أما ما يتولَّد فماؤه رطوبة، يعني هذه الأشياء اللي تتولد تتولد من العفونات
والرطوبات.
وأما الذي يتوالَد فنعم، يتوالد من نطفة، له نطفة يخلقه الله منها.
فكلمة مِنْ مَاءٍأعم من كلمة (نطفة)، والواجب
إبقاء الآية على عمومها لأجل أن يشمل المتولِّد، بعد؟ والمتوالِد، وهذه الآية بعض
من قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠]، أيهم أعم؟
طالب: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ.
الشيخ: لأن كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّيشمل
الدواب وغير الدواب، حتى الأشجار وشبهها من الماء.
طيب، قوله: مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، الناس يستشهدون بالآية على
غير ما أراد الله بها، شو اللي يستشهدون عليها؟
طالب:
الماء.
الشيخ : على أن الماء ضروري لبقاء الحياة، وليس الأمر كذلك، بل الآية تدل
على أن أصل الأشياء هذه الحية من الماء، ولو كان المراد ما يستشهد به الناس من أجله
لقال: وجعلنا من الماء كل شيء حَيًّا، أي: صَيَّرْنَاه حَيًّا بالماء، ولكن ما هي
الآية بلا شك، إن أصل هذه الأشياء الحية، ويش أصلها؟ أصلها الماء، ولا شك عاد إذا
(...) من جهة ثانية، نقول: إذا كان أصلها الماء فهي مفتقِرة إليه؛ لأن أصله أيضًا
نموه هو ما يكون إلا بالماء.
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ [النور: ٤٥]
(كالحيات والهوام).
فَمِنْهُمْهذا التخصيص
يدل على أن الدابة المراد بهم العقلاء، فَمِنْهُمْ،
وإلا لقال: فمنها، أي: من هذه الدواب، إلا أن العلماء قالوا: إن في ذلك تغليبًا،
تغليب لأي شيء؟ للعقلاء، ولذلك قال: فَمِنْهُمْ، أي: من
هذه الدواب.
مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِواللي
يمشي على بطنه هو يمشي ولَّا يزحف؟ يزحف، لكن هذا مشيه الزحف، مثل الحيات والهوام،
ويش هي الهوام؟ الحيات معروفة، والهوام ويش هي؟
طالب:
(...).
الشيخ: المؤلف يظهر لي أنه في كلامه نظر؛ لأن
الهوام منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما يمشي على أربع،
فالتمثيل بها فيه نظر، أما الحيات فنعم تمشي على بطنها، وكذلك الدود مثل الصِّرار
وغيره تمشي أيضًا على بطنها.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِكالإنسان والطير)، الإنسان يمشي على
رجلين ثنتين، والطير يمشي على رجلين ثنتين، فيه طير تمشي على أكثر من رجلين؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم؟
ما نعرف، يمكن يوجد، ما ندري؟ لكن نحن نعرف أن الطيور ليس لها إلا رجلان اثنتان.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور: ٤٥]، كالبهائم والأنعام)، هذا واضح، طيب، هل هذا
التقسيم مُفيد للحصر ولَّا لا؟ هل هو من باب الحصر ولَّا من باب القصر؟
طالب: من باب القصر.
الشيخ: من باب
القصر، يعني الاقتصار على بعض الأشياء؛ لأن من الحيوانات أو من الدواب ما يمشي على
أكثر من أربع، أو لا؟ فيه شيء يسمونه أم أربعة وأربعين رجل، موجود، وفيه أشياء لها
دون ذلك؛ لها ستة أرجل، وفيه أشياء لها أكثر من ذلك، إنما هذا التقسيم ليس للحصر،
ولكنه للقصر، أي: من باب الاقتصار على بعض الأنواع فقط، ويدل على ذلك قوله: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُيعني من
هذا الذي ذُكِر؛ من كونه على بطنه، وعلى رجلين، وعلى أربع، وعلى ما هو أكثر من ذلك،
فإن الله سبحانه وتعالى لا أحد يحجزه، فهو خالق لما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك
وتعالى.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، القدرة صفة يتَّصف بها القادر، بحيث يفعل ما يريد بدون عجز، بخلاف
القوة؛ فإنها يفعل بها ما يريد بدون ضعف، فالقوة تقابَل بالضعف، والقدرة تقابَل
بالعجز، انظر إلى قوله تعالى: اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوةً ثم جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة [الروم: ٥٤]، وانظر إلى قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].
فجعل القدرة في مقابل العجز،
فلقدرته لا يعجر -سبحانه وتعالى-، على كل حال القدرة صفة يتصف بها القادر بحيث يفعل
ما يريد بدون عجز.
فيه رجل مثلًا يصلي قائمًا لكن مع تعب، أيش نقول، هذا قادر
ولَّا قوي؟
طالب: قادر.
الشيخ: قادر، وفيه إنسان يصلِّي قائمًا، وهو لا يهمه، هذا
نسميه؟
طالب: قوي.
الشيخ:
قوي وقادر أيضًا.
فيه إنسان يحمل هذه الصخرة كما يحمل الريشة ما يهمه، وفيه
إنسان يحمل هذه الصخرة، يا الله، يحملها، الأول؟
طالب:
قوي.
الشيخ: قوي، والثاني؟
طالب: قادر.
الشيخ: الثاني قادر؛
لأنه يفعله لكن مع التعب والمشقة، فهو قادر على الحمل.
وفيه أيضًا ثالث: لما
جاءت منها (...) هذا ليس قويًّا ولا قادرًا.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النور: ٤٥]، يوجد كلمة بين الناس،
يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذه الكلمة لا ينبغي أنك تقولها؛ لأنك إذا قَيَّدت
القدرة بالمشيئة حصل بذلك قصور، ويش يصير قدرته على ما يشاء دون الذي لا يشاء، مع
أن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن،
فالذي يوجد بعض الناس يقول: إنه على ما يشاء قدير، يجب أن يُنْهَى عنه، ويقال: قل:
إنه على كل شيء قدير، لا على الذي يشاؤه فقط، لا سيما وأنك إذا قلت: إنه على ما
يشاء قدير، وقَدَّمْت المعمول، فإن تقديم المعمول ويش يفيد؟
طالب: الحصر.
الشيخ: الحصر، وأنك
حصرت القدرة فيما شاءه فقط، وهذا ليس بصحيح، فالذي يجب على الإنسان أن يطلِق صفة
القدرة لله كما أطلقها الله تعالى لنفسه، ويقول: إنه على كل شيء قدير، كما وصف الله
به نفسه، ما يقيِّدها بما شاء.
فأما قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]، فالمشيئة هنا ليست
قيدًا في القدرة، ولكنها قيد في الجمع، يعني أنه إذا شاء هذا الفعل فليس بعاجز عنه،
وهذا قاله الله تعالى ردًّا على من أنكروا البعث، وقالوا: إنه ما يمكن إن الله يجمع
الناس بعد أن تفرَّقوا في الأرض وكانوا رميمًا.
ومثل ذلك أيضًا ما ورد به
الحديث في مسلم في الرجل الذي أمره الله تعالى أن يدخل الجنة
بعدما سبق عليه، فقال له الله تعالى: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»
، فإنه هنا يخاطبه بفعل
شيء وقع، فكأنه قال: إني على ذلك قادر إذا شئته، ولهذا عَبَّرَ بـ(قادر) دون
(قدير)؛ فإن (قدير) أبلغ في الصفة، بخلاف (قادر) فقد تتعلق بفعل شيء معين.
على
كل حال الذي ينبغي للإنسان ما هو؟ بل الذي يجب عليه أن يطلِق صفة القدرة إذا وصف
الله بها، فيقول: إنه على كل شيء قدير، فقط، ولا يقيِّدها بالمشيئة.
يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
***
(لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍأي: بَيِّنَات هي القرآن، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ: طريق، مُسْتَقِيمٍأي: دين الإسلام).لَقَدْ أَنْزَلْنَاسبق الكلام على مثلها عدة مرات، وقلنا: إن هذه الجملة مؤكَّدة بكم؟ بثلاثة مؤكِّدات: القسم، واللام، و(قد)؛ لأن (لقد) أصلها: والله لقد، فتكون الجملة هنا مؤكَّدة بهذه المؤكِّدات الثلاثة.
وقوله: مُبَيِّنَاتٍأي: بينات، لا شك أن هذا التفسير لا يطابق المفسَّر؛ لأن (مُبَيِّنَات) أبلغ من (بينات)؛ لأن الْمُبَيِّن البائن في نفسه الْمُبِين لغيره، فهو ظاهر في نفسه مُظْهِر لغيره، والْبَيِّن ظاهر في نفسه فقط، والأول أبلغ، لهذا تفسير المؤلف يعتبر قاصرًا.
والصواب أن الْمُبَيِّنَات بمعنى البينة في نفسها الْمُبَيِّنَة لغيرها، فالآيات هذه التي أنزلها الله مُبَيِّنَات، ويش تبين؟ تُبَيِّن كل ما يتعلق بمصالح العباد، تبين الخير من الشر، والحق من الباطل، والمتقي من الفاسق، وصفات الخالق من صفات المخلوق.
وكل ما يحتاج الناس إليه ويتعلق بمصالحهم في دينهم ودنياهم فإن هذه الآيات بَيَّنَتْه، لكن التبيين له طرق؛ تارة يكون تبيينًا بالتفصيل، وتارة يكون بالإجمال، أحيانًا يكون بيان القرآن بالتفصيل، وأحيانًا بالإجمال.
فمثلًا إذا تدَبَّرْت آيات الفرائض -قسمة المواريث- تجد أن الآيات فيها بَيِّنَة بالتفصيل، وإذا تدَبَّرْت بعض الآيات الأخرى مثل: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، آتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣] تجد أنها مجمَلة، لكن الإنسان يعرفها من أدلة أخرى، ولهذا قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، ما من شيء إلا بَيَّنَه هذا القرآن.
وقد قصصتُ عليكم ما ذُكِر عن الشيخ محمد عبده -رحمه الله- أنه كان في مطعم في أحد بلاد أوربا، وكان عنده رجل من النصارى، فقال له: إن القرآن تبيان لكل شيء، فهل بَيَّنَ كيف يُصْنَع هذا الطعام؟
طبعًا نحن ما نشوف إن في القرآن هكذا؛ أنك لما تصنع الطعام تحط بصل، وتحط ملح، وتحط لحم، وما أشبه ذلك، ما هو موجود، فقال: نعم، هذا القرآن بَيَّنَ لنا كيف نصنع هذا الطعام، تعجب هذا النصراني، قال: كيف يعني؟ فدعا صاحب المطعم وقال له: كيف صنعتَ هذا الطعام؟ فقال: صنعته بكذا وكذا وكذا، وبَيَّنَ له تراكيبه، فقال: هكذا في القرآن، فإن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
يصير القرآن ما بَيَّنَ ذلك تفصيلًا، لكن أرشدنا كيف نهتدي إلى معرفة الأمور، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وهذه طبعًا الآية ما تريد أهل الذكر يعني الطبخ، لكن إما أن نقول: أهل الذِّكْر أهل العلم، وعلم كل شيء بحسبه، وإما أن نقول: أهل العلم بالشرع، ونقيس ما عدا العلوم الشرعية على العلوم الشرعية، يكون من باب العموم المعنوي في الآية؛ لأن الآية إن لم تشمل هذا بعمومها اللفظي فهي شاملة له بعمومها المعنوي.
بالمناسبة العموم اللفظي هو الذي دخل في الكلام لفظًا، دل عليه الكلام دلالة مطابقة، والعموم المعنوي هو الذي دل عليه الكلام بالقياس، يعني ما دخل في اللفظ، ولكنه يقاس عليه؛ لأن القياس عبارة عن اشتراك المقيس والمقيس عليه شو به؟
طلبة: في العلة.
الشيخ: في العلة التي من أجلها ثبت الحكم، وهذا عموم معنوي، ولذلك تجدون في كلام العلماء يقول: هذه المسألة يشملها النص بعمومه اللفظي، بمعنى أنها فرد من أفراد هذا العموم، وأحيانًا يكون بعمومه المعنوي، بمعنى أنها تُقَاسُ على ما دَلَّ عليه.
ثم قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، لَمَّا بَيَّنَ حال الآيات، لكن هل كل أحد يستفيد من هذه الآيات الْمُبَيِّنَات؟ لا، قال: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، يعني على الرغم من كون الآيات مُبَيِّنَات واضحة مُبَيِّنَة، على الرغم من ذلك فما كل أحد يهتدي بها، وإنما الله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وهذه الآية كغيرها من كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وبعده: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥]، فعَمَّمَ بالدعوة، لكن الهداية: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، هذه مثلها، فالآيات مُبَيِّنَات مُوضِحَة للأمور، لكن ما كل أحد يهتدي بها، فالله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
طيب، كلمة مَنْ يَشَاءُ، تقدم أيضًا الكلام على أن كل شيء قيده الله بمشيئته فهو مقرون بالحكمة، فالله تعالى يهدي من اقتضت الحكمة هدايته، (...) وأن الإنسان ينبغي له أن ينظر في آيات الله الكونية ليعتبر بها؛ إذ إن الاعتبار بها يستلزم عبادة الله عز وجل، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًاإلى آخره [النور: ٤٣]، إنما قرَّرَ الله تعالى ذلك لأجل أن ينظر الإنسان هذا الشيء، بل أن يعتبر بهذا الشيء الذي ينظر إليه، ويَعْلَمه؛ ليستدل به على قدرة الفاعل، ومن ثم على عبادته؛ لأن القادر مستحِقٌّ للعبادة، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: ٢١]، (...).
إلى غايتها، اختلفت أداة المشي عندها، منهم من يمشي على بطنه (...) أن الله سبحانه وتعالى له التصرف المطلق في خلقه، يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
وفيه: إثبات القدرة وعمومها، من قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأشرنا في الشرح أو في التفسير إلى أن ما يستعمله بعض الناس من تقييد القدرة بما شاء غلط، وأن الواجب إطلاق صفة القدرة، وأجبنا عن مثل قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]، والحديث الذي فيه: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» ، وقلنا: إن هذه المشيئة متعلِّقة بالفعل لا بالصفة، فالصفة مطلَقة، والفعل هو المقيَّد بالمشيئة؛ إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل.
وفيه أيضًا -فيما سبق-: بيان أن الآيات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى مُبَيِّنَة مُوَضِّحَة، لأي شيء؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، مُبَيِّنَة لكل شيء؛ الحق من الباطل، وأهل الخير من أهل الشر، والأحكام التي بين الناس، وغير ذلك، لكن مع كونها مُبَيِّنَة هل اهتدى بها كل الناس؟ لا، وإنما يهتدي بها مَن شاء الله هدايته، لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور: ٤٦]، لكن ما كل أحد يهتدي بها، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: ٤٦].
وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد على نفسه في الهداية، بل يسأل الله دائمًا أن يهديه ثم يُثَبِّتَه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ما دام أن الله هو الذي يهدي، فإذن لا تَسْتَقِلّ أنت بهداية نفسك، فاسأل الله دائمًا الهداية، ثم الثبات عليها، ولا تغتر بما معك من الإيمان مثلًا؛ فإن ذلك قد يُسْلَب منك، لا سيما إذا أُعْجِبَ الإنسان بعمله، فإن إعجاب الإنسان بعمله قد يؤدي إلى حُبُوطه وبطلانه.
