تفسير سورة النور - 6
عدد الزيارات 2599

عناصر المادة :
تفسير الآية (32)

وأمرهما بالاحتجاب، لكن هذا الحديث لا يصح عند أهل العلم؛ لأنه من رواية نبهان مولى أبي سلمة، وهو مجهول؛ ولذلك ضعّفه الإمام أحمد رحمه الله؛ ولذلك الصحيح أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا لم يكن هناك فتنة أو شهوة، ويدل على ذلك أحاديث صحيحة صريحة منها حديث عائشة رضي الله عنها حينما كانت تطّلع إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يسترها وهي تنظر إليهم حتى إنها هي التي تركت هذا الشيء .
وهذا دليل واضح على جواز نظر المرأة إلى الرجل، كذلك أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيس: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ» هذا أيضًا صريح واضح في أن المرأة يجوز أن تنظر إلى الرجل.
وأيضًا قال فقهاؤنا -رحمهم الله-: لو كان يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لوجب على الرجال أن يحتجبوا مثل ما أن المرأة تحتجب عن الرجل لئلا ينظر إليها.
فنقول: أيضًا الرجل يحتجب عن المرأة لئلا تنظر إليه؛ لأنه ما يتم الواجب إلا بهذا، أليس كذلك؟
لأن إذا صار الرجل مكشوفًا فالمرأة لا بد بتشوف، ضروري تشوف، ما يمكن تعدم رؤيتها له إلا إذا احتجب مثل ما أن هي تحتجب، ولا قائل من أهل العلم: أنه يجب على الرجل أن يحتجب عن المرأة.
ولهذا الصحيح في هذه المسألة مذهب الإمام أحمد؛ أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل، ولكن كل هذه المسائل هذه وغيره كل ما قلنا: يجوز بشرط أيش؟ بشرط أمن الفتنة، أما إذا كان هناك فتنة، فإنه لا يجوز أن تنظر، ولا إلى صورة الرجل حتى صورة الرجل اللي تكون في بطاقة، أو تكون مثلًا تظهر في التليفزيون لا يجوز أن تنظر إليها إذا كان يخشى منه الفتنة، وكذلك بالنسبة للرجل أيضًا.
وهذه مسألة لعلنا نبحثها بحثًا مستقلًّا، وهي هل يجوز للرجل أن ينظر إلى صورة المرأة الأجنبية منه أو لا يجوز؟ وأيش رأيكم؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني متى جاز النظر إلى وجهها بغير صورة جاز النظر إلى صورتها، كذا؟
طالب: (...) حكم النظر إلى الصورة؟
الشيخ: يعني تقول: متى جاز النظر إلى المرأة لكونه محرمًا أو خاطبًا جاز النظر إلى صورتها؟
طالب: نعم، حُكم الصور؟
الشيخ: لا، دعنا من مسألة التصوير، هذا شيء ثانٍ، ومتى مُنع مُنع من النظر، هذا رأي، ورأيكم أنتم؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني تقول أنت: إنه يجوز النظر إلى صورة المرأة مطلقًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأنها لا تساوي النظر إلى المرأة.
طالب: أو تساوي النظر..
الشيخ: يعني لا تساويه، هذان رأيان.
طالب: منع النظر (...).
الشيخ: يعني أن تكون هذه الصورة ليست هي المرأة، والنهي إنما ورد عن المرأة فقط، لو حصل فتنة مثل ما يفعل بعض الناس -والعياذ بالله- أنا أذكر مرة، أذكر لكم أن فيه مجلة تسمى النهضة كويتية، لكنها نهضة إلى الشر، هذه المجلة وضعت مسابقة لملكة الجمال، وصورت حسب ما تصورت، أجمل من جاءها من النساء طبعًا مثل هذا في ظني أن كثيرًا من الناس الذين ليس عندهم خوف من الله، يقتنون هذه، يقتنون صور الجمال، يتمتع بها في النظر، أو لأي غرض آخر، فهذا لا شك في تحريمه.
فنقول: إذن النظر إلى الصورة لا يساوي النظر إلى الحقيقة، وليس هو الذي ورد به النهي، ولكن متى تضمن ذلك فتنة، بكونه يتعلق بها، أو يقتنيها، فإن ذلك يكون حرامًا، وإلا فلا يظهر التحريم. بالنسبة للنظر إليها في التليفزيون؟
طالب: (...).
الشيخ: هو في الحقيقة، الفرق بين الأول أنها تتحرك، والثاني أنها في الغالب إنه صار ملون التليفزيون يحكي حالها أكثر، وكذلك الصوت، وكذلك التغنّج والتمايل والرقص وما أشبه ذلك، لكن إذا قدرنا أنها امرأة عادية طبيعية تذيع مثلًا، هل يحرم النظر إليها أو لا يحرم؟
طالب: مثل اللي في الشارع.
الشيخ: مثل اللي في الشارع، إذن يحرم النظر إليها.
طالب: (...).
الشيخ: والله أنا عندي أن النفس ما تتعلق بها، ولو رأتها في التليفزيون مثل ما تتعلق بها لو رأتها حقيقة، أنا عندي فرق بين أنه ينظر امرأة في التليفزيون، أو ينظر امرأة صورة حقيقة، أنا في ظني أن بينهما فرقًا، وهي في الحقيقة بعض الناس يقول: إن الصورة في التليفزيون أشد من الصورة في البطاقة؛ لأنها تحكي الحركة والصوت، فيكون الفتنة بها أعظم، ولكن عندي أيضًا أن هذه تمتاز على الصورة في البطاقة مثل ما قال: تمتاز بأنها تتحرك، ولها صوت وهذا أدعى للفتنة، لكنها تختلف عنها بأنها لا تثبت، والصورة اللي في البطاقة تثبت، والإنسان يمكن يخلي عنده الصورة بالبطاقة كل ما اشتهى أن يتمتع بالنظر إليها ذهب إليها ونظر، لكن هذه ما يتمكن؛ لأنها قد فاتت وأغلق التليفزيون وراحت عنه.
