تفسير الآيتين (39 -40)
قِيلَ قولٌ، لا، هذه نائب فاعل صريح، ضُرِبَ الضربُ، وما أشبه ذلك، فإنه ينوب عن
المفعول به، ابن مالك:
| وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ | أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍ حَــــــرِي |
اللي معنا الآن {يُسَبَّحُ لَهُ} [النور: ٣٦] إذا قلنا: (له) هو نائب الفاعل هو الظرف ولَّا حرف جر؟ البيت في الألفية:
| وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ اوْ مِنْ مَصْدَرِ | أَوْ حَــرْفِ جَرٍّ بِنَيَابَـــةٍ حَــــــرِي |
من أي الثلاثة ذا؛ {يُسَبَّحُ لَهُ}؟ حرف الجر.
يبقى الإشكال في {رِجَالٌ} [النور: ٣٧] على قراءة {يُسَبَّحُ}، نقول: {رِجَالٌ} فاعل لفعل محذوف، هذا الفعل المحذوف أوجبه كلمة {يُسَبَّحُ}؛ لأن {يُسَبَّحُ لَهُ} كأنه قيل: من يسبح أو من يسبح له؟ فقيل: رجال، وعلى هذا فتكون {رِجَالٌ} فاعلًا لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور وهو {يُسَبَّحُ}، واضح؟
إذن (يسبح) فيها قراءتان سبعيتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبين الآن توجيه كلٍّ من القراءتين.
(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌأي: شراء، وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِحذفت هاء (إقامة) تخفيفًا، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُتضطرب، فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُمن الخوف؛ القلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال وهو يوم القيامة).
يقول الله عز وجل: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌكلمة (رجال) تدل على المدح والثناء، كما يقال: فلان رجل؛ أي: أنه اتصف بصفة الرجولة، فكلمة (رجال) لا شك أنها تدل على الثناء؛ ولذلك لا تطلق إلا على البالغ العاقل.
وقوله: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌلم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأن الذي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد ليسد الفراغ، لكن يبيع ويشتري وهو بصدد (...).
إليه، لا لأنه سايب ما له عمل ولا له شغل، فهمتم الآن؟ وهذا أبلغ في الثناء كونهم يبيعون ويشترون، لكن هذا البيع والشراء لا يلهيهم عن ذكر الله.
وقوله تعالى: تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌالمؤلف فسر التجارة بالشراء لماذا؟
طالب: تفسير بالمقابل.
الشيخ: في مقابلة بَيْعٌ، ولكنه تفسير ليس بصحيح؛ لأن الشراء مفهوم من بيع؛ إذ لا يوجد بيع إلا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الإنسان بتجارته لتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها، وما أشبه ذلك، أليس هكذا؟ ربما ما هو يبيع ويشري لكن يلهو بطريق آخر بهذه التجارة؛ لذلك الآية نقول: المراد بالتجارة ما يتجر به الإنسان ولهوه به ليس بالشراء، بل ما هو أعم، أما الشراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إذا شروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم.
وقوله: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِيعني: التجارة ما تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن الناس في هذا الباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مسألة التجارة والذكر؛ منهم من يقدم التجارة على الذكر، وهذا خاسر؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: ٩]، لو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون، هذا قسم.
القسم الثاني: من لا تلهيه التجارة ولا الأموال والأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل هذا في محله وهذا في محله، فهذا رابح، ما فاته ماله وولده ولا فاته ذكر الله؛ أتى لهذا بنصيبه ولهذا بنصيبه.
القسم الثالث: من هو أعلى من هذا؛ من يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهذه التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يرضي ربه، وهو كذلك بالنسبة للأولاد؛ يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله عليه بهم، وما أشبه ذلك، هذه هي المرتبة العليا.
وعلى هذا يكون هذا الرجل رابحًا في الطرفين، صح ولَّا لا؟ في الطرفين في آن واحد، والقسم الثاني رابح في الطرفين لكن على التناوب؛ يربح في هذا ويعطيه ما يستحق، ويربح في هذا ويعطيه ما يستحق، أما الثالث الأخير فهذا شأنه شأن كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهذه الصفة، قلَّ وهو نادر جدًّا، وأكثر الناس اليوم من أي الأقسام؟
طلبة: الأول.
الشيخ: من القسم الأول اللي هو في الحقيقة أخيرًا في المرتبة وأولًا في الذكر، أكثر الناس اليوم هكذا.
طالب: الثالث.
الشيخ: الثالث؛ من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله.
أقول: وَإِقَامِ الصَّلَاةِ(إقام) بمعنى (إقامة)، لكن حذفت التاء تخفيفًا، وإقام الصلاة ليس مجرد فعلها، بل هو أمر فوق الفعل، يعني ويش معنى: أقام الشيء؟ جعله قيِّمًا مستقيمًا، وذلك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فما كل مصلٍّ مقيمًا للصلاة؛ ولهذا تجدون أن الثناء الذي يذكره الله في القرآن، بل والأوامر التي يأمر الله بها في القرآن غالبًا، ويش نقول؟ بالإقامة؛ لأن ذلك هو الأصل ليس مجرد فعل الصلاة؛ ولهذا نجد أنه يصلي رجلان مع الإمام أفعالهما واحدة، ودخولهما في الصلاة واحد، وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لماذا؟ لأن أحدهما أقام الصلاة، والآخر صلى فعلًا بس، لكن الأول أقامها خاشعًا مستحضرًا مخلصًا، يرجو ثواب الله ويخاف عقاب الله.
