تفسير سورة النور - 10
عدد الزيارات 1599

عناصر المادة :
تفسير الآية (41)
تفسير الآية (42)
تفسير الآية (43)
تفسير الآية (44)
تفسير الآيتين (45-46)

(...) لا تعَلُّق لمشيئة الله به، حتى إن بعضهم أنكر العلم؛ غُلَاتهم أنكروا علمَ الله وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم بأعمال العبد إلا بعد أن يفعلها، أما قبل ذلك فإنه لا يعلم. سبحانه وتعالى، وأنكروا النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات علم الله سبحانه وتعالى في كلِّ شيء، حتى في أعمال الإنسان.
وفيه أيضًا -قوله: بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور: ٣٨]-: كثرة رِزْق الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب، وليس معنى (بلا حساب) بلا تقدير، لماذا لا نقول ذلك؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن الله يقول: كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد: ٨]، حتى القطْرة اللي تنزل من السماء إلى الأرض هي مقدَّرة عند الله سبحانه وتعالى، ولكن بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ أي إنه لا يكافئ الإنسانَ بحساب، بل بكثرةٍ كثيرةٍ (...).

***

ما هو وجه الشبه بين أعمال هؤلاء الكفار وهذا السراب؟
طالب: (...).
الشيخ: فيخونه أحوج ما كان إليه.
قوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [النور: ٣٩] الضمير في عِنْدَهُيعود على أي شيء ؟
طالب: العمل.
الشيخ: على رأي المؤلف: على العمل، فيكون هنا عائدًا على المشبَّه دون المشبَّه به، ويحتمل أنه عائدٌ على المشبَّه به؛ يعني: وَجَدَ -هذا الظمآن- وَجَدَ اللهَ عنده –أي: عندَ هذا السَّراب- حينما مات من العطش فوفَّاه اللهُ حسابَه.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الظمآن.
البحر اللُّجِّي ويش معناه؟
طالب: العميق.
الشيخ: العميق، طيب.
مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌكيف كانت فوقيَّة الموج الثاني؟
الطالب: إما أن يكون (...) من تغير الرياح، وإما أن يكون أمواجًا متلاحقة؛ الأولى تلحقها الثانية و..
الشيخ: وتعلو عليها، نعم، صحيح.
مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، ما هذه الظلمات ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؟
طالب: (...).
الشيخ: ظلمة الموج الأول، ويش بعد؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...) ظلمة الموج الأول، والثاني، والسحاب. وإنْ كان في الليل زادتْ الظُّلَم.
قوله لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؟
طالب: لم يقرب يراها.
الشيخ: زين، ونفي القرب؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن نَفْيه للحقيقة؛ يعني: نَفْيُ قُرْب الرؤية نَفْيٌ للرؤية، كذا ولَّا لا؟
ما قاله بعض النحويين مِن أنَّ (كاد) نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، هل هو صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لكنْ باللازم يكون كذلك.
ويش حُجَّتهم التي قرَّروا بها هذا الشيء؟
طالب: قول الله تعالى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١].
الشيخ: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.
هَلْ في الآية دليلٌ على ما قالوا؟
طالب: (...).
الشيخ: هم يقولون: ذبحوها وما كادوا يفعلون، لكنْ فعلوا.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني معناه أنَّ الفِعل..
طالب: (...).
الشيخ: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَيعني: ما قاربوا أنْ يفعلوا، لكنهم فعلوا.
الطالب: الحقيقة أنهم فعلوا.
الشيخ: إي، ما يكفي هذا الجواب.
طالب: (...) قال تعالى: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَأي إنه نُفِيتْ سَلَفًا، نُفِيت بقوله: (...)، لكنها نُفِيتْ (...)، لكنهم فعلوا، فدلَّ ذلك على أنَّ (...) على رأيهم لها منحًى خاصٌّ (...)؛ لأنها إذا نُفِيتْ تدلُّ على الإثبات، إذا نُفِيَ القُرب..
الشيخ: نَفْيها إثباتٌ وإثباتها نَفْيٌ، إي نعم، هذا استدلالهم بالآية، كيف نَرُدُّ عليهم؟ هذا السؤال.
الطالب: في الآية نَفْيُ المقاربة، أي أنهم ذبحوها بعدما قاربوا ألَّا يفعلوا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: بعض النحويين ما هم كلهم.
الطالب: إي نعم، الذين يقولون: إن معنى هذا؛ معنى قول الله عز وجل: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَأي: ما كادوا قَبْل الفعل، كانوا بعيدين، والمراد: وما كادوا يفعلون قَبْل الفِعل؛ كانوا بعيدين، ما قاربوا أن يفعلوا.
الشيخ: نعم، إي، فَهِمتُ (...) هُمْ يقولون: أليسوا قد فعلوا؟ بلى، لكن فِعْلهم ليس معلومًا من قوله: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، الفعل منين هو معلوم؟
الطلبة: فَذَبَحُوهَا.
الشيخ: فَذَبَحُوهَايعني لولا قوله تعالى: فَذَبَحُوهَاما فَهِمْنا أنهم ذبحوها، لَفَهِمْنا أنهم ما ذبحوها ولا قاربوا أن يذبحوها، فإذَنْ الآيةُ ليس فيها دليلٌ، وأنتَ إذا قلتَ: ما كدتُ أفعلُ كذا. معناه ما قاربْتَ أن تفعله، وإذا لم تُقارِبْ أن تفعله فلسْتَ بفاعلٍ له، لكنْ إنْ وُجِدتْ قرينةٌ تدلُّ على فِعْلك فهذه القرينة هي التي تدلُّ على الفعل؛ لو قلتَ: وصلْتُ إلى البلد وما كِدْتُ أنْ أصِلَ. دلَّ على وصولك، لكن ما هو على (...) لكن كونك وصلْتَ إلى البلد، لو قلتَ: سِرتُ إلى البلد ولم أَكَدْ أَصِل، ويش يصير، هل يكون واصلًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يكون واصلًا ولا مُقارِبًا للوصول مالم يوجَدْ دليلٌ.
إذن لَمْ يَكَدْ يَرَاهَاإذا أخرجَ يَدَه في هذه الظُّلُمات لم يَكَدْ يراها. ويش معنى لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا؟ لم يُقارِبْ أن يراها، وإذا لم يُقارِبْ أنْ يراها فإنه لم يَرَها.