وفيه أيضًا دليل على أن الشرع كله اللي هو دين الإسلام أنه مستقيم ليس فيه اعوجاج؛ لقوله: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، ولهذا قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: ١٥٣]، التي تروح يمين وشمال، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
إذا قلنا: إن الهداية من الله عز وجل، وأنها معلَّقَة بالمشيئة، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، فهل لهذه الهداية سبب؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، وهي؟
طالب: طلب الحق.
الشيخ: طلب الحق، طلب الإنسان الحق هذا من أسباب الهداية، الدليل على ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، والدليل ما سيأتي في الآيات بعدها، الآيات التي بعدها ترشد إلى ما ذكرنا؛ أن سبب الهداية هو إرادة الإنسان الحق، وطلبه له، فإذا أراده وطلبه فإن الله تعالى يهديه إليه، أما إذا أعرض وتولَّى فإن الله تعالى لا يهديه إليه.
***
يقول الله تعالى: (وَيَقُولُونَ أي: المنافقون، آمَنَّا: صَدَّقْنا، بِاللهِ: بتوحيده، وَبِالرَّسُولِ: محمد صلى الله عليه وسلم، وَأَطَعْنَاهما فيما حكمَا به، ثُمَّ يَتَوَلَّى: يُعرِض، فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَعنه، وَمَا أُولَئِكَالمعرضون، بِالْمُؤْمِنِينَ [النور: 47] المعهودين الموافقِ قلوبُهم لألسنتهم).
يَقُولُونَهذه حكاية عن جماعة، سواء كانوا من المنافقين -كما قال المؤلف- أم من غيرهم.
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ، فَسَّرَ المؤلف الإيمان بالتصديق، وقد سبق أن هذا التفسير به قاصر، وأن الإيمان هو التصديق مضافًا إليه شيء، ما هو؟ القبول والإذعان؛ أن يقبل الإنسان ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يذعن له، أما مجرد التصديق فليس بإيمان.
ولهذا نعلم نحن أن أبا طالب كان مصدِّقًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنفسه يقر على نفسه بذلك، يقول:
| لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَـــــذَّبٌ | لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِـــــــلِ |
ويقول:
| وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّـــــــــــدٍ | مِـــــــــنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــــــةِ دِينَا |
لكنه ليس بمؤمن مع التصديق، لماذا؟ لأنه لم يُذْعِن ولم يَنْقَدْ، ما أذعن للرسول صلى الله عليه وسلم ولا انقاد له، كذلك أيضًا الكفار الذين حكى الله عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥]، هل هم مُصَدِّقُون بالله ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مؤمنون به ومصدِّقون، لكن لَمَّا لم يقبلوا ما جاء به الرسول ولم يذعنوا له لم يكونوا مؤمنين، فتفسير الإيمان شرعًا بمجرد التصديق تفسير ناقص، بل نقول: الإيمان هو التصديق مع القبول والإذعان، ولا بد من ذلك.
وقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ، أعاد حرف الجر وَبِالرَّسُولِ؛ لأن الإيمان بالرسول إيمان مستقل، يعني: لا بد أن الإنسان يؤمن بالله إيمانًا كاملًا، وبالرسول إيمانًا كاملًا، كما أن الطاعة لله طاعة كاملة، وللرسول كذلك.
مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم [النساء: ٥٩]، قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، ثم قال: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم، عطفها على طاعة الله والرسول بدون إعادة العامل، إشارةً إلى أن طاعة ولاة الأمور تبعٌ لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الرسول فهي مستقلة، ومَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وطاعة الله كذلك.
مثل أيضًا الإيمان بالله وبالرسول، إذا جاء حرف الجر معناه أن هذا إيمان مستقل، كأن هؤلاء يقولون: آمنا إيمانًا كاملًا بالله سبحانه وتعالى، وآمنا إيمانًا كاملًا بالرسول أنه رسول الله.
وقول المؤلف: (آمَنَّا بِاللَّهِ: بتوحيده) هذا أيضًا فيه قصور، بل الإيمان بالله يشمل التوحيد وغيره؛ التوحيد، والتصرف، والتدبير، والتشريع، وغير ذلك، يشمل كل هذا، وكذلك بما له من الصفات؛ لأنه لا يتم الإيمان بالله إلا بالإيمان بصفاته، لا بد من ذلك.
وقوله: وَأَطَعْنَاهذا الانقياد، يعني أننا مؤمنون وأيضًا مطيعون، نُنَفِّذ، والطاعة ما هي؟ الطاعة قالوا: إن معناها موافقة الأمر، بمعنى ألا تخرج عمن أمرك ولا تخالفه، بل توافق أمره؛ إن كان إيجابيًّا فبالفعل، وإن كان سلبيًّا فبالترك، هذه هي الطاعة، ولهذا كلمة طاعة تشمل فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأن معناها موافقة الأمر.
فمعنى أَطَعْنَاأي أننا وافقنا أمر الله ورسوله لن نخرج عنه، وبعد هذا القول يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، بعد إقرارهم بالإيمان بالله ورسوله يُعْرِض فريق منهم.
يقول الله عز وجل: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَيعني: وما أولئك المعرضون بالمؤمنين حقًّا، ولكن هذا النفي هل هو نفي للإيمان أصلِه، أو نفي للإيمان كمالِه؟
طلبة: كماله.
الشيخ: لا، فيه تفصيل؛ إذا كان التولي توليًا مطلَقًا فهو نفي للإيمان كله؛ لأصلِه، وإذا كان التولي توليًا غير مطلَق، بل في بعض الأمور، فإنها تختلف، قد يكون في بعض الأمور إذا تركها الإنسان وأعرض عنها كافرًا، وقد يكون مؤمنًا ناقص الإيمان، المهم أن توليه ينافي ما ادعوه من الإيمان.
وفي هذا دليل واضح على أن الإنسان إذا قال إنه مؤمن وهو مُتَوَلٍّ ومُعْرِض فهو كاذب في دعواه؛ إما أنه ليس مؤمنًا أصلًا، وإما أنه مؤمن لكن ناقص الإيمان.
يقول: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، فَرِيقٌبمعنى جماعة، مِنْهُمْأي: من هؤلاء القائلين، وفريق آخر باقون على الإيمان والطاعة، لا يُعْرِضُون، فيكون ما ادعوه من إيمان حقيقة.
قال الله تعالى: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، نشوف إعراب هذه الجملة.
مَا أُولَئِكَويش (ما)؟ (ما) نافية، لكنها تعمل عمل (ليس) عند الحجازيين، فترفع الاسم وتنصب الخبر. (أولاء) اسمها، لكنه ليس مضمومًا، (أولاء) غير مضموم، السبب لأنه مبني، أسماء الإشارة كلها مبنية، (هؤلاء) و(أولاء) وما أشبه ذلك كلها مبنية.
وقوله: بِالْمُؤْمِنِينَالباء حرف جر زائد، زائد من حيث الإعراب ولَّا من حيث المعنى؟
طلبة: الإعراب.
الشيخ: من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى ففيه تأكيد النفي في قوله مَا أُولَئِكَ.
وقوله: الْمُؤْمِنِينَخبر (ما)، لكن عند النحويين يقولون: إنه خبرها، لكنه غير منصوب بها؛ لأن الباء الزائدة يكون العمل لها؛ لأن عملها به ظاهر؛ لمباشرتها إياه، فيكون: الباء حرف جر زائد، والْمُؤْمِنِينَاسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم.
وبعضهم يقول: الْمُؤْمِنِينَخبر (ما) منصوب بها، وعلامة نصبه ياء مقدرة غير اللي (...) مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد.
على كل حال هذا تعمُّق شديد ما له داعي، إنما يجب أن نعرف أن (ما) نافية من حيث المعنى، والباء حرف جر زائد، والغرض منه؟
طلبة: (...).