(إقام الصلاة) المذكور في القرآن كثيرًا بماذا بيِّن؟ بيِّن بالسنة، فيه أشياء مبينة في القرآن، لكن غالب ذلك مبين بالسنة، بينته سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا نعرف أن السنة ضرورية في الشرع، وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشرع، وقد وجد بعض الناس أنكر السنة، والعياذ بالله.
وسمعنا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قيل لي: إنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكاتب حتى لا تنتشر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمته، والعياذ بالله، وهذا لا شك أنه كفر؛ يعني الذي يبيح لنفسه أن يصادر كتب الحديث التي تلقتها الأمة بالقبول، هم لو صادروا كتبًا مضلة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هذا الأمر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأمة بالقبول وعلمها المسلمون واعتبروها سندًا، هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم كفروا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب: ٢١]، ويقول: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، ويقول: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، ويقول: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، ويقول: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦].
على كل حال الآيات في هذا كثيرة وبينة وواضحة، فإقامة الصلاة من هذا النوع ما بينها بيانًا كافيًا إلا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقوله: وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِأي: إعطائها، والزكاة معروفة لنا وهي الجزء الذي أوجبه الله تعالى في أموالنا، ولم يبين المؤتى إليه لكنه مبين في القرآن في سورة التوبة في قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠]، هذه الذي يؤتى إليه الزكاة.
وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُقوله: يَخَافُونَهذه صفة لـرِجَالٌ، لا تلهيهم وهم أيضًا في هذه الأحوال يخافون يومًا؛ يخافون في حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصلاة وإيتاء الزكاة، وفي حال عدم لهوهم بالتجارة والبيع، كل هذه الأعمال مبنية على هذه العقيدة والأساس.
يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِخوفهم من هذا اليوم يدل على إيمانهم به ولَّا لا؟ يدل على إيمانهم به؛ إذ لا يخاف الإنسان من شيء لا يؤمن به، فهو يدل على أن عندهم تمام الإيمان واليقين باليوم الآخر؛ ولذلك يخافونه؛ يخافون هذا اليوم.
هذا اليوم وصفه الله بقوله: تَتَقَلَّبُتضطرب فيه، الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُتَتَقَلَّبُالتقلب معروف هو تغير الهيئة من حال إلى حال، وهذه القلوب تتقلب؛ تضطرب وتنتقل من حال إلى حال، كيف؟ تقلب القلوب يقول: (بين النجاة والهلاك)، ما يدري الإنسان هل ينجو أو يهلك؟ فقلبه متقلب مضطرب؛ أحيانًا يغلب عليه الرجاء، وأحيانًا يغلب عليه الخوف، كذلك الأبصار تتقلب.
يقول المؤلف: (من ناحية اليمين والشمال)؛ لأنه الناس (...) ما كأنهم عقلاء؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ٢]، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣] واحد إذا رأيته كأنه مجنون، كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنك بالقلب حينئذٍ؟ لا شك أنه في الحقيقة سوف يتقلب ويضطرب ولا يدري المآل، هذا الذي يحصل يوم القيامة.
يقول: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٨] لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا(أي: ثوابه، وأحسن بمعنى: حسن)، ما شاء الله، اللام في قوله: لِيَجْزِيَهُمُهل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هذا، أو هي للتعليل أيضًا؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا، فيكون هنا جمعوا -على قول لام التعليل- جمعوا بين الخوف والرجاء، أو نقول: للعاقبة، وأنهم يعملون تلك الأشياء خوفًا من الله عز وجل، فتكون عاقبتهم الأمن التام مع الثواب الجزيل؟ فيه احتمالان؛ إما أن تكون اللام للعاقبة؛ يعني أنهم يسبحون ويخافون، وتكون عاقبتهم تلك وهو الأمن مما يخافون وحصول الثواب الجزيل، أو أنها للتعليل؛ يعني أنهم يفعلون ذلك لانتظار الجزاء.
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواثم هنا نناقش المؤلف.
قال المؤلف: (أي: ثوابه)؛ لأنهم في الحقيقة لا يجزون بنفس العمل وإنما يجزون بأي شيء؟
طلبة: الثواب.
الشيخ: بثوابه، الجزاء: الثواب؛ لذلك احتاج المؤلف أن يقدِّر العمل بثواب العمل؛ لأنه هو الذي به الجزاء، هذه واحدة.
الثانية: يقول: (أحسن بمعنى: حسن)، ليش؟ لأنه توهم المؤلف، أو ربما يتوهم المتوهم أن الجزاء إنما يقع على أحسن ما يعمل الإنسان، والحقيقة أن الجزاء يقع على الأحسن والحسن، أليس كذلك؟ عندما يعمل الإنسان حسنًا، فإن الجزاء يكون على الحسن والأحسن، ولكن هذا التوهم لا يرد على تقدير المؤلف وهو أن المراد ليجزيهم الله ثوابه، يصير المعنى: ليجزيهم الله أحسن ثواب ما عملوا، وعليه فلا إشكال إطلاقًا، ولا نؤول (أحسن) بمعنى (حسن)؛ لأن تأويل (أحسن) بمعنى (حسن) تحريف، أيهما أكمل؟ أحسن؛ فلذلك نقول: الآية على ظاهرها، واسم التفضيل على بابه، والمعنى: أنهم يجزون أحسن ثواب لعملهم، كيف ذلك؟ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والإنسان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين، ويش يصير هذا؟ أحسن ثواب، لكن ثواب الله عز وجل أحسن وأحسن؛ لأن الله يضاعف لمن يشاء، فالأولى بل الواجب أن تبقى (أحسن) على ما هي عليه من التفضيل.
نقول: (أحسن)؛ أي: أحسن ثوابٍ لعملهم، بيكون هنا الأحسن ليس للعمل، ويش الأحسن له؟ الأحسن للثواب.