***

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍيعني: الذي لم يجعل اللهُ له نورًا لم يَكُنْ له نورٌ.
(فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍأي: مَنْ لم يَهْدِهِ اللهُ لم يهتدِ).
جعل المؤلِّف هنا النورَ نورًا معنويًّا؛ أي: مَن لم ينوِّر اللهُ قَلْبَه للعِلْم والإيمان فلا أحد ينوِّر قَلْبَه؛ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ.
مثل هذه الآيات التي يذكرها الله سبحانه وتعالى «مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» وما أشبه ذلك، ويش الغَرَض منها؟ هل الغَرَض منها تقرير مذهب الجبرية كما استدلُّوا بها، أو الغرض شيءٌ آخر؟
الجواب قطْعًا: ليس الغرض مِن ذلك تقرير مذهب الجبرية؛ لأن الجبرية مذهبهم باطِلٌ يُبْطله الحِسُّ الشرعيُّ، والعقلُ، والفِطْرة، لكن الغرض مِن ذلك ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يكون دائمًا يلجأُ إلى الله عز وجل في طلبِ الهداية وطلبِ النور وطلبِ التوفيق وغير ذلك، وإلا فمِن المعلوم أن الله تعالى لا يقرِّر أمرًا باطلًا يُبْطله العقلُ، والحسُّ، وعلى كل حالٍ يقول الله عز وجل: إذا لم يجعل اللهُ للإنسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وأتى بالجملة الاسمية الدالَّة على أيِّ شيء؟ على الثبوت والاستمرار؛ فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وأكَّد انتفاءَ النور عنه بـمِنْالزائدة بقوله: مِنْ نُورٍ؛ لأن مِنْزائدة، ونُورٍمبتدأ مؤخَّر؛ أي: فليس له نور.
فإذن نعلمُ بهذا أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يتصرَّف في مُلْكه كما يشاء، وأنَّ مَن أعطاه اللهُ النورَ فهو على نورٍ مِن ربِّه، ومَن لم يُعْطِه اللهُ نورًا فما له من نورٍ، ومِنْ أين يأتيه النورُ وقد حَجَبَ اللهُ النورَ عنه!
ولكن اعلم أيضًا أنَّ حَجْبَ اللهِ النورَ عن العبد ليس منعًا لفضْله تبارك وتعالى؛ فإنه ذو الفضل العظيم، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع، والهدايةُ أحبُّ إليه من الإضلال، ولكن لأنَّ المرء نفسه هو الذي منع عن نفسه هذا النور؛ واتلُ قول الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، واتلُ قول الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْايعني عن الحقِّ وأعرضوا عنه فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩] يتبيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجْبَ النورِ عنه بسبب نفْسه، هو الذي -والعياذ بالله- لم يَهْتدِ، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ هذه تدلُّ على أنه ينبغي بلْ يجبُ على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأن يسأله أن ينوِّر قَلْبَه؛ لأن مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍهذا منطوق الآية، مفهوم الآية: مَن جَعَلَ اللهُ له نورًا فلا أَحَدَ يحجب عنه نورَ الله عز وجل. إذَنْ الآية الكريمة تدلُّ على أمرين؛ أحدهما منطوقٌ، والثاني مفهومٌ. المنطوق؟
طالب: (...).
الشيخ: من حَجَبَ اللهُ النورَ عنه..
طالب: بسبب نفسه.
الشيخ: لا، (بسبب نفسه) ما هو من الآية، نحن قيَّدناها به. فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وقُلنا: أتى بالجملة الاسمية، تدل على أيش؟
الطلبة: الاستمرار.
الشيخ: الثبوت والاستمرار. وأكَّد انتفاء النورِ عنه بأيش؟ بـمِنْالزائدة؛ لأن (مِن) الزائدة تفيد العموم، هذا منطوق الآية.
مفهومها: مَن جَعَلَ الله له نورًا فلا أَحَدَ يحجبه عنه، فلا حاجب عنه من نوره تبارك وتعالى.
تفسير الآية (41)

ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٤١] أَلَمْ تَرَالهمزة للاستفهام الداخل على النفي، وإذا دَخَل الاستفهام على النفي أفاد التقرير؛ مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] يعني: قد شَرَحْنا لك صدرَك.
أَلَمْ تَرَيعني: قد رأيتَ، فهمزة الاستفهام إذا دخلَتْ على النفي تفيد التقرير؛ أي: إثبات ما ذُكِرَ لا نَفْيه؛ مثلًا قال الله (...) نبيه صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. ويش معنى أَلَمْ نَشْرَحْ؟ يعني: قد شرحنا لك صدرك؛ يُقرِّر الله تعالى أنه شَرَح صدرَ النبي صلى الله عليه وسلم.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الحج: ٧٠] ويش معناه؟ قد علِمْتَ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُيعني: قد رأيتَ.
وقوله أَلَمْ تَرَهل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكلِّ من يتأتَّى خطابه؟
طالب: لكله.
الشيخ: الظاهر العموم؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، لا: أيها النبي؛ لأن ذلك أشمل وأعمُّ.
وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ، هل هذه الرؤية بصرية أو عِلمية؟
الطلبة: عِلمية.
الشيخ: إذا جعلتَها بصريةً صارتْ هذه الرؤية خاصةً بما يُفعَل لا بما يُقال ولا بما يُعلَم بالعقل، وإذا جعلْتَها عِلميةً شملتْ ما يُعلَم بالقول وبالبصر وبالذِّهن، وحينئذ أيهما أَوْلى؟
الطلبة: عِلمية.
الشيخ: أن تكون علمية؛ يعني: ألَمْ تَعْلم؛ سواء كان عِلمك عن طريق المشاهدة بالبصر، أو عن طريق السمع بالأُذُن، أو عن طريق الاستنتاج بالعقل والتفكير. فعليه نقول: المراد بالرؤية هنا، أيش؟ العِلم؛ ألَمْ تعلم، سواء كان هذا العلم عن أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: عن الرؤية بالعَيْن، أو السمع بالأُذُن، أو الاستنتاج بالعقل والفكر، وهذه الثلاثة هي طُرُق العلم؛ كما قال الله عز وجل: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦].
إذَنْ: ألَمْ تَعْلم عِلمًا ناتجًا عن هذه الأمور الثلاثة أو عن واحدٍ منها أنَّ الله يُسبِّح له مَن في السماوات والأرض.
(ومِن التسبيح صَلاةٌ.) كذا عندكم (صلاةٌ) بالتنكير؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم. يُسَبِّحُ لَهُ مَنْأتى بـمَنْالتي للعاقل لأنَّ التسبيح أظهر للعُقَلاء مِن غير العُقَلاء، وهذا التسبيح يشمل التسبيح بالقول وبالحال؛ بالقول نقولُ: سبحان الله. وبالحال أنك إذا تأمَّلْتَ خَلْقه وما جُبِلَ عليه علِمْتَ بذلك أن الله تعالى مُنَزَّهٌ عن العَبَث وعن النقائص، يُسمَّى هذا تسبيحًا بأيش؟ بالحال.
إذا قلنا: التسبيح بالمقال، فمِن المعلوم أن الكافر لا يُسبِّح الله بمقاله؛ يعني ما يقول: سبحان الله. لأنه يَصِفُ الله بالعيب ويجعل مع الله شريكًا، لكنه مسبِّحٌ لله بحاله؛ فإن حاله وما جُبِل عليه وانصرافَه عن الحقِّ مع وضوحه وما أشْبَهَ ذلك، كل ذلك مما يدل على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى حكمته.
وقوله: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيشمل الملائكة ولَّا لا؟
الطلبة: يشمل.
الشيخ: يشمل الملائكة. وتسبيح الملائكة لم نَعْلمه نحن عن طريق الرؤية، ولكن عن طريق الوحي الذي يقوم بالسَّمْع؛ سَمِعنا مِن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تُسبِّح الله، وسمعنا قول الله عز وجل أن الملائكة تُسبِّح الله إلى آخره.

