تفسير سورة النور - 13
عدد الزيارات 1721

الشيخ: .. عليك في هذه الأوقات فلا يهمهم.
ولكن في هذا القيد نظر؛ لأنه ليس الغرض من ذلك دخولهم على النساء حتى نقول: إذا عرفوا أمر النساء، بل الغرض من هذه التوجيهات خوفًا من أن يدخلوا على الإنسان في حال لا يحب أن يطلع عليه فيها، يعني هذه الأحوال الثلاث عورات أي إنسان يدخل عليك ولو كان مما لا يعرف أمر النساء لا شك أنك تشمئز منه، وتنفر من هذا الدخول.
فالصحيح أن هذا القيد الذي ذكره المؤلف ليس بمراد، بل نقول: الذين لم يبلغوا الحلم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم فسيأتي إن شاء الله الحكم فيهم.
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [النور: ٥٨] أي: في ثلاثة أوقات، فَسَّرَها بقوله: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ [النور: ٥٨]؛ لأن الإنسان قبل صلاة الفجر يكون غير متهيئ لأن يراه أحد ويدخل عليه أحد، قد يكون في ثياب النوم التي يكره أن يكون أحد يراه وهي عليه، وقد يكون ثياب أبلغ من ذلك، كثيابه مع أهله، وما أشبه هذا.
والثاني قال: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ [النور: ٥٨] أي: وقت الظهر، حين تضعون (...).

***

طالب: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: ٦٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سجانه وتعالى أمر بطاعة الله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وبَيَّنَ أن ذلك سبب لرحمة الله تبارك وتعالى.
نبدأ الآن في الفوائد: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: ٥٥].
أولًا: في هذه الآية حَثٌّ وترغيب على الإيمان والعمل الصالح.
وثانيًا: أن فيها وعدًا لمن اتصفوا بهذين الوصفين أن يستخلفهم الله تعالى في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، يعني يجعلهم خلفاء لأهلها في إرثها من بعدهم.
وفيها أيضًا: دليل على حسن التعليل؛ حيث إن الله سبحانه وتعالى ذكر الشواهد على وعده بالأمور الواقعة: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فإن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا المثال كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْتطمينَ هؤلاء الموعودين بذكر الأمر واقعًا فيمن قبلهم، فيكون في ذلك زيادة تشجيع لهم.
وفي قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِدليل أيضًا على أن الأرض لله يُورِثُها مَن يشاء من عباده، فهو الذي يستخلف فيها الناس بدل غيرهم، وليس للناس في هذه الأرض ملك، الملك في الأرض لله يؤتيه من يشاء.
وفيه أيضًا: دليل على أن الإيمان والعمل الصالح سبب لتمكين الدين في الأرض، وأن المخالفة سبب لنزع الدين من الأرض؛ لقوله: وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، فيُفْهَم منه أنهم لو فَسَقُوا ولم يؤمنوا ولم يعملوا صالحًا ما مُكِّنَ لهم الدين الذي هو لهم، والذي ارتضاه الله تعالى لهم.
ففيه تحذير بالغ -هذه الفائدة الثانية ترجع على ما قبلها- من أيش؟ من المخالفة والقصور، وأن ذلك سبب لنزع الدين منهم، وهذا هو المضطَرِد في سنن الله سبحانه وتعالى، فإن النعم إذا لم تُشْكَر زالت، وأكبر نعمة يُنْعِم الله بها على عباده هي نعمة الدين، فإذا لم تُشْكَر فإنها تزول كغيرها من النعم.
وفي هذا: دليل على كمال الدين الإسلامي، حيث قال: الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، فهو الدين الذي ارتضاه لعباده، فهو أكمل الأديان على الإطلاق، ولذلك خُتِمَت به الرسالات.
وفيه أيضًا: على أن الإيمان والعمل الصالح سبب لاستمرار الأمن، ولزوال الخوف؛ استمرار الأمن إذا كان هناك أمن سابق فهو يستمر، ولزوال الخوف إذا كان هناك خوف فإنه يزول؛ لقوله: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
وفيه أيضًا: دليل على أن الأمور الهامة ينبغي تأكيدها بأنواع المؤكِّدات، فإن هذا الوعد من الأمور الهامة؛ لما يترتب عليه من المصالح والمنافع في الدنيا والآخرة، ولهذا أَكَّدَه الله تعالى بالقسم واللام والنون: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.