بقي علينا على التقدير الأول: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، لماذا جعل الله تعالى الحسن للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إشارة إلى أن الجزاء بقدر العمل؛ ولذلك عبِّر به عنه؛ العمل، كما تدين تدان.
فالإنسان الذي لا يصلي مثلًا، هل يثاب ثواب المصلي؟ لا، والذي لا يزكي لا يثاب ثواب المزكي، وهكذا، فالجزاء على العمل؛ ولذلك عبِّر به -أي بالعمل- عن جزائه، إشارة إلى أن الجزاء من جنس العمل، لكنه جزاء أحسن ما يكون.
وقال تعالى: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسِّع، كأنه لا يحسب ما ينفقه)، قوله: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِهذا زائد على ثواب العمل، وذلك ما يحصل من زيادة الأعمال الصالحة، وزيادة الرزق في الدنيا، وزيادة ما يدخر لهم عند الله في الجنة، كالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث الصحيح ، في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] أن المراد بالزيادة: الزيادة من الرزق في الدنيا، الزيادة من الثواب في الآخرة بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.
وقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍالمعنى: أنه سبحانه وتعالى يعطي بغير تقدير، لكن ويش معنى: بغير تقدير؛ كيف نقول: بغير تقدير مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨]؟
الجواب: أن هذا كناية عن كثرة العطاء؛ ولهذا يقال كما قال المؤلف: (فلان ينفق بغير حساب)، أيش معناه؟ يعني: يعطي عطاء كثيرًا لا حد له، وإلا فإن الله تعالى قد قدَّره بعلمه وحكمته، كل شيء حتى نقطة المطر إذا نزلت في الأرض فإنها بمقدار.
إذن يكون معنى قوله: بِغَيْرِ حِسَابٍأي: بغير مقدار، وهو كناية عن أيش؟ عن كثرة ما ينفق، لا عن كونه ينفق هكذا بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو سبحانه وتعالى يعلم ما يرزق، وكيف يرزق، وأين يرزق، ولكنه تعالى لكثرة عطائه كالذي لا يحسب.
في هذه الآية من الفوائد فوائد كثيرة؛ منها: فضيلة المساجد، وبماذا نستدل عليه؟ بقوله: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، فإن إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يدل على شرفها؛ لأن المكان يشرف بشرف العمل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العمل فيه، لماذا كان رمضان شريفًا؟ لمشروعية الصيام فيه وإنزال القرآن، ولماذا كانت (...) شريفة؟ لأن فيها المناسك وذكر اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهكذا.
إذن يستفاد من ذلك: شرف المساجد؛ لأنها محل ذكر الله عز وجل وتعظيمه.
فيه أيضًا: مشروعية تعظيم المساجد، ومن ذلك؛ من تعظيمها: أن تطيب، ومن ذلك أيضًا: أن تنظف عن الأذى والأقذار.
هل نقول: ومن ذلك أن ترخرف؟ لا؛ ولهذا جاء في الحديث: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» وحديث ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى ، فالزخرفة هذا شيء لا يليق بالمساجد؛ لأن المساجد ليست بيوت دنيا، وإنما هي بيوت عمل للآخرة، لكن تنظف عن الأذى والأقذار وتطيَّب، وفرق بين التنظيف عن الأذى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأذى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشياء لا تتناسب مع المساجد.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، تعظيم المسجد: ألَّا تدخل بالنعلين إلا وقد نظفته.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، اللباس ما أدخل به.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ولا (...) ضرورة، نقول: السنة أن تصلي في النعلين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك وفعله بنفسه أيضًا .
طالب: (...)؟
الشيخ: البيوت؟
طالب: إي.
الشيخ: لا، الدور في اللغة: الحارات، يقال: هذه دار بني فلان، وهذه دار بني فلان؛ يعني: حارتهم، إي نعم (...) ذكر الله.
طالب: (...).
الشيخ: إي، الأكل في المساجد، هذه تأتي إن شاء الله فيما بعد.
***
مثل -سلمك الله الأهوال عندما تحدث- لو بشِّر الإنسان؛ فإما أن ينسى ما بشِّر به لشدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشِّر به، واضح؟ عندنا مثلًا يقول لك الملك -ولله المثل الأعلى- ترى فأنت أعمل ما عليك، وتشوف الجلد في الناس والأسر والأخذ، ما تخاف؟ لا بد يحصل عندك خوف، مع أن هذا نقوله على سبيل التقريب، وإلا أهوال يوم القيامة ما يتصورها الإنسان.طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام يعبرون الصراط ويقولون: اللهم سلم، اللهم سلم . (...)
كملنا الكلام على ما يستفاد من الآية الكريمة في قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَوالآن نبدأ ذلك جميعًا، بدأنا ذكر الفوائد فنقول، وبالله نقول سبحانه وتعالى:
فيها: تعظيم شأن المساجد؛ لقوله: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، فإن هذا دليل على تعظيم شأنها.
وبينَّا أن الإذن ينقسم إلى قسمين وهو: شرعي وكوني، والفرق بينهما: أن الشرعي ما يتعلق فيما شرعه الله وأحبه، والكوني فيما قدره سواء شرعه أو لم يشرعه، وذكرنا على ذلك أمثلة.
وفيه أيضًا: فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى في المساجد؛ لقوله: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.
فضيلة تنظيف المساجد وحمايتها من الأذى؛ لقوله أيش؟ أَنْ تُرْفَعَ، فإن هذا من رفعها؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ» .
وفيها: أن الذكر الأفضل أن يكون بالقلب واللسان، يؤخذ من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؛ لأنه ما يمكن ذكر الاسم إلا باللسان.
وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح؛ لقوله: يُسَبِّحُ.
وفيها أيضًا: الجمع بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه، من أين؟ يُذْكَرَويُسَبِّحُ؛ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُهذا إثبات صفة الكمال، يُسَبِّحُنفي صفة النقص، عرفتم؟ وأظن سبق لنا قاعدة مهمة في باب التوحيد في الأسماء والصفات على أن النفي لا يراد به مجرد النفي، وإنما يراد..
طالب: (...).
الشيخ: إي، مع النفي إثبات كمال ضده، فإذا نفى الله عن نفسه سبحانه وتعالى أنه يظلم ليس معنى ذلك مجرد نفي الظلم، ولكن من أجل إثبات كمال العدل؛ من أجل كمال عدله لا يظلم؛ لأن نفي الظلم مثلًا قد يكون من العجز عن الظلم، وقد يكون لعدم قابلية هذا المحل لكونه ظالمًا، عرفتم؟ قلنا مثلًا: إنه يقال: الجدار لا يظلم، لماذا؟
طالب: ليس له قابلية.
الشيخ: إي، ليس قابلًا للظلم، القابلية معدومة، وتقول مثلًا: هذا الرجل الضعيف المهين -لرجل ضعيف مهين- تقول: هذا لا يظلم.
طالب: لعجزه.
الشيخ: لعجزه، فلا يكون مدحاً، لكن عندما تقول لقادر قابل لأن يكون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهذا دليل على كمال عدله؛ ولهذا نفى الله الظلم عن نفسه متمدحًا به تبارك وتعالى، ولو كان غير قابل للظلم -كما قالت الجبرية- ما صح النفي.
وفيها أيضًا: فضيلة التسبيح في الصباح والمساء، إذا قلنا: إن المراد بالغدو والآصال هذين الوقتين، فإذا قلنا: المراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا، وإنما ذكر هذين؛ لأنهما طرفا النهار، لم يكن في هذا دليل على تخصيص هذين الوقتين، ولكن الظاهر من الأدلة أن لهذين الوقتين مزية؛ لأن الله دائمًا يأمر بالتسبيح في هذين الوقتين.
وفيها أيضًا: دليل على أنه كلما قوي الصارف ولم ينصرف الإنسان فهو أكمل ممن لا صارف له، من أين تؤخذ؟ ويش الوجه؟
طالب: (...).
الشيخ: تمام، صحيح، فهم -مثلًا- هؤلاء الرجال لو كانوا ما يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قلنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضرورة؛ يعني لأجل (...) الوقت على أنفسهم ويتسلون بذلك، لكنهم قوم لهم تجارة، الصارف عن ذكر الله في المساجد موجود وهو التجارة، لكنها مع ذلك لا تلهيهم.
وفيها أيضًا: دليل على جواز الاتجار، وجهه أنه أثبت أنهم يتجرون في مقام المدح، ولو كان الاتجار حرامًا أو مذمومًا ما صح أن يؤتى به في سياق المدح، فالتجارة لا بأس بها، ما يقال للإنسان: لا تتجر، لا تعمل.
ولكن على كل حال للناس أغراض في تجاراتهم؛ أحد يريد بالتجارة أن تكون وسيلة له إلى الآخرة، وأناس يريدون بالتجارة الدنيا فقط، واختلاف الناس في هذا باب واسع، فمن اتجر ليكسب مالًا يعين به محتاجًا، ويتقرب به إلى الله، ويفعل مشاريع الخير، هذا يحمد عليه؛ ولهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام قرينًا لأي شيء؟ جعله قرينًا للعلم النافع حيث قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَعْلِّمُهَا، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ» ، وهذا دليل على فضيلة المال إذا كان عونًا على طاعة الله.
وفيه دليل: على فضيلة إقامة الصلاة، أيش وجه ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن أيش إقامة الصلاة له شأن ومزية؟
الطالب: (...).
الشيخ: من اللي يعرف؟
طالب: (...).
الشيخ: لا
طالب: (...).
الشيخ: (...)، لا أنا قصدي أن الصلاة لها مزية على غيرها.
الصلاة هي من ذكر الله ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هي من ذكر الله، فخصها بالذكر من بين الذكر، والتخصيص بعد التعميم يدل على فضيلة المخصص ومزيته، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤] الروح جبريل، خصه بالذكر مع أنه من الملائكة لشرفه وفضله، فتخصيص الصلاة وإقامتها بعد ذكر ما هو أعم دليل على مزيتها، وكذلك أيضًا إيتاء الزكاة.
وهاتان العبادتان هما أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ لأن إقامة الصلاة هي الركن الثاني، وإيتاء الزكاة الركن الثالث، ودائمًا يقرن الله سبحانه بينهما في القرآن.
وفيه دليل أيضًا: على أن من تعبَّد لله خوفًا فهو محمود، من أين تؤخذ؟ يَخَافُونَ يَوْمًا، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من تعبَّد خوفًا من العذاب فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: ٧]، وهنا قال: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، وأثنى الله تعالى على من تعبد طلبًا: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩].
وفي هذا رد بيِّن على من ذهب من الصوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألَّا يقصد الإنسان حظًّا لنفسه، وإنما يعبد الله لذاته فقط؛ يعني عندما تعبد الله لا تقصد أنك تريد فضل الله أو تحذر عقابه، يقول: اعبد الله لله.
فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩]، ولستم أكمل حالًا ممن أثنى الله علهم من الأبرار، إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان: ٥] إلى أن قال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: ٧]، ولا شك أن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه وتعالى لينال فضله وينجو من عقابه هو يريد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله عز وجل؛ لأن من جملة النعيم في الجنة رؤية الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا دليل: على عظم يوم القيامة وأهواله الشديدة؛ لقوله: تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
(...) ليست خاصة، بل (أل) فيها للعموم؛ يعني كل القلوب تتقلب، وكل الأبصار تتقلب، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يخافون ويخشون، ولكن مع ذلك أهل الخير يؤَمَّنُون، مع خوفهم يؤَمَّنُون، ومعلوم أن الذين يؤَمَّنُون لا شك أنهم يهون عليهم هذا اليوم؛ ولهذا قال الله تعالى في يوم القيامة: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: ١٠]، وقال: وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان: ٢٦]، فيفهم منه أن هذا اليوم مع عظمه وأهواله وشدته يكون على المؤمنين يسيرًا، وإلا فهو في ذاته عظيم جدًّا، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١، ٢].
وفيه أيضًا دليل: على أن الجزاء من جنس العمل، بل هو في الطاعات أحسن من العمل، من أين نأخذه؟ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛ شيئًا فوق ما عملوه.
وفيه دليل: على علم الله عز وجل، من أين نأخذها؟ لأنهم إذا كانوا يجازون بأحسن ما عملوا، فلا مجازاة إلا بعد علم المجازي، يعلم ما عمل ثم يجازيه عليه.
وفيه أيضًا: إثبات القدرة من إثبات الجزاء، فإنه لا يجزي إلا من كان قادرًا، لو أنك صنعت إلى إنسان معروفًا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» ، فالله سبحانه وتعالى لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العاملين من ثوابهم وأجرهم.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُأو لا؟ وإثبات المشيئة لله في حقه -أي: فيما يتعلق بفعله- أمر متفق عليه فيما أعلم، ما خالف فيه مبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنسبة لما يتعلق بأفعال الخلق خالف فيها طائفة تسمى القدرية؛ حيث زعموا أن العبد مستقل بعمله، وأنه لا تعلق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غلاتهم أنكروا علم الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى في أعمال الإنسان.
وفيه أيضًا -قوله: بِغَيْرِ حِسَابٍ-: كثرة رزق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى بلا حساب بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن الله يقول كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨]، حتى القطرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بغير حساب؛ أي أنه لا يكافئ الإنسان بحساب، بل بكثرة كثيرة (...) كثيرًا لا يحسب، وهذه معروفة يقال: فلان ينفق بلا حساب؛ يعني: ينفق إنفاقًا كثيرًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الثابت عن السلف أنها المساجد وهي المحل هذا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ» إلى آخره، والمراد بالمساجد بلا شك.
تفسير الآيتين (39 -40)
00:48:47
ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [النور: ٣٩] لما ذكر الله سبحانه وتعالى أعمال هؤلاء الرجال -تلك الأعمال الفاضلة- ذكر أعمال الذين كفروا ما شأنهم، وهذا طريقة الله تعالى في كتابه: إذا ذكر وصف المؤمن ذكر بعده وصف الكافر، أو بالعكس، وإذا ذكر وصف الجنة ذكر بعده وصف النار، أو بالعكس؛ لأن القرآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هذه واحدة، ولأن الإنسان إذا ذكرت له أوصاف أهل الخير وأوصاف الجنة قد يغلب عليه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكر صفات النار وصفات أهل الشر يغلب عليه أيش؟
طلبة: الخوف.
الشيخ: الخوف، فيهلك أيضًا؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل الأولى أن يغلب الإنسان جانب الرجاء، أو جانب الخوف، أو يجعلهما سواء؟ فقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب عليك الخوف وقعت في القنوط من رحمة الله، وإن غلب عليك الرجاء وقعت في الأمن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمؤمن.
وقال بعض العلماء: ينبغي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» ، وينبغي للصحيح أن يغلب جانب الخوف.
وقال آخرون: ينبغي عند فعل المعصية أن يغلب جانب الخوف، ويش لأجل؟ لأجل يرتدع؛ لأنه لو غلب جانب الرجاء قال: الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر الله لي وأعمل المعصية، وعند فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى يقبل منه ويثيبه حتى لا ييأس، قال: ويدل على ذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ، كذلك اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك.
وعلى كل حال هذا القول في ظني أنه أرجح الأقوال؛ أنه عندما يكون الإنسان في جانب التعبد وفعل العبادة يغلب الرجاء، ما هو معنى عاد أنه يجزم بالرجاء بهذا؛ لأن الله يقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون: ٦٠] يعني: خائفة ألَّا يقبل منها، لكن المعنى: أنه يغلب هذا مع الخوف، وأما في جانب فعل المعصية فيغلب جانب الخوف؛ لأجل ألَّا يقدم عليها معتمدًا على الرجاء.
على كل حال نحن شطحنا قليلًا، لكن قصدنا أن القرآن الكريم يذكر الله تعالى فيه هذا وهذا؛ ليكون سير الإنسان معتدلًا.
قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ(جمع (قاع)؛ أي: في فلاة، وهو شعاع يُرَى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري) هذا تفسير للسراب، والقيعة هي: الفلاة، السراب بالقيعة أظنكم تعرفونه كلكم، في شدة الحر عندما تكون في فلاة من الأرض، (قيعة) يعني: جمع (قاع)، بخلاف الرملية ما يكون فيها هذا الشيء، لكن القيعان ترى من بعد كأن في ذلك الجانب ماء، فتظنه ماء فتقصده، هؤلاء الكفار أعمالهم هكذا مثل السراب بالقيعة يحسبه الظمآن ماء وليس بماء، كيف ذلك؟ لأنهم يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، فيظنون أن هذا الشرك الذي يبعدهم عن الله حقيقة، أيش يظنونه؟
طلبة: يقربهم.