***

قال: (وَالطَّيْرُجمع طائرٍ بين السماء والأرض. صَافَّاتٍحالٌ؛ باسطاتٍ أجنحتهن).
وَالطَّيْرُمعطوفة على أيش؟ على مَنْ؛ يعني: وتُسبِّح له الطير. وصَافَّاتٍحالٌ من الطير؛ يعني هي أيضًا تُسبِّح الله سبحانه وتعالى في حالِ صفوفها؛ أي: صَفِّ أجنحتها؛ أي: بَسْطها.
هذا التسبيح حالِيٌّ ولَّا مقالِيٌّ؟
طالب: حالِيٌّ.
الشيخ: نحن نعلمه حالِيًّا، ولكن ربما يكون أيضًا مقالِيًّا؛ ربما أنها في حالةِ مَدِّ أجنحتها وبَسْطها تُسبِّح الله لأن الطير لها نُطْق؛ قال الله تعالى: عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: ١٦]، فكُلُّ شيء ينطِق، حتى الحصى ينطِق، وقد سُمِع تسبيح الحصى بين يَدَيِ الرسول صلى الله عليه وسلم ، كلُّ شيء يُسبِّح، بل قال الله في آية أخرى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] وهنا قال: يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ، ولم يَذْكر السماوات، ولم يُعمِّم؛ في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأن هناك قال: وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وهنا قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ، فأثبَتَ عِلْمنا بهذا التسبيح، وهو ليس شاملًا كما في الآية الثانية.
الطَّيْرُ صَافَّاتٍأما تسبيح الطير صافاتٍ بلسانِ المقال فهذا ما نَعْلمه، لكن بلسان الحال نَعْلمه؛ فإن صفوفها في الهواء بين السماء والأرض وعدم سقوطها، واتجاهها يمينًا وشِمالًا والرياحُ مع عُصُوفها لا تحجبها عما تريد؛ هذا مما يدل على كمال قدرة الله عز وجل.
الرياح التي تُقَلْقِل الجبال والسيارات ما تحجب الطائر عن اتجاهه، هو يتَّجِه مُعاكِسًا للرياح -وهذا شيءٌ مشاهَدٌ- ولا يُبالِي، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، هذا الطير الضعيف الصغير اللي يمكن الريح تَحمِله إذا كان متَّجِهًا ما ترُدُّه الرياح، هذا من تمام قدرة الله عز وجل.
ومِن تمام القدرة أيضًا أنَّك تَجِدُه في أيام الشتاء الباردة القارسة تَجِدُه يطير بين السماء والأرض بهذه السرعة وفَوْقَ أيضًا ولا يتأثَّر بهذا البرد، كل ذلك دليلٌ على كمال قدرة الله.
ثم أعظم من هذا قال: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَاللَّهُ{صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ).
كُلٌّ قَدْ عَلِمَعَلِمَفِعلٌ ماضٍ، فيها ضمير مستتر يعود على من؟
الطلبة: (...).
الشيخ: كلام المؤلف: يعود على الله؛ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَأي: قد علم الله صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والقول الثاني: أن فاعل عَلِمَيعود على مَنْوما عُطِف عليه؛ يعني: يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّمِنْ هؤلاء المسبِّحِينَ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُيعني أن الله تعالى أَلْهَمَ هذه الأشياء حتى عَرَفَتْ كيف تُسبِّح الله عز وجل وكيف تصلِّي له، وأما عِلْم الله بذلك فمفهوم من قوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
وعلى رأي المؤلف يكون في الآية شِبْه تكرار؛ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَهذه الجملة هي الأولى على رأي المؤلف، ولهذا الصحيح أنَّ قوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَأي: كلٌّ مِن هؤلاء المسبِّحِينَ قد عَلِم هو نفسُه صلاتَه وتسبيحَه، بأيِّ شيءٍ عَلِم؟
أمَّا بالنسبة للبَشَر -وكذلك الجن- فقد عَلِموا عن طريق الرُّسُلِ؛ الرُّسُلُ أرسلهم الله ليُعَلِّموا الناس كيف يُصَلُّون وكيف يُسبِّحون الله عز وجل، وأمَّا البهائم والحيوانات الأخرى فإنها عَلِمَتْ صلاتها وتسبيحها بما أَلْهَمَهَا الله عز وجل، ولكُلٍّ منها صلاةٌ وتسبيحٌ خاصٌّ؛ قال الله سبحانه وتعالى على لسان موسى ردًّا على فرعون: مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىفقال: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٤٩، ٥٠]؛ إن هذه الهداية كما تشمل الهداية للأمور التي تَحفظُ أجسادَها كذلك يصِحُّ أن تشمل الهدايةُ للأمورِ التي أَلْهَمَهَا الله سبحانه وتعالى من التسبيح والصلاة، إذن الصوابُ أن الفاعل في عَلِمَيعود على مَنْ؟
طالب: (...).
الشيخ: على الْمُسَبِّح.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، وأمَّا عِلم الله بما فعله.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هذا مفهوم من قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَقال: (فيه تغليب العاقل).
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَيقول: (فيه تغليب العاقل)، ويش تقولون؟ لأن يَفْعَلُونَالواو للعاقل، ومعلومٌ أن من في السماوات يشمل العاقل وغيرَه، لكن الآية غُلِّب فيها العاقل بالأول وبالثاني؛ مَنْيُسَبِّحُ لَهُ مَنْهذه للعاقل، كذلك يَفْعَلُونَللعاقل، ففيها تغليب العاقل، والسبب في ذلك والله أعلم أن التسبيح والصلاة في العاقل أظهر منها في غير العاقل، فلذلك غُلِّب، وإلا فغير العُقَلاء في الأرض أكثر من العُقَلاء، (...) الحيوانات والحشرات.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، إلا إذا دلَّ الدليلُ على أنه في لسان المقال؛ مثل مَن قال: سبحان الله، مَن سبَّح اللهَ وما أشبه ذلك، هذا بلسان المقال، من سبَّح الله ثلاثًا وثلاثين دُبُر الصلاة.
طالب: (...).
الشيخ: هذه مثل ما أنه أحيانًا يُذكَر بعد العموم، كذلك أحيانًا يُذكَر بعده العموم، مما يدلُّ على أن الصلاة من أهم الأعمال، لكنْ سبحان الله العظيم! يعني شوف حتى الحيوانات تُصلِّي؛ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، ولكن صَلاتها ما ندري عددها؛ هي مثل صلاتنا أم تختلف، المهم أنَّ لها صلاةً ولها تسبيحًا ولكنه خاصٌّ بها؛ قد عَلَّمها الله سبحانه وتعالى كيف تُصلِّي وكيف تُسبِّح وعَلِمتْ صلاتَها وتسبيحَها.

