل إذا دخل بيتًا ليس له وهو غير مسكون وليس له فيه منفعة أو متاع، يؤدي ذلك إلى تهمته، شو به؟ الفساد، كما يوجد الآن في البيوت التي لا تسكن أحيانًا تكون مأوى للخبثاء، فإذا كان الإنسان ليس له متاع في هذا البيت فإنه لا يدخله إطلاقًا، أما إذا كان له متاع وهو لو غير مسكون فلا حرج على الإنسان أن يدخله، سواء استأذن أولم يسـتأذن، ولكن الاستئذان هنا غير وارد؛ لأنه ليس مسكونًا، إلا أنه لولا هذا الاستثناء لقلنا: إن عموم قوله: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْيقضي على هذه الحال أيضًا، ولكن هذا من نعمة الله.
فالحاصل الآن: البيوت ثلاثة أقسام صارت: بيوت مسكونة فيها أهلها، ويش الواجب؟ الاستئذان والسلام. بيوت ليس فيها أحد، لكنها مسكونة، لكن ما وجدنا فيها أحدا، أيضًا لا بد من الاستئذان، ما ندخلها حتى يؤذن لنا.
بيوت غير مسكونة، هذه إن كان فيها متاع لنا فليس علينا جناح في دخولها، وظاهره إن لم يكن لنا فيها متاع فإنه لا يجوز دخولها، علينا جناح في ذلك.
والسبب أنها إذا كانت غير مسكونة، وهي ما ملك لنا، لو ملك لنا واضح لكنها ليست لنا، إذا دخلناها وليس لنا فيها متاع أوجب ذلك التهمة، هذه من جهة، ويوجب أيضًا المخاصمة مع صاحبها؛ لأن صاحبها يقول: لأيش تدخل بيتي؟ أليس كذلك؟ فإذا قلت له: هو غير مسكون، ولا حاجة أستأذن لأن ما فيه أحد، ما فيه ساكن، يقول: ولكن البيت لي، لا يحل لك أن تتصرف فيه بالدخول، فلهذا يقول: اشترط الله تعالى أن يكون فيها متاع لنا.
طالب: يا شيخ، المتاع المنفعة لأيش؟
الشيخ: لا، المتاع يقول المؤلف: (أي منفعة).
طالب: (...).
الشيخ: إما منفعة أو عين.
طالب: (...).
الشيخ: المنفعة مثلما قال المؤلف: باستكنان أو شبهه.
الاستكنان وشبهه من المنفعة، مثلًا: لو فُرض أنه نزل أمطار كثيرة، وحولك بيوت غير مسكونة ودخلت لأجل تستكن من المطر، أو حر شديد، أو عدو لاحقك، أو ما أشبه ذلك، هذه منفعة، والعين مثلما أشرنا إليه.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
طالب: يعني إذا كان المصلحة (...).
الشيخ: إي نعم، فِيهَا مَتَاعٌيعني: شيء يمتعك.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، مثلما قال هنا: مَتَاعٌ، أي: ما تتمتع به من عين أو منفعة.
ثم قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
لاحظوا الفرق بين التعبيرين، هناك قال: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وعَلِيمٌاسم، وهنا قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ، ويَعْلَمُفعل، الجملة فعلية.
والفرق بينهما أن الأول بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌباعتبار وصف الله بالعلم؛ فإن علم الله تعالى صفة لازمة له أزلية أبدية، ولّا حادثة؟
طلبة: أزلية.
الشيخ: أزلية أبدية، وليست بحادثة إطلاقًا، علم الله لا يتجدد سبحانه وتعالى، بل هو لم يزل ولا يزال عالمًا بما كان وما سيكون. وهنا قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُوقد قال العلماء: إن الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، الجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، وحينئذ يشكل علينا؛ لأننا أسسنا قاعدة أن علم الله أزلي أبدي.
فنقول: إن المراد هنا ربط العلم بالعمل، ربط علم الله بالعمل، وربط علم الله بالعمل يقع كثيرًا في القرآن؛ كما في قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران: ١٤٢]، وما أشبهها مما يدل على أن علم الله سبحانه وتعالى مقرون بالعمل.