وأكَّده أيضا بمؤكِّد معنوي، ليس بأداة لفظية، وهو قوله: كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فإن المراد بأداة التشبيه -كما أسلفنا- أيش المراد به؟ تأكيد هذا الوعد بذكر شواهده، فيكون ذلك أيضًا تأكيد معنوي على تأكيد لفظي، فالأول اللي كان مؤكَّدًا باللام والنون والقسم هذه مؤكِّدات لفظية، لكن كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْفيها مؤكِّد معنوي، بذكر ما يُقَوِّي القلب ويثبته.
وفيه أيضًا: دليل على أن الإيمان والعمل الصالح هو عبادة الله؛ لقوله: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وعليه يكون تحقيق التوحيد من أسباب هذا الوعد الذي وعد الله به.
وفيه: التهديد للكافرين؛ لقوله: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، فإن هذا تهديد لمن كفر بعد هذا الوعد، أو بعد هذا الواقع، مَن كفر سواء كان وقع له ما ذُكِر من الاستخلاف في الأرض والأمن، أو لم يقع له ولكنه وُعِدَ به، فإن كفره بعد ذلك يجعله فاسقًا.
وفيه أيضًا: دليل على عِظَم هذا الفسق الذي يحصل بعد هذا الوعد، أو بعد هذا الواقع، ووجه عِظَمِه أيش؟
طالب: حَصْرُه.
الشيخ: نعم، حصر الفسق في هذا، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، مع أنه يوجد أناس فاسقون غيرهم، لكن لعِظَم فسقهم حُصِرَ الفسق فيهم، فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
أما الآية الثانية: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النور: ٥٦] فقد تكلمنا على فوائدها.
ثم إن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْإلى آخره، تقدم لنا فائدة تفسير الحكم بالنداء، وأنه دليل على العناية به؛ لأن النداء يقتضي التنبه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من منافيات الإيمان.
وفيه أيضًا: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَجَّهَ الخطاب لهم، ثم قال: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ، والحكم لغيرهم، إشارة إلى أنهم مسؤولون عن تنفيذ هذا الحكم لأولادهم الصغار ومماليكهم، وأن هذا الصغير والمملوك إذا خالف فإنما إثمه على مَن لم يقم بواجب التربية والتأديب.
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَصَّلَها بقوله: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِإلى آخره، أظن تكلَّمنا على ده ولَّا لا؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، ثَلَاثُ عَوْرَاتٍبالرفع خبر مبتدأ مقدَّر بعده مضاف، يعني هذا المبتدأ مضاف، وقام المضاف إليه مقامه، أي: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ لكم، ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
مر علينا فيما سبق أن قوله: ثَلَاثَ مَرَّاتٍيعني: ثلاثة أوقات، يستئذنكم في ثلاثة أوقات.
قال: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، تقدير الكلام: هي -أي هذه الثلاث- ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
يقول المؤلف: (إنها على حذف مضاف)، أي: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ لكم؛ لأن هذه الأوقات ما هي العورات، اللهم إلا على سبيل التَّجَوُّز، بأن نقول: المراد بالعورة زمنها، ولهذا المؤلِّف قدَّرَ قَبْلَها مضافًا: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ؛ لأن الوقت نفسه ليس بعورة، وعلى هذا فلا تكون هذه الأوقات هي العورات، وإنما تكون أوقات عورات، وليست عورات، ولهذا قال: هي أوقاتُ ثَلَاثِ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
والعورة في الأصل ما يُسْتَقْبَح شرعًا أو عرفًا، كل ما يُسْتَقْبَح ويُسْتَحْيَى منه شرعًا أو عُرْفًا فهي عورة، هذه الأوقات الثلاثة أوقات عورات، كيف كانت أوقات عورات؟
طالب: الأوقات الثلاثة.
الشيخ: إي، إنها أوقات عورات، كيف ذلك؟ ليش كونها أوقات عورات؟ أولًا: من قبل صلاة الفجر، كيف هذا يصير عورة؟
الطالب: لكون الناس تخلع ثيابها.
الشيخ: ويكون عليه ثياب أو لباس النوم التي قد يكره الإنسان أن يَطَّلِع عليها أحد، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة كذلك، فالإنسان في وقت القائلة يضع ثوبه وينام عريانًا، أو ينام على صفة لا يحب أن يطَّلِع عليه أحد، ومن بعد صلاة العشاء يكون متهيِّئًا للنوم، ولابس ثياب النوم، ولا يحب أن يطَّلِع عليه أحد، ولهذا قال: إنها ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، يعني: أوقاتُ ثَلَاثِ عورات لكم.