***

تفسير الآية (42)

ثم قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِخزائن المطر والرزق والنبات). (...).
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأوَّلًا: قوله: وَلِلَّهِهو خبر مقدَّم، ومُلْكُمبتدأ مؤخَّر، وقد عُلِم مِن القاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصْر؛ القاعدة عند أهل العِلم أنه اذا قُدِّم شيءٌ مِن حقِّه أن يؤخَّر دلَّ ذلك على الحصر في هذا المقدَّم؛ يعني حصر المؤخَّر في المقدَّم؛ إِيَّاكَ نَعْبُدُأيش معناه؟
طالب: أي: لا نعبد إلا إياك.
الشيخ: أي: لا نعبد إلا إياك، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُلا نستعين إلا إياك، فإذا قُدِّم ما حقُّه التأخير كان ذلك دليلًا على حصر الشيء فيه.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِبناءً على هذه القاعدة، ويش تفهم؟ أن مُلْك السماوات والأرض لِمَن؟
طالب: لله.
الشيخ: وحده ولَّا معه غيره؟
الطالب: وحده.
الشيخ: وحده، من الحصر لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ.
وقوله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِهذا شاملٌ لِمُلك الأعيان والتصريف؛ فـمُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأعيانهما لله، والتصريف والتسيير أيضًا لِمَن؟ لله، وتخصيص ذلك بخزائن الرزقِ والنباتِ والمطرِ هذا لا وجْهَ له إطلاقًا؛ فالله تعالى له مُلك السماوات والأرض خَلْقًا وتدبيرًا، الأعيانُ والتصريفُ لله وحدَه، ويدلُّ على ذلك ما فيها من الانتظام وعدم الاضطراب وعدم التناقض، ولهذا استدلَّ الله سبحانه على وحدانيَّته بقوله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًالو كان معه إلَهٌ لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، صحيحٌ؛ ما دام إلَهٌ لازم يكون له مَمْلكته وحدَه، وفي النتيجة وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١] فإذا علا بعضُهم على بعضٍ فلِمَن تكون الألوهيَّة؟ للعالي بلا شكٍّ، ونحن نرى بعَيْنِ اليقين أنه لم يتميَّز الْخَلْق بعضُه على بعضٍ، وأن العالم العُلْويَّ والسُّفْليَّ كُلُّه وحْدةٌ، كُلُّه كُتلةٌ واحدةٌ مُسَخَّر بعضُه لبعضٍ، ويتمُّ بعضُه ببعضٍ، ولا يتناقض ولا يتنافر، فلهذا كان العَقْل والمشاهدة دليلَيْنِ على وحدانيَّة الله عز وجل.
ثمَّ لا يمكن أيضًا تعدُّد الآلهة؛ لا بدَّ أحدهما يغلب؛ لأنهما إن تمانَعَا -هذا دليلٌ عقليٌّ جدًّا، معروف- إن تمانَعَا وعجز كلُّ واحدٍ منهما عن الآخَر، ويش صارا؟ صارا غير مستحقَّيْنِ للألوهيَّة، (...) رب، ما دام كل واحد عجز، الرب ما يكون عاجزًا، وإنْ غَلَب أحدُهما الآخرَ صار وحدَه الربَّ والإلهَ، فإذن لا بد أن يكون إلهًا واحدًا؛ لأنه إما أن يَغلِب فتكون الألوهيَّة له، وإما أن يعجز والثاني يعجز أيضًا فلا يَصْلح كلٌّ منهما أن يكون ربًّا؛ لأن الرب لا بد أن يكون قادرًا، وهذا من أَبْيَنِ الأدلَّة وأوضحها.
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِإذا قال قائل: أليس الله تعالى يقول: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون: ٦]، ويقول: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ، فأثبَتَ للإنسانِ ملْكًا، وأنتم تقولون: إن مُلْك السماوات والأرض خاصٌّ بالله بدليلِ الحصر، فكيف الجمع؟
الجواب: الْمُلْك هذا مقيَّدٌ، ليس مُلكًا مطْلقًا، ومَن الذي ملَّكَكَ؟ اللهُ تعالى هو الذي ملَّكَكَ هذا الشيءَ على قَدْرٍ محدودٍ أيضًا؛ أنت إذا كُنتَ تَمْلكُ هذا الْمُسَجِّل مثلًا تَمْلكه وتبيعه وتشتريه، تنتفع به، هذا واضحٌ، لكن هل تَمْلك أنك تكسره؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، بالنسبة للمخلوقِين تَملِك، لكن بالنسبة لله ما تَملِك، لا يجوز لك أن تكسره؛ لأنك ممنوعٌ من قِبَل الله، لكن الله عز وجل هل يملِك أن يُتلِف مَن على البسيطة ولَّا لا؟
نعم؛ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥]، فتبيَّن بهذا أن مُلْكي للشيء منين؟ مِن الله هو اللي مَلَّكَني، هذه واحدة، والشيء الثاني: مُلكٌ محدودٌ، مقيَّدٌ، وعلى هذا فلا منافاة بين ما أثبَتَ الله تعالى للإنسان من الْمُلْك، وما أثبَتَ لنفْسه من الاختصاص بالْمُلْك. واضح؟ ولهذا قال بعض أهل العِلم: كلُّ شيءٍ أُضيفَ مُلْكه للإنسان فهو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة؛ لأن المالك في الحقيقة من هو؟ اللهُ سبحانه وتعالى، وأنا مالكٌ مجازًا، لأني ما أتصرَّف في هذا الشيء إلا كما أُمِرتُ أو كما أُذِنَ لي، ما أتصرَّف تصرُّفًا مطْلقًا.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ: المرجِع).
هذا فيه تنبيهٌ على أنه سبحانه وتعالى مالكٌ للأوَّلِ والآخِر؛ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِابتداءً، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُانتهاءً.
وفيه -والله أعلم- إشارةٌ إلى أنه إذا كان الْمُلْك لله والمرجع إليه فإنه لا يَحِلُّ لنا نحن أن نتصرَّف إلا حسب ما أيش؟ ما شُرِعَ لنا، ما دُمْنا ملْكًا لله عز وجل، نحن الآن ملْكٌ لله، أليس كذلك؟ ومصيرنا إلى مَن؟ إلى الله، إِذَن ما دُمْنا ملْكَه، ومصيرنا إليه فالواجب ألَّا نتصرَّف إلا حيث شَرَع لنا؛ لأنه ما دُمْتَ تعلم أنك ملْكٌ له فهو الذي يدبِّرك: افعل كذا، لا تفعل كذا. وما دُمْتَ تعلم أيضًا أن مصيرك إليه فلا بد أن تستعِدَّ لهذا المصير لأنه سوف يحاسبك.
وقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُفيه أيضًا ما في قوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، لكن إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [النور: ٤٢] إعراب إِلَى اللَّهِويش محلها من الإعراب؟
الطالب: (...).
الشيخ: خبر مقدَّم، والْمَصِيرُمبتدأ مؤخَّر، وتقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، كُلُّ شيءٍ حقُّه أن يتأخَّر إذا قدَّمْته معناه أنك تريد أن يكون ما بَعدَه محصورًا فيه، فإذَن المصير إلى الله، مهما طار الإنسانُ ومهما حلَّقَ في الخيال وفي التفكير ومهما بقِي في الدنيا فإن مصيره إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة: ٢٢٣] يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، مُلاقاة الله عز وجل والمصير إليه أمرٌ لا بد منه، حَتْميٌّ، كما أن وجودنا مِن الله فكذلك أيضًا انتهاؤنا إلى الله عز وجل.
ويحتمل أن قوله: الْمَصِيرُليس المراد مصير الناس في الآخرة فقط، بل مصير الأمور كُلِّها؛ يعني: المرجع إلى الله في كلِّ شيء، كلُّ شيء صائرٌ إلى الله، فهو سبحانه وتعالى هو الذي يدبِّر ويفعل ما شاء.