طالب: (...) غض البصر عن المرأة (...)؟
الشيخ: إي، هذه هي إحنا نقول: لا نساويها، أنا في ظني..
طالب: لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لماذا؟ لأنه ما يساوي.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما يمكن يتعلق الإنسان قلبه بهذه الصورة مثل ما يتعلق بالنظر نحن لا نسمي..
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم منع (...).
الشيخ: معلوم الوصف مهما بلغ لا يمكن أن يكون مثل الصورة، ما فيه شك، الصورة أشد حكاية للحقيقة، لكن في كلامنا إذا لم يكن هناك فتنة ولا ضرر، ووصف نساء المسلمين للكفار هذا ضرر عظيم، ولذلك ما عندنا شك أن الصورة صارت تُبتذل، وتخلي صورة بنت فلان مثلًا بأيدي الفساق أن هذه من المحرم اللي لا شك فيه.
ولهذا نرى أنه من أعظم الخطر ما يفعل الآن بالعرائس، تصوير النساء حتى ولو اللي يصور نساء؛ لأن هذه الصور تبقى في أيدي النساء، ومن يأمن النساء أنها تعطيها فلانًا، ولَّا فلانًا، ولَّا ولدها، ولَّا زوجها، لكنكم ربما تحتجون عليه بالحديث الذي أوردته، وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تنعت المرأة لزوجها كأنما يشاهدها، فإذا كان الرسول نهى أن تنعت المرأة للرجل، فهذه مثله.
الصورة يمكن أشد، هذا هو الذي يمكن أن يقال: إن الصورة تدخل فيه؛ لأن النعت -في الحقيقة- ذكر الأوصاف، لا يحكي المرأة كما تحكيه الصورة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نَهَى أن الْمَرْأَة تُباشِرُ المرْأَةَ، وتَنْعَتها لزَوْجِهَا كأنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فهذا مثله، ولكن ما الظاهر لي أنا؛ لأن في الحقيقة حكاية الصفة بالنسبة للإغراء أشد، لا سيما إذا كان الرسول يقول: «تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا»، إن كان هذه الكلمة لزوجها، أنها قيد ليس لبيان الغالب؛ لأن كونها تنعتها لزوجها هذا يفضي إلى مفسدة:
أولًا: قد يظن الزوج أن زوجته تكرهه، وتنعت هالمرأة لأجل يتزوج.
الشيء الثاني: أنه ربما إذا نعتتها لزوجها، أنه هو زوجها يتعلق قلبه بهذه المرأة المنعوتة، ويكون ذلك سببًا لفراق هذه الزوجة.
يعني قد يقال: كون الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا»، أن هذا ليس لبيان الواقع، وأن الغالب أن المرأة ما تصف النساء إلا لو فرطت في زوجها.
قد يقال: إنه ليس لبيان الغالب، ولكن لما يترتب عليه من المفاسد حيث يظن الزوج أن هذه المرأة لا تريده، ولذلك تصف له النساء لعله يتعلق بهن، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: أنه ربما أن الزوج نفسه إذا وصفت له زوجته هذه المرأة يتعلق قلبه بها، ويرغب عن زوجته التي معه، ويتحول إلى الجديدة.
على كل حال أنا ما أستطيع أني أجزم، أنا أخبركم عن رأيي بعد هذه المناقشة؛ لأني ما أستطيع أني أجزم بتحريم النظر إلى المرأة في التليفزيون أو في الصورة، إذا لم يكن في ذلك محظور، فإن كان في ذلك محظور فلا شك أنه لا يجوز.
طالب: (...).
الشيخ: هذه صحيحة؛ لأن مثل هذا يختلف باعتبار إثارة الفتنة: إما بعيد المنال قد لا تتعلق به نفس الإنسان لا سيما الإنسان العاقل؛ لأنه كيف يطمع الإنسان بما لا يمكن أن ينال، بخلاف الأشياء اللي يمكن؛ ولهذا -والله أعلم- أُبيح للمحارم أن يكشفن وجوههن للمحرم؛ لأن نفسه ما يمكن تتعلق بهن أبدًا إلا إنسان -والعياذ بالله- قد قُلِب، وأما الرجال الأجانب فلا، يعني هذه من الحكمة أنه ما يمكن إنسان تتعلق نفسه بأحد من محارمه، ولهذا أُبيح لهن الكشف، لكن هذا الذي قلت يؤيد (...) على خوف الفتنة على الفتنة، أو خوفها.
وأما إذا كان الإنسان طبيعيًّا، ولا يهتز قلبه، ولا مشاعره بهذا الذي يشاهد، فالتحريم وتأثيم الناس به أمر فيه إشكال.
وتعرفون الآن الصور صور النساء منتشرة كبعض الأقمشة، أظن فيها صور نساء، يُلصق عليها بطاقة صورة امرأة، وكذلك أيضًا بعض..
طالب: (...).
الشيخ: في الصحف أيضًا، هذه مشكلة؛ يعني تأثيم الناس بشيء ما يتحققه الإنسان أمر صعب؛ أولًا: إنه ما يجوز للإنسان يأثِّم الناس إلا بشيء يغلب على ظنّه أو يقطع به، فأما شيء يشك فيه، فلا ينبغي أن يؤثّم الناس به، ولا شك أن التحرز من هذا أولى، ولكن المسألة ما هي مسألة التحرز (...) الأولوية مسألة التحريم، هل نقول: حرام عليك تنظر، ولَّا ليس حرامًا؟
أما إذا كان الإنسان يجوز أن ينظر إلى المرأة نفسها، فهذا واضح من أنه يجوز أن ينظر إلى صورتها مثل ما قال الأخ؛ في مسألة الخاطب لو أن رجلًا أراد أن يخطب امرأة، وقال بدل من أنه يروح مثلًا لما إذا كان هناك فيه صورة لها، ورّوني صورتها، فهذا لا بأس به وإن كانت الصورة بالحقيقة ما تحكي الواقع تمامًا كما هو مشاهَد، الآن تشاهدون صورًا لشخص واحد، أحيانًا تيجي صورته مشوهة، وأحيانًا تيجي صورته أحسن من الواقعية أيضًا، وأحيانًا تأتي الصورة أحسن من الواقع، وأحيانًا تكون الصورة مطابقة للواقع، الحقيقة أن الصور هذه ما بتحكي الواقع تمامًا.
