تفسير الآية (34)
تفسير الآية (35)
تفسير الآيات (36-38)
أنا لا أعلم فيه خيرًا بالنسبة لنا نوافقك ولا نجبرك على الكتابة، لكن بالنسبة
لله ينفعك إذا كنت تعلم أن فيه خيرًا وادعيت أنك لا تعلم فيه خيرًا؟ ما ينفعه.
بالنسبة لله لا ينفعه، فعلى كل حال الأمر موكول إلى السيد في علم الخير
وعدمه.
بالنسبة لنا أحكام الدنيا على الظاهر، إذا قال: ما أعلم بهذا العبد
خيرًا، وأنا أعرف أني لو خليته يروح يَفسد ويُفسد. نقول: بالنسبة لنا ما نجبرك،
الآن ما نجبرك ولا نقول: يجب عليك، لكن إذا كان الله يعلم أنك تعلم أن فيه خيرًا
فإن دعواك هذه مردودة، ولا تُقبَل.
***
إذا كان شابًّا وأُكره أن يزني بامرأة جميلة شابة نعم، ربما مثلًا يعني يُلصَق بها إلصاقًا، فهذا ربما يقع منه (...) حقيقة أن الإنسان مع الكراهة الشديدة للشيء ما يمكن (...).تفسير الآية (34)
00:01:29
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} [النور: ٣٤] بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بُين فيها ما ذُكر، أو بَيَّنَتْه، طيب {مبيَّنات} بَيَّنت ولا بُيِّنت لنا.
طالب: بُيِّنت.
الشيخ: بُين فيها ما ذُكر لكن مُبَيِّنَاتٍأي بَيَّنت وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍأو {مبيَّنات} مبيَّن فيها ما ذُكر.
(اللام) في قوله: وَلَقَدْاللام واقعة في جواب القسم، وهي للتوكيد، و(قد) كذلك للتوكيد. وَلَقَدْ، وعليه فهذه الجملة مؤكَّدة؟
طالب: أربع.
الشيخ: لا.
الطالب: بثلاث.
الشيخ: ثلاث، ويش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: القسم المقدر قبل (...) واللام، و(قد)، وهنا أكد الله سبحانه وتعالى هذا بهذه المؤكدات الثلاث للأهمية؛ لأننا إذا علمنا أن هذه آيات مبيِّنات، فإن ذلك سوف يستلزم منا الاعتناء بهذه الآيات.
وقوله تعالى: أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍما المراد بالآيات هنا: الشرعية ولّا الكونية؟
طلبة: كونية.
الشيخ: لا، الظاهر أنها الشرعية؛ لأن الإنزال يتضح معها أكثر مما يتضح مع الكونية، فالظاهر أنها الشرعية، وهي الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: أَنْزَلْنَاالوحي الشرعي؛ لأنه ينزل حقيقة من العلو إلى السفل؛ لأنه ينزل منين؟ من الله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو نزول حقيقي.
وقد حرفه بعضهم إلى أن المراد الإنزال الوحي، قال: أَنْزَلْنَايعني: أوحينا، وقال: إن النزول لا يكون إلا من أعلى، ولا يكون إلا في جرم، يقال: نزل الإنسان من السطح إلى الأرض، والقرآن ليس كذلك.
هذا لا شك أن الذي يقول هذا الكلام ويش ينكر؟ علو الله. ولهذا أهل السنة والجماعة من جملة ما استدلوا به على علو الله: أن الله أنزل القرآن على النبي، وقالوا: يلزم من الإنزال أن يكون المنزِل عاليًا.
لكن يفسر بالوحي بحجة أن الشيء النازل هو جرم، والقرآن ليس ذا جرم، وإنما هو قول ينزل، فهذا لا شك أنه محرف لكلام الله عز وجل.
ونحن نقول: إن القرآن ينزل كما قال الله، فإن كلمة (ينزل) غير كلمة (يوحي) أو (يوحَى)، بل لها معنى آخر خاص، ثم إنه ما المانع من أن يكون النزول في الأمور المعنوية، مثلًا نزول إذا أضيفت إلى الأمور الحسية (...) في الأجرام، ولا الأمور المعنوية، فلها معنى آخر، أليس الله يقول: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ٤] والسكينة حَجَر يلقى في القلب ولّا أمر معنوي؟ أمر معنوي هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فإذن يكون الإنزال في الأمور المعنوية.
ثم ما المانع من أن يكون القرآن أيضًا له جرم، ولكننا لا نعرف هذا الجرم؛ لأن الله يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: ٥] وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نزل عليه الوحي ذات يوم، ورأسه على رجل حُذيفة حتى كاد يرضها ، وأنه نزل عليه الوحي وهو على الراحلة فتبرك به ، فلا مانع من أن يكون جرمًا ولكن ليس كالأجرام المعروفة، الله أعلم، والله سبحانه وتعالى يجعل الأمور المعنوية أمورًا حسية، ألم تروا إلى الموت يوم القيامة يمثل بأيش؟ بكبش يشاهده الناس من أهل النار ومن أهل الجنة ويُذبح أمامهم، كما أن الأعمال توضع في الموازين يوم القيامة، والأعمال أيش أصلها؟ من المعاني، ما هي أجرام، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقدرته تعالى فوق إحاطة عقولنا.
وعلى كل حال الآية هذه فيها دليل صريح على أن الله أنزل القرآن من عنده، وأنه نزول ليس بمعنى الوحي فقط، بل هو معنى خاص أخص من الوحي.
وقوله تعالى: آيَاتٍجمعها، يعني حقيقة الأمر أنها كذلك، والقرآن ليس حكمًا واحدًا ولا خبرًا واحدًا، أخبار كثيرة وأحكام كثيرة، فهي آيات، نعم.
طيب آيَاتٍبمعنى أيش؟ علامات.
علامات على أي شيء؟ على عظمة من أنزلها وعلى صدق من جاء بها عليه الصلاة والسلام، ووجه ذلك -وجه كونها آيات- أنك إذا تأملت الأحكام التي جاءت بها هذه الآيات وجدتها مطابِقة تمامًا للمصلحة، للمصلحة في المأمورات ودفع المضرة في المنهيات، ووجدت أيضًا أن أخبارها في غاية ما يكون من المصلحة والمنفعة، نعم، ووجدت لها تأثيرًا بالغًا من جملة تأثيره، وآثاره هؤلاء الأمم الذين كانوا منابذين للإسلام فدخلوا في دين الله أفواجًا لمجرد أنهم سمعوا القرآن، ورأوا آدابه وأخلاقه، ثم إن هذا التأثير لمن ألقى السمع، أو كان له قلب، تأثير ما يوجد له نظير في الحقيقة إذا صفا الذهن، وأقبل الإنسان بقلبه على القرآن مهما كان، حتى لو ما هو مسلم لا بد أن يتأثر، جبير بن مطعم كان في أسارى بدر (...) في المدينة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ، فقال رضي الله عنه: كاد قلبي أن يطير، نعم، ومن ذاك الوقت ألقى الله الإيمان في قلبه، ثم أسلم بعد ، فهذا دليل على أن القرآن آيات عظيمة تدل على عظمة من أنزلها، ويش عليها أيضًا؟ وعلى صدق من جاء به، وذلك لما تضمنته من الأحكام العادلة التي تبهر العقول، ولا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها، ومن الأخبار الصادقة النافعة، وأخبار مممتعة للنفس، ومريحة لها، ونافعة للقلب أيضًا لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
وقوله تعالى: مُبَيِّنَاتٍأي: تبين الحق من الباطل وتفصل بينهما وتميز بينهما، ثم أيضًا تبين الأحكام بنفسها، لكن منها ما يحتاج إلى بيان من غيره، ومنها ما هو بين في نفسه، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يوجد في الشرع بحسب الواقع لا يوجد أمر مشكل، لكن الإشكال بحسب أيش؟ بحسب الفهم؛ لأن الإشكال الذي يقع في المسائل الشرعية ليس لقصور في النصوص، ولكن لقصور في الفهم، أو قصور في العلم، قد يكون إنسان قاصرَ علمٍ لا يحيط بالنصوص كلها، وقد يكون قاصرَ فهمٍ، ومن ثَم يحصل الإشكال. أما مع العلم، والفهم التام، فإنه لا يمكن أن يوجد إشكال في الشريعة.