***

تفسير الآية (43)

ثم قال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا[النور: ٤٣] يسوقه برِفْقٍ).
أَلَمْ تَرَأيضًا الخطاب لِمَن؟ لكُلِّ مخاطَبٍ؛ أَلَمْ تَرَ أيها المخاطَب، و(ترى) هنا بَصَريَّة، ولا عِلميَّة؟
طالب: بَصَريَّة.
الشيخ: أنا ما أعرف، إذا قُلنا هكذا معناه الأعمى ما يدري عن شيء، معناه أنه ما اعتبر بهذا السحاب لأنه ما يراه.
لماذا لم نقُلْ: عِلْمية؛ لأن العِلْمية تتضمَّن البصريَّة؛ يعني: ألَمْ تعلم؛ سواء كان ذلك عن طريق المشاهدة أو عن طريق السماع، إذن نخلِّيها (تَعْلم) على أنها عِلْمية؛ تَرَأي: تعلم.
(أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًايسوقه برِفْقٍ). وقائل يقول: يسوقه. ولم يقيِّده بـ(رِفْق)، نعم، ولعل ذلك أَوْلى؛ أن نفسِّر الإزجاء بالسَّوْق سواء برِفْقٍ أو بغير رِفْقٍ؛ لأننا نشاهد أن السحاب يسير أحيانًا برِفقٍ وأحيانًا يسير بسرعة وهو سحاب؛ يقول المتنبي -أظن-:
وَمِــــــــــــــنَ الْخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِـــــــكَ عَــــــنِّي أَسْرَعُ السُّحْبِ فِي الْمَسِيرِ الْجَهَامُ

اللي ما فيه ماء.

