(...) بلا فائدة لا سيما مع وجود العطف، أما مع عدم العطف فربما يكون من باب
التأكيد اللفظي.
طالب: ولا يجوز التأكيد مع وجود
العطف؟
الشيخ: لا؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والتأكيد
معناه: أن الثاني هو الأول.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، يقتضي المغايرة؛ أن المعطوف غير المعطوف
عليه.
طالب: (...) علماء الأصول (...) إن الاستثناءات
كلها تعود في حالة العطف إلى المستثنى؛ لأن العطف يقتضي شيئًا من
المشابهة؟
الشيخ: الاتفاق في الحكم والتغاير في المعنى؛
أن الكلمة المعطوفة غير الكلمة المعطوف عليها، لكن الحكم واحد، تقول: قام زيد وعمرو
وبكر وخالد، فالحكم على الجميع واحد، لكن عمرو وبكر وخالد غير زيد، بقي المغايرة في
المعنى؛ أنه يطلق الحكم على المعطوفات بعضهم مع بعض هو ضروري، لكن أصل العطف معناه
أن هذا انعطف على ذاك فصار له حكمه، لكن هذا غير هذا؛ يعني: ما يمكن أن تقول: قام
زيدٌ وزيدٌ، ويكون زيد الثاني هو الأول، لا يجوز، لكن يجوز تقول: قام زيدٌ زيدٌ،
يكون (زيد) الثاني هو الأول من باب التأكيد.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: ٥٢] (الفاء) في قوله: فَأُولَئِكَواقعة في جواب الشرط؛ لماذا؟ لأن الجملة اسمية،
وإذا كانت الجملة اسمية في جواب الشرط وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط الفاء إلا عند
الضرورة، مثل قول الشاعر:
| مَنْ يَفْعِلِ الْحَسَنَاتِ اللُّهُ يَشْكُرُهَا | ........................... |
ولم يقل: فالله يشكرها.
وقوله: هُمُ الْفَائِزُونَفيها ما سبق في ضمير الفصل، ويش اللي سبق؟
طلبة: إفادة الحصر.
الشيخ: الحصر والاختصاص والتمييز بين الخبر والصفة، وهذه تكون لضمير الفصل.
طيب الْفَائِزُونَ؟
طالب: (...).
الشيخ: والحصر، والاختصاص هو الحصر.
وقوله: (الْفَائِزُونَبالجنة) يعني: والنجاة من النار أيضًا، كما قال الله عز وجل: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، واقتصار المؤلف على الجنة فقط؛ لأن من دخل الجنة فقد نجا من النار.
هذه الآية من أجمع الآيات؛ لأنها جمعت إجمالًا لأسباب الفوز، أسباب الفوز هذه الأمور الثلاثة؛ طاعة الله وخشيته وتقواه، فمتى حصلت هذه الأمور لشخص فإنه يفوز، والتفصيل معروف عاد من الكتاب والسنة.
طالب: (...)؟
الشيخ: لأن نفس الخشية عبادة وأصل للتقوى، فكون الإنسان في قلبه خاشيًا لله ومعظمًا له وخائفًا منه، هذه عبادة من أعظم العبادات.
***
ثم قال الله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْغايتها، لَئِنْ أَمَرْتهمْبالجهاد، لَيَخْرُجُنَّ قُلْلهم، لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَةللنبي صلى الله عليه وسلم خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه، إنَّ اللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ).أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْحلفوا به، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّهذه الآية استوعبت أركان القسم، كل أركان القسم موجودة؛ لأن القسم دائمًا يحذف منه بعض أركانه، لكن هذه الآية استوعبت الأركان كلها؛ المقسم به، وحرف القسم، وفعل القسم، والمقسم عليه، أو لا؟ هذه الآية ذكرت فيها كل أركان القسم.
فعل القسم: أَقْسَمُوا، حرف القسم: الباء في بِاَللَّهِ، المقسم به: اَللَّهِ، المقسم عليه: لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ، هذه الجملة هي جواب القسم وهي المقسم عليه.
أقسم هؤلاء لئن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: بالجهاد، والدليل أن المراد بالجهاد قوله: لَيَخْرُجُنَّ، فمفروض أن (...) في الجهاد، فهم أقسموا هذا القسم؛ أن الرسول لو أمرهم لخرجوا.
هذا القسم قسمٌ ونذرٌ؛ لأن القسم إذا تضمن التزامًا من الإنسان لله صار جامعًا بين القسم والنذر، وعلى هذا لو قال قائل: واللهِ لأصلين ركعتين، وقصده بذلك الالتزام، ويش يصير هذا؟
طلبة: قسم ونذر.
الشيخ: يصير قسمًا ونذرًا، مثل: لله علي أن أصلي ركعتين (...)، وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ [التوبة: ٧٥].
وأما إذا قصد الإنسان بالقسم تحقيق الشيء دون التزامه فإنه ليس بنذر، فالفرق بين الإنسان اللي يلتزم يرى أن نفسه ملزمة بهذا الشيء وبين الإنسان الذي يريد تحقيق الشيء، لكن من غير أن يرى نفسه ملزمًا، مثل لو قال: والله لأفعلن كذا؛ لأخرجن إلى السوق، لألبسن الثوب، وما أشبه ذلك، هو ما قصده أنه يلزم، قصده أنه يحقق أن يفعل بغير أن يكون ملزمًا؛ يعني: يقول: أنا بفعل هذا، ويحقق أنه سيفعله، فهذا ليس بقسم، فالقسم إن تضمن إلزامًا ويش صار؟
طالب: قسمًا ونذرًا.
الشيخ: قسمًا ونذرًا، أو نذرًا مقسمًا عليه.
وقال الله تعالى: قُلْ لَا تُقْسِمُواما حاجة تقسمون تقولون: والله لئن أمرتنا لنخرجن، وإنما إذا أمرتم فاخرجوا بدون قسم، ما حاجة (...).
طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌالمؤلف جعل حسب سياقه طَاعَةٌمبتدأ، ومَعْرُوفَةٌصفة له، وخبرها محذوف تقديره: خير من قسمكم.
ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أن طَاعَةٌمبتدأ، والخبر محذوف تقديره: عليكم؛ عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو طَاعَةٌخبر، والمبتدأ محذوف؛ أي: طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ، معنى ذلك: أن الإنسان عليه أن يطيع طاعة معروفة، والطاعة المعروفة من المؤمنين أنه حلف أن يفعل ولَّا يفعل بدون حلف؟
طلبة: يفعل بدون حلف.
الشيخ: نعم، يفعل بدون حلف؛ لأنه اللي حلف أنه يفعل كأنه ما وده يفعل، لكن بيلزم نفسه غصبًا.
فالطاعة المعروفة: الانقياد بدون قسم، وهذا أولى من تقدير المؤلف، وهو أن نقول: عليكم طاعةٌ معروفةٌ، أو طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ؛ يعني: الطاعة المعروفة للمؤمنين، وهي التزام أحكام الشرع بدون قسم.
(إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَأي: من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل) هذا ما هو بصحيح، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَأي: بكل ما تعملون، سواء أقسمتم عليه أم لم تقسموا عليه.
و(ما تعملون) (ما) اسم موصول يفيد العموم؛ أي: جميع الأعمال، وخَبِيرٌبمعنى: عليم، إلا أن الفرق بينه وبين العليم: أن الخبير هو العليم ببواطن الأمور، فيكون أدق من العلم المطلق، خبرة بالبواطن.
بِمَا تَعْمَلُونَعام بكل ما يعمله الإنسان في قلبه أو لسانه أو جوارحه، ما يخفى على الله سبحانه وتعالى من ذلك شيء.