وليس قرنه بالعمل من أجل أنه تجدد بعد وقوع العمل، لا، لكن الله تعالى يعلم بالشيء قبل وجوده أنه سيقع، ويعلم بالشيء بعد وجوده أنه قد وقع، فالعلم المقارن غير العلم السابق، العلم المقارن هو الذي يترتب عليه الجزاء، والعلم السابق لا يترتب عليه الجزاء، ولهذا قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ [آل عمران: ١٤٢]، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْأيش بعد؟ حَتَّى نَعْلَمَ، فالمراد بذلك العلم المقارن، ويش الذي يترتب عليه؟ الجزاء؛ بالإثابة على الموافقة، والعقوبة على المخالفة.
لاحظوا يا جماعة لأن هذه بالحقيقة مشكلة، يعني وجود التعبير عن العلم بالفعل أو مثل الآية الأخرى لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَوما أشبه ذلك تشكل على الإنسان، ووجه الإشكال أنه يقول: علم الله لا يتجدد، هذا هو المستقر في نفوسنا وعقيدتنا، وهو الواقع، علم الله لا يتجدد، وهذه الآيات ظواهرها أن علم الله يتجدد.
ويش الجواب قلنا؟ الجواب: أن علم الله أزلي لا يتجدد، لكن هو علمٌ سابق على الوجود، وعلمٌ مقارن للوجود، فهمتم؟ فالعلم السابق على الوجود علم بأن الشيء أيش؟
طلبة: سيقع.
الشيخ: سيوجد أو سيقع. والعلم المقارن للوجود علم بأن الشيء وقع، والعلم المقارن للوجود هو الذي يترتب عليه الجزاء؛ إثابة في الموافقة، وعقوبة في المخالفة.
وبذلك يزول عنا هذا الإشكال العظيم الذي من اعتقده فهو كافر، من اعتقد مقتضى ظواهر هذه الآيات فهو كافر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يتجدد علمه، بل هو بكل شيء عليم، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد: ٢٢]، وهل يكتب الله ما لا يعلم؟ ما يمكن، لا يمكن أن يكتب إلا ما علم، ولا يمكن أن يقع إلا ما كان موافقًا للكتاب.
على كل حال يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَقرن العلم هنا بما يبديه الإنسان ويكتمه؛ لأنه العلم الذي يترتب عليه أيش؟ الجزاء، ولهذا قال: مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ.
يقول: (مَا تُبْدُونَتظهرون، وَمَا تَكْتُمُونَتخفون، من دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم).
هذا أيضًا بالحقيقة من دخول غير بيوتكم، هذا مثلما أشرنا إليه سابقًا السياق، كما قال المؤلف، لكن العبرة بالعموم، فكل ما نبديه من قول وفعل، وكل ما نخفيه، فإن الله تعالى عالم به.
والغرض من بيان علم الله بذلك هو أيش؟ التحذير من المخالفة، والترغيب في الموافقة. أما كونه تحذيرًا من المخالفة فظاهر، وأما كونه ترغيبًا في الموافقة فأنا إذا علمت أنني مهما عملت من خير فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازيني عليه، فإنني أنشط على العمل وأقول: ما يضيع لي شيء.

***

تفسير الآية (30)
01:22:10

ثم قال الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] عما لا يحل لهم نظره، و(من) زائدة، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْعما لا يحل لهم فعله بها).
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أمره الله تعالى أن يقول.
وقد مر علينا حول هذا الموضوع قاعدة، أرجو أنها على بالكم الآن، ما هي؟ كون الله يقول للرسول في قضية معينة: قُلْ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، القرآن كله قد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله للناس، كل القرآن، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، لكن ما يُصَدَّر من الأحكام أو الأخبار بـقُلْفهذا في الحقيقة نص على تبليغه بخصوصه، والنص على تبليغه بخصوصه ويش يدل عليه؟
على أهميته، يعني تكون هذه رسالة خاصة بهذا الشيء المعين، غير الرسالة العامة بكل القرآن، فالآن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقول للناس كل القرآن يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، لكن كونه يقال في شيء معين: خبريًّا كان أم طلبيًّا يقال فيه: قُلْويش يدل عليه؟ على أهميته ووجوب العناية به.