***

(...) مثل قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] فهو للتقرير؛ يعني: قد شَرَحْنا لك، وهكذا كلَّما دخلَتْ أداة الاستفهام على النفي صارتْ للتقرير؛ تقريرِ ذلك الشيء.
يقول الله تعالى مقرِّرًا هذا الأمر المرئي: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا، والرؤية أَلَمْ تَرَبمعنى العِلم، وتفسيرنا لها بالعِلم أعَمُّ من تفسيرها بالرؤية البَصَريَّة؛ لأجْل يشمل رؤيةَ الإنسان ببصره لأنها تؤدِّي إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسان بسمعه فيما يُخبَر به لأنها تؤدِّي أيضًا إلى العِلم، ورؤيةَ الإنسانِ في قراءته عن هذا الأمر لأنها تؤدِّي إلى العِلم، والمهمُّ أنه ما دامتْ الرؤية محتمِلةً لِأنْ تكون بمعنى العِلم فتفسيرها بالعِلم أَوْلى لأنه أَشْمَلُ وأعَمُّ.
والخِطاب في قوله: أَلَمْ تَرَهل هو للنبيِّ صلى الله عليه وسلم أو لكلِّ من يصِحُّ خِطابه؟
الظاهر أنه لكلِّ مَن يصِحُّ خِطابه؛ يعني: ألَمْ تَرَ أيها المخاطَب أنَّ الله يُزْجِي سحابًا... إلى آخره؛ لأن ذلك أيضًا أشْمَل.
وقوله: يُزْجِي سَحَابًايقول المؤلف: (يسوقه برِفْقٍ). ومِن المفسرين مَن قال: يسوقه، ولم يقُل: برفق؛ لأجل أنْ يشْمَل السَّوْق بِرِفْقٍ، وبغير رِفْقٍ؛ لأن السحاب -كما هو مشاهَدٌ- أحيانًا يكون مَشيُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا، وأحيانًا يكون مَشْيُهُ بسرعةٍ؛ سريعًا.
و(ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُيضُمُّ بعضَهُ إلى بعضٍ فيَجْعلُ القِطَعَ المتفرِّقةَ قِطعةً واحدةً).
وهذا أيضًا مشاهَدٌ؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى يؤلِّف بين هذا السحاب ويجمع بعضَهُ إلى بعضٍ حتى يكون قِطعةً كبيرةً، وأحيانًا لا يؤلِّف بيْنَه؛ نفْس القِطعة الصغيرة تتوسَّع وتكون قطعةً كبيرةً، لكن التأليف أبْلَغ؛ لأن المؤلَّف أحيانًا يكون من غير جنس المؤلَّف به، دائمًا تكون سحابةٌ بيضاءُ وحمراءُ وسوداءُ ثم تجتمع وتكون بلونٍ واحدٍ، وهذا أبْلَغ.
هذا التأليف يقول الله عز وجل: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًابعضه فوق بعضٍ).
رُكَامًايعني متراكمًا؛ بعضه فوق بعض، وهذا أيضًا مشاهَدٌ في رؤية العين؛ فإن السحاب تجد بعضَه فوق بعضٍ، أمَّا إذا كنْتَ في الطائرة مرتفعًا فإنه يبدو لك ذلك ظاهرًا؛ تجد من السحاب ما هو تحتك ومن السحاب ما هو فوقك، وإذا كنْتَ في الأرض يتبيَّن لك أن السحاب بعضُه على بعضٍ، بأيِّ شيء؟ بكَوْنِ بعضِه يغطِّي بعضًا.
وكيف يغطي بعضًا؟
شوف مثلًا قطْعة تَمُرُّ تحت قطْعةٍ أخرى وتتجاوزها، تتعداها، مما يدلُّ على أن بعضَه فوق بعضٍ، هذا الرُّكَامُ له منظرٌ عجيبٌ إذا كان الإنسان فوقه، منظرٌ يبهج ويَسُرُّ، ولذلك جعله الله تعالى من الآيات الدالة على كمال قدرته.
ثم (فَتَرَى الْوَدْقَالمطر يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِمخارجه).
تَرَىبمعنى تُبصِر هنا؛ لأن المطر يُرى بالعَيْن، ويَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِأي: من خِلال هذا السحاب.
لكن هذه الرؤية هل الإنسانُ يُدرِكها، أو بعضُ الناسِ دون بعض؟
في الحقيقة إنه ما يُدرِك إلا إنسانٌ قويُّ النَّظَر، لكنْ نحن نعلم أن المطر ينزل من السحاب ويتخلَّلُه؛ قال بعض العلماء: إنه مثل الغربال يكون؛ يعني: مثل الغربال الذي يغربل به القمح، وما أشبه ذلك؛ ينزل (...) هذا المطر من خِلاله.
مِنْ أين يأتي المطر إذا كان ينزل من خِلاله؟
منه هو نفسه، ينعصِر بإذن الله ثم يتخلَّل منه، ثم قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا [النبأ: ١٤] وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِفإنه بإذنِ الله ينعصِر وينزل هذا المطر، وعلى كل حالٍ الأسبابُ الطبيعيَّةُ ما نَعرِفُ عنها شيئًا، لكن هذا ما نعرفه بالرؤية الحسيَّة.