طالب: (...).
الشيخ: خوف الفتنة.
طالب: (...).
الشيخ: لا، إنما هذا هو المناط؛ يعني هذا هو السبب سدًّا لهذه الذريعة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، هو هذا؛ ولذلك يجوز في بعض الأحيان إذا كانت المصلحة أكثر.
طالب: هذا مو مطّرد.
الشيخ: لا، مطّرد، هذا مطّرد، كل شيء حُرّم تحريم الوسائل فإنه تبيحه المصلحة ما بالضرورة؛ لأن المحرم لذاته ما تبيحه إلا الضرورة، والمحرم تحريم الوسائل تبيحه المصلحة، فمثلًا: عندكم تحريم ربا الفضل محرم تحريم وسائل، وتبيحة الحاجة كمسألة العرايا، هذه المسألة مسألة النظر مُحرّم تحريم الوسائل كما قاله أهل العلم، ولذلك تبيحه المصلحة والحاجة، مثل: نظر الطبيب للمريضة، ونظر الخاطب للمخطوبة، ونظر الشاهد للمشهود عليها، ونظر المعامل حتى المعامل يجوز أن ينظر لمن تعامله مثل: امرأة جرت العادة تبيع وتشتري من على الدكان يجوز أنك تقول: اكشفي وجهك، يمكن يجي غيرك (...)، لو شكيت أشوف وجهك مرة ثانية، يجوز هذا نص العلماء على جواز هذه المسألة؛ لأن هذا ليس من باب تحريم الذات، محرم تحريم الوسائل، ويدلك على أن هذا محرم تحريم الوسائل، بالنسبة للمحارم لماذا جاز أن المرأة تكشف لمحرمها؟ لأن هذه الذريعة شبه منعدمة.
ولذلك لو قُدّر أن فيه محرمًا -والعياذ بالله- مقلوبًا، وأنه ينظر إلى محارمه نظر الأجنبيات وجب منعه منهن.
ولا تستغربوا أن ينظر أحد من الرجال إلى محارمه، نظرة الأجنبيات، لا تستغربوا ذلك فأنا قد سُئلت هذه الأيام عن رجل له أخت من الأب صغيرة لها سبع أو ثمان سنين. تقول المرأة السائلة -الله أعلم- أنها صادقة ولَّا لا؟
تقول: إنه -والعياذ بالله- أخوها من أبيها ذهب بها إلى بيته، وفجر بها. والعياذ بالله.
يعني هذا ما هو الغريب أن بعض الناس يكون طباعها طباع كلاب، ينزو على أمه ولا يبالي!
فالحاصل أننا نقول: إن تحريم النظر أصله ليس تحريمًا لذاته؛ لأن المحرم هو الزنا والفاحشة، لكن النهي عن قربان الزنا، لأجل ألا نتوسل، أو ألا يكون لنا وسيلة إليه، فتحريم النظر من أجل هذا من باب تحريم الوسائل.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سبحانه وتعالى أمر النساء ألا يبدين زينتهن، واستثنى استثناءين؛ الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: استثناء من الزينة؟
طالب: الثاني: من تبدى له.
الشيخ: استثناء من تبدى له الزينة، تمام، الاستثناء الأول ما هي الزينة التي استثنيت أولًا؟
طالب: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور: ٣١]؟
الشيخ: مَا ظَهَرَ مِنْهَاتمام، وما المراد بـمَا ظَهَرَ مِنْهَا؟
طالب: المراد منها الجلباب، (...).
الشيخ: وعلى رأي المؤلف؟
الطالب: رأي المؤلف الوجه والكفان.
الشيخ: الوجه والكفان، إي نعم، والأصح الأول كما هو ثابت عن ابن مسعود رضي الله عنه، وكما أشرنا إليه فيما سبق بالنسبة للزينة أنها ما وردت في القرآن إلا فيما يتزين به الإنسان لا فيما زينه الله به. طيب الزينة الثانية استثنى منها؟
طالب: (...).
الشيخ: استُثني منها من تبدي لهم الزينة وهم البعولة وما عطف عليها، طيب هل الزينتان مختلفتان في الآية أو هما زينة واحدة؟
طالب: مختلفتان.
الشيخ: مختلفتان، تمام، كيف ذلك؟
طالب: الأولى (...).
الشيخ: نعم، وهذه تبدى لكل أحد؛ لأن بدوّها ضروري لا يمكن التحرّز منه، والثانية؟
طالب: الثانية (...).
الشيخ: الخفية التي لا تبدى إلا لهؤلاء. اللي مضى من هؤلاء كم؟ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ؟
طالب: (...).
الشيخ: أَوْ آبَائِهِنَّأو أَبْنَائِهِنَّنعم، أيش بعد؟ أيش اللي تكلمنا عليها أمس؟ كم؟
طالب: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور: ٣١].
الشيخ: عشرة، اللي تكلمنا عليه عشرة.
يقول الله عز وجل: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الْإِرْبَةِ.
(وخرج بنسائهن الكافرات، فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن، وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد).
قوله: (خرج) (وشمل)، (خرج بنسائهن الكافرات) بناء على أن الإضافة نوعية لا جنسية.
وأن المراد (بنسائهن) أي: المسلمات.
وأما على القول الثاني: أن المراد بالنساء أنه من باب إضافة الجنس إلى جنسه.
يعني: الذين من جنسكم، وهم النساء، فلا تخرج الكافرات بل يشمل الكافرات والمسلمات.
وقد ذكروا أن الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا الأمصار كان فيها قوابل من الكافرات، قوابل يولدن النساء، فأقرهن الصحابة على ذلك.