ولذلك تجد أحيانًا، أحدثكم عن نفسي، أحيانًا تعرض لي مسألة ويكون حكمها عندي واضحًا مثل الشمس، ثم في يعني في زمن آخر تأتي نفس المسألة ويكون فيها إشكال، لماذا؟ لأن الصفاء ذهنا وأحوال الإنسان لها تأثير في فهم النصوص، لها تأثير بالغ في فهم النصوص.
ولهذا أنا أرى أنه ينبغي لطالب العلم أن المسائل التي تعرض له، المسائل النادرة التي يخشى أن ينساها، أنه يجب يقيدها، ما يعتمد على نفسه يقول: الآية هذه بينة ما حاجة أن أقيدها ولا شيء؛ لأنه يمكن يأتي يوم من الأيام يكون ما فتح الله عليك به بالأمس غير موجود الآن، إما لتخلف السبب، أو لوجود المانع، والإنسان بشر تتقلب به الأحوال، يمكن يغضبه الصبي في بيته، يخرج للناس غضبان، ولا يتحمل ولا كلمة من الناس، ويمكن يرضى في بيته ويخرج للناس (...) فالإنسان بشر في جميع أحواله يتقلب ويتغير.
على كل حال أنا أعود إلى أن القرآن -ولله الحمد- مبيِّن، أيش بعد؟ ومبيَّن أيضًا، ولكن الخفاء الذي يدخل للإنسان إنما هو من نفسه، لا من حيث الأدلة، وذلك لأحد أمرين، ما هما؟
القصور في العلم، أو القصور في الفهم، فمن أجل أحد هذين الأمرين يحصل الخفاء في الأحكام الشرعية، أما الآيات التي أنزلها الله فهي آيات مبيَّنة مبيِّنة، ما فيها إشكال، وقد ذكر -رحمه الله- شيخ الإسلام ابن تيمية عبارة في العقيدة الواسطية قال: من تدبر القرآن، طالبًا الهدى منه، تَبَيَّنَ له طريق الحق.
هذه في الحقيقة عبارة تكتب بماء الذهب، كما يقول الناس (...) لكن قصدي أن هذه العبارة (...) من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه، لا بد من أمرين، تبين له طريق الحق.
آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ، وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ{مُبَيَّنَاتٍ} ومُبَيِّنَاتٍقراءتان سبعيتان.
(وَمَثَلًاخبرًا عجيبًا، وهو خبر عائشة رضي الله عنها مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْأي: من جنس أمثالهم، أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف ومريم) يعني أنزل الله أيضًا مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، والظاهر -والله أعلم- أن المراد بـ(المثل) هنا ما هو أعم من الواقع، يعني أمثالًا من الذين خلوا، وليس هذا خاصًّا بخبر عائشة رضي الله عنها، ومريم، ويوسف، بل هو أعم من ذلك، لكن المؤلف قصره كعادته -رحمه الله- أنه يقصر الآيات العامة على المعنى حسب السياق، وهذا نقص في الحقيقة، صحيح أن السياق قد يقيد المطلق، وقد يخصص العام، لكن بدليل، أما إن لم يكن دليل على أن هذا خاص، فالأولى العموم.
فقوله: مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْهذا في الحقيقة قد يكون أعم مما ذكر المؤلف من سور القرآن.
إذن أحكام شرعية عبر عنها بالآيات المبينات، وأخبار صادقة فيها العبرة عبر عنها بقوله: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالًا ممن خلا من قبلنا، لا فيما يتعلق بالعفة والصيانة، ولا فيما يتعلق بالدين والإيمان والكفر، نعم أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْوبعده وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]، ولما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة لوط قال: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٣]، الإنسان العاقل يقيس؛ لأن سنة الله واحدة، والله جل وعلا البشر بالنسبة إليه سواء إلا بالتقوى، فإذا أهلك الله أمة من الأمم السابقة بمخالفته فهل يمتنع أن يهلك هذه الأمة أيضًا؟
نعم، ما يمتنع، وإن كان يمتنع شيء وهو (...) من الصالحين، وهو الإهلاك العام، هذا ما ينجي الصالحين، بل قال بعض العلماء: إنه لم يوجد من بعد إهلاك فرعون، إذ استدلوا على ذلك بقوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى [القصص: ٤٣]، قالوا: فبعدما نزلت التوراة على موسى عليه الصلاة والسلام ما بقي بعد من الأمم السابقين (...)، هذا هو الواقع في الحقيقة، سواء دلت الآية عليه أم لم تدل، إنما هذا هو الواقع.
وقوله: مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْمثل قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، رُمي بما رمي به، وأنجاه الله أو لا (...) وأنجاه الله عز وجل، من الذي رماه بالفاحشة؟ امرأة العزيز، والغريب أن امرأة العزيز هي اللي راودته عن نفسه، وغلقت الأبواب، هيأت كل شيء، ولكنه عليه الصلاة والسلام هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤] بعد أن هم مع توفر الأسباب وانتفاء الموانع ووجود الطلب والهمة بعد ذلك منع نفسه، وهذا أعلى ما يكون في العفة، خلافًا لمن ذهب يخالف كلمة (همّ)، هَمَّ بِهَاالغريب أن بعضهم يقول: هَمَّتْ بِهِللزنى، وهَمَّ بِهَاليبطش بها، هذا تناقض، لكن يقال: تمام العفة أن تحصل مع وجود الطلب هَمَّ بِهَا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» ما فيه مانع إلا هذا، وإلا ما عندهم أحد، والشهوة متوفرة، والعزيمة موجودة، ما هي العزيمة الهم، يعني: لكن منعه خوف الله عز وجل، وهو عليه الصلاة والسلام بعد أن همت وهم بها وجد الآن الطلب والسبب، وانتفى المانع حينئذ، رأى برهان ربه فتح الله عليه، أو أحس فانصرف، أخيرًا تبين أن الفاعل من؟ امرأة العزيز، ظهر ذلك علنًا، حتى إن يوسف عليه الصلاة والسلام من قوة صبره ومن حكمته لما دُعي أن يخرج من السجن قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف: ٥٠] ما خرج حتى بان أمره، وهذا يعتبر من الصبر العظيم، وإلا قد يعذَر، الإنسان مسجون وقال له: اطلع (...) قبل ما يقول: اطلع نعم لكن هو عليه الصلاة والسلام أبى حتى يكون بريئًا تمامًا و(...) هذا اللي حصل.