يستفاد من هذه الآيات الكريمة: بيان صفة انقياد المؤمنين؛ صفة الانقياد: أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم يقولون: سمعنا وأطعنا، ما يتلكؤون ولا يترددون.
وفيه أيضًا: ما يترتب على هذا السمع والطاعة من الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
وفيه أيضًا دليل على فائدة أن الطاعة والخشية والتقوى وأن هذه الثلاث فائدتها الفوز بالجنة والنجاة من النار.
وفيها دليل على كراهة النذر؛ لقوله: قُلْ لَا تُقْسِمُوا، وهذا نهي، وقد اختلف أهل العلم في النذر هل هو مكروه أو حرام؟
على قولين؛ فمن العلماء من يرى أن النذر مكروه، ومنهم من يرى أنه محرم، وكأن شيخ الإسلام يميل إلى التحريم، وهو أقرب؛ القول بالتحريم أقرب من القول بالكراهة؛ لأن الله تعالى نهى عنه بقوله: قُلْ لَا تُقْسِمُوا، والأصل في النهي التحريم، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» .
والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأن الإنسان في عافية، فكونه يلزم نفسه بأمر لم يلزمه الله به هذا من تكليف نفسه بما لم يكلف به.
ثم أيضًا من المعنى الذي يقتضيه: أن كثيرًا من الناس الناذرين يندمون على نذرهم، لا سيما إذا كان النذر فيه نوع من المشقة؛ مثل حلف: إن شفى الله مريضه أن يصوم من كل شهر عشرة أيام، وشفى الله مريضه، (...) الآن يصوم عشرة أيام من كل شهر إلا لعذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» .
وكثير من الناس الناذرين لا يوفون بنذرهم من أجل أنهم يرونه محقًّا، يقول: الحمد لله، حصل من المطلوب، وشفى الله مريضي، ولَّا نجحت، فلا يوفي لله بما وفى الله له به، الله يوفي له بما اشترط على ربه وهو -والعياذ بالله- لا يطيعه، ولكن ويش النتيجة والعاقبة؟ عظيمة جدًّا؛ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِولا تَصَدَّقوا، وَتَوَلوا وَهُمْ مُعْرِضُونَولم يكونوا صالحين، واللي حصل فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَاأي: بسبب بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
وهذه النتيجة -والعياذ بالله- سيئة عظيمة جدًّا؛ أن يجعل الله نفاقًا في قلب هذا الناذر الذي لم يفِ لله تعالى بما عاهد الله عليه؛ لأنه عاهد الله على هذا الشيء.
وأما من نذر معصية فلا يجوز الوفاء بها؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فنفسك وإن ألزمتك بفعلها فلا تطعْها، كما لا تطيع أميرك إذا ألزمك بأمر فيه معصية الله كذلك أيضًا لا تطعْ نفسك إذا ألزمتك بأمر فيه معصية الله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .
ومع ذلك فعلى الناذر كفارة يمين، فالناذر ما يخلو في الحقيقة من بلاء يلزم به نفسه، أقله كفارة يمين، حتى لو قال الإنسان مثلًا: للهِ علي نذر، بس ها الكلام وما قال شيئًا، ويش يجب عليه؟ يجب عليه كفارة اليمين، وبهذا نعرف خطورة النذر.
وأما ما يتوهم بعض الناس من أن النذر يحصل به المطلوب، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى هذا الوهم بقوله: «فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» ، كيف هو يجلب الخير؟ مريضك قد قدَّر الله أن يشفى قبل أن تنذر، وليس نذرك سببًا للشفاء بالتأكيد، فالله عز وجل أكرم الأكرمين، ليس يتوقف كرمه على شيء (...) الإنسان (...) أنا بنذر لك علشان تشفي مريضك، لا، إذا أنعم الله عليك من نعمة فأنت اشكره عليها بما جاءت به الشريعة، وأما إنك تقول (...)، كأنك تقول: الله ما يطيعني، يشفي هذا المريض إلا لو (...) أنذر له علشان يشفيه، ثم تأتي البلوى، فيحصل الأمر عنده لا به، وهذا من الابتلاء.
لذلك ينبغي لكم، بل يجب عليكم أن تحذِّروا من النذر، وأن تقولوا للناس: النذر لا يأتي بخير، النبي عليه الصلاة والسلام -وهو لا ينطق عن الهوى في هذه الأمور- أخبر بأنه لا يأتي بخير.
وكم من طالبٍ نَذَر: إن الله نجحه أنه يصوم ثلاثة أيام، وينجحه الله ولا بيصوم، ما صام (...) لأيش؟ لأن النفس -في الحقيقة- الضعيفة الإيمان ما يهمه أنه يخالف، يقول: حصل المقصود ولا (...)، على كل حال هذا النذر يستدل على تحريمه بقوله: لَا تُقْسِمُوا.
وفيه: وجوب تقييد الطاعة بالمعروف؛ أن تكون طاعةً بالمعروف، ويش معنى معروف أنه بين الناس ولَّا من الشرع؟ طاعةٌ معروفةٌ بالشرع، ما هي من الناس؛ لأن الناس قد يعرفون شيئًا يظنونه طاعة وليس بطاعة.
ويستفاد منها: أنه لا تجوز الزيادة على الشرع في الطاعة ولا النقص؛ لقوله: طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌبدون غلو ولا تقصير.
وفيه أيضًا: إحاطة علم الله بكل شيء؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَأي: بكل ما تعملونه حاضرًا ومستقبلًا.
والفائدة من ذكر عِلْمِ الله بما نعلم ليس مجرد أنه يخبرنا أنه يعلم، لكن الفائدة من ذلك أيش؟ هو الترغيب ولَّا الترهيب؟ كلاهما، إلا إذا اقتضى السياق أحدًا منهما فقط، وإلا فكونك تعلم أن الله يعلم كل ما تعمل؛ يعني: يوفقك على العبادة (...).
***
(فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَمن التبليغ، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْمن طاعته، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُول إلَّا الْبَلَاغ الْمُبِينأي: التبليغ البين).
يقول الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام آمرًا له أن يقول للناس: أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول، وقد سبق أن الطاعة: موافقة الأمر بفعل الأوامر واجتناب النواهي، هذه الطاعة.
وقوله: أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولإعادة العامل يدل على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة مستقلة، وأن ما جاء به فكما جاء به عن الله؛ ولهذا قال العلماء: إن ما وجب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كالذي وجب بالقرآن من أمر أو نهي، وهذا واضح؛ لأنه جعل طاعة النبي صلى الله عليه وسلم طاعة مستقلة؛ حيث قال: أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول.
وقوله: الرَّسُول(أل) للعهد، وهو عهد ذهني؛ يعني: الرسول المعهود بينكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه ليست كقوله تعالى: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٦]؛ لأن قوله: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَعهد ذكري، أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦]، أما هذه فهي للعهد الذهني؛ أي: الرسول المعهود بينكم الذي تعرفونه.
(فَإِنْ تَوَلَّوْاعن طاعته، بحذف إحدى التاءين خطاب لهم) فَإِنْ تَوَلَّوْايقول المؤلف: معنى تَوَلَّوْاتعرضوا، هذا معنى التولي: الإعراض، لكن من حيث اللفظ أصلها: تَتَولوا، فإن (تتولوا) خطاب للناس؛ وإن تتولوا أيها الناس فإنما عليه ما حمل، إلى آخره، لكن حذفت منها إحدى التاءين.