طالب: هذا تقدير المؤلف؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه مفهوم من المعنى، يقول: (وبالنصب ثلاثَ عورات، بتقدير أوقاتٍ منصوبًا بدلًا من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، وهي لإلقاء الثياب فيها تبدو العورات).
يقول المؤلف: (فيها قراءتان: بالنصب؛ ثلاثَ عورات لكم) ويقال فيها ما سبق بأنها على تقدير مضاف، أي: أوقاتَ ثلاث عورات لكم، وهي منصوبة بدلًا مما قبلها، أين اللي قبلها؟ قوله: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لأن (مرات) بمعنى (أوقات)، أوقاتَ ثلاثِ عورات لكم، ثَلَاثَ مَرَّاتٍالأولى بمعنى ثلاثة أوقات، يصير: أوقاتَ ثلاثِ عورات بدلًا منها، وبدل المنصوب يكون منصوبًا.
والخلاصة: أن في قوله: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْقراءتين؛ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على أنها بدل من قوله: ثلاث عورات لكم، ومع ذلك فهي نفسها ليست هي الأصل، لا في كونها خبر، ولا في كونها بدلًا، بل هي قائمة مقام مضاف، ويش تقدير هذا المضاف؟ تقدير هذا المضاف: أوقاتَ ثلاث عورات، أوقاتَ بالنصب، أو أوقاتُ بالرفع.
يقول المؤلف مجيبًا على سؤال مُقَدَّر: كيف كانت هذه الأوقاتُ أوقاتَ عورات؟ قال: (وهي لإلقاء الثياب فيها تبدو العورات).
يعني أنها سُمِّيَت هذه الأوقات أوقات عورة؛ لأنها إذا أُلْقِيَت الثياب فيها للنوم؛ إما للتهيؤ له، أو لكونه أثر النوم، كما قبل صلاة الفجر، فإنه تبدو فيها العورة، وكأن عادة الناس في ذلك الوقت أن الإنسان إذا نام يخلع ثيابه ويلتحف بلحاف وينام، وعلى هذا فالعورة في ذلك تبدو؛ لأن الإنسان ما عليه إلا لحاف وهو مُتَهَيِّئ للنوم.
أما عادة الناس اليوم فهل هي كذلك؟ يمكن يوجد بعض الناس، ما ندري، لكن الظاهر أن غالب الناس أنهم يلبسون ثوبًا، قميصًا، ثوبًا ساترًا، وكذلك أيضًا كانوا في الزمن السابق البيوت ما فيها حجاب ولا أستار، فإذا فاجأ العبدُ أو الصغيرُ صاحبَ المنزل في هذه الأوقات اطَّلَع على عورته.
أما الآن فالبيوت مُحَجَّبَة، والستور مُكَثَّفة، ولهذا لو دخل البيت ولم يستأذن فإن الحكم قد زال؛ لأن الحكم يدور مع علته، حيث قال الله تعالى: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، ولأجل ذلك اختلف أهل العلم في هذه الآية؛ فزعم بعضهم أنها منسوخة (...)، وذلك لأن الناس تركوا العمل بها من قديم.
وقال آخرون: بل هي مُحْكَمَة وباقية، ورُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح أن هذه الآية مُحْكَمَة، لكن في حال دون حال ، وأنه لما كانت البيوت فيما سبق غير مُحَجَّبَة، والستور غير موجودة، والناس في حاجة في الحقيقة، الإنسان ما عنده إلا ثوب، ما يلبسه في النوم، يخلعه ويلتحف باللحاف، لأجل أن يوفر على نفسه غسله بعد الاتساخ.
يقول: فأما الآن وقد كانت البيوت مُحَجَّبَة والستور كثيرة، فإن الحكم قد زال، وعلى هذا فالحكم يدور مع عِلَّتِه.
وعندنا أن الحكم باقٍ حتى وإن كانت البيوت مُحَجَّبَة؛ لأننا نقول: الإنسان عادة إذا أراد أن ينام فإنما ينام في مكان خاص، فإذا أراد أحد من هؤلاء المماليك والصغار أن يستأذن عليه في محل النوم الخاص فإن الحكم باق، وماذا تغني الأبواب إذا بغى إنسان يفتح عليه غرفة النوم يفتح الباب على طول، فهذا أشد، فالحكم باقٍ في الحقيقة.