بالنسبة لمريم رضي الله عنها نفس الشيء، اليهود اتهموها، ما قالوا: إنك زانية، لا، عرضوا تعريضًا، قالوا: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨] يعني منين (...) كذلك الجواب، أبوك ليس امرأ سوء وأمك ليست بغيّة، فمن أين جاءك البغاء؟ هذا معنى كلامهم.
ولهذا اختلف العلماء: هل يُحَدّ بالقذف إذا عرَّض أو لا يحد؟
والصحيح أنه إذا كان التعريض واضحًا يُحَدّ، بل إنه أعظم، كما يقول بعض العلماء: إن التعريض بالزنا أعظم من التصريح به؛ لأنه يتضمن قذفًا ولومًا، مثل لو (...) وقال لك: الحمد لله أنا (...) أزني..
***
أن من أكره فتاته على البغاء فإن الله سبحانه وتعالى يغفر لها ويرحمها، إذا تحقق الإكراه، وأن في هذا دليلًا على أن المكرَه لا حكم لفعله، كما أنه لا حكم لقوله، وأن من فرق بين الإكراه القولي والفعلي فلا وجه لتفريقه، وبينا الأدلة أنها عامة في ذلك.وسبق أيضًا بيان أن الله سبحانه وتعالى أكد بأنه أنزل آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍأو {مُبَيَّنَاتٍ} تبيِّن ما تدل عليه وتظهره، سواء كانت هذه الآيات من آيات الأحكام أو من آيات الأخبار، وسبق أنها آيات على أي شيء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، على أي شيء.
طلبة: (...).
الشيخ: على عظمة المنزل وصدق من جاء بها، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
وفيها أيضًا سبق ضرب الأمثال لهذه الأمة بما سبق مما جرى على الأمم السابقة، وأن في ضرب الأمثال مصلحة كبيرة، وهي أن الإنسان يعتبر بها على حاله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد نسب، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وسنة الله في الأولين والآخرين واحدة، إلا أنه يُستثنى من ذلك الإهلاك العام، الإهلاك العام رفع عن هذه الأمة، وإلا فأصل العقوبة واردة في هذه الأمة كغيرها.
وسبق أيضًا أن القرآن الكريم موعظة، لكن لا ينتفع به إلا المتقون الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم قال المؤلف: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَفي قوله: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ[النور: ٢]، لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا[النور: ١٢] إلى آخره وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ[النور: ١٦] إلى آخره يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا[النور: ١٧] إلى آخره، وخصها بالمتقين لأنهم ينتفعون بها).
المؤلف -رحمه الله- ذكر هذه الآيات بناءً على عادته، وهو تخصيص العام بالسياق، كان عادته كما رأيتم يخصص العموم بالسياق، والصحيح أن العموم لا يخصص بالسياق؛ لأنه يشمل ما تضمنه السياق وغيره. وعلى هذا فهو موعظة للمتقين في هذه الآيات التي عدها وفي غيرها.
تفسير الآية (35)
00:25:12
ثم قال الله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[النور: ٣٥] أي: منوِّرهما بالشمس والقمر مَثَلُ نُورِهِأي: صفته في قلب المؤمن) إلى آخره.
هذه الآية تضمنت عدة أشياء:
أولًّا: قال: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِفما هذه الجملة، هل هي جملة على ظاهرها وحقيقتها، أم هي تحتاج إلى تأويل؟
اختلف فيها أهل السنة وغيرهم كالعادة في بقية آيات الصفات؛ فذهب أهل التأويل إلى أن الآية لها تأويل، وجعلوا التأويل إما أن نُورُبمعنى: منوِّر، كما ذهب إليه المؤلف، أو أن نُورُبمعنى: ذو النور، كما تقول: رجل عدل، أي: ذو عدل. فمعنى نُورُ السَّمَاوَاتِأي: ذو نور السماوات والأرض، أي: صاحب نورهما، أي: الخالق للنور فيهما. وعليه يعود هذا المعنى إلى المعنى الأول، لكن الاختلاف في التقدير، وهذا مذهب أهل التحريف الذي يُسمَّون أهل التأويل، والأصح في تسميتهم (أهل التحريف)؛ لأن التأويل في الحقيقة منه صحيح ومنه غير صحيح.
والأليق بالتأويل غير الصحيح أن يسمى تحريفًا؛ لأنه صرف للفظ عن مدلوله بدون دليل، وهذا هو التحريف حقيقة.
أما أهل السنة والجماعة فقالوا: إن الآية على حقيقتها وعلى ظاهرها، وأن الله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض، لكن النور نوعان: نور هو ذات الباري جل وعلا، وصفاته وآياته وأحكامه، وهذا غير مخلوق. ونور آخر حسي مخلوق منفصل بائن عن الله. فالنور الذي نراه في الشمس، وفي القمر، وفي النجوم، وفي السرج هذه من أي النوعين؟ من النور الحسي المخلوق، كذا. ثم النور المخلوق منه أيضًا حسي ومعنوي، الحسي هذا الذي مثلنا به. والمعنوي ما ذكره الله تعالى في قوله: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور: ٣٥] إلى آخره.
إذن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى نور السماوات والأرض، فهو نور بذاته، وكذلك أيضًا صفاته، وكذلك آياته سماها الله تعالى نورًا: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، فهو سبحانه وتعالى نور، لكن أهل التحريف لما ظنوا أن النور هو مادة الإضاءة، أو الضوء نفسه قالوا: هذا عرَض يزول، والله سبحانه منزه عن العرض، أو هذا جسم، يعني: قابل للإضاءة، والله تعالى منزه عن الجسم؛ على حد تعبيرهم وقواعدهم.
لكننا نقول: ما الذي يوجب لنا أن نعدل، بل ما الذي يسوغ لنا أن نعدل بالآية عن ظاهرها ولا نقول: الله نور السماوات والأرض، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ» فأثبت لوجهه نورًا.
لكن الطريق السليم أن نقول: نور الله سبحانه وتعالى ليس مخلوقًا، ليس كنور القمر الذي جعله الله فيه وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح: ١٦]، وليس كنور المصباح، وليس كالنور الذي يكون في قلب المؤمن من العلم والهداية والإيمان، ولكن النور حقيقي لله سبحانه وتعالى، فهو نور، وصفاته نور، وكذلك آياته نور، سماها الله تعالى نورًا.
ولكن التقسيم السليم أن نقول: النور ينقسم إلى قسمين: نور غير مخلوق ونور مخلوق، فغير المخلوق: هو نور الله عز وجل، فالله تعالى نور السماوات والأرض، هو نور، وكلامه نور، وصفاته نور أيضًا، ولكن ليس كالنور الذي نتصوره أو نتخيله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ، يعني: لأحرقت سبحات وجهه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء.