الشيخ: يقربهم من الله عز وجل، يظنون هؤلاء الشفعاء الذين سيتبرؤون منهم، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة: ١٦٦] يظنونهم أيش؟
طلبة: شفعاء.
الشيخ: يظنونهم شفعاء، وتعرفون أن النفس إذا تعلقت بالشيء على أنه شفيع أو على أنه مقرب لها إلى الله تتبعه ولَّا لا؟ تتبعه بلا شك، هؤلاء مثل السراب في القيعة.
(يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُيَحْسَبُهُيظنه، الظَّمْآنُأي: العطشان، مَاءً)، هذا تشبيه بليغ؛ يعني أنه يقصده بشدة ولهف معتقدًا أنه ينقذه، العطشان محتاج للماء ولَّا لا؟ فإذا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، ويش لأجله؟ لأجل أن يدفع ضرورته به، هل يظنه ينفعه ولَّا لا؟ نعم، يظنه ينفعه، ولولا أنه يظنه ينفعه ما ذهب إليه، لكن النتيجة حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لم يجده شيئًا مما حسبه، إذا جاءه لم يجده شيئًا، ماذا تتصورون حاله حينئذٍ؟ خيبة أمل عظيمة -والعياذ بالله- ما يتصورها أحد؛ إنسان عطشان جاء إلى هذا السراب من بعيد، ولاحظوا أيضًا أن السراب ما هو يتراءى في الأماكن القريبة، في البعيد أبعد ما تراه، من مكان بعيد يريد أن يشرب، فتكون النتيجة أنه لم يجد شيئًا مما حسبه.
يقول المؤلف: (كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقة تنفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله؛ أي: لم ينفعه، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُأي: عند عمله، فَوَفَّاهُ حِسَابَهُأي: أنه جازاه عليه في الدنيا، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِأي: المجازاة).
هذا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المؤلف لذلك بالصدقة فيه نظر؛ لأنه ينبغي أن (...)؛ يعني إلا إذا قصد بذلك ضرب المثل، إذا قصد به ضرب المثل فهذا صحيح، هذا من جملة الأعمال التي يفعلها الكفار يظنون أنها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن ينبغي أن يقال: هي أعم من ذلك، ليس المراد فقط الصدقة، بل حتى عبادة الأصنام يظنونها، ويش يظنونها؟
طلبة: تنفعهم.
الشيخ: تنفعهم؛ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨]، ومع ذلك هذا كله لا ينفعهم، سوف لا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه.
وقوله: وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُعند أيش؟ عند هذا السراب؛ لأنه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، هذا ظاهر السياق.
أما على رأي المؤلف فيجعل (وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُأي: عند عمله) تفريعًا على قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا؛ لأن (الذين كفروا) عام فكأنه قال: وَالَّذِينَ كَفَرُواأي: الكافر؛ عمله كذا وكذا، كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُأي:عند ذلك العمل؛ لقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْفَوَفَّاهُ حِسَابَهُ، ولكن ظاهر الآية أن الضمائر تعود على أي شيء؟
طالب: أقرب مذكور.
الشيخ: على أقرب مذكور، وهو هذا العطشان الذي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك.
وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِحِسَابَهُيعني: جزاء عمله، وقوله: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِأي: المجازاة، ما المراد بالسرعة هنا؛ هل المراد لقرب وقت المجازاة، فتكون السرعة زمنية، أو المراد إنجاز الحساب، فتكون السرعة عملية، أو كلاهما؟ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِهل المعنى أنه في محاسبته سريع، أو معناه حسابه للعباد قريب؟
طالب: يحتمل ويحتمل.
الشيخ: يحتمل كلهم، فالحساب قريب، حتى وإن طال في الدنيا بالإنسان فإنه قريب، قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]، وكذلك عندما يحاسب الله الخلائق يوم القيامة يحاسبهم في نصف يوم، كما قال الله عز وجل: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] استنبط العلماء من ذلك: أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذلك اليوم، ولكن على كل حال اليوم الذي أشار الله إليه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شيء فالله قادر على ما هو أبلغ من ذلك، لكن مع هذا هذه سرعة عظيمة وقدرة بالغة، حتى لو الخمسين ألف سنة خمسة وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إلى آخرهم ما بين آدمي وجني وطير وغيرهم في نصف يوم.
الآن لو يحاسب الإنسان شخصًا يعامله لمدة سنة، كم يبقى إذا كان الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة، وقد يكون الحساب مضبوطًا وقد لا يكون مضبوطًا، أما حساب الله عز وجل فهو مع سرعته لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
هذا مثلٌ لكافر عمل يريد التقرب إلى الله عز وجل، أو مثل آخر: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [النور: ٤٠] (أو) هنا ليست للشك بلا ريب، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى منزه عن الشك، الشك إنما يكون لقصور علم الإنسان، أو لقصور علم الشاك، أما الله عز وجل فعلمه واسع؛ يعني ما يمكن يقول الله سبحانه وتعالى: الذين كفروا أعمالهم إما مثل ذا أو مثل ذا، على سبيل الشك، كما تقول مثلًا: أنا رأيت هذا الشيء وهو يشبه كذا أو كذا، هذا لا يمكن أن يكون في حق الله عز وجل، إذن فـ(أو) للتنويع في قوله: أَوْ كَظُلُمَاتٍيعني: أو أعمالهم كظلمات، إلى آخره.