وقد اختلف النحويون هل المحذوف تاء المضارعة أو المحذوف تاء الفعل؟
منهم من قال: تاء الفعل؛ لأن تاء المضارعة جيء بها لمعنى، فلا ينبغي حذفها، ومنهم من قال: تاء المضارعة؛ لأن تاء الفعل أصلية، وأما تاء المضارعة فهي زائدة، فهي أولى بالحذف من الحرف الأصلي.
وعلى كل حال، فالخلاف في هذا لفظي لا يترتب عليه أمر معنوي، لكن المراد: تتولوا.
نظير ذلك في حذف إحدى التاءين قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤] (تلظى) بمعنى (تتلظى)، وليست (تلظى) فعلًا ماضيًا، وإلا لقال: تلظت، لكنها فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْعَلَيْهِأي: على الرسول صلى الله عليه وسلم، مَا حُمِّلَمن التبليغ والبيان والدعوة، فإنه عليه الصلاة والسلام بلَّغ بلاغًا مبينًا، ودعا الناس أيضًا قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف: ١٠٨].
فالواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أمران، والمؤلف اقتصر على أحد منهم، الواجب عليه التبليغ والدعوة، وقد بلغ ودعا عليه الصلاة والسلام؛ بلَّغ الناس ودعاهم إلى الله، وقام بما يجب عليه.
وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْويش اللي حملنا؟ حملنا طاعته واتباعه، وعلى هذا فإن أخلَّ هو بما عليه صار مستحقًّا لما يترتب على ذلك، وإن أخللتم أنتم بما يجب عليكم صرتم مستحقين لجزاء ذلك.
والنبي عليه الصلاة والسلام بلَّغ البلاغ المبين، فقام بما حُمِّل، لكن الذين أعرضوا لم يقوموا بما حُمِّلوا، وفي هذا دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ملزمًا بهدايتهم.
وهذا كثير في القرآن؛ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢]، أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠]، فهو ليس ملزمًا، بل إن الله نهاه أن يكون في صدره حرج وضيق وحزن وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧]، وقال: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٣] يعني: مُهْلِك نفسَك لعدم إيمانهم.
وهكذا أيضًا من ورث النبي صلى الله عليه وسلم -وهم العلماء- إنما عليهم البلاغ والدعوة، أما هداية الخلق فهي إلى خالقهم تبارك وتعالى، وليس عليك هداهم.
قال الله تعالى مرغبًا في طاعته: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواتطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم تهتدوا، وفي هذا إشارة إلى ما سبق من أن ما جاءت به السنة فهو حكم مستقل يجب أن يُطاع ويُتَّبع، كما جاء في القرآن؛ ولهذا قال: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، والهداية مطلوبة، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأمر فلا يجوز لنا أن نقول هذا: لهذا أصل في القرآن أو لا؟ إن كان له أصل قبلناه، وإن لم يكن له أصل لم نقبله؛ لأن هذا حرام، وهو كفر بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، ثم قال وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوافدلَّ هذا على أن كل ما جاء به فهو حق وهداية، وليس فيه باطل وضلالة.
ثم قال سبحانه وتعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُهذا الحصر حقيقي ولَّا إضافي؛ الحصر هنا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ؟
طالب: حقيقي.
الشيخ: حقيقي، كيف حقيقي وهو يجب عليه أن يصلي وأن يزكي وأن يصوم؟
الطالب: حصر إضافي.
الشيخ: الحصر إضافي، كذا؟
طالب: (...).
الشيخ: حقيقي، إذا قيل: حصر حقيقي، معناه: أن ما سواه منتفٍ، فهل يمكن أن نقول هنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عليه إلا أن يبلغ الناس، وأما أن يفعل الطاعات هو بنفسه فليس عليه منها شيء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يمكن، إذا ما فيه قيد.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، يعتبر أن هذا الحصر إضافي؛ يعني: بالنسبة لما يجب عليه نحوكم، ولو قال: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواوإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَمَا عَلَى الرَّسُولِبالنسبة إليكم إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، أما أن يهديكم ويلزمكم على الحق فهذا ليس عليه، كما قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢]، فيفيد هذا الحصر بالنسبة لما يجب عليه نحو أمته، فإنه لا يجب عليه إلا البلاغ المبين.
طالب: حصر حقيقي بالنسبة (...).
الشيخ: إي، بالنسبة لما يجب عليه لا بالنسبة للعموم، لكن الحصر الحقيقي هو الذي يكون بالنسبة للعموم، لا (...) سوى هذا، ومعنى قوله: إضافي، أنه بالإضافة إلى سبب كذا، لو قلت مثلًا: لا جواد إلا فلان، هذا حصر أنه لا يوجد جواد سواه، مع أن الأجواد سواه كثيرون، لكن لا جواد إلا فلان؛ يعني: بالنسبة إلى قبيلته مثلًا، أو بالإضافة إلى بلده، أو ما أشبه ذلك.
فإذن الحصر يكون إضافيًّا، ما هو حقيقي من حيث المعنى، لكنه بالإضافة إلى كذا، فإذا كان الحصر بمعنى بالإضافة إلى كذا فهو إضافي، وإذا صار الحصر بالإضافة إلى الكل فهو؟
طلبة: حقيقي.
الشيخ: حقيقي.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، حقيقي وإضافي.
يقول: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُالبلاغ بمعنى: التبليغ، وأصل البلاغ: الوصول إلى غاية، يقال: بلغ كذا؛ بمعنى: وصل، فالمبلِّغ موصل إلى غاية، وهي الهداية التي أراد الله سبحانه وتعالى من عباده أن يكونوا عليها.
وقول المؤلف: (المبين بمعنى البين) فيه نظر؛ لأنه سبق أن المبين تصح بمعنى: البيِّن، وتصح بمعنى: المبين لغيره؛ يعني: الموضِّح لغيره، وهذا على حسب السياق، فهنا البلاغ بمعنى البيِّن، أو بمعنى المبين لِمَا بلغ، بمعنى المبين؛ يعني: الذي أظهر وأوضح ما دعا إليه وبلَّغه، فهنا (المبين) بمعنى: المظهِر، وليست بمعنى البيِّن كما قال، وأيهما أبلغ؛ المبين بمعنى المظهِر ولَّا المبين بمعنى البيِّن؟
طالب: بمعنى المظهِر.
الشيخ: بمعنى المظهِر؛ لأن المبين بمعنى: المظهِر؛ بيِّنٌ بنفسه، مبينٌ لغيره، والبيِّن فقط: بيِّنٌ بنفسه، قد يُبِين غيره وقد لا يُبِين، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ.
(وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضبدلًا عن الكفار، كَمَا اسْتَخْلَفَبالبناء للفاعل والمفعول، الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْمن بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة، وَلَيُمَكِّنَن لَهُمْ دِينهمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْوهو الإسلام؛ بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكوها، وَلَيُبَدِّلَنهُمْبالتخفيف والتشديد، مِنْ بَعْد خَوْفهمْمن الكفار، أَمْنًاوقد أنجز الله ما وعدهم).
وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتالوعد معناه: أن يُنَوِّل شخصًا بما يسره، وأما الوعيد فأن يحذِّره مما يكره، ففرق بين الوعد والوعيد؛ الوعد لما يرجى من المحبوب، والوعيد لما يخشى من المرهوب، وقد قال الشاعر:
| وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُـــــــــــــــــــهُ أَوْ وَعَدْتُــــــــــــــهُ | لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي |
وَعَدَ اللَّهأي: أنه سبحانه وتعالى التزم لهم بما يحبون، الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُواأي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان محله القلب، والعمل الصالح محله الجوارح، والإيمان وحده لا يكفي، والعمل وحده لا يكفي، ولا يكون صالحًا إلا بالإيمان، ولو كان ظاهره صورة الصلاح إذا لم يكن مبنيًّا على إيمان فإنه ليس بصالح، فإنه يدور بين الأمرين؛ الإيمان والعمل الصالح لهما هذا الوعد.