أما النور المخلوق فإنه ينقسم إلى قسمين: ما هما؟ معنوي وحسي، فالحسي: ما يرى في هذه الأجسام، كنور الشمس، والقمر، والنجوم، والمصابيح، وما أشبهها. والمعنوي: ما يكون في قلب المؤمن من العلم والإيمان.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال، ونبقي الآية على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، ونقول: الله نور، وصفاته نور، وكلامه نور أيضًا؛ وذلك لأن الله تعالى وصف نفسه بهذا الشيء، فما الذي يوجب لنا أن نعدل عنه، بل ما الذي يسوغ.
إذن نور السماوات والأرض يعني: هو نفسه نور فيهما.
طالب: (...).
الشيخ: كلام الله نور لما يحصل به من الهداية؛ لأن أصل النور هو الذي يهتدَى به.
| ............................. | كَأَنَّــــــهُ عَلَــــــمٌ فِي رَأْسِــــــهِ نَارُ |
إذن نقول: الله سبحانه وتعالى هو نور السماوات والأرض، أي: نور فيهما، ولكن هذا النور الذي وصف الله به نفسه، وجعله من صفاته وأسمائه، هل يشبه نور الأشياء المخلوقة؟
أيش الجواب؟ لا، كسائر الصفات.
إذن كلام المؤلف: (أي منوِّرهما)، هذا ليس بصحيح، هذا تحريف، وليس بصحيح، وإنما معناه: نور في السماوات والأرض، نور بذاته وصفاته وآياته تبارك وتعالى.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، مسألة العذر شيء آخر، نحن نبطل القول ونعذر القائل.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، مسألة العذر غير، يعني نحن نبطل القول ونعذر القائل، ونقول للرجل إذا أخطأ: أخطأت، ولكن مع ذلك (...) إذا علمنا منه حسن النية، بل نحبه أيضًا، نحن نعرف الآن علماء أجلاء فضلاء ممن سلكوا هذا المسلك، مسلك التحريف في أسماء الله وصفاته، ومع ذلك نشهد الله على محبتهم؛ لأننا نعرف أنهم ما سلكوا ذلك إلا عن اجتهاد وحسن نية، نعم، لما لهم من قدم الصدق في الإسلام، والنصح للإسلام، والكتابة في الإسلام، مثل: النووي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهما كثير، هؤلاء ما حد يكرههم أو يبغضهم، أو يسيء الظن بهم، لكن لا مانع أن نقول إذا أخطؤوا: أخطؤوا. إذا أخطؤوا نقول: أخطؤوا، نقول: قولهم خطأ، نقول: قولهم: باطل، لكن لا يلزم من ذلك أن نلوم هذا الشخص إذا علمنا منه حسن النية، وأن هذا هو الذي أداه إليه اجتهاده.
وهذه هي طريقة أهل السنة والجماعة، ولذلك ما تجد بينهم عداوة ولا بغضاء، إذا اختلفت أقوالهم كل واحد منهم يعرف أن صاحبه معذور، لكن أهل الأهواء -والعياذ بالله- هم الذين لا يعذرون أحدًا يخالفهم، وإن كانوا هم على باطل، ولذلك تجدهم يُكِنون العداوة والبغضاء لمن خالفهم، إي نعم.
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
قال الله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍأي: صفته في قلب المؤمن) هذا في الحقيقة مثل نوره، أي: نور الله، مثل نوره أي: مثل نور الله كمشكاة. المؤلف -رحمه الله- قال: (في قلب المؤمن كَمِشْكَاةٍ) إلى آخره. لماذا لا نجعل مَثَلُ نُورِهِالذي هو نور ذاته وصفته يعني: ما الذي أوجب لنا أن نؤول؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم هذه؛ لأن الله لا مثل له، ما يمكن أن نمثل نوره الذي هو صفته بشيء من مخلوقاته، فإن الله قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، إذن فلا بد من التأويل.
وفي الحقيقة إذا قال قائل: ألستم تنكرون التأويل؟ نقول: لا ننكر التأويل مطلقًا، بل ننكر التأويل الذي لا دليل عليه، أما ما يقتضيه العقل فإنه أمر معلوم، يعني حتى الآن عقلًا هل يمكن أن عقلك يصدق أن نور الله بهذا الحجم كمشكاة فيها مصباح، أبدًا، حتى العقل يمنع هذا.
إذا كان العقل يمنع هذا فالتأويل لا بد منه، يقول الله عز وجل في ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥] عقلًا ما دمرت السماوات، ولا دمرت الأرض، وإنما دمرت كل شيء ينتفعون به، بدليل قوله: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ.
فعلى كل حال (...) نقول: مَثَلُ نُورِهِأي: مثل نوره الذي يضعه في قلب المؤمن.
وبعضهم يقول: مَثَلُ نُورِهِالذي يهدي به، ويرى أن هذا من باب تقريب المعنوي بالحسي، يقول مثلًا: القرآن نور مثل هذا النور كمشكاة إلى آخره، لكن الأسلم ما ذهب إليه المؤلف أن المراد بالنور هنا: النور الذي يضعه الله تعالى في قلب المؤمن.
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌأيش المشكاة؟ الكوة اللي يسميها الناس الروزنة، هذه المشكاة.
فِيهَا مِصْبَاحٌسراج (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍهي القنديل، والمصباح: السراج، أي: الفتيلة الموقودة والمشكاة الطاقة، غير النافذة، أي الأنبوبة في القنديل) إلى آخره.
المشكاة كما قال المؤلف رحمه الله: (الطاقة غير النافذة)، يعني يسمونها الناس الروزنة، هذه إذا كان فيها مصباح وفيه زجاجة، وسيأتي أيضًا وصف هذه الزجاجة، يكون نوره أقوى؛ لأن النور ينعكس ولا يتبدد، وهذا في الحقيقة أصل عملية الكوبس اللي يسموه كوبس، هذه اللي تعكس النور مأخوذة من القرآن؛ لأن هذه المشكاة هي في الحقيقة نظرية الكوبس.
يقول: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَاوالنور فيها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّأي: مضيء، بكسر الدال وضمها، من الدرء بمعنى الدفع، لدرئه الظلام).
طالب: (لدفعه).
الشيخ: عندي (لدرئه) وهو أولى؛ لأنه يفسر: دُرِّيٌّ.
(بكسر الدال وضمها من الدرء، بمعنى الدفع، لدرئه الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر اللؤلؤ).
دُرِّيٌّهذه القراءة الأخيرة بضمها وتشديد الياء، منسوب إلى الدُّرِّ، يعني اللؤلؤ، كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. والثاني بكسر الدال وضمها: {دريء}، ما ذكر الهمزة الحقيقة، وإلا لازم أنها تذكر الهمزة، شوف تكملة في الحاشية، جايبه معك؟
طالب: أي: مع الهمزة.
الشيخ: لازم همزة، ما دام من الدرء.
طالب: فيه همزة في الأصل.
الشيخ: فيه في الأصل، ما عندي همزة في الأصل.
{دِرِّيء} هذه واحدة، و{دُرِّيء} هذه الثانية، يعني فِعِّيل وفُعِّيل، من الدَّرء بمعنى الدفع، لكن لا بد لنا أن نتحقق أكثر، ويش يقول؟
طالب: الدرء بمعنى الدفع.
الشيخ: (...).
الطالب: (...).
الشيخ: طيب اللي بعده.
الطالب: الدرء بمعنى الدفع.
الشيخ: طيب.