نعم الاستئذان لدخول البيت عمومًا صحيح أنه قد زال؛ لأن الناس ما كانوا في الزمن السابق، كان في الزمن السابق الحجرة هي حجرة النوم وحجرة الأكل وحجرة الجلوس، وكل شيء.
لكن بعد أن وَسَّعَ الله على المسلمين تَوَسَّعت المباني، فصار النوم له غرفة خاصة، والجلوس له غرفة خاصة، وما أشبه ذلك، فنقول: الحكم باقٍ، لكنه بالنسبة لأي شيء؟ للغرف الْمُعَدَّة للنوم، فإن هؤلاء لا يدخلون حتى يستأذنوا في هذه الأوقات الثلاثة.
أما لو دخل الإنسان الغرفة التي ينام فيها في غير هذه الأوقات الثلاثة، فالأصل أنه ما دخل للنوم، فالاستئذان عليه ليس بلازم، إلا إذا عُلِمَ أن هذه الغرفة أيضًا محل لخلع الثياب ولبسها، فإنه إذا دخل غرفته فلا بد أن يستأذن؛ لأنه يُخْشَى أن يكون قد خلع ثوبه ليلبس الثوب الآخر، فتدخل عليه على وجه تبدو فيه العورة، أظن الأمر واضحًا.
صار هذه الآية تخصيصها بهذه الثلاث بَيَّنَ الله الحكمة من ذلك، ويش هي؟ الحكمة في الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنها أوقات عورة، تُلْقَى فيها الثياب غالبًا للنوم، إما للتهيؤ له، أو بعده، أو من أجل حر، كما في قوله: مِنَ الظَّهِيرَةِ.
ثم نقول: هل الآية هذه مُحْكَمَة وباقٍ حكمها أو منسوخة؟
الجواب: اختلف فيها المفسِّرون؛ منهم من قال: إنها منسوخة، وليس له دليل سوى الواقع؛ وهو تَغَيُّر الناس، وعدم استئذانهم، فظَنُّوا أنها نُسِخَت.
وقال آخرون: بل هي مُحْكَمَة وباقية.
وقال آخرون: إنها مُحْكَمَة، ولكن ترك الناس العمل بها من أجل تغير الحال. وهذا هو الذي صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
كيف من أجل تغير الحال؟ لأن في الزمن السابق كانت البيوت غير مُحَجَّبة، وليس للإنسان غرفة خاصة للنوم، فكان هؤلاء الأطفال، وهؤلاء المماليك، إذا دَهَمُوا الناس وفتحوا الباب بدون استئذان، قد يدخلون وهم على عورة، قد يكون الإنسان مع امرأته، فأُمِرُوا بالاستئذان.
أما بعد أن وَسَّع الله الأمر وصارت البيوت مُحَجَّبة، وصار النوم له غرف خاصة، فإننا نقول: لا بأس من دخول المنزل عامة في هذه الأوقات بدون أيش؟
طلبة: استئذان.
الشيخ: بدون استئذان، ليش؟ لأن العلة التي أمر الله بالاستئذان من أجلها زالت، لكن حُكْمُ دخول غرفة النوم في هذه الأوقات الثلاثة باقٍ ولَّا لا؟
طلبة: باق.
الشيخ: باق، فلا يجوز دخوله لهؤلاء الأطفال والمماليك إلا بعد استئذان؛ لئلا يدخلوا والإنسان على حال لا يحب أن يطلع عليه فيها أحد.
طالب: كشف العورة في هذه الأوقات، هل فيه (...) عورته في الحجرة؟
الشيخ: إي نعم، هذا لا بأس به، يعني لا بأس أن تبدو عورته عند خلع الثوب، أو عند إرادة النوم والتلحُّف بلحاف، ما فيه بأس.
الطالب: موقف الاستمرار.
الشيخ: ما له حاجة في الاستمرار، حتى لو كان الحر ويخلع الإنسان ثيابه فلا بد أن يلتحف، هذا خير له.