الشيخ: تأكيد النفي، أي: نفي الإيمان عن هؤلاء الذين قالوا: آمنا وأطعنا، ثم تَوَلَّوْا، فليسوا بمؤمنين، وعرفتم أن نفي الإيمان هنا إما نفي لأصله وإما نفي لكماله.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، في لغة الحجازيين عند جميع النحويين، لكن لغة بني تميم لا يُعْمِلُونها عمل (ليس)، في القرآن: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] فأعملها عمل (ليس)، ولم تقل الآية: ما هذا بشرٌ.
لولم تعمل لكان: ما هذا بشرٌ، يقول الشاعر:
| وَمُهَفْهَفِ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ | فَأَجَـــــابَ مَـــا قَتْــــــلُ الْمُحِـــــــبِّ حَــــــــــرَامُ |
ويش صار هذا؛ حجازي ولَّا تميمي؟
طلبة: حجازي.
طالب آخر: تميمي.
الشيخ: تميمي، فأجاب لما قال له انتسب، ما قال: أنا تميمي، أجاب: ما قتلُ المحب حرامُ، عرف الآن أنه تميمي، لو كان حجازيًّا لقال: ما قتلُ المحب حرامًا، بالنصب؛ لأنها تعمل عمل (ليس).
طالب: كان فيه هنا تميم؟
الشيخ: كان فيه هنا تميم، إلا في عصرنا هذا لا، إحنا الحجازيون والتميميون كلهم واحد، ما هم يُعْمِلُونها.
الطالب: يعني ما يُعْمِلها إلا التميميون فقط؟
الشيخ: لا، الحجازيون هم اللي يُعْمِلُونها، لكن المراد العرب الأولين اللي ما تغيرت ألسنتهم، أما الآن لا فاللسان تغير.
طالب: والكوفيين (...)؟
الشيخ: أصلًا الكوفيون والنحويون ما هي بهذه وصف للعرب الناطقين بالعربية، وصفٌ للعلماء الذين تولوا العناية بالنحو.
***
قال: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور: 48] إِذَا دُعُواالضمير يعود على هؤلاء القائلين الذين يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولون.
(إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ–أي: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- المبلِّغ عنه، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَعن المجيء إليه).
إِذَا دُعُواأي: دعاهم مَن يخاصمهم إلى الله وإلى رسوله ليحكم بينهم أعرضوا.
قوله: إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِهل المراد أن يُدْعَوْا إلى الله سبحانه وتعالى ليصلوا إليه فوق عرشه؟ لا، أيُّ شيء يكون الدعاء إلى الله؟ إلى كتابه؛ لأن كتاب الله كلام الله عز وجل، فالدعاء إلى الله هو الدعاء إلى كتاب الله.
وقوله: وَرَسُولِهِهل المراد أن يَصِلُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، أو في مسجده، أو في سوقه؟
طالب: إلى سنته.
الشيخ: لا، نقول: في حياته إليه؛ إليه شخصيًّا في المسجد، أو في البيت، أو في السوق، وبعد وفاته إلى سنته؛ لأن سنته قوله وفعله وإقراره، فكأننا نشاهده عندما ندعو إلى قوله، أو إلى فعله، أو إلى إقراره.
وقوله: لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، اللام للتعليل، يعني دُعُوا لهذا الغرض، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ.
الضمير في قوله: لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْيعود على (الله) ولَّا على الرسول صلى الله عليه وسلم؟ عليهما لا يصح أن يعود عليهما، لو كان عائدًا إليهما لوجب أن يكون بصيغة التثنية: إلى الله ورسوله ليحكمَا بينهم، لكنها تعود إلى واحد منهما، إلى الرسول؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، إلى الرسول؛ لأنه أقرب مذكور، لكن بالنسبة لله سبحانه وتعالى إما أن يُقَدَّر جملة مثل هذه الجملة، يعني: إلى الله ليحكم بينهم، ورسوله ليحكم بينهم، مثلما قلنا في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل: أن يرضوهما، بل قال: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، فقالوا: إن التقدير: والله أحق أن يُرْضُوه ورسوله أحق أن يُرْضُوه، وإما أن يُقَال: إن حكم الرسول عليه الصلاة والسلام هو حكم الله، ويشير إلى هذا قول المؤلف: -أي إلى رسول الله- (المبلِّغ عنه)، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغ عن الله صار حكمه حكم الله.
وفي الحقيقة أن الحاكم المباشر مَن؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، فعند النزاع في حياته نرجع إليه مباشرة.
لذلك نقول: لِيَحْكُمَالضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنه أقرب مذكور، ثم يقول: إن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم هو حكم الله؛ لأنه مبلِّغ عنه، لا يحكم إلا بما حكم الله به، هؤلاء إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، (إذا) يسميها النحويون فُجائية، يعني للمفاجأة، يعني عندنا (إذا) الأولى إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِويش هي (إذا) الأولى؟
طلبة: شرطية.
الشيخ: شرطية، جوابها: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ، لكنه صُدِّرَ بـ(إذا) الفجائية؛ لأنه جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فهو لا بد أن يُصَدَّر بالفاء أو بـ(إذا) الفجائية.
إذن (إذا) الثانية فُجائية، أيش معنى فجائية؟ يعني تدل على المفاجأة؛ مفاجأة ما بعدها لما قبلها، هؤلاء إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم هل يفكرون وينظرون هل يقبلون أو لا يقبلون؟ ويش الجواب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يَرُدُّون مباشرة -والعياذ بالله- ما يتأنون في الأمر يقولون: نفكر، إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَعلى طول، يعني بدون تروٍّ، فكأنهم من الأصل مستعدون لأي شيء؟ لرد حكم الله ورسوله.
إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وهذا -والعياذ بالله- أشد في الاستكبار وفي العتو من رجل يقول: أنا بتَرَوَّى، وإن كان الكل واحد في حكمه؛ إذ الواجب قبول ما حكم الله به ورسوله، لكن كون الإنسان يفاجئ به دليل على أنه مستكبِر، ولا يريد أبدًا أن يخضع للحق، ولهذا قال: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، شوف المحترَزَات في القرآن الكريم؛ في الأول: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ [النور: ٤٧]؛ لأنه ليس كل من قال: آمنا بالله وأطعنا، ليس كلهم يتولون، بل منهم من هو مؤمن حقيقة ولا يتولى، كذلك إذا دُعُوا إلى الله ورسوله هل كلهم يتولون؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، منهم من ينقاد لحكم الله ورسوله، ويتخاصم إلى الله وسوله، ويقبل حكم الله ورسوله، ولهذا يقول: يتولى فريق منهم وهم معرضون عن المجيء إليه، أو عن حكمه؟ شوف: يتولى وهم معرضون، التولي بالجسم، والإعراض بالقلب؛ لأن المتولِّي قد يتولى وفيه أمل أن يرجع، لكن إذا تولى وهو معرِض -والعياذ بالله- والمعرِض كاره لما دُعِيَ إليه، ما أعرض عنه إلا وهو يكرهه، هذا أشد (...) التولي، فالتولي في الجسم، والإعراض في القلب، يعني أنهم يتولون وليس من نيتهم أيش؟
طلبة: الرجوع.
الشيخ: الرجوع، يتولون وليس من نيتهم الرجوع.
وفي الآية دليل على خطأ من يتعصب للمذهب، أو لقول واحد من أهل العلم إذا دُعِيَ إلى الله ورسوله، وقيل: هذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواجب التحاكم إليهما والرجوع إليهما، بعض الناس يقول: لا، المذهب كذا، وقال العالم الفلاني كذا، وما أشبه ذلك، هذا فيه شَبَهٌ من هؤلاء المنافقين الذين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تجده متوليًا ومعرضًا.