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْهذا وعد، ومعنى لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْأي: يجعلهم خلفاء لغيرهم؛ يخلفون غيرهم في الأرض، وكلمة فِي الْأَرْضِالمراد بها الجنس، ما هي أرض واحدة معينة، بل أرض عامة، حقيقةً كل الأرض، في الأرض كلها؛ وذلك لأن الأرض أرض الله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
وقوله: مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِمعروف الذي يشاء أن يورثهم، وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، وعلى هذا فمثلًا أرض العرب ليست للعرب، وأرض الفرس ليست للفرس، وأرض الروم ليست للروم، الأرض لمن؟
الطلبة: لله.
الشيخ: للهِ يورثها من يشاء، وهم العباد الصالحون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فمن كفر بالله وعتا عن طاعته فلا حق له في الأرض، الحق لغيره، يورثها الله تعالى من يشاء من العباد الصالحين.
وعلى هذا، فإذا قال بنو إسرائيل: أرض الشام لنا؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٢١]، فالله كاتبه هنا، إذا قال بنو إسرائيل هكذا نقول: نعم، إن موسى قال هكذا؛ لأنكم في ذلك الوقت أنتم أهل الصلاح وأنتم عباد الله الصالحون، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، فهي لكم في ذلك الوقت لا شك، لكن لما جاء الإسلام وكفرتم به صرتم لستم أهلًا لها، وصار أهلها من؟
طلبة: الصالحون.
الشيخ: الصالحون، وهم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم المتبِعون له.
فإذن المسلمون لما أخرجوا قبل ذلك أيضًا احتلها من بعد اليهود من؟ النصارى الروم؛ لأنهم كانوا هم الصالحين بعد اليهود، ثم احتلها من بعد الروم من؟ احتلها المسلمون؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، فكانت الأرض؛ أرض الشام كانت كتبت لمن؟ للصالحين؛ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، ورثها بنو إسرائيل من الجبارين؛ لأنهم هم على الحق -يعني: اليهود أعني- ثم ورثها النصارى من اليهود؛ لأنهم أهل الحق، ثم ورثها المسلمون من النصارى؛ لأنهم أهل الحق.
وعلى هذا، فاليهود الآن لا حقَّ لهم في فلسطين ولا غيرها من أرض الله، ما لهم حق في الأرض أبدًا، لا هم ولا أي كافر؛ لأن الأرض إنما يستحقها من؟ عباد الله الصالحون.
لكن إن صلح المسلمون ورجعوا إلى دينهم الحقيقي الذي يورثهم الله بها أرضه، فإننا نجزم جزمًا بأنهم سوف يسترجعون الأرض، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٥]، فنحن نجزم بأن المسلمين الآن لو رجعوا حقيقةً إلى دين الله بالإيمان والعمل الصالح، فسوف يطردون اليهود من الأرض، لا بل سوف يطردون الأمريكان من أماكنهم، والروس من أماكنهم، نجزم بهذا جزمًا ولَّا لا؟
أما ما داموا على هذا الوضع -المسلمون- فإنه حسب القواعد الشرعية والنصوص لا يستحقون النصر؛ لأنهم ما قاموا بجهاد أنفسهم، فضلًا عن أن يقوموا بجهاد غيرهم؛ ليدخلوه في الإسلام، نقول: الآن أقيموا الإسلام فيما بينكم، أقيموا دين الله فيما بينكم، ثم بعد ذلك سوف ينصر الله دينه إذا قمتم به؛ لأنه ما ينصر فلانًا؛ لأنه فلان، أو ينصر هؤلاء الطائفة؛ لأنهم عرب، أو ينصر هؤلاء الطائفة؛ لأنهم (...)، ينصر من قام بهذا الدين، صلاح الدين الأيوبي أصله عربي ولَّا غير عربي؟
الطلبة: غير عربي.
الشيخ: غير عربي، ومع ذلك نصره الله على النصارى؛ لأنه قام بدين الله، فالدين نفسه هو اللي بينصر، هو الذي (...) عن نفسه (...) فهو سلاح وإن لم يحمل، ما تقول: الإسلام سلاح يستطيع أن يحكم بالنصر بما في يده من سلاح أبدًا، يبقى إذا (...) سلاح في الإسلام بيد الإنسان، يبقى لنا السلاح المادي؛ أي: بما أقوى مادة.
ومعلوم أن المسلمين أضعف الأمم مادة في الوقت الحاضر؛ لأنهم أمم متفرقة ومتناثرة، والعداوات بينهم كثيرة، والبغضاء بينهم كثير؛ هذا يدعو إلى كذا، وهذا يدعو إلى كذا، وهذا له مذهب خاص، كلهم متفرقون، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: ١٥٩]، وهذا الأمر منطبق تمامًا على المسلمين في الوقت الحاضر، فلا اجتماع على الإسلام، ولا دينَ قيم مقام في المسلمين، قد يوجد فيه شرذمة قليلة إلا أنها لا تمثل المسلمين، يوجد فيها شيء من الصلاح من الإيمان والعمل الصالح، لكن على ضعف أيضًا.
فالحاصل: أن هذا الوعد الذي وعده الله حق، لكن لمن؟ للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهؤلاء هم عباد الله الصالحون الذين قال الله فيهم: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].
فإذا قال الذين يجاهدون اليهود الآن: نحن سنطرد اليهود، ونقيم على هذه البلاد المقدسة التي احتلوها (...)، نقيم عليها دولة إسلامية تقود الناس بدين الله؛ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم مثلوا ذلك بأنفسهم قبل أن يفتحوا هذه البلاد، حينئذٍ نتيقن لهم بالنصر، وفيما عدا ذلك فالنصر غير مضمون، بل قد يكون بالعكس؛ الهزيمة هي المضمونة؛ لأن من قام بشيء وجاهد به وهو على خلافه فإن ذلك نوع من خداع الله عز وجل، ومن يخادع الله يخدعه.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِقيل: الأرض المراد بها؟
طلبة: الجنس.
الشيخ: الجنس؛ يعني: ما هي أرض معينة، كأرض مثلًا مكة يتخذ الله فيها المهاجرين بدلًا عن المشركين، كل الأرض.
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْقوله: كَمَا اسْتَخْلَفَهذا في الحقيقة مثل قوله: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] يعني: ذُكِر من باب التوكيد وطمأنينة الموعود بما وُعِدَ به؛ يعني: كأنه قال: انظروا إلى هذا الوعد الذي وعدكم الله فقد تحقق فيمن قبلكم.
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْمثل من؟ (...) من بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة، صحيح، ومن بني إسرائيل أيضًا بدلًا عن الفراعنة، فإن الله تعالى يقول: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ٥٩]، يقول أيضًا: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَوهم بنو إسرائيل في ذلك الوقت، مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأعراف: ١٣٧]، وقال تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍيعني: فرعون، كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الدخان: ٢٥، ٢٦]، هذا الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم الذي هو في الدنيا تركوه لمن؟ لبني إسرائيل، أورثهم الله تعالى.
كذلك المسلمون، قال الله تعالى في اليهود الذين قضي عليهم بالقضاء على بني قريظة، وبالتالي (...) فتح خيبر، قال الله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب: ٢٧] يعني: ما عمركم وطأتم عليها، أبدًا، أورثكم الله إياها، وهذا وعد حق.