***

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا: (في السماء؛ بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ. مِنْ بَرَدٍأي: بعضه فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ...) إلى آخره.
يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَافي السماء. الغريب أن المؤلِّف -رحمه الله- مُرتبكٌ في هذا؛ قال في الأوَّل: مِنْ جِبَالٍقال: (مِنْزائدة). يعني: زائدةٌ إعرابًا، فعلى كلامه يكون التقدير: ويُنَزِّل من السماء جبالًا. ثم عَقِبَه قال: (بدل من السماء بإعادة الجار). ويش اللي بدل؟ قوله: مِنْ جِبَالٍ، مِن جبالٍ في السماء.
طيِّب، إذا كانت بدلًا بإعادة الجارِّ فهل مِنْزائدةٌ في قوله: مِنَ السَّمَاءِولَّا ليست زائدة؟
ليست زائدة لأنها للابتداء؛ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِلابتداء الغاية؛ يعني: إلى الأرض، والمعنى -الحقيقة- هو المعنى الأخير الذي ذكر؛ على أن قوله: مِنْ جِبَالٍبدلٌ من السماء؛ كأنه قال: يُنَزِّل من جبالٍ في السماء. فهي بدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ الذي هو مِنْ، وعلى هذا فلا تكون مِنْزائدةً بل تكون لابتداء الغاية؛ يعني: يُنَزِّل من السماء إلى الأرض.
من أين ينزل من السماء؟
قال: مِنْ جِبَالٍ فِيهَاأي: في السماء.
(مِنْ بَرَدٍأي: بعضه). هذا الذي لو قال: إن مِنْزائدةٌ، لكان له وجهٌ، لكن هو جَعَل مِنْتبعيضية؛ لأنه قال: (أي: بعضه)؛ يعني: بعض بَرَد، نعم، مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ.
طالب: (...).
الشيخ: ما عندك (زائدة)؟!
الطالب: لا.
الشيخ: عجيب، مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَاما عندكم (زائدة)؟!
طلبة: زائدة.
طلبة آخرون: صِلة.
الشيخ: هي من الصِّلة أو زائدة المعنى واحد، لكنْ عندكم (صِلة) أو (زائدة)؟
على كل حالٍ (زائدة) أو (صِلة) بمعنى واحد، لكنْ كيف يكون زائدة أو صِلة وهو يقول: (مِنْ جِبَالٍبدلٌ من السماء بإعادة الجارِّ)؟! ومعلومٌ أن مِنفي قوله: مِنَ السَّمَاءِليستْ زائدةً ولا صِلةً، بلْ لها معنى وهو الابتداء؛ ابتداء الغاية.
بقي أن نقول: فِيهَا مِنْ بَرَدٍفِيهَاالضمير يعود على السَّمَاءِ؛ يعني: من جبالٍ في السماء.
وقوله: مِنْ بَرَدٍالمؤلِّف يريد أن تكون مِنْللتبعيض؛ يعني: يُنَزِّل بعضَ بَرَدٍ من هذه الجبال، ويحتمل أن تكون زائدةً؛ يعني: مِنْ بَرَدٍأي: بَرَدًا؛ يَنْزِل مِن السماء مِن جبالٍ بَرَدًا، فتكون مِنْزائدةً، ويحتمل أن تكون مِنْلبيان الجنس، كيف لبيان الجنس؟ أيْ أنَّ الجبال مِن بَرَدٍ؛ مِن جبالٍ مِن البَرَد، فتكون الجبال نفسُها مِن البَرَد، وعلى هذا يصير: ويُنَزِّل مِن السماء مِن جبالٍ مِن البَرَد، ويكون مفعول التنزيل محذوفًا؛ يعني: يُنَزِّل بَرَدًا؛ إذا كان يُنَزِّل من السماء من الجبال التي من البَرَد، فإذا نَزَّل من الجبال التي من البَرَد، ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فيكون المفعول محذوفًا تقديره: بردًا.
صار على كل حالٍ يُنَزِّلُأين مفعولها على رأي المؤلِّف؟ مفعولها مِنْ بَرَدٍ؛ لأنه قال: (أي: بعضه) على أساس أن مِنْللتبعيض، فهي بمعنى (بعض)، وعليه فيكون هذا هو مفعول يُنَزِّلُ، وأمَّا المنَزَّل منه، ويش المنَزَّل منه؟ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ؛ الجبال التي في السماء؛ لأنَّا قلْنا: مِنْ جِبَالٍبدلٌ من السَّمَاءِبإعادة الجارِّ، فيكون المنَزَّل منه هذه الجبال، والمنَزَّل البَرَد.
على الاحتمال الأخير لي ذَكَرْنا أن مِنْزائدة، يكون أيضًا المنَزَّل البَرَد، لكنْ ليستْ مِنْللتبعيض.
وعلى الاحتمال الثالث: قلْنا: إن مِنْلبيان الجنس، ويش جنسه؟ جنس الجبال، جِبال من بَرَد، يعني: يُنَزِّل من جبالٍ من الْبَرَد. ويش يُنَزِّل؟ بَرَدًا، فعليه يكون المنِّزل -اللي هو المفعول- محذوفًا تقديره: بَرَدًا، ودلَّ عليه السياق.
على كلِّ حالٍ معنى الآية الكريمة أنَّ في السماء جبالًا من البَرَد يُنَزِّل اللهُ تعالى منها؛ من هذه الجبال، هذا المنَزَّل أحيانًا يكون كبيرًا وأحيانًا يكون صغيرًا، لكنْ مِن نعمة الله أنه لا يكون كبيرًا بحيث يهدم البناء، هذا شيءٌ نادرٌ جدًّا، إنما يكون كبيرًا بحيث يَقتُل بعضَ الزروع أو بعض الأشجار حسب حكمة الله عز وجل، أمَّا أن يهدم المنازل ويَقتُل الآدميِّينَ فهذا قليلٌ، وإنْ كان قد يوجد، لكنه قليلٌ، وفي هذا دليلٌ على قُدرة الله سبحانه وتعالى أن هذه السماء تكون فيها هذه الجبال، هذه الجبال من البَرَد، ويَنْزل منها ما يَنْزل بمشيئة الله سبحانه وتعالى وحكمته على هذه الأرض، ولهذا قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ.
هذه الجملة هل هي لبيان الامتنان، ولَّا لبيان العقوبة: يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُأو تحتمِل؛ لِأَنْ (يصرِف)؟
قد يتبادر للإنسان أن المراد بالإصابة في الأول إصابة العقوبة كما يُقال: صَرَفَ اللهُ عنكَ السوءَ، وكما جاء في الحديث: «وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ» فلا يُصرَف ولا يُعبَّر بالصَّرف إلا عن شيءٍ مكروهٍ، وعلى هذا فتكون الجملة فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُمسوقةً لبيان العقوبة التي تحدث بهذا البَرَد.
ويحتمل أن يكون من باب الامتنان؛ فإن البَرَد قد يكون خيرًا، وقد يَحصُل به ريُّ أرضٍ ونباتُ الأشجار وغيرُ ذلك، فيَصِير هذا من باب سياق الامتنان؛ يُصِيبُ بهذا البَرَد مَن يشاء فينتفع به، ويَصرِفه عمَّن يشاء فيفوته الانتفاع.
ولا مانع من أن يُستعمَل الصَّرف في صرف الشيء النافع، لا مانع، وإنْ كان الأكثر أن يكون لصرف الأشياء الضارة، لكنْ قد يُستعمل أيضًا في صرف الأشياء التي تنفع، هذا مِن بلاغة القرآن أن تكون هذه الجملة صالحةً للوجهينِ: وجْه العقوبة، ووجْه الرحمة؛ الإصابة بالبَرَد أحيانًا تكون عقوبة تَهلِك بها الزروع وتموت بها المواشي، وأحيانًا تكون بالعكس.

***

(يَكَادُيَقْرُب سَنَا بَرْقِهِلَمَعانُه يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِالناظرةِ له؛ أي: يخطفها).
من قوة هذا البرق يكاد سَنَاه -يعني لمعانه- يذهب بالأبصار، وفي هذا إشارةٌ إلى أن السحاب التي فيها بَرَد يكون بَرْقُها أشدَّ لمعانًا من غيره، فهذا البرق يكاد لقُوَّته يَذهبُ بالأبصار، ولا شكَّ أن هذا البرق عظيمٌ جدًّا، وقد ذكروا أن فيه طاقةً كبيرةً من الكهرباء وأنها تساوي كذا وكذا من الكيلوات، وهذا الأمر واقعٌ؛ الآن تَجِدُ -مثلًا- الطائرات قد لا تَبْعُد بُعْد هذا السحاب، ومع ما فيها من الإضاءة ما تكاد تُبصِرها، أمَّا هذا فإنه كما تشاهدون يكاد يخطف البَصَر ويملأ الأرضَ ضياءً، مما يدلُّ على كثرة الطاقة الكهربائية التي في هذا البرق، مع أنه بيد الله بلحظةٍ يعني كأنه شَوْطٌ ضَرَب، وهذا هو الظاهر؛ من باب الاحتكاك، كما ذُكِر أنه يكون (سالب) و(موجب)، فيتولَّد من بينهما هذا البرق، ولا مانع -إن صحَّ الحديث- أن يكون أيضًا هذا من أسباب ضَرْب الْمَلَك، الذي يسوق السحاب ، فإذا صَحَّ الحديث فإنه لا يُنافِي ما ثَبَتَ من حيث العِلم الذي يتَّصِل بهذا الأمر مِن كَوْنِه اجتماع (سالب) و(موجب) فيَحصُل به هذا اللَّمعان؛ إذْ إن اجتماع السالب والموجب قد يكون بأسباب ضَرْب أيش؟ ضَرْب الْمَلَك إذا صحَّ الحديث بذلك، فهذا لا مُنافاةَ بينه وبين ما وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم إن صح، يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ.
إذن هذا من آيات الله سبحانه وتعالى الدالَّة على كمال قدرته، سَوْق هذا السحاب بين السماء والأرض، وكَوْنه جبالًا من البَرَد، وإصابةُ اللهِ تعالى به من شاء وصرفه عمَّن يشاء، كلُّ ذلك من آيات الله، ولهذا جَعَلها الله سبحانه بصيغة الاستفهام الدالِّ على التقرير.