وبعض الناس -والعياذ بالله- ما يتأنى أبدًا، على طول يغضب ويقوم، يقول: أبدًا ما نبغي هذا، نريد أن نتبع فلانًا، طيب وهل فلان هو الرسول؟ لا، فلان بشر يأخذ من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، تارة يخطئ، وتارة يصيب.
فإذا قيل: وأنت أيضًا تخطئ وتصيب؟ أقول: صحيح إني أخطئ وأصيب، لكن هذا كتاب الله وسنة رسوله، تأمله أنت، أنا لا أُلْزِمُك أن تأخذ بما فهمتُ أنا من كتاب الله وسنة رسوله، لكني أُلْزِمُك أن تنظر إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تنظر في قول من قَلَّدْتَ هل يكون موافقًا أو مخالفًا، أما أن تعرض عن كتاب الله وسنة رسوله وتقول: أبدًا ما أنظر فيها؛ لأني أتبع فلانًا وفلانًا، هذا لا أوافقك عليه.
فهنا فرق بين أن أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله لتنظر فيه وتتبعه، وبين أن أقول: هذا كتاب الله وسنة رسوله، ولكن الزم ما أفهمه أنا منهما، هذا لا أُلْزِمُك به؛ لأني إذا ألزمتك به فقد دعوتك إلى ما نهيتك عنه، دعوتك إلى تقليدي، ولكننا ندعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، المهم ألا تَتَحَجَّر وتقول: أنا لا أتبع إلا فلانًا. (...) ما يدل عليه الكتاب والسنة، سواء وافق رأي مقلَّدِك أم خالفه، لكن البلية كل البلية هو مسألة التقليد المحض.
إلا أننا -ولله الحمد- نبشِّركم كما ترون الآن أن هذا بدأ يضعف في الناس، أي أعني التقليد المحض الذي يكون حتى مع ظهور الحق وبيانه، هذا بدأ -ولله الحمد- يضعف في الناس، وصار الناس يتطلَّبون الأقوال التي تكون راجحة حسب دلالة الكتاب والسنة، بقطع النظر عن كون فلان أخذ بها أو ما أخذ بها، إي نعم.
طالب: المبلَّغ عنهم؟
الشيخ : المبلِّغ.
الطالب: المبلِّغ عنهم؟
الشيخ: عنه، عن الله.
الطالب: عنه.
الشيخ: عنه؟ لا، غلط، لا (...)، المبلِّغ عنه؛ عن الله، وإنما قال المؤلف هذا لأجل أن يُبَيِّن أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم هو حكم الله، علشان ما يقع إشكال في قوله: لِيَحْكُمَمع أنهم مَدْعوون إلى الله ورسوله.
في هذه الآية دليل على أن الحكم لمن؟ لله ورسوله، والتحاكم إلى الله ورسوله، وقد أقسم الله تعالى قسمًا مؤكدًا بأنه لا يمكن يؤمن الإنسان حتى يُحَكِّم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيما شَجَرَ بينهم، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، هذه مرحلة.
المرحلة الثانية: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَهاتان مرحلتان، يعني ما يكون في نفسك ضيق أو كراهة لما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام.
المرحلة الثالثة: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، يعني ينقادوا انقيادًا تامًّا؛ لأن الناس كل منهم التزم مرحلة؛ فمن الناس من لا يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا من الأصل ما دخل في المراحل الثلاث، ومن الناس من يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام لكن يجد في نفسه حرجًا من حكم الله ورسوله؛ لأنه يخالف هواه، فتجد المتحرِّج يعني يمشي بالحكم، لكن مع ضيق ومع حرج، هذا أيضًا ليس بمؤمن، من الناس من يُحَكِّم الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يكون في صدره حرج من حكمه، لكن ما يستسلم، يكون مثلًا فيه تأنٍّ وفيه تهاون، أو فيه تقصير في بعض التنفيذ، هذا أيضًا ليس بمؤمن، لا بد من الأمور الثلاثة: التحكيم، وانتفاء الحرج، والثالث التسليم.
وتأمل قوله: تَسْلِيمًا، يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، إشارة إلى أنه تسليم كامل، ولهذا يسمي النحويون هذا المصدر مصدرًا مؤكِّدًا، يعني أنهم يُسَلِّمُون تسليمًا كاملًا ما فيه أي التواء أو إعراض، هذه الآية مثلها.
ثم قال: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، مُذْعِنِينَأيش؟ (مسرعين طائعين)، فيه عندي تعليقة ما أدري والله ويش هي: وذُكِرَ الله لتعظيمه، أو كذا، أو: ذكر الله لتعظيمه، بعد (المبلِّغ عنه).
طالب: (...).
الشيخ: ليس عندكم دي؟ مكتوبة عندي ومكتوب (يصح)، وإلا سنقول: حاشية، يعني حط الحاشية هذه إن صحت منها أصل، أن قوله: إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِأن ذكر الله هنا ليس مقصودًا ولكن للتعظيم، لتعظيم حكم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذي سيحكم هو النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا لا وجه له.
يقول الله عز وجل: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَيعني: (مسرِعين طائعين)، إذا كان الحق لهم في حكم الله ورسوله ما يتولون، وإنما يسرعون وينقادون، فدلَّ ذلك على أنهم لا يريدون الحق، وإنما يريدون ما يوافق أهواءهم، إن كان الحق لهم قبلوا وانقادوا، إذا كان الحق عليهم تولوا وأعرضوا، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ.
بل إن ظاهر الآية الكريمة أنهم يعرضون في حالين؛ إذا كان الحق عليهم، وإذا لم يكن عليهم ولا لهم؛ لأنهم ما يُذْعِنُون إلا إذا كان الحق لهم، إذا كان الحق لهم أذعنوا، وفي الحقيقة أن طاعتهم هذه وإذعانهم هل هو للحق ولَّا لهوى أنفسهم؟
طلبة: للهوى.
الشيخ: لهوى أنفسهم لا للحق، وهذا أيضًا حال بعض الناس، تجده إذا دل الكتاب والسنة على ما يهوى ويريد ينشرح صدره ويُذْعِن ويقبل، وإذا دل الكتاب والسنة على خلاف ما يريد تجده يكون في نفسه حرج، وربما يزيد على ذلك بالإعراض والتولي، هذا في الحقيقة ليس بمؤمن، وإنما يتبع من الحق ما وافق هواه فقط، أما المؤمن فله حال أخرى ستأتي إن شاء الله.
***
قال الله تعالى: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: كفر، أَمِ ارْتَابُواأي: شكوا في نبوته، أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهفي الحكم أي يظلموا فيه، لا، بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ [النور: 50] بالإعراض عنه)، يقول الله عز وجل مُبَيِّنًا حال هؤلاء الذين يَرُدُّون ما حكم الله به ورسوله بأنهم لا يَخْلُون من هذه الأحوال الثلاثة:
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، والمرض هو علَّة تصيب الصحيح فيخرج عن الاعتدال، هذا المرض، وهذا التعريف للمرض يشمل المرض الجسمي والمرض القلبي؛ فالمرض الجسمي في الحقيقة علة تصيبه فيخرج عن الاعتدال، كذلك المرض القلبي علة تصيب القلب فتُخْرِجه عن الاعتدال حتى ينحرف ولا يقبل الحق، فما هو المرض المشار إليه هنا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، المؤلف فسَّره بالكفر، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المراد به الإرادة السيئة، بدليل التقسيم، سواء كان كفرًا ولَّا نفاقًا ولَّا غير ذلك، المهم المرض الإرادة السيئة التي تصرفهم عن قبول الحق.