وهذا مما يدل على أن المراد بنسائهن: النساء دون المسلمات ليس بقيد المسلمات، نعم، إن خِيف منها ضرر هذا شيء ثانٍ، وخوف الضرر حتى في المسلمات.
(وشمل ما ملكت أيمانهن العبيدَ) أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّشمل العبيد كيف شمل العبيد؟ وهل يراد به غير العبيد؟
الجواب: نعم، يُراد به على القول بأن نساءهن المسلمات مثل ما ملكت أيمانهن ولو من الكافرات، فيجوز إبداء الزينة لهن؛ يعني أنه ليس خاصًّا بالنساء المملوكات، بل يشمل حتى العبيد حتى الذكور يعني، فهمتم الآن ولَّا لا؟
يعني لو قال قائل: المؤلف كيف يقول: (وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد)، وهل هناك أحد غير العبيد؟ ويش الجواب؟
الجواب: نعم، على القول بأن المراد بـنِسَائِهِنَّالمسلمات، فإن مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّيشمل الأمة الكافرة يجوز إبداء الزينة لها، وإن لم تكن من نسائهن؛ لأنها مملوكة.
أما إذا قلنا بـنِسَائِهِنَّجميع النساء، فإن قوله: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّيختص بمن؟
بالذكور فقط؛ لأن النساء معروفات من قوله: أو نِسَائِهِنَّ، لكن المؤلف -رحمه الله- اضطر أن يقول ذلك لهذا السبب على أن من أهل العلم من قصر قوله: أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّعلى النساء الكافرات فقط، وقال: إن العبد لا يجوز لسيدته إبداء الزينة له، وإنما المراد بـمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّلأجل أن تدخل الأمة المملوكة إذا كانت كافرة؛ لأنها خرجت بنسائهن ودخلت في ما ملكت أيمانهن، لكن الصحيح أن نساءهن كما أشرنا إليه سابقًا المراد به الجنس، وأن جميع النساء من مسلمات وكافرات يجوز إبداء الزينة لهن إلا إذا خُشي المحظور، فهذا لو مسلمة كما نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة: «أن تَنْعَت الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يُشَاهِدُهَا» . يعني تقول له مثلًا: فلانة كذا وكذا وكذا، وتصفها له حتى كأنه يشاهدها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تنعت المرأة لزوجها على هذا الوجه، فإذا خُشي المحظور هذا شيء ثانٍ، لكن هذه الأشياء بدون محظور.
قال: (أَوِ التَّابِعِينَفي فضول الطعام غَيْرِبالجر صفة والنصب استثناء) غيرَ وغيرِ.
(أُولِي الْإِرْبَةِأصحاب الحاجة إلى النساء).
أصحاب تفسير لـأُولِي، والْإِرْبَةِالحاجة إلى النساء.
(مِنَ الرِّجَالِبأن لم ينتشر ذكر كل).
أَوِ التَّابِعِينَالتَّابِعِينَيقول المؤلف: (في فضول الطعام).
التَّابِعِينَالمراد بهم: الخدم وشبههم الذين يتبعون أهل البيت، هذا المراد بالتابعين.
أو التَّابِعِينَأيضًا: الذين يأتون إلى الناس ليأكلوا من فضول طعامهم، وإن لم يكونوا خدمًا لهم، فهو شامل لهؤلاء وهؤلاء، فالتابع هو الذي يتبع أهل البيت؛ إما لكونه خادمًا عندهم، وإما لكونه يتلقى فضول الطعام منهم.
لكن التابعين يجوز إبداء الزينة لهم شرط ألا يكون لهم إربة؛ يعني حاجة في النساء.
وقول المؤلف: (بأن لم ينتشر ذكر كل) ما هو هذا العلامة، ليس العلامة ألا ينتشر ذكره، بل العلامة ألا يعرف منه ميل إلى النساء؛ لأن من الناس من يميل إلى النساء وإن كان ذكره لا ينتشر، ما هو لازم؛ فالعلامة ألا يوجد منه ميل إلى النساء إطلاقًا، لا عند قيام ذكره، ولا عند عدم قيامه.
فالكلام على أنه لا يشتهي النساء، ولا يميل إليهن هذا كالمرأة لمشقة التحرز منه أباح الله سبحانه وتعالى للنساء أن يبدين زينتهن له فصار التابع أيش معناه؟
الذي يتبع أهل البيت كذا؟ لتلقي فضول طعامهم، إما لكونه خادمًا فيهم، أو غير خادم، لكن اشترط الله سبحانه وتعالى في التابع أيش؟ ألا يكون له إربة في النساء، أيش معنى إربة؟ يعني حاجة، وهل العلامة ما ذكره المؤلف؟
لا، ليس ما ذكره المؤلف هو العلامة، بل العلامة أن يُعلم أنه لا يميل إلى النساء، ولا يرغب فيهن، والغالب أنه ما يقوم ذكره، لكنه ليس بلازم، قد يكون الإنسان ممن يميل إلى النساء، ويحبهم، ويألفهم، لكن لا يقوم ذَكره؛ لذلك الصحيح في هذه المسألة أننا نعلم عدم حاجته بعدم ميله إلى النساء.
ولهذا كان في بيوت آل النبي صلى الله عليه وسلم رجل مُخنَّث -يعني من غير أُولي الإربة- ما كانوا يعلمون به حتى إنه في يوم من الأيام قال لرجل من محارم إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام: إذا فتحتم الطائف فعليكم بابنة غيلان -غيلان الثقفي- فإنها تُقبل بأربع وتُدبر بثمانٍ. هم بالأول لا يحسون منه شيئًا، لكن هذا الذي يصف المرأة هذا الوصف أيش يدل عليه؟
يدل على أنه يميل إلى النساء، فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على أهل بيته ؛ لأنه تبين أنه يميل إلى النساء، فإذا وُجد أن هذا التابع يصف النساء، ويذكر جمالهن، وما أشبه ذلك عُلِم أنه صاحب حاجة، وأما مسألة قيام الذكر، وهذا ما هو العلامة، عندكم (ذكر كل) شوفوا الحاشية ويش يقول؟
(كل) هذه، ما عندك حاشية في الجلالين؟
طالب: (...).