الطالب: (...).
الشيخ: دُرِّي.
الطالب: دُرِّي، كذا في أصل (...) ودُرِّي بالضم (...) الدُّر، وقرئ: {دُرِّيء} بالضم والهمزة.
الشيخ: {دُرِّيء}.
الطالب: دُرِّيء بالضم والهمزة، و{دَرِّيء} بالفتح والهمزة (...).
الشيخ: لا خلاص (...) القراءات ثلاث:
دُرِّيٌّبدون همزة، منسوب إلى الدُّرّ، وهو اللؤلؤ؛ لصفائه.
و{دِرِّيء} على وزن سِكَّين، مبالغة من الدرء، بمعنى: الدفع.
أو{دُرِّيء} أيضًا: من الدَّرْء بمعنى: الدفع.
والكوكب الدري: معناه العظيم النور، والتوقد يعني توقده، ونوره عظيم، وذلك لأن وصفه بهذا الدرء يدل على قوة نوره ونفوذه، وكلما كان أشد لمعانًا كان أشد درءًا، ولهذا جاءت المسألة على باب المبالغة؛ لأن فِعّيل وفُعّيل كلاهما من صيغ المبالغة؛ إذ إن اسم الفاعل في هذه المسألة لو قال: دارئ، فإذا حول عن اسم الفاعل إلى غيره صار ذلك صيغة مبالغة.
دري من أين؟ يشتق من الدرء، درأ يدرأ فهو دارئ، هذا اسم الفاعل، لكن جاءت المسألة على وزن فِعّيل، وفُعّيل لماذا؟ للمبالغة، جاءت للمبالغة؛ لأن كل مشتق بمعنى اسم فاعل إذا عدل به عنه يدل على أحد أمرين: إما المبالغة وإما الصفة المشبهة.
فهنا المبالغة يعني لكونه لقوة توقده، وقوة ضوئه، يكون دِرِّيئًا أي: يدرأ الظلام لقوة نفوذه، وطبعًا ما يمكن أن يدرأ الظلام بقوة نفوذه إلا وهو عظيم التوقد وعظيم النور؛ لأنك لو جبت مثلًا سراجًا، أو لمبة صغيرة، هل تدرأ الظلام؟ ما تدرأ إلا درءًا بسيطًا فيما حولها، لكن لو جبت لمبة كبيرة وعظيمة تدرأ الظلام بقوة، ولذلك يكون ما حولها منيرًا جدًّا، وكذلك أيضًا أوسع وأبعد.
فيها القراءة الثانية: دُرِّيٌّويش النسبة له؟ للدر، وهو اللؤلؤ، لصفائه، يعني: ما فيه مثلًا قتم يحول بيننا وبين هذا الكوكب اللي ما هو صافٍ جدًّا مثل الدر.
هاتان القراءتان أظنه سبق لنا إشارة إلى أن القراءتين يكون من فوائدهما: سعة المعنى، يكون من فوائدهما أحيانا: سعة المعنى. يعني اختلاف القراءتين له مصلحة، له فائدة عظيمة:
منها مثلًا التفسير؛ كقوله: {فَتَثَبَّتُوا} فَتَبَيَّنُوا.
ومنها أيضًا: توسيع المعنى، فمثلا {دُرِّيء} أو {دِرِّيء} ودُرِّيٌّويش اللي يوسع في المعنى؟ أنها بنفسها صافية بناء على دُرِّي، وقوية الإضاءة بناءا على دِرِّيء.
فهذه من فوائد اختلاف القراءات: أنه يظهر في كل قراءة معنى غير الذي ظهر في القراءة الأخرى، فيكون ذلك أوسع وأشمل.
طالب: سبيعية.
الشيخ: الظاهر أنها ما هي سبعية، ما ذكرها المؤلف. (قُرِئ) ما هو بسبعية.
قال: ({تَوَقَّدَ} المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيًّا للمفعول بالتحتانية) أوقد مضارعه: يوقد (مبنيًّا للمفعول بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية) يعني: {تُوقَدُ} (أي الزجاجة).
إذن ثلاث قراءاتٍ هنا: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ تَوَقَّدَ}، هذه على أنها فعل ماضٍ (...).
استمد الوقود لشجرة مباركة، إلى آخره.
وفيه أيضًا: يُوقَدُأي: يوضع فيه الوقود.
وفيه أيضًا: {تُوقَدُ}.
على تَوَقَّد وعلى يُوقَدُ الضمير يعود على أي شيء؟ على الكوكب؛ لأنه مذكر: كوكب دري تَوَقَّد، كوكب دري يُوقَدُ، لكن على قراءة {تُوقَد}: كأنها كوكب دري تُوقَدُ.
يقول المؤلف على هذه القراءة: (أي الزجاجة)، يعود الضمير على الزجاجة، لا على الكوكب، وهنا ما يقال مثلًا: إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور؛ لأن القاعدة: الضمير يعود على أقرب مذكور ما لم يوجد مانع لفظي أو معنوي.
فهنا وُجد مانع لفظي، ويش المانع اللفظي؟ عود الضمير؛ لأن (تُوقَد) يعود الضمير على مؤنث، والكوكب مذكر. هذا وجد مانع لفظي يمنع من عود الضمير إلى آخر مذكور.
وربما يوجد مانع معنوي، مثل قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَوأيش اللي قبل الآية هذه: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَأي: الله اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨] الضمير يعود على من؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، يعود على الله مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَأي: الله سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَاطبعًا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما سمانا في هذا؛ لأنه لو فرض أنه يصح أنه سماكم من قبل يمكن يصح أن يكون إبراهيم لكن وَفِي هَذَاما يصح.
ولذلك نقول: هذا مانع معنوي؛ لأن هو صالح لأن يرجع إلى الله وصالح لأن يرجع إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن المعنى يمنع منه.
على كل حال نعود إلى قراءتنا، نقول: {تَوَقَّدَ} و{يُوقَدُ} كلاهما الضميرُ يعود على أيش؟ الكوكب، وأما {تُوقَدُ} فالضمير يعود على الزجاجة التي فيها المصباح كأنها كوكب دري.
مِنْ شَجَرَةٍ
(مِنْزيت شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍبل بينهما، فلا يتمكن منها حر ولا برد مضرين).
طالب: توقد المصباح.
الشيخ: قصدك أن المؤلف أعاده على المصباح، إي نعم، هو يعود على المصباح لا شك، وإحنا قررنا أنه يعود على الكوكب، ويلاحظ أن هذا ما يصح تقديرًا؛ لأن الكوكب ما هو بيوقد من هذا الشيء، الكوكب ما هو بيوقد من الشجرة، الذي يوقد هو المصباح.
يقول مِنْ شَجَرَةٍ:
(مِنْزيت شَجَرَةٍ) كيف كان من زيت شجرة؛ لأن الشجرة نفسها ليست هي الوقود، وإنما الوقود زيتها.
وقوله: مُبَارَكَةٍأي ذات بركة، والبركة هي الخير الكثير الثابت، مأخوذ من بركة الماء؛ لكثرة مائها وثبوته.
وقوله: زَيْتُونَةٍهل هناك شجرة غير الزيتون يوقد منها؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه، ولكن زيت الزيتون هو أعلاها وأشدها صفاءً وأقواها نورًا.