وقد علمتم أنتم في التاريخ أن المسلمين حينما كانوا يمثلون الإسلام حقيقةً ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، ودانت لهم الأمم إدانة تامة، وفي الحقيقة أنهم فتحوا تلك البلدان قبل كل شيء بالدين والأخلاق، فإن من سَبَرَ أحوال المسلمين دخلوا في الإسلام بدون أي قتال، ولكن مع ذلك استعانوا بالسلاح؛ لئلا يقف أحد في وجه دعوتهم، فالسلاح بالحقيقة.. استعمال السلاح في الإسلام ما هو إلا مدافعة عن الإسلام فقط، لا إرغامًا للناس أن يدخلوا بالسيف؛ لأن الله يقول: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، ويقول: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٣٩] يعني: صد عن سبيل الله وقيام ضد الدعوة الإسلامية، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فدين الله ظاهر، وهو الغالب.
فعلى كل حال نقول: إن من سَبَرَ أحوال التاريخ فيما قبل هذه الأمة وفي هذه الأمة عرف تحقيق هذا الوعد، وأنه وعد تحقق (...)، وأنه إنما يتخلف بما يتخلف بسبب النقص؛ إما في الإيمان (...).
فتخلف النصر في أحد لأي شيء؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، لترك العمل الصالح وهو الامتثال؛ حيث قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَبْرَحُوا عَنْ مَكَانِكُمْ، سَوَاءٌ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ أَمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا» ، ولكنهم برحوا وتخلف النصر في غزوة حنين؛ لنقص الإيمان، وهو الاعتماد على الله عز وجل، بل اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة ، فغلبوا من قلة.
هذا دليل على أنه متى تخلف أحد الوصفين؛ الإيمان أو العمل الصالح فإنه يتخلف من هذا الوعد بقدر ما تخلف من ذين الوصفين.
قال: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، والأمر الثاني: مما وعد الله به المؤمنين وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وهذا هو قرة أعينهم؛ قرة أعين المؤمنين أن الله يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويكون الإسلام هو المتمكن، وهو الظاهر، وهو الغالب، هذه قرة عين المؤمنين، وهي إن لم تكن مثل الأولى فهي أولى منها بالنسبة للمؤمن حقًّا الذي يريد الإيمان والإسلام.
لو سئل: ماذا تتمنى؟ ما قال: أتمنى أن يكون لي سيارة فخمة وقصر مشيد، وما أشبه ذلك، قال: أتمنى أن أجد الإسلام هو العالي وهو المتمكن في الأرض، هذه أمنيته، فهذه أمنية عُلْيَا لكل مؤمن.
وفي قوله: دِينَهُمُبالإضافة إليهم فيها نوع من التخصيص ونوع من الفخر والإعجاب، الدين الذي اختاروه لأنفسهم وصار خاصًّا بهم.
ثم في قوله: الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْنقول: فيها أيضًا ميزة أخرى بأن هذا الدين الذي اختاروه هو الدين الذي ارتضاه الله لهم أيضًا، فصار هذا الدين فيه ميزة وغبطة للمؤمنين من ناحيتين:
أولًا: أنه هو الذي سلكوه واختاروه لأنفسهم.
والشيء الثاني: أن الله ارتضاه لهم أيضًا ليدينوا لله به، فيكون فيه مزيتان؛ مزية من جهة السالك، ومزية من جهة الشارع؛ السالك هم دِينَهُمُ، والشارع الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، فهم رضوا هذا الدين وربُّهم رضيه لهم، فكان هذا الدين الذي ارتضوه لأنفسهم ورضيه الله لهم أعز شيء عليهم أن يُمكِّن الله لهم هذا الدين.
وهذا نتيجة ثانية للإيمان والعمل الصالح؛ الأول: الاستخلاف في الأرض، والثاني: أن يُمكِّن الله لهم الدين ويثبتهم ويقويهم ويجعله الأعلى على غيره.
الفائدة الثالثة: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًانقول: فيها قراءتان؛ التخفيف {لَيُبْدِلَنَّهُمْ}، والتشديد يُبَدِّلَنَّهُمْ، وهما بمعنى واحد، أو مع اختلاف يسير.
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاقوله: مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْيعني: الإتيان بقوله: مِنْ بَعْدِما قال: بخوفهم أمنًا؛ لتحقق الخوف الأول، ثم يأتي من بعده الأمن وظهور نعمة الأمن، وفائدته بعد الخوف أبلغ من ظهور أمنٍ على أمنٍ، أو لَّا؟ لأنه ما تعرف قيمة الأشياء إلا بضدها، فإذا قُدِّر أن هذا الإنسان في خوف، ثم أُبدل بعد الخوف أمنًا ظهر لهذا الأمن؛ يعني: ظهر له من الأثر في نفسه ما هو أبلغ مما لو كان أمنًا على أمن.
ولذلك الآن هؤلاء الشباب (...) من بنينا الذين عاشوا في هذا الظل الوارف والنعيم الوافر من الإطعام من الجوع والأمن من الخوف، هل يقدِّرون نعمة هذا الأمن؟ أبدًا، ما يُقدِّرونه، ما كأنه إلا أمر عادي لا يمكن أن يتبدل، وكذلك لا يقدِّرون نعمة الشبع، ما كأنه إلا أمر عادي خلقوا عليه ولم يتبدل، لكن من ذاق ألم الجوع ورهبة الخوف ممن سبقوه، ثم أدركوا هذا النعيم، يعرفون قدر هذا النعيم الذين كانوا يبيتون ليالي لا يشبعون إلا من ورق الشجر إن تيسر لهم، ولا يأكلون اللحم إلا من خفاف الإبل المشوية إن تيسرت، هؤلاء هم الذين عرفوا قدر هذه النعمة التي أصبحت اللحوم تلقى على المزابل من عدم الآكلين لها.
فعلى كل حال، قصدي أن الأمن بعد الخوف أشد ظهورًا منه من الأمن على الأمن، هذا لا يظهر في الحقيقة استمرار الأمن بين قوم لم يذوقوا رهبة الخوف، هذا قد لا يشعر به، لكن الحقيقة في الأمر أن ظهور نعمة الأمن إنما يكون إذا جاء من بعد الخوف.
ولا شك أن الذين خوطبوا بهذه الآية أولًا أنهم قد ذاقوا رهبة الخوف ولَّا لا؟ نعم؛ لأنهم كانوا خائفين من أعدائهم الكفار؛ لما ذاقوه من الأذى الشديد القولي والفعلي، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خرج من مكة إلا خائفًا مختفيًا عليه الصلاة والسلام، حتى أظهره الله عز وجل ودخل فاتحًا منصورًا مؤزرًا، فإذا تصور الإنسان إبدال الخوف بالأمن يجد أن للخوف أثرًا كبيرًا في نفسه، مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
ثم قال: (وقد أنجز الله وعده) حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على باب الكعبة عام الفتح معلنًا للتوحيد الذي كان يحارب في مثل ذلك المكان، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ، وقد تحقق، وللهِ الحمد، فكانت الأصنام في جوف الكعبة وحول الكعبة، وهذا ينافي تمامًا شهادة أن لا إله إلا الله، وقد كان المسلمون منهم من لا يمكن من الطواف بالبيت أو الصلاة حوله، وإذا صلى حوله سخر به وأوذي، حتى إمامهم محمدًا صلى الله عليه وسلم كان ساجدًا، وكان حوله أبو جهل ومن معه من شرار قريش، فقالوا: ألا رجل ينتدب، فيأتي بسلا جزور بني فلان، فيلقيه على محمد صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، ووضعه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فجعلوا يضحكون ويهزؤون به، حتى إن بعضهم يسقط من الضحك والسخرية، إلى أن جاءت فاطمة ابنته، وكانت صغيرة لا يجرؤون على أن يمنعوها، فأخذت هذا من على ظهره صلى الله عليه وسلم .