أَمِ ارْتَابُوا، هذا الشك، وهو مرض الشُّبْهة؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن أسباب الانحراف عن الحق إما شبهة وإما شهوة، يعني إما أن الإنسان يشتهي أمرًا مخالفًا للشرع فيتبعه، وإما أن يكون عنده شبهة في هذا الحق فيمتنع منه.
فنقول هنا: ينبغي أن يفسَّر المرض بأي شيء؟ بالإرادة السيئة التي هي الشهوة، أي: اشتهاء ما يخالف الشرع.
(أَمِ ارْتَابُواأي شَكُّوا)، هذا مرض الشبهة الذي يعرض للإنسان حتى لا يتبين له الحق، نضرب مثلًا لذلك؛ رجل أُمِرَ بأمر من الأمور، أُمِرَ أن يصلي، ولكنه قَدَّمَ أمرًا دنيويًّا على صلاته، ويش الذي في قلبه من الأمراض؟ مرض الشهوة.
وآخر أُمِرَ أن يصلي لكنه شك في فائدة الصلاة، أو شك في وجودها، أو ما أشبه ذلك، هذا فيه مرض الشبهة.
فالآن اللي معنا مَرَضٌأي: إرادة سيئة، أَمِ ارْتَابُواهذا الشك -والعياذ بالله-.
الأمر الثالث: أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، يعني: ما عندهم إرادة سيئة، ولا عندهم شك في حكم الله ورسوله، لكن عندهم شك آخر، ويش هو؟ في عدالة الله ورسوله، ولهذا هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، فيخشون من الميل والْجَوْر.
وفي الحقيقة أن الميل والْجَوْر عندهم هم، ليس في حكم الله ورسوله، بل إن حكم الله ورسوله على الحق والعدل، ولكن الْجَوْر في ميزانهم هم؛ لأنهم هم الذين حادوا عما يجب أن يكونوا عليه من الامتثال والطاعة.
أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، قال الله تعالى: بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، بَلْهذه للإضراب، ولكن ما رأيكم في هذا الإضراب؟ هل هو إضراب إبطال، أو إضراب انتقال؟ المؤلِّف ويش يراه؟
قال: (لا)، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ(لا)، ثم قال: بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَفي القرآن، فموجَب كلام المؤلف أن الإضراب هنا للإبطال، ولذلك قَدَّر (لا) بعد الاحتمالات الثلاثة السابقة.
وعندي أن الإضراب هنا ليس للإبطال، وإنما هو للانتقال؛ لأن حقيقة الأمر أن الذي لا يقبل حكم الله ورسوله لا يخرج عن هذه الأمور الثلاثة؛ إما أن عنده إرادة سيئة، ولَّا عنده شك، ولَّا خوف، ما نتصور أمرًا رابعًا يرد على هذه الاحتمالات الثلاثة.
ثم إن وصفهم بالظلم لا يخرج عن هذه الاحتمالات الثلاثة أيضًا، فمَن في قلبه مرض فهو ظالم، ومن في قلبه شبهة فهو ظالم، ومن خاف أن يحيف الله عليه ورسوله فهو ظالم.
إذن فالمسألة من باب الإضراب الانتقالي، وليس من باب الإضراب الإبطالي.
كلمة أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ، (أم) في هذه المواضع هل هي للتسوية التي بمعنى (أو)، أو للإضراب الذي بمعنى (بل)؟
طالب: تحتمل.
الشيخ: تحتمل؟ كيف الاحتمال؟
الطالب: أو تكون (...).
الشيخ: يعني هل إن هذه بمعنى (بل) ولَّا بمعنى (أو)؟
مر علينا فيما سبق أن التي بمعنى (أو) هي التي تأتي بعد همزة التسوية، مثل: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦]، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦]، هذه هي التي بمعنى (أو)، ويسمونها متصلة، وأما التي تأتي بمعنى (بل) فهي التي لا يسبقها همزة التسوية، وتسمى منقطعة.
وعلى هذا فـأَمْفي قوله: أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَهذه منقطعة بمعنى (بل)، وهي وردت كثيرًا في آخر سورة الطور: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍأيش بعدها، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُإلى آخره [الطور: ٣٠، ٣٣]، كثيرة في آخر سورة الطور، منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام.
فهي هنا منقطعة وليست متصلة؛ لأن المتصلة هي التي تأتي بعد همزة التسوية، وتكون بمعنى (أو)، وأما المنقطعة فهي التي لا تأتي بعد همزة التسوية وتكون بمعنى (بل).
قوله: بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ، هنا سجَّل عليهم الظلم، وأكَّدَه بنوعين من التأكيد، ما هما؟
طالب: هم.
الشيخ: نعم.
طالب: ضمير الفصل.
الشيخ: بضمير الفصل، وبكون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين؛ لأن الجملة إذا كانت اسمية معرَّفة الطرفين فإنها تفيد الحصر، هنا (أولاء) مبتدأ، وهو معرِفة؛ لأنه اسم إشارة، الظالِمُونَخبر، وهو معرفة؛ لأنه محلًّى بـ (أل)، وعلى هذا فأكَّد الله ظُلْمَهم بنوعين من التأكيد هما: كون الجملة اسمية معرَّفة الطرفين، والثاني ضمير الفصل، وفوائد ضمير الفصل الذي يَرِد كثيرًا في القرآن وفي غير القرآن ويش فوائده؟
طالب: (...).
الشيخ: اصبر، علشان التوكيد يجب أن نكون كلنا مستحضِرين؛ لأن أنا قلت لكم الآن في التقرير: إن هذه الجملة مؤكَّدة بنوعين من التأكيد، أحدهما: ضمير الفصل، والثاني: أنها جملة اسمية معرَّفة الطرفين، كان يعني المفروض إن كلنا نعرف هذه، ما يحتاج، هذه واحدة.
طالب: (...).
الشيخ: أتوا إليه مذعنين يعني: منقادين مطيعين، فصاروا إنما يتبعون أهواءهم فقط، بيَّن حال المؤمنين، فقال: إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
أولًا: في إعراب قوله: قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَإِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَفإنه منصوب، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا الذي يليها منصوب، وجوابه أن هذا هو خبرها مُقَدَّمًا قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَخبرها مقدَّمًا، واسمها المصدر الْمُنْسَبِك من (أن) والفعل في قوله: أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، يعني: ما كان قولهم إلا هذا القول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وقوله: إِنمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، يعني إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ: إلى كتابه، وإلى رسوله؛ إليه شخصيًّا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، يقال فيه ما سبق في الآية نظيرها في الدرس الماضي.
ليحكمالضمير يعود على مَن؟ على الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أُسْنِدَ الحكم إليه؛ لأن حكمه تبليغ عن الله عز وجل، فيكون حكمه منتظِمًا لحكم الله أيضًا؛ إذ هو المبلِّغ عن الله سبحانه وتعالى.
وقوله: لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْيشمل ما تنازعوا فيه من الخصومات، وما اختلفوا فيه من الأحكام؛ فإن الحاكم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، لا في الخصومات التي تحدث بين المتشاجرين، ولا في الأحكام التي يختلف فيها الناس، قال الله عز وجل: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَىمن؟ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، وقال سبحانه وتعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء: ٥٩].
فالمؤمنون إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فقولهم: أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَابآذاننا، وَأَطَعْنَابجوارحنا، فهم يسمعون وينقادون، والطاعة -كما مر- شاملة لفعل الأوامر وترك النواهي، شاملة للأمرين جميعًا، عكس الذين يقولون: سمعنا، وهم لا يسمعون، أو يقولون: سمعنا وعصينا، فيقولون: سمعنا، ولا ينقادون، أو يقولون يُصَرِّحُون بالعصيان، يقولون: سمعنا وعصينا، المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا.