(أَوْالذين كفروا أعمالهم السيئة، كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّعميق، يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِأي: الموج، مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِأي: الموج الثاني، سَحَابٌأي: غيم، هذه ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍظلمة البحر، وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني، وظلمة السحاب) أربع ظلمات، (إِذَا أَخْرَجَأي: الناظر، يَدَهُفي هذه الظلمات، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاأي: لم يقرب من رؤيتها، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍأي: من لم يهده له لم يهتد).
هذا قسم ثانٍ من الكفار، الأول في حال الكافر المجتهد الذي يظن أن عمله ينفعه، وهذا الثاني في حال المقلد اللي ما يدري في ظلمة يسير معها العالمَ مع الكفار وهو لا يدري.
كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّالبحر معروف، واللجي: العميق، وكلما كان البحر أعمق كانت ظلمته أشد، هذا أيضًا يَغْشَاهُ مَوْجٌيَغْشَاهُبمعنى: يغطيه، يغطي هذا الكافر موجٌ، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌأيضًا أمواج عالية، مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ.
مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌويش حد الموج الثاني من الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: عند البحر؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أنا قصدي علوه؛ لأنه في الحقيقة سيكون أظلم كلما علا، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ: الماء.
طالب: (...).
الشيخ: من أين هذا؟
الطالب: من السحاب.
الشيخ: السحاب فوق، لا قصدي مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، أمواج، لكن هل المانع الموج الثاني، ويش اللي يميزه من الموج الأول؟
الطالب: (...).
الشيخ: زين، هذه واحدة، إما أن يقال بالاتجاه؛ يعني يتلاقوا؛ واحد من هنا جاي، والثاني أعلى منه جاي من جهة ثانية، علشان يتبين علو هذا على ذاك، أو أنها أمواج متلاحقة؛ يعني مثلًا موج مقبل (...) الجبال، ووراءه موج آخر أرفع منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، أما أنه موج واحد ما يمكن يسبق بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الأمر كذلك؛ تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إذا انعكس الهواء تتقابل، وأحيانًا تتلاحق، لكن هذه المتلاحقة أيضًا تجد -سبحان الله العظيم- أحيانًا مثل الدرج؛ يعني: بعضها فوق بعض، هذا هو ما ضربه الله سبحانه وتعالى في المثل.
مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌوالسحاب في الحقيقة مراتب في الجو، ما هو على ظننا أنه في طبقة واحدة، لا، في طبقات متباعدة جدًّا، وهذا يعرفه الإنسان إذا ركب الطائرة، يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطائرة من أسفل مثل ما بين السحاب والأرض، وسحاب من فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطائرة والأرض، وهو بينهما، وهذا شيء معروف مشاهد، فالظاهر -والله أعلم- أن قوله: مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌمثل قوله: مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ؛ بمعنى أن السحاب يكاد يكون ملاصقًا لهذه الأمواج، ومنه الضباب؛ الضباب لا شك أنه يقرب من سطح البحر.
طالب: ما (...) بعيد عن البحر (...) قد يحجب الرؤية (...) سواء كان..؟
الشيخ: نعم، يمكن، سواء كان قريبًا.
الطالب: (...) فيحدث الظلمة، أو قريب من الغروب فهي معه.
الشيخ: ما فيه شك، لكن أيهما أشد؟
الطالب: إذا قرب.
الشيخ: إذا قرب أشد، ويمكن أيضًا أن يراد بالسحاب ما يشمل الضباب؛ لأن حقيقة الأمر أن الضباب سحاب؛ لأنه ينسحب على الأرض، فإذا تبين ذلك صارت الظلمة واضحة جدًّا لكثرتها.
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍالتهويل في هذا المثل؛ يعني كان يكفي أن يقول: مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ، لكن لأجل تهويله في النفس وبيان عظمته قال: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
ثم ضرب مثلًا فقال: إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، ويش أقرب شيء لك؟ من أقرب ما يكون لك اليد، بل هي أقرب شيء لك من الأعضاء المتحركة التي يمكن أن تُرى، يمكن أن تخرج ويمكن ما تخرج، إذا أخرجت يدك، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، أيش رأيكم هل معنى لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاأنه يراها بصعوبة أو لا يراها؟
طالب: يراها.
طالب آخر: لا يراها.
الشيخ: لا يراها، طيب فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] ذبحوا ولَّا ما ذبحوا؟
طلبة: ذبحوا.
الشيخ: طيب.
طالب: يراها.
الشيخ: يراها بصعوبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول النحويون تقريبًا: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، فإذا قلت: لم أكد أفعل، فمعناه: فعلت لكن بَعد بُعد، ولَمْ يَكَدْ يَرَاهَاعلى هذه القاعدة: رآها لكن بَعد بُعد الرؤيا وصعوبتها، لكن الظاهر كما قال آخرون من النحويين: إن (كاد) نفس الشيء مثل غيرها؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن هي بمعنى (قارب)، فإذا قلت: كدت أفعل؛ أي: قاربت أن أفعل، هل أنت فعلت ولَّا لا؟
طالب: ما فعلت.
الشيخ: ما فعلت، لكن قاربت، فهل هي أتبتت ولَّا نفت الآن؟ أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفعل من المقاربة، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاأي: لم يقرب أن يراها، كما قال المؤلف أو المفسر، لم يقرب أن يراها، إذن إذا كان ما يقرب يراها فانتفاء الرؤيا من باب أولى وأحوط، كذا؟
وأما قوله تعالى: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] فهذا لولا قوله: ذَبَحُوهَاما دلت الآية على أنهم ذبحوها، لكن معنى ذَبَحُوهَا: بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح وما قصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة: ٦٧] بَعد هذا البُعد عن الفعل، وبعد أن أجيبوا لطلباتهم ذبحوها، فهمتم الآن؟ تصير الآية على ما هي عليه.