فأقول: هذا البيت الذي كان حال المسلمين فيه على هذا الوصف بعد مدة وجيزة -ولله الحمد- وقف النبي عليه الصلاة والسلام على عتبة الباب حكمًا في قريش الذين هم فعلوا به ما فعلوا، وقال لهم: «مَاذَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، وفي هذا المقام الذي يستطيع أن ينتقم كما يريد عليه الصلاة والسلام قال لهم: «أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» ، فأي تمكين أقوى من هذا التمكين، وعز أعلى من هذا العز؟!
وصدق الله وعده تبارك وتعالى في مدة وجيزة، وللهِ الحمد، وإلا فمن يصدِّق أنه في خلال ثماني سنوات، وخروج النبي عليه الصلاة والسلام على الوصف الذي تعرفون، ثم يرجع فاتحًا منصورًا مؤزرًا.
يقول: (وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر، وأثنى عليهم بقوله: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) فالمؤلف يرى أن هذه الجملة استئنافية للثناء عليهم؛ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية ليس الغرض منها الثناء، بل الغرض منها استمرار الصفة من الإيمان والعمل الصالح؛ يعني: أن هذا التمكين وهذا الاستخلاف وهذا التبديل بالأمن بعد الخوف هذا، متى يكون؟ إذا استمروا على عبادة الله سبحانه وتعالى من غير إشراك به، فتكون الجملة هذه حالية أوسع بيانًا؛ أن هذا الوصف الحاصل أو هذا الوعد الذي وعد الله به حاصل متى؟ ما استمروا على عبادة الله وعدم الإشراك به.
خذ هذه الصفة -وهي إخلاص التوحيد لله والبقاء عليه الذي هو شرط للتمكين- مع قوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤٠، ٤١]، هذه أربع صفات مع هذه الصفة -وهي العبادة بدون إشراك- تكون أسباب النصر الذي وعد الله به، كم؟ تكون خمسة؛ عبادة الله بدون إشراك الذي أعلاه التوحيد، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذه هي أسباب النصر الحقيقية التي بها ينصر الله عباده، ما عدا ذلك فليس بسبب من أسباب النصر.
ولاحظوا أن إعداد القوة داخل في ضمن هذه الأشياء ولَّا لا؟ نعم، داخل في ضمن هذه الأشياء؛ لأنه من جملة عبادة الله؛ حيث أمر الله به، وكل ما أمر الله به فهو من العبادات.
أما رجل يقول: أنا أتمنى النصر، لكن لا يقيم الصلاة، من أين يأتيه النصر؟! يتمنى النصر، ولكنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فمن أين يأتيه النصر؟! لا بد من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وثقوا أنه ما يمكن يقوم للمسلمين قائمة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر لزم -ولا بد- التفرقُ بينهم ولَّا لا؟
أنا أقول لكم الآن: إذا لم يأمر الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر فإنه يلزم لزومًا حتميًّا مؤكدًا أن يتفرقوا؛ لأنه هل مشرب الناس واحد وهدفهم واحد؟ لا، هذا أمر بالضرورة، فإذا لم يقم هذا الذي شذَّ عن الإسلام صار مفارقًا لنا، يسلك غير ما نسلك؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٤، ١٠٥]، فكل هذا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون التفرق، وهو أمر واقع طبيعي.
يقول: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاوقوله: لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا(شيئًا) نكرة في سياق النفي، فتعم أي شيء مما يشرك به، وليس الشرك خاصًّا بعبادة الوثن؛ بأن يركع الإنسان ويسجد لشجرة أو حجر أو قبر أو شمس أو قمر، لا، الشرك أعم من ذلك كله، حتى إنه إذا أطيع الإنسان في معصية الله يكون ذلك شركًا، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١]، قال عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: نعم، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» .
الرجل يفضِّل الدنيا ويقدمها على الآخرة، هل هو مشرك ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مشرك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» ؛ لأن أصل العبادة مأخوذة من الذل، ومنه قولهم: طريق معبد؛ يعني: مذلل لسالكيه، يمشون عليه، فكون الإنسان يذل للدرهم والدينار حتى يقدمه على طاعة الله عز وجل هذا نوع من الشرك؛ ولهذا سماه النبي عليه الصلاة والسلام عابدًا له.
كلمة لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاليست بالكلمة الهينة إذا كنا نتصور معناها كما جاء بالكتاب والسنة، أما إذا ضيقنا معناها وقلنا: لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاأي: لا يعبدون شجرًا ولا حجرًا، صارت ضيقة ولا معنى للعموم فيها، فإذن عبادة الله حقًّا لا تكون إلا بانتفاء الشرك مطلقًا بحيث لا يشرك بالله أحدًا، ليس في نفس العبادة فقط، بل في نفس العبادة والإرادة، وغير ذلك، فإذا حقق هذا الأمر فقد تحقق الإخلاص.
وقد ذكرت لكم أن بعض السلف كان يقول: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص، وهذا حقيقة؛ فالإخلاص ألَّا يشرك الإنسان بالله شيئًا، لا في العبادة التي لله وحده، ولا في الإرادة، هذا أمر يصعب جدًّا على الإنسان أن يحققه، ولكن بعون الله سبحانه وتعالى والاستعانة به يحصل المطلوب.
ثم قال تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاهو مستأنف في حكم التعليل) غريب المؤلف! جعله بالأول ثناء عليهم، ثم جعله تعليلًا، وفي الحقيقة لا شك أنه تعليل كما قررناه، لكنه متضمن للثناء؛ لأنهم عبدوا الله ولم (...).
***
وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة وَأَطِيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَأَقِيمُوا الصَّلَاةأي: افعلوها قيمة على الوجه الذي شرع الله سبحانه وتعالى ورسوله، هذا معنى إقامة الصلاة، وإقامة الشيء؛ يعني: تعديله وجعله قويمًا، وضد ذلك: تعويجه بالإفساد والنقص، فمعنى إذن أقيموا الصلاة: افعلوها كاملة.والصلاة يعم الفرض والنفل؛ ولذلك إذا دخل الإنسان في نفلٍ وجب عليه أن يأتي بها كما شرع، فلو أراد الإنسان أن يتنفل بنافلة؛ صلاة نفل، ويترك مثلًا التسبيح أو يترك التكبير أو يترك التشهد، ويقول مثلًا: إن الأمر نفل، فأنا كله واحد، نقول له: هو نفل قبل أن تدخل فيه، فإذا دخلت صار الإتيان به على الوجه المشروع أمرًا مفروضًا.
لو قال: أبغي أصلي نفل وبأسجد قبل أركع (...)، أو أبغي أصلي وبأسجد مرة واحدة، أليس ذلك نفلًا؟ نقول له: هذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان نفلًا فإن إقامته على الوجه المشروع واجبة.
وقوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَأي: أعطوها لمن يستحقها، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى المستحقين للزكاة بينهم بقوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠] (...).
طالب: (...).
الشيخ: وَآتُوا الزَّكَاة وَأَطِيعُوا الرَّسُولالطاعة سبق لنا أنها: موافقة الأمر، فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور.