الشيخ: ما لقيتها؟
طالب: (...) ما هي موجودة.
الشيخ: ما هي موجودة؟ ما هي موجودة بالكتاب يعني.
طالب: (...).
الشيخ: من الرجال ويش بعده؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، عجيب؛ لأن لم ينتشر (ذكر كل)، لو قال: ذكره صار ما فيه إشكال، لكن (ذكر كل) يقتضي فيه عددًا. (كل) موجودة عندكم في كل النسخ؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) ما ذكر (ذكر كل).
طالب: (...).
الشيخ: خلِّ الحاشية نفس الأصل.
طالب: (...).
الشيخ: الظاهر أن (...) ما دام اتفقت النسخ.
قال: (أو الطِّفْلِبمعنى الأطفال الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواأي: يطلعوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِللجماع فيجوز أن يُبدَى لهم ما عدا ما بين السُّرّة والرُّكبة).
أو الطِّفْلِيقول المؤلف: (بمعنى الأطفال)، فهي اسم جنس بمعنى الأطفال، الدليل أنها بمعنى الأطفال.
قوله: (الَّذِينَ) حيث وصفها بالجمع، ولا يوصف المفرد بالجمع، لكن فيه دليل على أن اسم الجنس إذا حُلِّي بـ(أل) يكون للعموم، ولو كان مفردًا.
وقوله أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا.
(يَظْهَرُوابمعنى يطلعوا على عورات النساء للجماع).
والمعنى: أنهم لا يعرفون ما يتعلق بالعورات، فقوله: لَمْ يَظْهَرُواأي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُفعل بالعورات، هذا المراد، ما هو المراد الاطلاع بالعين؛ لأن الاطلاع بالعين هذا يكون في الأطفال وغيرهم، لكن المراد: الاطلاع أنهم لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات، ولا يرد لهم على بال، هؤلاء الأطفال، يجوز أن تُبدى لهم الزينة. وقول المؤلف: (يُظهر لهم ما بين السُّرّة والركبة) بناء على أن المراد بالزينة هنا ما زيّن الله به المرأة، لا أنها اللباس. وَلْيَضْرِبْنَكم صار عندنا الآن؟ صار اثني عشر.
إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أَبْنَائِهِنَّ أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِاثنا عشر صنفًا، هؤلاء هم الذين تُبدى لهم الزينة الخفية، ومن عداهم لا تُبدى لهم، هذا هو ظاهر الآية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّاوالاستثناء هذا مفرَّغ، يقتضي أن من سوى هؤلاء لا يجوز إبداء الزينة لهم.
لكن بعض العلماء ألحق بهم بقية المحارم من مصاهرة، أو نسب، أو رضاع؛ لأن فيه أشياء فيه من النسب من المحارم من لم يُذكر، مثل: الأعمام والأخوال، وفيه أيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأنه قال: آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّمعناه تكون زوجة ابن أو أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّتكون زوجة أب أو لا؟ يعني أن زوجة الأب تُبدي لأبناء زوجها الزينة، وزوجة الابن تُبدي لآباء زوجها الزينة كذا ولَّا لا؟
طيب زوج البنت يجوز، ولَّا ما يجوز؟ زوج البنت ما ذُكر، وهو من المصاهرة؛ فبعض العلماء يقول: إنه يُلحق بمن ذُكر.
عندنا أيضًا: الرضاع كله بجميع أقسامه ما ذُكر، ألحقه بعض العلماء مدعين أن ذِكر البعض يدل على البقية، وأن العرب في كلامهم أحيانًا يقتصرون على ذكر البعض، تنبيهًا على البقية، لكن هذا ليس بجيد، وجه ذلك أن ذِكْر البعض الذي يُراد به إلحاق البقية يُكتفى منه بذكر واحد، ويكون هذا الواحد على سبيل التمثيل.
أما أن يُذكر عدد من جنس، ويُحذف الباقي، وبطريق الحصر، فهذا غير مُسلَّم، لكن يبقى عندنا النظر في مسألة إبداء الزينة التي زينها الله به؛ يعني الوجه واليدين وما أشبه ذلك، فهذا له دليل غير هذه الآية.
فنقول: هذه الآية في زينة اللباس وشبهه، ويجب إبقاؤها على ما ذكره الله سبحانه وتعالى.
وأما مسألة: إبداء الوجه، والكفين، والساق، والرقبة، وما أشبه ذلك، فهذا يؤخذ من أدلة أخرى.
هذه الآية، هؤلاء الاثنا عشر، هل هم على حد سواء فيما يُبدى من الزينة، أو ليسوا على حد سواء؟
ليسوا على حد سواء بلا شك، ولهذا بدأ الله بالزوج؛ لأنه أعلى من تُبدى له الزينة بمطلقها، والباقين يمكن أن يُقال: على الترتيب، ويمكن ألا يقال: على الترتيب، بل ينظر إلى ما جرت به العادة؛ لأن حقيقة الأمر أنه مثلًا: الأخ إذا كان عند أخته دائمًا في البيت ليست مثل ما إذا لم يكن يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أشد تحشمًا بالنسبة لها؟
إذا كان ما يأتي إلا نادرًا، فهي تستحي منه، وتحتشم أكثر مما إذا كان دائمًا عندها، فينبغي لمثل هذه الأشياء يقال: بترتيبهم، أما الزوج فهو على كل حال في القمة.

***

الخفِيّة إلا لمن ذُكروا في الآية، وصلنا عددهم أمس أو في الدرس السابق كم؟ لاثني عشر صنفًا، ومن عداهم لا يجوز إبداء الزينة الخفية لهم.
قال بعد ذلك سبحانه وتعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّوَلَا يَضْرِبْنَالضمير يعود على من؟
على المؤمنات بِأَرْجُلِهِنَّضرب برجله معروف؛ يعني حرَّكها على الأرض بقوة.
(لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّمن خلخال يتقعقع)؛ يعني: يصوّت القعقعة: الصوت؛ لأن المرأة إذا صار عليها خلخال، وقد ستره السراويل وهو ما يبين للناس، لكن بعض النساء للفتنة -والعياذ بالله- تضرب برجلها حتى يُسمع الخلخال؛ أي أن عليها خلخالًا، فنهى الله سبحانه وتعالى المؤمنات أن يفعلن ذلك؛ أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن.
و(اللام) في قوله: لِيُعْلَمَهل هي للتعليل، أو للعاقبة؟
يختلف المعنى إذا قلت: إنها للتعليل صار النهي مُنصبًّا على ما إذا ما قصدت ذلك؛ أي: ضربت برجلها لأجل أن يُعلم، وعليه فلو ضربت برجلها على حشرة مثلًا على عقرب، أو ما أشبه ذلك وسُمع الخلخال فإنه لا حرج عليها في ذلك؛ لأنها لم تقصد أن يُعلم ما تُخفي من زينتها.
وإذا جعلنا (اللام) للعاقبة؛ يعني لا تضرب برجلها، فإن عاقبة هذا الضرب أن يعلم ما تخفي من زينتها صار النهي عن الضرب بالرجل مطلقًا سواء أرادت ذلك أم لم ترده.
لا شك أننا إذا نظرنا إلى المحظور من هذا الضرب، وهو علم ما أخفي من الزينة فإن هذا المحظور لا فرق بين أن تكون المرأة قاصدة له أم غير قاصدة.
هذا المحظور سيحصل إذا ضربت حتى صوّت الخلخال سواء كانت قاصدة لهذا الأمر أم لم تقصد.
وعلى هذا فيرجح أن تكون (اللام) للعاقبة ذلك؛ لأن المحظور سيقع.
وإذا نظرنا إلى أن المرأة إذا لم ترد هذا الشيء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وهي ضربت برجلها لا لهذا الغرض، فلا تكون آثمة به.
رجّحنا أن تكون (اللام) للتعليل، ولكن الأول أولى؛ أن يقال: إنه ما يجوز الضرب بالرجل، ولو لغير هذا القصد، وذلك لأنه ينتج أن يعلم ما تخفي من زينتها.
و(اللام) للتعليل وردت كثيرًا في القرآن كقوله تعالى: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة: ٢٣١]، وقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، هم ما التقطوه لذلك، وإنما التقطوه ليكون قرة عين لهم، لكن العاقبة صارت هكذا.
فعلى كل حال الذي يظهر أن ترجيح كون (اللام) للعاقبة أولى وذلك؛ لأن المفسدة والفتنة حاصلة سواء أرادت أم لم تُرد.
إذا كان لا يجوز لها أن تضرب بالرجل خوفًا من ظهور صوت الخلخال، فما بالك بمن تُظهر الخلخال نفسه، وتظهر الأسورة في اليدين، وتُظهر القلادة على العنق، يكون هذا مثله ولّا أولى؟
طلبة: أشد.
الشيخ: أشد، إي نعم، أشد وأولى في النهي والتحريم؛ ولذلك عمل النساء الآن لا شك أنه محرّم، وأننا في الحقيقة نحن وهم معرّضون لذلك؛ كيف مثلًا نرى هذه النساء تنتهك ما نهى الله عنه سبحانه وتعالى علنًا، ولا نجد أحدًا ينهاها، ويقول: هذا حرام؟!
هي في ظني أنها تتقصد إظهار اليد ليرى ما عليها من الحلي، ولذلك تجدها أحيانًا ما تظهر إلا اليد التي فيها الحلي، وهذا أيضًا من العمل المشين الذي تستعمله النساء، كونها تملأ إحدى اليدين بالحلي، وتجعل اليد الأخرى فاضية هذا أيضًا من الخطأ؛ لأن الظاهر أنه من جنس الذي يمشي بنعل واحدة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمشِيَ الرَّجُلُ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ لما في ذلك من عدم العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به كونها مثلًا بتملأ يدًا من الحلي، ويد فاضية فهذا في النفس منه شيء.
فنقول: الأوْلى أن تلبس الحلي على حد سواء في اليدين، اللهم إلا إذا كانت إحدى اليدين فيها ساعة، وأرادت أن تنقص من الأسورة بقدر ما تأخذه الساعة من المساحة، فهذا ربما يقال: إنه عدل، ولا فيه شيء.
لكن كونك تملأ هذه اليد من الحلي والثانية بيضاء، أو ما فيها إلا ساعة، أو فيها سير أيضًا، ففي النفس من هذا شيء.
على كل حال نحن إذا كان الله -سبحانه وتعالى- نهى أن تضرب المرأة برجلها، خوفًا من أن يُعلم ما تُخفي من الخلخال لظهور صوته، فما ذكرناه مما عليه النساء اليوم أشد وأعظم، ولهذا لا يجوز للنساء أن تفعل ذلك حتى عند القائلين بأن الوجه والكف ليس بعورة، يرون أن الذراع عورة، وأنه لا يجوز للمرأة أن تبدي ذراعها المحلَّى بالأسورة، لكن مشكلة الأمر.
وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ. (مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَتنجون في ذلك بقبول التوبة منه).
تُوبُوا إِلَى اللَّهِهذا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين موجَّه لكل الناس، توبوا أيها المؤمنون، وإنما وُجّه الخطاب للجميع؛ لأن هذه المنكرات إذا أُظهرت عم بلاؤها الجميع، ولهذا وجَّه الله الخطاب للجميع، توبوا إلى الله جميعًا، ثم تأمل تأكيد هذا الأمر بقوله: جَمِيعًا، وقوله: أَيُّهَالنداء، وقوله الْمُؤْمِنُونَكل هذه مُغرِيات توجب إغراء الإنسان، أو هي لإغراء الإنسان على التوبة؛ أن تكون التوبة جماعية، ما يكفي أن يتوب واحد، والباقي يعلن فسقه ومخالفته.