مثال ذلك في الخبر: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، هذا خبر.
ومثاله في الأحكام مثل هذه الآية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠]. والحاصل؟
طالب: الحاصل أن (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...) للدلالة على أهميته.
الشيخ: على أهميته ووجوب العناية به، لماذا؟
طالب: لأهميته.
الشيخ: لا، أقول: لماذا يدل على؟ ويش السبب؟ أنت الآن قلت: هذا دليل على كذا، لماذا؟
طالب: لأنه (...).
الشيخ: لأنه أرسل به رسالة خاصة: قُلْ كذا، فكون الله تعالى يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتبليغه خاصة هي رسالة خاصة بهذا الشيء ليكون ذلك دليلًا على أهميته ووجوب العناية به، وما ذكر هنا في الآية لا شك أنه جدير بالعناية.
وقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
طالب: يعني في بداية الآية (...).
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...).
الشيخ: هذا عاد واضح، هذا واضح أنه جواب، أقول: واضح أن المراد هنا الجواب، ما تشمل ها القاعدة فيه؛ لأنها جواب هذا.
طالب: هذه جواب.
الشيخ: هذه جواب..
طالب: قُلْلأنه جواب.
الشيخ: لأنه جواب، وقوله: لِلْمُؤْمِنِينَقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَلماذا لم يقل: (قل للناس)؟ لأن الإيمان هو الذي يقتضي القبول، فالمؤمن هو الذي يقبل ما كلف به. ثم فيه أيضًا من الإغراء على الامتثال لما فيه، الإغراء على الامتثال، لم (...) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَمثلما يقول: (قل للرجال كذا وكذا) أي أنه لإيمانهم هم الجديرون بهذه العناية، وهذا التوجيه الرباني، ففيه إغراء، وفيه دليل على أن المؤمن هو محل الامتثال؛ لأن غير المؤمن -نسأل الله العافية- ما هو ممتثل، اللي ما يؤمن لا يمتثل.
وقد حدثني بعض الإخوان البارحة عن شخص من هؤلاء المتأمركين الذين جاءوا من أمريكا يقول: إنه نصحني في أمور وقال: عود نفسك على هذا الشيء، ترى الإنسان إذا اعتاد شيئًا يكون سجية وطبيعة له. فقال له صاحبنا: لماذا لا تعود نفسك على الصلاة مع الجماعة في المسجد، فكان جواب هذا الرجل المتأمرك أو المستغرب -يمكن من غير أمريكا ما أدري، لكن على كل حال هو من المبعوثين للخارج- قال: أنا ما أقتنع بصلاة الجماعة. فما رأيكم بهذا الكلام؟ هل يكون كفرًا أو لا يكون؟
طالب: (...).
الشيخ: لو أن الرجل قال: ما أقتنع بوجوب صلاة الجماعة؛ لقلنا: هذا رجل قلد غيره، والله أعلم بنيته، هل قلدهم كهولة، أو قلدهم للوثوق برأيهم، لكن يقول: ما أقتنع بصلاة الجماعة، معناه: ما أرضى بها (...).
قوله: يَغُضُّواما في (...)؟
وذكرنا لذلك شاهدًا وهو: محمد كفِّ نفسك كل نفس، يعني: لتكفي. أي جواب للأمر الموجود وهو قُلْ. وأوردنا على ذلك ما يضعفه، وهو أن مجرد القول لا يلزم منه الغض، اللهم إلا على فرض أن المؤمن لا بد إذا قيل له أن يغض غضَّ.
الوجه الثالث: أنه جواب لأمر مقدر: قل للمؤمنين غضوا من أبصاركم يغضوا من أبصارهم، غضوا يغضوا. ما معنى الغض؟
طالب: (...).
الشيخ: القصر (...).
طالب: (...).
الشيخ: القصر (...).
طيب مِنْمِنْ أَبْصَارِهِمْ؟ المؤلف يرى أنها زائدة، والصحيح؟
طالب: (...).
الشيخ: أنها للتبعيض، ليست زائدة، كذا؟ ما الذي يضعف ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: ثلاثة وجوه.
الشيخ: ثلاثة أوجه، يضعف ما قاله المؤلف ثلاثة أوجه.
طالب: (...).