وقوله: وَأَطِيعُوا الرَّسُولهذا من باب عطف العام على الخاص؛ فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من طاعة الرسول، لكن هذا من باب التنبيه بفضل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقوله: الرَّسُول(أل) للعهد الذهني؛ يعني: الرسول الذي هو معروف لديكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَيقول: (أي: رجاء الرحمة)، وهذا يدل على أن المؤلف جعل (لعل) للرجاء، لكن باعتبار الفاعل لا باعتبار المتكلم؛ يعني: أنتم تفعلون ذلك لأجل أن ترحموا؛ راجين بذلك الرحمة، فيكون هنا (لعل) للترجي، لكن باعتبار من؟
طالب: الفاعل.
الشيخ: باعتبار الفاعل اللي هو المخاطب، لا باعتبار المتكلم؛ فإن المتكلم -وهو الله عز وجل- لا يعسره شيء حتى يترجاه، ويجوز أن نجعل (لعل) للتعليل وتكون باعتبار من؟ باعتبار المتكلم؛ يعني: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؛ لأن ذلك سبب لرحمتكم، وهذا أقرب؛ فإن (لعل) في كلام الله، بل في كلام كل مخَاطِب تُحمل على ما يريد المتكلم لا على ما يريده المخَاطَب.
وعلى هذا فنقول: (لعل) للتعليل.
ويكون فيه دليل على أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول سبب لرحمة الله.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَمن قِبَل من؟
طلبة: من قِبَل الله.
الشيخ: من قِبَل الله عز وجل.
فوائد هذه الآية: وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول، من أين نأخذ الوجوب؟
طلبة: من الأمر.
الشيخ: من الأمر؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب.
فضيلة الزكاة؛ حيث قرنت بالصلاة، وهي مقرونة بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، وسبب ذلك -والله أعلم- أن الزكاة عبادة مالية محضة، والصلاة عبادة بدنية محضة، وكلاهما من جنس؛ ولذلك حثَّ الله عليهما جميعًا.
وفيه: أن ما ثبت في السنة كما ثبت في القرآن؛ لقوله: وَأَطِيعُوا الرَّسُول، وهذا شامل لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء، ولما قاله تفسيرًا للقرآن.
فيكون فيه دليل على وجوب العمل بالسنة كما يجب العمل بالقرآن.
والأدلة لذلك كثيرة جدًّا، ولكن ينبغي التركيز عليها؛ لأنه ظهر في وقت من الزنادقة من يقولون: إنه لا يجب العمل بما في السنة (...) صادروا كتب السنة، كصحيح البخاري ومسلم، صادروها وحجبوها عن الأسواق؛ لأنهم يرون أن السنة لا يجب العمل بها، بل على مقتضى عملهم هذا أن السنة ضلال؛ لأنه لا (...) للكتب وتحجب عن الناس، إلا إذا كانت سببًا لفسادهم وضلالهم.
ويستفاد أيضًا من هذه الآية: إثبات الأسباب، وأن الأسباب موجبة بذاتها، من أين تؤخذ؟
طلبة: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
الشيخ: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ؛ حيث جعل هذه الأشياء الثلاثة؛ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول سببًا للرحمة، والصحيح كما أشرنا إليه سابقًا: أن السبب موجبٌ بذاته، لكن مستقل عن الله ولَّا بإذن الله؟
الطلبة: بإذن الله.
الشيخ: بإذن الله، وأما من قال: إن السبب غير موجب، وإنما هو أمارة وعلامة فقط، فقوله يرده العقل والواقع.
وفيه: فضيلة هذه الأمور الثلاثة؛ حيث كانت سببًا لرحمة الله اللي هي إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول.
وفيه دليل على أن الصلاة أفضل من الزكاة؛ وذلك لتقديمها عليها في كل موضع، اللهم إلا أن يكون هناك سبب خاص لتقديم الإنفاق، فقد يقدم الإنفاق على الصلاة، لكن عندما تذكر الصلاة والزكاة فإنها تقدم.
***
ثم قال الله تعالى: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ.يقول: (لَا تَحْسَبَنَّبالفوقانية والتحتانية، والفاعل الرسول صلى الله عليه وسلم)، أما قوله: لَا تَحْسَبَنَّفهو خطاب على كلام المؤلف للرسول، ولكن فيه احتمال ثانٍ؛ أن يكون الخطاب لمن؟ لكل من يصح خطابه بمثل ذلك، فيكون هذا أعم، لَا تَحْسَبَنَّأيها المخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وغيره.
وأما على قراءة الياء: {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، فيقول المؤلف أيضًا: إن الضمير يعود على الرسول؛ يعني: لا يحسبن الرسولُ الذين كفروا معجزين في الأرض.
ولكن عندي فيه احتمال أقرب؛ بأن نجعل {يَحْسَبَنَّ} فاعله (الذين)، {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ}، ويكون المفعول الأول لـ{يَحْسَبَنَّ} محذوفًا، والتقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين في الأرض، ويكون في هذا تهديد لهم.
أما على ما ذهب إليه المؤلف فيكون المراد بذلك ليس تهديد هؤلاء الكفار، ولكن المقصود بذلك تثبيت الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء الكافرين لن يعجزوا الله سبحانه وتعالى، ولكنه يملي لهم وقد يؤخر عقابهم.
وقوله: مُعْجِزِينَيقول: (لنا)، المعجِز هو: الذي يفعل ما يعجز غيره ولا يستطيعه، فهل الذين كفروا معجزين لله؛ أي: فاعلين ما يعجز الله عنه؟
الجواب: لا، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].
(بأن يفوتونا) هذا تفسير للإعجاز؛ يعني: نعجز عنهم فلا ندركهم، بل يفوتوننا.
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواأو {لَا يَحْسَبَنَّ} هذا النهي قلنا: إنه إذا كان الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أو لكل من يصح خطابه فهو للتثبيت والتطمين والتسلية، وما أشبه ذلك، إذا كان الضمير {لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} على ما أشرنا إليه؛ أن الفاعل (الذين)، يكون المراد بالنهي؟
طالب: التهديد.
الشيخ: التهديد.
قال الله تعالى: (وَمَأْوَاهُمُمرجعهم، النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُالمرجع هي) مَأْوَاهُمُأي: مرجعهم الذي يؤون إليه؛ النار.
وإنما قال: مَأْوَاهُمُ النَّارُ؛ لأن هذا هو الواقع؛ إذ إن هذه الحياة الدنيا سوف تنقضي، والمرجع الذي ليس بعده شيء آخر هو ما يؤول إليه المؤمن والكافر يوم القيامة؛ إما إلى نار، وإما إلى جنة، هؤلاء مأواهم النار -والعياذ بالله- مرجعهم.
وقوله: وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُاللام واقعة في جواب القسم موطئة للقسم؛ يعني: والله لبئس المصير، و(بئس) -كما هو معروف- فعل ذم، أو فعل جامد لإنشاء الذم، و(المصير) فاعله، أين المخصوص؛ لأن (بئس) و(نِعْم) تحتاج إلى فاعل ومخصوص، (...) ويش قلنا؟
طالب: تحتاج إلى فاعل مخصوص.
الشيخ: ما قلنا هكذا، وأنت أيضًا لا تقوله؛ فإن (ليس) من الجوامد لا تحتاج إلى (...) قلنا يا جماعة؟
طلبة: (نِعْم) و(بئس).
الشيخ: (نِعْم) و(بئس) تحتاجان إلى فاعل ومخصوص، الفاعل في هذه الآية: وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُهو (المصير)، أين المخصوص؟ محذوف أو مستتر؛ ولبئس هي المصير، لكن ما يصح تقول: مستتر، بل هو ضمير مستتر، فهو الفاعل، فالمفعول محذوف؛ إما أن يقال: ولبئس المصير النار، أو: لبئس المصير هي.