ثانيًا: أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَالنداء ويش يدل عليه؟
سبق لنا أهميته، ولهذا وُجّه الخطاب بالنداء لبيان الاعتناء به، وأيضًا وصف المؤمنين دليل على أن الإيمان يقضي بتوبة المؤمن، وأنه ما يهمل، ولا يغفل عن الذنوب، وأن عدم التوبة أيش؟ نقص في الإيمان، ما هي التوبة؟
التوبة: هي الرجوع، الرجوع منين؟ من المعصية إلى الطاعة، من معصية الله إلى طاعته؛ وهي نوعان:
توبة مطلقة، يستحق التائب بها أن يُوصف بأنه من التوابين الذين يحبهم الله، وهي التوبة من جميع المعاصي بحيث يقلع الإنسان عن كل معصية يعملها قولية كانت أو فعلية، أو عقيدة، هذه قلنا فيها: التوبة المطلقة التي يستحق فاعلها الثناء، وأن يكون من التوابين الذين يحبهم الله عز وجل.
والثاني: توبة مقيدة من ذنب معين، فهذه لصاحبها من الثناء ما يستحقه، والصحيح أن التوبة هذه توبة مقبولة.
فإذا تاب الإنسان من ذنب، وهو مُصرّ على غيره، فتوبته منه على القول الراجح صحيحة ومقبولة؛ لأن الإيمان يتبعض والأعمال تتبعض، والله سبحانه وتعالى حكم عدل، لا يظلم ولا يغدر.
فهذا الرجل الذي تاب من ذنب وهو مُصِرّ على غيره، الصحيح أنه تقبل توبته، وأنه لا مانع من ذلك، لكن لا يستحق ما سبق من كونه تائبًا على وجه الإطلاق، ومن التوابين الذين يستحقون الثناء المطلق؛ فله من الثناء بحسب ما حصل له من التوبة.
طيب هذا الأمر: تُوبُوا إِلَى اللَّهِيتوجَّه إلى أي القسمين: المقيد ولَّا العام؟
الطلبة: العام.
الشيخ: العام المطلق؛ يعني توبة مطلقة عامة من جميع الذنوب لأجل أن يحصل الفلاح، و(لعل) ويش المراد بها لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ؟ للتعليل؛ أي: أن التوبة سبب للفلاح، والفلاح -في الحقيقة- ليس كلمة هينة، الفلاح مثل الفوز هو عبارة عن النجاة من المرهوب، وحصول المطلوب فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥] زُحْزِحَ عَنِ النَّارِهذا نجاة من المرهوب وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَحصول المطلوب، والفلاح أيضًا هنا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَما قيّده الله في الدنيا ولا في الآخرة دل ذلك على أن الفلاح بالتوبة يكون في الدنيا وفي الآخرة، وهو كذلك؛ فإن التائب يحصل له الفلاح في الدنيا وفي الآخرة.
يستفاد من هذه الجملة: وجوب التوبة؛ لقوله: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ. ولا حاجة بنا إلى ذكر شروط التوبة؛ لأنها سبقت عدة مرات، وأنها كم من شرط؟ خمسة شروط، شروط التوبة خمسة.
ففيه دليل: على وجوب التوبة.
ودليل أيضًا: على محبة الله له؛ لأنه أمر بها في هذه العناية: جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ -وذكر أنها- عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، وَأَنَّهُ أَضَلَّهَا فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا، فَنَامَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّجَرَةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» .
إذ هذا الفرح -في الحقيقة- نحن الآن نقوله، لكن هل نحن نتصوره؟ ما نتصوره؛ يعني مهما بلغت مخيلتنا من القوة وإدراك الأمور الغائبة ما يمكن نتصور حقيقته.
الآن نتخيل أنه فرح عظيم؛ لأنه عبارة عن فرح بالحياة بعد الموت، لكن عندما يقع للإنسان هذا الشيء يجد أنه لا نظير له، ولا يمكن يوجد له نظير، فالله سبحانه وتعالى مع كمال غناه عنّا، وكمال حاجتنا وفقرنا إليه يفرح بتوبة عبده المؤمن أشد من هذا الرجل براحلته، ولهذا أمر الله تعالى بالتوبة مع العناية بها بهذه الوجوه الثلاثة.
(...) التوبة محبة الله تعالى لها كرم الله تعالى وفضله، منين نأخذ الكرم والفضل؟
من محبته للتوبة؛ يعني كونه يحب أن يتوب الناس حتى لا يعاقبهم ويش يدل عليه؟
على كرمه وفضله، وأن رحمته سبقت غضبه، بخلاف من لا رحمة عنده، مثلًا افرض مدرس ولا ملك أمر بشيء أو نهى عن شيء، قد يكون بعض الآمرين أو الناهين يحب من الناس المخالفة لأجل أن يعاقبهم، فيظهر بذلك سيطرته عليهم، هذا يحب المخالفين علشان يعرفون أنه مثلًا (...) وللسلطة وللسيطرة، والله جل وعلا مع كمال هذا الأمر له كمال السلطان مع ذلك يحب من عباده أن يتوبوا حتى لا يعاقبهم.
وبهذا نستدل على كمال رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وفضله وإحسانه.
وفيه دليل: على أن التوبة من مقتضيات الإيمان، منين نأخذه؟
من قوله: أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ، فالصحيح الإيمان لا بد أن يحمل صاحبه على التوبة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» . متى ينتفي عنه الإيمان؟
حين يزني، ما يمكن إنسان مؤمن حقيقة إلا ويترك ما حرَّم الله عليه، ويفعل ما أوجب الله عليه.
واعلم أنه إذا وقعت منك معصية، فإن ذلك ضروري من لازم نقص إيمانك ما يمكن يقع منك معصية إلا ملازم لنقص الإيمان. ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة -رحمهم الله- أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، ونحن منهم إن شاء الله.
فعلى كل حال أقول: إن التوبة من مقتضيات الإيمان، وأن من فرط بها فهو دليل على نقص إيمانه، وإذا كان المفرّط بالتوبة يستدل بعمله هذا على نقص الإيمان، فالفاعل للمعصية اللي يباشر المعصية من باب أوْلى، ولهذا أشرنا إلى الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
طالب: (...).