و(كاد) أيضًا كغيرها من الأفعال؛ نفيها نفي، وإثباتها إثبات، لكن لما كانت تدل على القرب صار الرجل إذا قال: كدت أن أفعل، معناه: ما فعل؛ لأن كلمة قاربت الفعل؛ يعني: ولم أفعل، لم أكد أفعل، إذا ما سبق شيء يدل على الفعل فإنه يقينًا ما فعل، مثل قول عمر: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر، إذن صلاها ولَّا ما صلاها؟
طالب: صلاها.
الشيخ: لا، ما صلاها، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب ؛ يعني: ما قاربت صلاة العصر حتى قاربت الشمس الغروب، فلما قاربت الشمس الغروب قاربت صلاة العصر، هو ما صلى إلا بعد الغروب مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن كأنه في الأول ما تهيأ له أن يقرب من الصلاة، فضلًا عن أن يصليها، المعنى: أني انشغلت؛ شغلهم الكفار إلى قرب غروب الشمس، فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصلاة يا إخواني بالتهيؤ لها، يقول: ما تهيأت ولا تهيؤ للصلاة حتى قاربت الشمس أن تغرب؛ ولهذا صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاة العصر بعد غروب الشمس.
فالحاصل إذن أن الصحيح خلاف ما قاله بعض النحويين: إن (كاد) إثباتها نفي ونفيها إثبات، بل الصواب أن (كاد) كغيرها، ويش كغيرها؟ من أن إثباتها إثبات ونفيها نفي، لكنها هي بمعنى المقاربة؛ ولهذا هي عدَّت عند النحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشيء فإنه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنه مقارب له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ لأن كلمة: قاربت الفعل؛ أي: ولم أفعله، هذا معناه.
فإذا قيل: لم يكد يفعل كذا ولم يسبق ما يدل على فعله، فإنه لم يفعله، فإن سبق ما يدل على فعله مثل: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا [البقرة: ٧١] دل ذلك على أنهم كانوا قبل الذبح بعيدين عن الامتثال ولا كادوا يفعلون، إلا أنه بعد الإلحاح وبعدما قالوا: يبين لنا، وبُيِّن كما طلبوا، بعد ذلك أجيبوا؛ ولهذا في الحقيقة هذه مثلٌ ينبغي للإنسان أن يعتبره بنفسه أنه عندما يؤمر بالأمر لا يجب (...) على نفسه وراء كذا وراء كذا؛ لأن هذا خطير، وقد قال الله عز وجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]؛ ولهذا يجب على المسلم إذا علم بالشرع أن يستسلم، ولا بأس فيما بعد فيما يقرر على نفسه أنه ملتزم، لا بأس فيما بعد أن يتعلم الحكمة؛ لأن السؤال عن الحكمة لا ينافي الانقياد لكن المهم، ويش المهم؟ أن يستسلم أولًا، ولا يورد إيرادات وشبهات، ولم كذا؟ ولم كذا؟ ثم بعد ذلك يسأل إذا شاء.
(...) سبق أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أن أعمال الكفار تنقسم إلى قسمين؛ قسم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وقسم آخر كظلمات في بحر لجي، وهذا التقسيم وهذا التنويع باعتبار حال الكفار، فالأول -والله أعلم- لمن عنده فهم واجتهاد، والثاني لمن عنده جهل وضلال كعوام (...).
سراب بقيعة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ويش هي تكون؟
طالب: الفلاة من الأرض.
الشيخ: الفلاة من الأرض، (القاعة) جمع (قاع) وهي الفلاة من الأرض؛ يعني: الأرض الواسعة البعيدة اللي بقاع (...)، قاع ولَّا لا؟ (...) القاع: الأرض الغوراء.
ما هو السراب؟
طالب: السراب هو (...).
الشيخ: كأنه ماء (...).
ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟
طالب: (...).
الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه.
قوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [النور: ٣٩] الضمير في عِنْدَهُيعود على أي شيء ؟
طالب: العمل.
الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الظمآن.
البحر اللُّجِّي ويش معناه؟
طالب: العميق.
الشيخ: العميق، طيب.
مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌكيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟
الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و..
الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح.
مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ما هذه الظلمات ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؟
طالب: (...).
الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم.
قوله لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؟
طالب: لم يقرب يراها.
الشيخ: زين، ونفي القرب؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟
ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك.
ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟
طالب: قول الله تعالى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١].
الشيخ: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.
هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟
طالب: (...).
الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل..
طالب: (...).
الشيخ: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَيعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا.
الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا.
الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب.
طالب: (...) قال تعالى: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَأي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب..
الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال.
الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم.
الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَأي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا.
الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، الفعل منين هو معلوم؟
الطلبة: فَذَبَحُوهَا.
الشيخ: فَذَبَحُوهَايعني لولا قوله تعالى: فَذَبَحُوهَاما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول ما لم يوجَدْ دليلٌ.
إذن لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاإذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها.
ثم قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍيعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ.
(فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍأي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ).
جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟
الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـمِنْالزائدة بقوله: مِنْ نُورٍ؛ لأن مِنْزائدة، ونُورٍمبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور.
فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه!
ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، واتلُ قول الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْايعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍهذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟
طالب: (...).
الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه..
طالب: بسبب نفسه.
الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟
الطلبة: الاستمرار.
الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـمِنْالزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية.
مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.
ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٤١] أَلَمْ تَرَالهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك.
أَلَمْ تَرَيعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.