يستفاد من هذه الآية: تمام قدرة الله عز وجل، وأن الكافرين مهما بلغوا من قدرة فليسوا بمعجزين لله، وكون الله تعالى يملي لهم لا يدل على عجزه عنهم، بل يدل على حكمته في تأخير العذاب عنهم، هذه واحدة.
ثانيًا: دليل على أن أهل النار مخلدون فيها؛ لقوله: وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ، ولو لم يخلدوا لكان مأواهم ما بعد النار؛ لأن المأوى معناها المرجع الأخير، وهذا دليل على أن النار دائمة لهم، وأنهم مخلدون فيها.
وقد ثبت في القرآن الكريم تأبيد تخليد أهل النار في ثلاث آيات من القرآن (...) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٩]، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٥]، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
طالب: ما أذكرها (...).
طالب آخر: المواضع أذكرها؟
الشيخ: إي.
طالب: في سورة النساء.
الشيخ: إي.
طالب: وفي سورة التوبة.
الشيخ: لا.
طالب: في سورة الأحزاب.
الشيخ: في سورة الأحزاب، إي نعم، أما في سورة النساء فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩] هذا في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]، فهذه ثلاث آيات صريحة ونصٌّ على تأبيد خلودهم.
وبهذا يعرف ضعف قول من قال من أهل العلم: إنه لا تأبيد لأهل النار، واشتبه عليه قوله: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧]، ولم يشتبه عليه قوله: خَالِدِينَ فِيهَالأهل الجنة مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَلم يشتبه عليه؛ لأنه قال: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨]، وهنا قال في أهل النار: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
لكن ليس معنى ذلك إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُأنه سيرفع عنهم هذا العذاب، بل لما كان هذا انتقامًا منهم وعملًا ليس من الأمر الذي يختاره الإنسان حتى تذكر نعمة الله عليه باستمراره، قال في أهل الجنة: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، وقال في هؤلاء: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، فلا يمنعه شيء أن يفعل ما يريد.
طالب: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ: ٢٣] ما يستدل بها على عدم التأبيد؟
الشيخ: إي، ما هو بصحيحة (...)؛ لأن أولًا: أن لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًامتعلقة بما بعدها؛ يعني: أحقابًا لا يذوقون، وأحقابًا أخرى، أو يقال: أحقابًا؛ أي: مددًا طويلة، وهذا لا ينافي التأبيد (...)؛ لأن التأبيد هل هو (...) عن الأحقاب ما (...)؟
طالب: فترات (...).
الشيخ: لا، أبدًا، ما يمكن فترات؛ لأن المراد بهذا؛ يعني: لو تقول: هذا الرجل (...) النار كلها (...) أحقابًا، كل التأبيد هي أحقاب طويلة.
على كل حال، هذا ما يعارض التأبيد بلا شك؛ إما أن نقول بأنه متعلق بما بعده، وهذا ضعيف عندي، وإما أن يقال: أحقابًا، كونها أحقابًا كثيرة طويلة لا ينافي التأبيد؛ لأن التأبيد أحقابًا طويلة.
طالب: (...)؟
الشيخ: أبدًا، هذا ما له نهاية، أما أهل الجنة ما لهم نهاية.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، (الأحقاب) جمع (حقب)، وهي المدة من السنين؛ ولذلك قال: أَحْقَابًاأحقابًا متوالية، إلى ما لا نهاية له، فإذا قلنا: الحقب -مثلًا- ثمانون سنة، وقلنا: أحقابًا؛ يعني: مددًا طويلة، كل حقب ثمانون، إلى ما لا نهاية له (…)، لو أنه قال: أحقابًا عددها كذا، كان يجوز، لكن حتى المدة المؤبدة هي أحقابًا في الحقيقة.
فعلى كل حال، مهما كان الأمر؛ يعني: مهما فهمنا من كلمة أحقاب من التأبيد فإنها لا تعارض الصريح بالتأبيد، ما تعارضه إطلاقًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح (...).
قلنا: إن مَأْوَاهُمْ النَّارتدل على التأبيد؛ لأنه لو كانت غير مؤبدة لكان مأواهم آخر (...).
وفيه أيضًا دليل على شؤم النار ومرجعها؛ لأن الله تعالى ذمها بقوله: وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
واعلم أن ما ذمه الله عز وجل أو ما مدحه فإنه أمر عظيم؛ لأن العظيم لا يمدح إلا ما هو عظيم جدًّا؛ يعني: العظيم لا يرى الشيء العظيم إلا وهو صحيح عظيم، لكن غير العظيم قد يرى ما ليس عظيمًا عظيمًا، أما العظيم فإنه لا يُعظِّم إلا ما يستحق التعظيم، ولا يذم إلا ما هو مذموم وذمه كثير.
طالب: فقد يتصور الإنسان أن هذا الوصف (...)؟
الشيخ: هو على كل حال عظيم بالنسبة لأخلاق البشر، لكن هذا العظم عظم إلى حد الذي يصل إليه البشر، لكن ربما أنا أقول: هذا الرجل على خلق عظيم؛ لأني جلست معه مدة قليلة ووجدت منه أخلاقًا فاضلة، وليس كما هو الحال، لكن أما إذا قاله إنسان عظيم يعرف الأمور ويقدر الأمور عرفنا عِظَمَه.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، أعظم؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فما ذكر الله عن الجنة والنار ليس مما نتصوره فهو أعظم وأعظم؛ لأن فيها شيئًا ما ندركه في الدنيا؛ ولهذا هي من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، حقائق ما في الجنة وما في النار من الأمور التي لا يعلمها إلا الله.
ولهذا حسب مفهومنا أن الإنسان إذا عذب في النار ويش يسوي؟ يحترق ويموت، لكن في نار الآخرة لا، يذوق العذاب ويتألم، وقول من قال: إنهم -والعياذ بالله-لا يدركون حرَّها، ويقولون: يتأقلمون معها، هذا قول باطل بلا شك؛ ولهذا يقول الله: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦] دل ذلك على أنهم يحسون ويتألمون.
طالب: هم يحترقون يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
فيه هذا دليل على عظم قبح النار وشؤمها، من كون الله تعالى وصفها بهذا الوصف وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
***
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [النور: ٥٨] تقدم فائدة تصدير الحكم بالنداء، وهو التنبيه وبيان أهميته.وقلنا: توجيهه إلى المؤمنين فيه أيضا ثلاث فوائد: الإغراء والحث؛ يعني: لإيمانك يوجه إليك هذا الخطاب، الشيء الثاني: أن تنفيذه من مقتضيات الإيمان، الشيء الثالث: أن الإخلال بهذا الشيء نقص في الإيمان.
وقوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْاللام؟
طالب: للأمر.
الشيخ: اللام للأمر.
(لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْمن العبيد والإماء، وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم مِنْكُمْمن الأحرار وعرفوا أمر النساء، ثَلَاث مَرَّاتفي ثلاثة أوقات) يعني: هذا تفسير للمرات، المراد بالمرات الأوقات.
قوله: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْهو كما قال المؤلف: (من العبيد والإماء)؛ لأن (الذين) اسم موصول يشمل الذكور والإناث.
وقوله: مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْأي: ملكتم، وعبَّر باليمين عن النفس؛ لأنها غالبًا أداة الأخذ والإعطاء.
وقوله: وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم مِنْكُمْيعني: لم يبلغوا زمنًا يحتلمون فيه غالبًا، أو لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُميعني: العقول؛ أي: لم يبلغوا أن يكونوا في حد العقلاء، وعلى كل حال فالمراد بهم من دون البلوغ.