وقوله: لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍكيف قال لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍويش معناه؟
يقول: (بل بينهما فلا يتمكن منها حر ولا برد) عندي (مضرين)، والظاهر الصواب (مضران) لأنها (...).
طيب اللي لا شرقية ولا غربية يكون يقولون: معناها أنها في ربوة أو جبل؛ لأنها إذا كانت في منخفض هي لازم تكون شرقية أو غربية، إن كانت في المنخفض من جهة الشرق فهي شرقية، شمس آخر النهار لا تصيبها، وإذا كانت من جهة الغرب فهي غربية شمس أول النهار لا تصيبها، فهي إما في ربوة وذلك أكمل وأبين، وإما في مكان مستوٍ، صحراوية إي نعم، لكنهم قالوا: إنها في ربوة؛ لأنها إذا كانت في ربوة فهي أبين وأعلى وأطيب زيتًا، لكنها موصوفة بقوله: لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ. وفي هذا دليل وإرشاد أنه ينبغي للإنسان إذا وضع الشجر ألا يضعه في مكان يحتجب عن الشمس شرقًا أو غربًا، بل ينبغي أن يُوضَع الشجر في مكان يبرز للشمس شرقًا وغربًا.
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌلصفائه).
يَكَادُبمعنى يقرب زَيْتُهَاأي: زيت هذه الشجرة يُضِيءُأي: يحدث إضاءة وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، كيف يمكن يضيء ولو لم تمسسه نار؟ يقول المؤلف: (لصفائه)، فإذا أصابته النار أصله صافٍ يكاد يضيء، ويش صار؟ نُورٌ عَلَى نُورٍ.
(نُورٌبه عَلَى نُورٍبالنار، ونور الله تبارك وتعالى الذي يوجد للمؤمنين نور)..
طالب: (...).
الشيخ: ويش بعده؟
الطالب: (...).
الشيخ: (أي: هداه للمؤمنين، نور على نور الإيمان).
الآن يمكن أن نعرف كيف هذا التمثيل، وهل هذا التمثيل مركب ولَّا مفرد؟
الظاهر أنه مركب، يعني معناه مركب من هذه الأشياء، ولا يتحقق، ولا يتم التمثيل إلا بتصور هذه الأشياء مجتمعة. لو قلنا: إنه مفرد كان معناه كل تمثيل لا يتصل بما بعده.
نبدأ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍأين المشبه؟ نور الله، والمشبه به: المشكاة.
ثم فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّهل هذا التشبيه مستقل عما قبله، أو هو في ضمن ما قبله؟ الذي نرى -وهو أبلغ- أن يكون في ضمن ما قبله؛ لأجل أن يكون التشبيه مركبًا من الصورة كاملة.
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍهذا إذن تشبيه تمثيلي، بمعنى أن الله شبه النور الذي في قلب المؤمن بهذه القضية كلها مِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ.
طيب أين الذي يقابل المشكاة؟ القلب، والنور الذي يقذفه الله في قلبه مع نور الإيمان هو المصباح. لكن هذا المصباح مركب مم؟
في زجاجة، والزجاجة الصافية لماعة كأنها كوكب دري، ووقود هذا النور من شجرة مباركة زيتونة، زيتها صافٍ وجيد، فصار الآن مادة النور جيدة، وكذلك محله جيد، وكذلك وقايته جيدة؛ لأن الزجاجة تقي النور وتصفيه، النور إذا لم يكن في زجاجة كما هو معلوم يكون مضطربًا ويكون غير صافٍ، فتجد أن هذا النور قد كملت فيه أسباب الصفاء؛ من حيث الوقود والمكان، وكذلك أسباب الشمول من حيث كونه، والقوة من حيث كونه في مشكاة.
النور الذي في قلب المؤمن مثل هذا، ولكنه في الحقيقة المؤمن كامل الإيمان، فأما المؤمن ناقص الإيمان فإنه ينقص من نوره بمقدار ما نقص من إيمانه، يعني لا تظنوا أن هذا التشبيه لكل قلب مؤمن، لا، بل المراد المؤمن الكامل الإيمان، فإن الله يجعل في قلبه هذا النور العظيم، وذلك أمر معلوم، كلما قوي إيمان العبد وكلما قوي طلبه للحق فإن الله تعالى يهديه للنور، وكلما ضعف إيمان العبد أو ضعف طلبه للحق فإنه يضعف نوره، ولهذا قال الشافعي رحمه الله:
| شَكَوْت إِلَى وَكِيعٍ سُـــوءَ حِفْظِــــــــي | فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعاصِـــــــــــــــــــــي |
| وَقَــــــالَ: اعْلَــــــمْ بِأَنَّ الْعِلْـــــمَ نُـــــــــــورٌ | وَنُــــــــــــــــورُ اللهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِــــــــــــــي |
فكلما نقص الإيمان، أو نقص طلب الحق، فإنه يَنقص هذا النور، وكلما ازداد الإنسان في طلب الحق، وذلك بالتعلم، وقوي إيمانه، ازداد نوره. ولذلك تجد أن أهل العلم تَقوَى معرفتهم بالشريعة بحسب ما أُثر عنهم من الإيمان والتقوى.
قال الله تعالى: نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِما هو النور الذي على النور؟
النور: نور هذا المصباح، عَلَى نُورٍما في الزيت، فإن هذا الزيت أصله فيه إنارة، يعني يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌفكيف إذا أصابته النار؟ كذلك نور الإيمان في القلب مثل نور الزيت، ونور العلم والهداية مثل النار التي تصيب هذا الزيت.
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ.
يقول: (نُورٌبه عَلَى نُورٍبالنار، أي نور الله تعالى، أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان).
إذن فالإيمان بمنزلة الزيت، والهداية بمنزلة النار التي جُعل الزيت وقودًا لها.
(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِأي: دين الإسلام مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِتقريبًا لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌمنه ضرب الأمثال).
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِهذا النور الذي يهدي الله له هو النور الذي يقذفه في قلب المؤمن، ولّا النور الذي ينزله للناس؟
الذي ينزله للناس، يهدي الله المؤمن إليه، فالذي ينزله الله سبحانه وتعالى إلى الناس من الوحي هو نور بلا شك، ويهدي إليه من يشاء.
وكلمة مَنْ يَشَاءُتَقدَّم لنا أن كل شيء عُلق بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، فالله تعالى يهدي من يشاء، لكن إذا اقتضت الحكمة هدايته.
وقد علمنا أن كل من طلب الحق بنية صادقة، فإن الله سبحانه وتعالى يهديه، وكل من زاغ عن الحق، وتولى عنه، فإن الله تعالى يضله، قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٩].
على كل حال مَنْ يَشَاءُيكون ممن تقتضي الحكمة هدايته، وذلك لكونه مستعدًّا وقابلًا للهداية.
وقوله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ: الأمثال: جمع مَثَل، وهو الشَّبَه، أو مِثل وهو الشِّبه أيضًا. والأمثال: كل شيء يشابه غيره، فالله تعالى يضرب الأمثال للناس؛ إما أن يضرب حسيًّا بحسي، أو معنويًّا بمعنوي، أو معنويًّا بحسي.