وقول المؤلف: أي (القول اللائق بهم)، يعني إنه ما كان قولهم اللائق، فظاهر كلام المؤلف أن المسألة على سبيل التقدير والفرض، أي: ما يُفْتَرَض إلا أن يقولوا هذا، ولكن الحقيقة أن هذا هو الواقع، ما هو بالقول اللائق فقط، بل هو القول اللائق الواقع، فهم إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، مثلما قال الله عنهم، وقالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
وكوننا نجعل هذا قولًا لائقًا أي مقدَّرًا ومفروضًا، وهذا هو اللائق بهم، خلاف ظاهر القرآن؛ فإن قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله يقولون: سمعنا وأطعنا، سمعًا وطاعة، وعلى الرحب والسعة، فهذا قولهم اللائق الواقع منهم، إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ما يقولون: والله رأي فلان خلاف ذلك، ورأي فلان خلاف ذلك، والناس على خلاف ذلك، وما أشبه هذا، ما يقولون هذا الأمر، يقولون: سمعنا وأطعنا.
وهكذا الواجب على كل مؤمن، فمن لمن يقل هكذا فليس بمؤمن، إما أنه قد انتفى عنه الإيمان بالكلية، أو هو ناقص الإيمان.
قال الله عز وجل: و(سمعنا وأطعنابالإجابة، وَأُوْلَئِكَحينئذ، هُمُ الْمُفْلِحُونَالناجون).
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، (هم) ضمير فصل، وقد مرت علينا فوائده الثلاث: الحصر، والتأكيد، وتمييز الخبر من الصفة.
وَأُوْلَئِكَأي: الذين يقولون: سمعنا وأطعنا إذا دُعُوا إلى الله ورسوله، هُمُ الْمُفْلِحُونَ، قال المؤلف: أي (الناجون).
والأصح أن الفلاح ليس نجاة فقط، بل نجاة من المرهوب، وإدراك أو حصول للمطلوب، فالْمُفْلِح هو الذي نجا مما يكره، وأدرك ما يحب، هذا هو الْمُفلِح، إذن هؤلاء هم الذين نَجَوْا من المرهوب؛ لانتفاء العصيان منهم، وأدركوا المطلوب؛ لحصول تمام الطاعة منهم، فبالطاعات حصول المطلوب، وباجتناب المعاصي النجاة من المرهوب.
وحَصْر الفلاح في هؤلاء يدل على أن من سواهم غير مُفْلِح، لكن إن انتفى عنه الإيمان كله انتفى عنه الفلاح كله، وإن انتفى عنه بعض الإيمان انتفى عنه بعض الفلاح، إذن وظيفة المؤمن فيما إذا دُعِيَ إلى حكم الله ورسوله، أو فيما إذا اطَّلَع هو بنفسه على حكم الله ورسوله، الواجب وظيفته أن يقول: سمعنا وأطعنا، ما يلتفت يمينًا أو شمالًا، أو يُؤَوِّل، أو يُحَرِّف، لا، يقول: سمعنا وأطعنا انقيادًا تامًّا وسمعًا تامًّا؛ لأن بذلك يتحقق الإيمان.
والإنسان الذي ينقاد لحكم الله سبحانه وتعالى بهذه السهولة وبهذه المطابقة هو الذي يستريح، ولا يحصل عنده قلق؛ لأن مَن عَوَّدَ نفسه التردد في قبول الأحكام الشرعية ولو في حكم واحد فإن النفس تجبره على أن يتردد في كثير من الأمور الشرعية، يقول الله عز وجل: وَنقُلبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يؤُمِنُوا بِهِ أَولَ مَرةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠].
فالإنسان إذا عَوَّدَ نفسه قبول الحق من أول وهلة، وبدون أي قلق أو تردد في تنفيذه فإنه يسهُل عليه بعد ذلك الانقياد لجميع الأوامر، وعدم الالتفات والتردد، ولكنه إذا فعل ولو مرة وترَدَّد في أمر من الأمور من الأحكام الشرعية، يعني بعد أن يثبت عنده، دعني من التردد في الثبوت؛ التردد في الثبوت هذا شيء آخر، يعني له أن يتردد في الثبوت إذا كان الحديث مثلًا ضعيف السند، أو ما أشبه ذلك.
لكن إذا ثبت عنده الحكم أن هذا حكم الله ورسوله فإن تردده في قبوله هذا خطر عليه جدًّا؛ لأنه يؤدي إلى التردد في الأحكام الأخرى المستقبَلة، ونظير ذلك في الحكم القدَرِي أيضًا، الإنسان الذي لا يُمَرِّن نفسه على الصبر على أحكام الله، وعلى قضائه وقدره، يبقى قلِقًا دائمًا متعبًا من الأحكام القدَرِية التي لا تلائمه.
فإذا تَمَشَّى مع القضاء والقدر، وصار إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابه شر صبر عليه، وهو مُتَمَشٍّ مع القضاء والقدر، فإنه بذلك يستريح ولا يقلق أبدًا، تجد الإنسان الذي يريد من الله عز وجل أن يكون قضاؤه وقدره فيما يلائمه تجده دائمًا في قلق؛ لأن القضاء والقدر ليس على ما تريد، كما أن الشرع أيضًا ليس على ما تريد.
الشرع ليس على ما يريد الناس، والقضاء والقدر ليس على ما يريد الناس، فمن تَمَشَّى معهما؛ مع هذين الحكمين، فإنه سوف يجد الفلاح والطمأنينة، والحياة الطيبة، ومن قَلِقَ منهما أو من أحدهما فإنه سيبقى في قلق، إن كان من الأمر القدري بقي في قلق وحزن؛ لأن الأمور ما تيجي على ما ينبغي، وإن كان في الأمور الشرعية كذلك أيضًا ينفتح عليه باب التردد في قبول أحكام الله وتنفيذها.
***
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ: يخافه، وَيَتقْه-بسكون الهاء وكسرها- بأن يطيعه، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَبالجنة).هذه الآية من أجمع الآيات وأخصرها.
وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُبانقياده لأحكام الله ورسوله، وسبق أن الطاعة موافَقَة أيش؟ الأمر؛ نهيًا كان أو أمرًا، يعني طلب إيجاد، أو طلب تَرْك، فهي موافقة الأمر، مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتقْه، شوف الطاعة لله ورسوله، والخشية عبادة، والتقوى عبادة، ما تكون إلَّا لمن؟
طلبة: لله.
الشيخ: إلا لله وحده، ولهذا قال: وَيَخْشَ الله وَيَتقْه، يقول عندي أنا: (بسكون الهاء -{يَتَّقِهْ}- وكسرها) بسكون الهاء وكسرها: {وَيَتَّقِهِ} أو {وَيَتَّقِهْ}.
طيب يخشى اللهيقول المؤلف: (يخافه)، ولكن هذا التفسير قاصر؛ لأن الخشية أشد من الخوف، والفرق بينهما: الخشية لا تكون إلا من علم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، فالعالِم هو الذي يخشى الله؛ لأنه يخافه عن علم بحقيقة الْمَخُوف وحال الخائف، فهو يعلم حال الْمَخُوف ويعلم حال الخائف.
الخشية لا تكون إلا عن علم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨].
الفرق الثاني: بحال الْمَخُوف والخائف؛ الخشية تكون من عِظَم الْمَخْشِيّ، والخوف يكون من ضعف الخائف، والفرق بينهما ظاهر، يعني أن الخشية إنما تكون لعِظَم الْمَخْشِيّ وإن كان الخاشي عظيمًا، والخوف يكون من ضعف الخائف.
الفرق الثالث: الخشية خوف بهيبة وتعظيم وإجلال، وهذا الفرق متفرِّع عن الفرق الثاني.
والخوف لا يكون كذلك، لا يكون عن هيبة وتعظيم وإجلال، ولذلك يقال: خاف من الذئب، ولا يقال: خَشِيَ منه أو خَشِيَه، إلا على سبيل التوسع.