الشيخ: التمام هنا؛ لأن الظاهر أنه لا يخلو من الإيمان مرة وإلا كان كافرًا.
طالب: (...).
الشيخ: من أين أُخذت؟ ذكرناها، من أين أخذت يا جماعة؟
طالب: (...).
الشيخ: من أمره بها أولًا، والله ما يأمر إلا بشيء يحبه، لا يأمر شرعًا إلا بما يحب، ومن عنايته بها بهذه التأكيدات جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ.
وفيه دليل على أن: من لم يتب -قلنا: التوبة من مقتضيات الإيمان-فهو ناقص الإيمان، وعلى حسب معصيته يكون نقص إيمانه.
وفيه أيضًا فائدة سادسة: أن التوبة سبب للفلاح؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَوالفلاح ما هو؟
النجاة من المرهوب وحصول المطلوب.
وفيه أيضًا الفائدة السابعة: إثبات الأسباب؛ حيث جعل الله التوبة سببًا للفلاح، ففيه رد على من أنكروا الأسباب، وقالوا: إن الأسباب مجرد علامات لا موجبات، وهذا مين مذهبه؟
مذهب الأشعرية، يرون أن الأسباب علامات، لا موجبات حتى إنهم يقولون: الرجل إذا كسر الزجاجة، ما انكسرت بكسره، وإنما انكسرت عند كسره، والنار إذا أحرقت ما تُحرق ما احترق بسببها، وإنما احترق عندها لا بها، فالإنسان إذا أكل حتى شبع، ما شبع بالأكل شبع عند الأكل لا به، أعتقد لو حطوا عنده (...) من الطعام وما أكل يشبع ولَّا لا؟ ما يشبع.
على كل حال، هذا قول باطل ما له إطلاقًا محل من الصحة، وحتى العقل ينكره، لكن أقول: هذه الآية وكثير من الآيات يثبت الأسباب، ويدل على أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها.
ألا يقول قائل: إذا جعلتم الأسباب مؤثرة في مسبباتها ألستم أثبتم مع الله خالقًا وموجدًا مثلًا؟
لا، ما أثبتنا موجدًا؛ لأننا لا نقول: إن الأسباب تستقل بتأثيرها، بل الأسباب إنما كانت أسبابًا بإرادة الله سبحانه وتعالى.
ولهذا أحيانًا يوجد السبب تامًّا، ولا يؤثر لوجود مانع معلوم أو غير معلوم.
إنما هذا لا يمكن أن يقول قائل: إنكم إذا أثبتم الأسباب أثبتم مع الله شريكًا في الإيجاد والتكوين؟
نقول: لا، الذي جعل هذا السبب سببًا مقتضيًا لمسبّبه هو الله عز وجل، ولهذا نرى كثيرًا ما تتخلف المسبّبات مع وجود الأسباب التامة مما يدل على أن قدرة الله عز وجل فوق كل شيء، وأن هذه الأسباب ليست مستقلة، لكن لا يمكن أن ننكر أمرًا أثبته الشرع وأثبته الواقع من أن الأسباب تؤثِّر في مسبباتها وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
طالب: هذا السبب قبل المسبب.
الشيخ: هذا السبب قبل المسبّب مثِّل لي به؟ وهل يمكن يوجد مسبّب إلا بوجود سبب؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، ما فيه شيء، هذا عبارة عن حمية، والحمية ثبتت في الشرع.
طالب: في قوله: وَلَا يَضْرِبْنَ؟
الشيخ: إي نعم، النهي للتحريم، ولهذا قال: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ.
طالب: (...).
الشيخ: إذا جعلنا (اللام) للتعليل يمكن؛ لأنك إذا جعلتها للتعليل فهي معناها القصد؛ لا تفعل كذا لكذا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، الشيء إذا حُرِّم ولم تذكر العلة مثلًا فهذا يُؤخذ على ظاهره، ولا يمكن لو قال واحد يبغى أكل الميتة لا لقصد أكل الميتة، نقول: ما ينفع هذا، الله ما قال: حرمت عليكم الميتة لقصدكم إياها، لكن إذا علل الحكم يصير يبنى على النية.
في هذه الآية الحقيقة أن (اللام) تحتمل التعليل، ويرشح هذا «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . لكن قلنا: إن المفسدة ستحدث سواء ضربت بهذه العلة أو لغيرها.
تفسير الآية (32)
01:29:23

ثم قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ [النور: ٣٢].
(وفي الآية تغليب الذكور على الإناث). لماذا أتى المؤلف بهذه الجملة مع أن هذا كثير في القرآن؟
طالب: (...).
الشيخ: لأن الخطاب موجَّه للنساء في هذه الآية، لو كان من الأصل موجهًا للذكور ما احتيج لهذه الجملة اللي ذكر المؤلف، لكن لما كان الخطاب في الآية الكريمة موجهًا إلى النساء، ثم قال: تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَما قال: توبوا الله جميعًا أيها المؤمنات.
نقول: هذا لأجل التغليب، وفيه أيضًا إشارة -والله أعلم- توجيه الخطاب هنا للذكور كما أنه يشمل الإناث بلا شك فيه إشارة إلى رعاية الرجل للمرأة، وأنه لا بد من أنه هو نفسه يتوب، ويُعدّل أهله، وقد قال الله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: ٣٤].
فنقول: في هذا توجيه الخطاب إلى الذكور مع أن الآية كلها خطاب للنساء؛ فيه إشارة إلى رعاية الرجل على المرأة، وأن ذلك لا يستقيم، أو أن المرأة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقع شاهد لذلك، الآن تفريط هؤلاء النساء عندنا، ويش أسبابه؟
الطلبة: الرجال.
الشيخ: هن طبعًا مائلات لهذا الشيء، فالسبب المباشر منه، لكن عدم رعاية الرجال لهن، وعدم عناية الرجال بهن هذا هو الذي أوجب لهن هذا..