والغالب أن الله يضرب الأمثال إذا كان الأمر معنويًّا يضربه بأمر حسي، أو إذا كان الأمر الحسي أمرًا مستبعدًا، أو منكرًا، فإنه يضربه بحسي معلوم، وذلك لتقريب الأمر إلى أذهان الناس.
مثلًا نجد أن الله تعالى ضرب مثلًا للذين يعبدون غير الله بأي شيء؟ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا [العنكبوت: ٤١] هذا ضرب أمر معنوي بأمر حسي، فهم يلوذون بهذه الأصنام، كما أن العنكبوت تلوذ ببيتها، لكن هل بيتها يقيها؟ لا، ولهذا قال: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١]، ونجد أن الله تعالى يضرب مثلًا لما ينكره الكافرون من إحياء الموتى بأي شيء؟ بإحياء الأرض بعد موتها؛ فإن الأرض تكون ميتة هامدة، فإذا أنزل الله عليها الماء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩].
نجد أنه هنا في الأمر المعنوي اللي هو نور الله في قلب المؤمن، ونور الله سبحانه وتعالى الذي ينزله فيهتدي به المؤمن، نجد أن الله تعالى ضرب به مثلًا في هذه المصباح الذي في المشكاة إلى آخره.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌمناسبة هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلم العالِمين بما يطابق المثل مَضْرِبًا ومَوْرِدًا؛ لأن المثل له مضرب وله مورد، لكن الله سبحانه وتعالى هو أعلم العالِمين بهذا المضرب والمورد، ومطابقة أحدهما للآخر؛ لأنه ربما يأتي إنسان ويشبه شيئًا بشيء، وعندما تمحص وتحقق الأمر تجد أنه لا مشابهة، لكن الله سبحانه وتعالى إذا ضرب مثلًا بشيء، فإنه سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه أوجه المشابهة التي يتضمنها هذا المثل.
وفي هذه الآية إشارة، بل صريح، إلى عموم علم الله سبحانه وتعالى، وأنه عليم بكل شيء، لا فيما يتعلق بأفعاله، ولا فيما يتعلق بأفعال العباد، من الذي أنكر العلم بأفعال العباد...
***
...بآيات من متشابه القرآن، والله سبحانه وتعالى حكيم يجعل في وحيه أمرًا متشابهًا، ويش يستدلون به في مثل قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، قالوا: (حتى) للغاية، فمعنى ذلك أنه سبحانه وتعالى لا يعلم المجاهد والصابر إلا بعد أن يجاهد ويصبر، ولكنه سبق لنا الجواب عن مثل هذا الإشكال:طالب: (...).
الشيخ: يعني قصدك تقول: إن المراد العلم الذي يترتب عليه الجزاء؟
لا؛ لأن علم الله تعالى بالشيء قبل وقوعه ما يترتب عليه جزاء، يعني كون الله يعلم أن هذا بيجاهد، وهذا ما هو مجاهد، هذا ما يترتب عليه الجزاء، فيكون حَتَّى نَعْلَمَالعلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان والابتلاء.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يعني نقول أيضًا فرقًا آخر: علم الله بالشيء قبل وقوعه: علم بأنه سيقع، فلا يتعلق به شيء، وعلمه بعد وقوعه: علم بأنه وقع. وفرق بين مَدرَك العِلمين: الأول علم بأنه سيقع، ولا يترتب عليه شيء بالنسبة للمكلف. والثاني: علم بأنه وقع، وهو الذي يترتب عليه ما رتبه الله سبحانه وتعالى بالنسبة للمكلَّف. مفهوم يا جماعة، هذا هو ما أجاب به أهل السنة عن مثل هذه الآية.
طالب: (...).
الشيخ: هذه شاملة لها، نعم، فهو بكل شيء عليم في نفس المثل، وفيمن ينتفع به.
***
طالب: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٣٨ - ٤٠].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه نور السماوات والأرض، وبينا على ذلك أن النور قسمان: مخلوق وغير مخلوق. فما وصف الله به نفسه، وسمى به نفسه من النور فهو غير مخلوق؛ لأن الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته هو الخالق، وما سواه مخلوق.
وأما القسم الثاني، وهو النور المخلوق، فينقسم أيضا إلى قسمين: حسي ومعنوي، فما في السماوات والأرض من الأجرام المضيئة هذا حسي، وما لدى الإنسان من الإيمان والعلم هذا معنوي.
وسبق أن الله سبحانه وتعالى ضرب مثلًا لنوره في قلب عبده المؤمن بمصباح كامل في مادته، أي وقوده، وفي محله، وفي حمايته. في وقوده يوقد منين؟ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ [النور: ٣٥] وفي حمايته ووقايته في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري. وفي محله، أو موضعه الذي ينعكس فيه النور، في أيش؟ في مشكاة.
وهذا أعلى ما يكون من الإضاءة؛ لوجود أسبابها كاملة، وهذا أيضًا مثل تقريبي، وإلا فنور الإيمان والعلم في قلب المؤمن أشد وأبلغ، لكن تضرب الأشياء المعقولة بالأشياء المحسوسة تقريبًا فقط، لا تحقيقًا ومساواة، بل بينهما فرق.
ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أنه يضرب الأمثال للناس، الأمثال يعني الأشباه والنظائر، فيضرب أحيانًا المعقول بالمحسوس، وأحيانًا يضرب الغائب بالحاضر، وهذا لا شك أنه من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأن ذلك من تمام التعليم، هذا لا شك أنه من تمام التعليم، وإلا فلو شاء الله سبحانه وتعالى ما ضرب الأمثال للناس، ولتركهم حتى يضلوا، ولكن من تمام رحمته أن كان تعليمه على وجه الكمال والتمام، ولذلك يضرب الله الأمثال لأجل أن يستدل الناس بها على ما يريد الله سبحانه إثباته لهم.
تفسير الآيات (36-38)
01:16:13
ثم قال الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِإلى آخره.
(فِي بُيُوتٍمتعلق بـيُسَبِّحُالآتي) أيش معنى متعلق؟ الفعل يتعدى إلى المفعول بنفسه، وأحيانًا يتعدى إلى المفعول بحرف الجر، إذا تعدى إلى مفعول بحرف الجر يقال: هذا متعلق به، ولَّا في الحقيقة أن الجار والمجرور متعلق، وكذلك الظرف هو مفعول في الحقيقة، لكنه لا يتعدى إليه الفعل بنفسه، فـيُسَبِّحُتعلق بها قوله: فِي بُيُوتٍيعني: أن العامل في الجار والمجرور هو قوله: يُسَبِّحُ.
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَتعظم وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُبتوحيده) إلى آخره.
أَذِنَالمراد هنا الإذن الشرعي، المراد بالإذن: الشرعي، فمعنى أَذِنَأي: شرع أن تُعظَّم، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: أَمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدُّور -يعني: في الحارات- وأن تُطَيَّب .
وهذا دليل على أن الإذن هنا بمعنى أيش؟ الشرع، وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني وإذن شرعي.
فمثال الإذن الكوني: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، ومثال الإذن الشرعي شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] هذه ما تصح أن تكون إذنًا قدريًّا كونيًّا، لماذا؟ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، لا تصح أن تكون إذنًا كونيًّا قدريًّا، لماذا؟
لأن الإذن القدري الكوني لم ينتفِ؛ فإنهم شرعوا، وما شرعوا إلا بإذن الله كونًا وقدرًا، فإذن مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُأي: شرعًا ولا بد.