فهذه الفروق الثلاثة توجِب ألَّا تكون الخشية بمعنى الخوف على وجه المطابَقة، نعم على وجه التقريب لا بأس؛ أن الإنسان يقول: إن الخشية بمعنى الخوف؛ ليقرِّبها إلى أفهام السامعين، لا على أن الخوف هو المعنى المطابق للخشية، إن الخشية تكون مع هيبة وتعظيم وإجلال للمَخْشِيِّ، بخلاف الخوف.
نقول: وَيَخْشَى اللهَ{وَيَتَّقِهِ} و{وَيَتَّقِهْ}، نتكلم الآن على القراءات اللي فيها:
فيها: {وَيَتَّقِهِ}.
وفيها: {وَيَتَّقِهْ}.
وفيها قراءة ثالثة؛ قراءة حفص ما قالها المؤلف وهي ويَتَّقْهِبسكون القاف وكسر الهاء.
أما قراءة {ويَتَّقِهِ} سواء أَشْبَعْنَا الهاء أم لم نشبعها، وهما قراءتان أيضًا: {ويَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ} {وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ} فيها قراءتان؛ الإشباع وعدمه، هذه القراءة واضحة، ولا فيها إشكال؛ لأنها مُتَمَشِّيَة على ما نعرف من القواعد العربية، أو لا؟
{يَتَّقِهِ} مثل (يَرْمِهِ) معطوفة على فعل الشرط وهو يُطِعِ، وهو مجزوم، والمعطوف على المجزوم مجزوم، أيش علامة جزمه؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، حذف حرف العلة، يعني حذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، {وَيَتَّقِهِ} حذف الياء والكسرة قبلها دليل عليها.
والهاء في {وَيَتَّقِهِ} مفعول (يَتَّقِ) وهي ضمير مكسور، مبنية على الكسر يعني.
لكن على قراءة وَيَتَّقِهْسكون الهاء على خلاف الذي نعرف، فنقول: سُكِّنَت للتخفيف؛ لأن وَيَتَّقِهْأخف من {وَيَتَّقِهِ}، فهي مُسَكَّنَة للتخفيف.
على قراءة حفص وَيَتَّقْهِكيف سُكِّنَت مع أنها مجزومة بحذف حرف العلة؟ لأن (يَتَّقِي) ما فيها شك أنها فعل ناقص آخره حرف علة، فكيف سُكِّنَت؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، مكسورة، وَيَتَّقْهِما يمكن تُسَكَّن (...) ساكن قبلها ما يمكن نطقه، لكن القاف ساكنة، فالإشكال الآن في تسكين القاف مع أن الفعل مُعْتَلّ آخره ليس حرفًا صحيحًا، والمعتل يُجْزَم بحذف حرف العلة، فلماذا سُكِّن؟
يقال: إما أنه سُكِّنَ تخفيفًا وَيَتَّقْهِ، أو سُكِّن على تناسي حرف العلة، كأنه نُسِي حرف العلة وصار فعلًا أيش؟ فعلًا صحيحًا، والفعل الصحيح يُجْزَم بالسكون.
التقوى، مر علينا كثيرًا في تفسير التقوى بأنها اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فما الربط بينها وبين الخشية؟ يقال: التقوى في الحقيقة نتيجة الخشية؛ لأن من خشي الله اتَّقاه، اللي يخافه بهيبة وتعظيم وإجلال لا بد أن يتقيه، فالربط بينها وبين الخشية أنها فرع عنها، ونتيجة عنها، فمن خشي الله اتقاه بلا شك.
فيه سؤال ثانٍ أيضًا، قلتم: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أليس ذلك هو الطاعة؟ ويش الجواب؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هي في الحقيقة هي الطاعة، ولكن ليكن عندكم قاعدة تفهمونها، وهي أن بعض الكلمات تُفَسَّر بمعنى عند الانفراد، وبمعنى آخر عند الاقتران، فقد تكون عند الانفراد شاملة لهذا المعنى، وقد تكون عند الاجتماع بعضًا منه، وأمثال ذلك كثير.
مثلًا الفقير والمسكين، عند الانفراد الفقير يشمل المسكين، والمسكين يشمل الفقير، لكن عند الاجتماع يكون الفقير بعضًا من المسكين، والمسكين بعضًا من الفقير، بمعنى أننا نقول: الفقير كذا، والمسكين كذا؛ لأجل ألَّا يحصل الترادف بين الكلمتين، فتضيع فائدة العطف، مفهوم؟
وكذلك أيضًا هنا الطاعة والتقوى، إذا أُفْرِدَت الطاعة فهي بمعنى التقوى، وإذا أُفْرِدَت التقوى فهي بمعنى الطاعة، وإذا قُرِنَ بينهما جُعِلَت التقوى في تَرْك النواهي، والطاعة في فعل الأوامر، يصير إذن من يطع الله بفعل أوامره فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها؛ لاقترانها بأيش؟ بالتقوى، والتقوى هنا اجتناب النواهي فقط، ونَقْصُرها على بعض معناها، ولا نقل: وفعل الأوامر، ويش السبب؟ لاقترانها بالطاعة، ولهذا يقال (...).
إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، بمعنى أنها إذا افترقت صارت بمعنى واحد، وإذا اجتمعت اختلف معناها، والذي يوجِب لنا أن نُحَوِّل الشيء منها إلى معنى آخر، أو إلى بعض المعنى لئلا يكونَا مترادفين، وبذلك -أي بكونهما مترادفين- تضيع فائدة العطف، إي نعم.
طالب: إذا اختلفا في المعنى (...)؟
الشيخ: لا، ما يلزم (...) لا بد إن فيه صلة؛ لأنه ما دام هذه إذا انفردت تكون بمعنى الثانية فمعناه أن هناك صلة، فالفقير والمسكين بينهما صلة في الحقيقة، وهو الحاجة، والتقوى يعني ترك النواهي، والطاعة فعل الأوامر، بينهم صلة؛ وهو الامتثال.
طالب: (...).
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، بس إن الطاعة موافقة الأمر.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، الخشية فيها تعظيم، والطاعة هو في الغالب إن الطاعة ما تكون إلا عن محبة؛ لأن من لم يحب شخصًا فلا يطيعه إلا خوفًا منه، وحينئذ تكون خشية، فالطاعة في الحقيقة ما يمكن إنسان يطيع في شيء إلا محبة للآمر، أو للمأمور به، أو خوفًا منه، أما أنه يبغض الآمر ما يمكن يطيعه وهو يقدر (...).
على كل حال إننا نقول: الطاعة إذا انفردت صارت فعل الأوامر وترك النواهي، وإذا اجتمعت مع التقوى حُمِلَت على فعل الأوامر، والتقوى على ترك النواهي، كما أن التقوى إذا انفردت تكون لفعل الأوامر وترك النواهي.
وهذا الحكم أو هذا المعنى فيه كلمات كثيرة من اللغة العربية، إذا اجتمعت افترقت، وصار كل واحدة لها معنى؛ لئلا تضيع فائدة العطف، وإذا انفردت اجتمعت، وصار معناها واحدًا، إي نعم.
طالب: شيخ (...) على الترادف ممنوع؟
الشيخ: إي نعم، الترادف المطلَق ما يمكن يكون أبدًا.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأنه تكرار بلا فائدة، لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب التأكيد اللفظي.
الطالب: وهل يجوز لنا التأكيد مع وجود العطف؟
الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد معناه أن الثاني هو الأول.
طالب: ما يقتضي (...).
الشيخ: لا، يقتضي المغايرة، أن المعطوف غير المعطوف عليه.
الطالب: (...) علماء الأصول (...) أن الاستثناءات كلها تعود في حالة العطف على المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من المشابهة.
الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى، إن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد..