***

تفسير الآية (44)

ثم قال تعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَأي: يأتي بكلٍّ منهما بدل الآخر إِنَّ فِي ذَلِكَالتقليب لَعِبْرَةًدلالةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ[النور: ٤٤] لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى).
قوله: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَالتقليب معناه تغيير الشيء مِن جهةٍ إلى جهةٍ.
وهذا التقليب هل المراد به التقليب الحسِّيُّ الذي أشار إليه المؤلِّف؛ بمعنى أنه يأتي بهذا بدل هذا، وهذا بدل هذا، أو المراد ما هو أَشْمَل؛ التقليب الحسِّيُّ والمعنويُّ؟
الجواب: نعم، المراد ما هو أعَمُّ مِن التقليب الحسِّي.
والتقليبُ الحسِّي: أنَّ الله يَقْلِب الأرضَ بَدَلًا مِن أنْ كانتْ ضياءً ونهارًا إلى ليلٍ، ثم إلى نهارٍ، وهكذا.
والتقليب المعنوي ما يَحصُل في هذه الأيام مِن الحوادثِ والتغيُّرات، والعِزِّ والنَّصْر والإذلال والخذلان؛ كما قال الله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠].
الصواب في التقليب هنا أنه ليس خاصًّا بالتقليب الحسِّي الذي هو جَعْل الليلِ مكانَ النهارِ والنهارِ مكانَ الليلِ، بلْ هو أعَمَّ من ذلك، يشمل الحسِّيَّ والمعنويَّ.
ومِن التقليب أيضًا تقليبُ الفصول؛ حيث يطول اللَّيلُ والنَّهارُ مَرَّةً في وقت الشتاء ومَرَّةً في وقت الصيف، كل هذا من التقليب، المهمُّ أنه يجب أن تعرف أن هذا التقليب عامٌّ في كلِّ ما يَحصُل من تغييرٍ في اللَّيل والنَّهار مِن الأمور الحسِّية والأمور المعنوية، وهذا هو وجْه العِبرة: إنَّ في ذلك التقليبِ لعِبرةً لأولي الأبصار؛ فصاحب البصيرة -الأبصار: البصائر، لا المراد بالأبصار بَصَر العَيْن- فكلُّ ذي بصيرةٍ يعرف ما في تقليب اللَّيلِ والنَّهارِ من قدرة الله عز وجل؛ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ [القصص: ٧١] لو اجتمع الخلْق كُلُّهم على أن تَخْرج الشمس في نصف الليل مثلًا يستطيعون ولَّا لا؟ ما يستطيعون، ولو اجتمعوا كُلُّهم على أن يأتي الليلُ في نصف النهار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو أنَّ الله تعالى جَعَل الوقتَ دائمًا ليلًا أو نهارًا ما استطاع الخلْق كُلُّهم أن يُغَيِّروا هذا الوضع، ولهذا بيَّن الله مِنَّتَه على عباده؛ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: ٧٣].
كذلك ما يَحصُل في اللَّيل والنَّهار من الحوادث وتقلُّبات الأمور فهذا أيضًا فيه عِبرةٌ، تَجِدُ مثلًا هذا الْمُلْكَ لهذا الرَّجل؛ ملكٌ تامٌّ وافٍ ونِعَمٌ وافرةٌ، ثم ينقلب ذلك الْمُلْكُ إلى ذُلٍّ وأَسْرٍ، وتَجِدُ هؤلاء القومَ في عِزٍّ ونَصْرٍ وتمكينٍ وإذا الأمرُ بالعكس، كُلُّ هذا مما يَستدِلُّ به الإنسان العاقل ذو البصيرة على ما لله تعالى مِن قُدرةٍ في تقليب الأمور ومن حِكْمةٍ في تدبيرها.
قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِإذا كنْتَ لا تتَّخذ مِن ذلك عِبرة، ولَمْ تَجِدْ في نفْسك حركةً لهذا التقلُّب وهذا التغيُّر فاعلمْ أنك لسْتَ مِن ذوي البصائر؛ لأنَّ كلام الله سبحانه وتعالى مُحْكَمٌ ما يتغيَّر، وقد أَخْبَرَ أنَّ في ذلك التقليب، ويش فيه؟ عِبرة لأولي الأبصار، فإذا لَمْ يكُنْ في ذلك لك عِبرة فاعلمْ أنك لسْتَ مِن ذوي البصائر، إذَنْ لا بد أن تعالج نفسك حتى تتأمَّل ما في هذا التقليب من العِبَر وتَعتبر به، لا تَظُنّ هذه مجرَّد كلمة أُطْلِقَتْ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِوبَسْ، ويش يكون الإنسان صاحب البصيرة؟ يَعرِف ما لله تعالى في ذلك من القُدرة والحِكْمة، ولكنْ يجب أن تَعتبر، فإذا لم تَعتبر أنت فإنك لسْتَ مِن ذوي البصائر.
تفسير الآيتين (45-46)

ثم قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور: ٤٥] بعدما ذَكَر آياتِ الله سبحانه وتعالى في العالم العُلْويِّ، ذَكَر آيته في العالم السُّفْلي، وهو قوله:
(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍأي: حَيَوانٍ مِنْ مَاءٍأي: نُطْفة).
خَلَقَبمعنى أوْجَدَ. كُلَّ دَابَّةٍالدَّابَّة: كُلُّ ما يدبُّ على الأرض، وإنْ كانتْ قد تُطْلق على ذواتِ الأربع عُرْفًا، وقال: الدابة التي تمشي على أربع. هذا في العادة والعُرف، ولهذا ما يُسَمَّى الإنسانُ دابَّةً في العُرف؛ لو يقول لك إنسان: يا دابَّة، يمكن تتخاصم أنت وإياه، لكنها في اللغة: كُلُّ ما دَبَّ على الأرض فهو دابَّة؛ قال الله عز وجل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦].
وقوله: مِنْ مَاءٍهذا أصْل خِلْقة الدوابِّ؛ مِن الماء، وقول المؤلِّف: من نُطْفة، ليس بصحيح؛ لأنه ليس كلُّ دابَّة من نُطْفة، بلْ كلُّ دابَّة من ماء؛ نُطْفة وغير نُطْفة، فأمَّا ما يتوالد فماؤه نُطْفة، وأمَّا ما يتولَّد فماؤه رُطُوبة؛ يعني هذه الأشياء التي تتولَّد تتولَّد مِن العُفُونات والرُّطُوبات، وأمَّا الذي يتوالد فنَعَمْ، يتوالد من نُطْفة، له نُطْفة يخلقه الله منها، فكلمة مِنْ مَاءٍأَعَمُّ مِن كلمة نُطْفة، والواجب إبقاء الآية على عمومها؛ لأجْل أن تشمل المتولِّد..