على كل حال الآن الإذن -إذن الله- ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني مثله في قوله تعالى.
طالب: (...).
الشيخ: طيب والشرعي شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وقد يأتي الإذن بمعنى الاستماع، كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» معناه: ما أذن الله لشيء أي: استمع لشيء مثل استماعه لهذا النبي الذي يتغنى بالقرآن يجهر به.
إذن أَذِنَ اللَّهُفي الآية التي معنا أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَمن أي الإذنين؟ الشرعي.
هل يتعين أن تكون للشرعي؟
طالب: (...).
الشيخ: ولماذا؟
طالب: فِي بُيُوتٍ.
الشيخ: طيب فِي بُيُوتٍجوابكم صحيح، لكن التعليل لو أذن بذلك قدرًا لكانت المساجد تُعظَّم ولا بد، وتُرفع ولا بد؛ لأن الإذن الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بد فيه من وقوع المأذون. كل ما يتعلق بالأمور الكونية لا بد من وقوعه، فلو كان المراد بالإذن هنا: الإذن الكوني لكان رفع المساجد أيش؟ أمرًا حتميًّا، مع أننا نجد أن المساجد أحيانًا لا تُرفَع ولا تُعظَّم، بل تُمنَع وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤].
طيب فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُأي: شرع أَنْ تُرْفَعَتعظم، وفي الحقيقة أن رفعها أعم من التعظيم، تُرفَع بالتعظيم وبغيره، لكن صحيح أظهر ما يكون الرفع هو التعظيم.
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُأي: اسم الله، والمراد: أن الله يُذكر بأسمائه؛ لأنه إذا ذُكر الاسم ذُكر المسمَّى.
وقوله: يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُبأي شيء يذكر؟
طالب: بالصلاة.
الشيخ: إي نعم، بالقراءة والتسبيح كما سيأتي أيضًا، المهم يُذكر فيها اسمه بالثناء والتمجيد، وهذا يشمل الصلاة وغير الصلاة.
ثم قال: يُسَبِّحُ لَهُوهذا التنزيه، فيكون في الآية إشارة إلى أمرين: إلى إثبات الكمال في قوله: يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وإلى نفي النقص في قوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّإلى آخره.
وقوله تعالى: ({يُسَبَّحُ} بفتح الموحدة وكسرها أي: يُصلَّى).
{يُسَبَّحُ} فيها قراءتان سبعيتان: الفتح والكسر. وسيأتي -إن شاء الله- تخريج كل منهما في موعده.
وقوله: (أي: يُصلِّي)، هذا فيه نظر إن قصد بذلك حصر التسبيح بالصلاة، وإن قصد بذلك التمثيل فهذا صحيح؛ فإن قوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَاأعم من كونهم يصلون، بل هم يسبحون الله بالصلاة وغيرها مما يكون به تنزيه الله سبحانه وتعالى.
وقوله: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ.
(يُصَلِّي لَهُأي: لله فِيهَا بِالْغُدُوِّمصدر بمعنى الغدوات، أي: البُكَر، وَالْآصَالِالعشايا من بعد الزوال).
قوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(الغدو) يقول المؤلف: إنها جمع، مصدر غدا يغدوا غدوًّا، لكنها بمعنى الجمع، (غُدُوّ) مصدر بمعنى الجمع، بمعنى الغدوات، يعني: أول النهار، وإنما لجأ المؤلف إلى جعل الغدو بمعنى الغدوات للمطابقة، ويش هي المطابقة؟ وَالْآصَالِ، مطابقة وَالْآصَالِ؛ لأن الآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار.
وقوله: هي العشايا، جمع عشي أيضًا، ما كان بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ يقول الراوي عن أبي هريرة.
أقول: الغُدُوّ: مصدر بمعنى الجمع، أي: الغدوات، وَالْآصَالِجمع أصيل، أي: العشايا، أي: آخر النهار.
طيب وين الصلوات إذا قلنا: يُسَبِّحُبمعنى (يصلي)؟ ويش يكون بالغدو؟ صلاة الفجر، والعشي: الظهر والعصر، وأيش يبقي عندنا؟ المغرب والعشاء، وهي مما يُصلَّى في المساجد. ولهذا نرى أن الصواب في ذلك أن التسبيح أعم من الصلوات. ثم إنه يحتمل أن يُقصد بالغدو والآصال: جميع الوقت، كما في قوله تعالى في أهل الجنة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢]، الرزق لأهل الجنة هو دائم ولّا بس الصبح وآخر النهار؟ دائم، لكن يقال هكذا والمراد الدوام، فإما أن تحمل الغدو والآصال على معنى الدوام، أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النهار وآخره، فيكون هذا إشارة للتسبيحات التي تُذكر في أول النهار وفي آخره، ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصلاتين هاتين أفضل الصلوات، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ، أيش يعني؟ الفجر والعصر.
على كل حال الغدو والآصال إن أريد بهما حقيقتاهما، وهو أول النهار وآخره، كان في ذلك إشارة إلى أي شيء؟ إلى ما يقال من التسبيح والتعظيم لله والتهليل في أول النهار وآخره، وكذلك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر.
وإن قلنا: المراد بالغدو والآصال المراد: كل الدهر، وأن هذا من باب ذكر الطرفين ليشمل الجميع، كما في قوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢]؛ فإنه يشمل كل ما يسبح لله تعالى في المساجد في أول النهار وآخره، وفي الليل؛ أوله وآخره ووسطه.
***
وقوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ [النور: ٣٦، ٣٧] (فاعل يسبح بكسر الباء، وعلى فتحها نائب الفاعل له، و(رجال) فاعل فِعل مقدَّر جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: من يسبحه؟).الآن توجيه القراءتين السابقتين يُسَبِّحُ، و{يُسَبَّح}:
إذا كانت يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ: يُسَبِّحُمبني للفاعل ولّا للمفعول؟
طالب: للفاعل.
الشيخ: للفاعل، وعليه يكون قوله: رِجَالٌفاعل (يسبح) أو لا؟ واضح.
على قراءة {يُسَبَّح} يكون الفعل مبنيًّا للمفعول، يحتاج إلى نائب فاعل، ما يصلح أن يكون رِجَالٌنائب فاعل؛ لأنه لو كان نائب فاعل كان اللي يسبحون من؟ الرجال، وهذا شيء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟
نائب الفاعل الجار والمجرور في قوله: لَهُ: {يُسَبَّح لَهُ}، وإذا لم يوجد المفعول، يعني في الفعل المبني للمفعول، ناب عنه الظرف والجار والمجرور، مثلما لو قلت: (قِيلَ قولٌ).. لا هذه نائب فاعل صريح. (ضُرب الضربُ) وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن المفعول به.
يقول ابن مالك:
| وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ | أَوْ حَـــــرْفِ جَـــــرٍّ بِنِيَابَــــــةٍ حَـــــــــــرِي |
اللي معنا الآن {يُسَبَّحُ لَهُ} إذا قلنا: لَهُهو نائب الفاعل..