طالب: يا شيخ، تعليل العلماء تحريم البقاء في الحمام لأن تنكشف عورته، الموقف ما هو؟
الشيخ: لا، الصحيح ما هذه العلة، الصحيح أن العلة أنه مكان خبيث ومأوى الشياطين، فلا ينبغي للإنسان أن يمكث فيه إلا بقدر الحاجة، ثم إن هناك أسبابًا أيضًا ثانية طبية، وهو الضرر؛ لأن هذا من أكبر ما يُحْدِث البواسير، البقاء على الحاجة بدون حاجة يُحْدِث البواسير، كما هو معروف عند الأطباء وعند الفقهاء أيضًا، الآن فهمنا حكم هذه المسألة.

***

قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ [النور: ٥٨]، أي: المماليك والصبيان جُنَاحٌفي الدخول بغير استئذان، بَعْدَهُنَّ، أي: بعد الأوقات الثلاثة).
يقول الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، يعني: في الدخول عليكم بدون استئذان.
الْجُنَاح بمعنى الإثم، وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْجُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، واضح في نفي الْجُنَاح عن الذين آمنوا؛ لأنهم مُكَلَّفُون، فهم ممن يُوصَفُون بالإثم وعدمه.
وقوله: وَلَا عَلَيْهِمْبالنسبة للماليك ظاهر أنهم يأثمون بما يخالفون به الشرع، أو لا؟
المرة الثانية: (...) لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، منطوق الآية أن الدخول بدون استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة ليس فيه إثم؛ لا على الأولياء، ولا على الصغار والمماليك، لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ، مفهوم الآية الكريمة أن دخولهم في هذه الأوقات بدون استئذان..
طالب: فيه جُنَاح.
الشيخ: فيه جُنَاح عليكم وعليهم، كذا؟ منطوق الآية ما هو؟ نفي الجناح على الأولياء وعلى المماليك والصغار في الدخول بغير استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، وهذا واضح ما هو إشكال، ومفهومها ثبوت الْجُنَاح في الدخول بغير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة، الْجُنَاح على مَن؟
طلبة: على الأولياء.
الشيخ: على الأولياء، والصغار، والمماليك، إذا دخلوا بغير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة، أما ثبوت الْجُنَاح على الأولياء إذا دخل هؤلاء بغير استئذان، فالأمر فيه ظاهر، أيش وجهه؟ أنهم ما دخلوا بغير استئذان إلا لأن هؤلاء قَصَّرُوا في واجب التربية والتأديب، ومَن قَصَّر في واجب ترَتَّب عليه ما يترتب على تركه، هذا بالنسبة للأولياء.
بالنسبة للماليك عليهم إثم، عليهم جُنَاح؛ لأنهم تركوا الواجب وهم مُكَلَّفُون بالِغُون عاقلون.
بالنسبة للصغار هذا هو الْمُشْكِل، على وين مُشْكِل؟ فإن الصغار لا إثم عليهم، فكيف يصح أن ينفي الإثم مع أنه لا إثم عليهم؟
طالب: من الأصل ما عليهم.
الشيخ: إي، دا الفارق، من الأصل ما عليهم إثم، لكن الآية قلنا مفهومة.
طالب: بالنفي.
الشيخ: بالنسبة للمفهوم، خَلِّي النفي، قد نقول: الأصل ما عليهم إثم، لكن بالنسبة للمفهوم الذي يقتضي إثبات الْجُناح فيما إذا دخلوا في هذه الأوقات الثلاث بدون استئذان، أو لا؟ إن هذا هو الإشكال، كونهم لا إثم عليهم إذا دخلوا في غير هذه الأوقات الثلاث بغير استئذان هذا واضح، نقول: الأصل النفي، وهذا نفي، لكن الآن الإشكال يا جماعة في دلالة المفهوم ولَّا في دلالة المنطوق؟
طلبة: في دلالة المفهوم.
الشيخ: في دلالة المفهوم؛ فإن دلالة المفهوم تدل على أنه يثبت الْجُناح لهؤلاء الصغار إذا دخلوا في هذه الأوقات بغير استئذان، وهذا وجه الإشكال، ويش وجه الإشكال؟ كيف يثبت الإثم على مَن لم يُكَلَّفُوا؟
فالجواب على هذا أن يقال: دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط فيها العموم، وإنما تصح وتصدق بالدلالة على فرد من أفراده، ولهذا يقولون: المفهوم لا عموم له، فصار الجواب الآن أن نقول عليكم الدور.
طالب: نقول: إن المفهوم لا عموم له.
الشيخ: إي، دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط لها العموم، فتصدق بصورة واحدة، أو بفرد واحد، وهنا كم صدقت بكم صورة؟
طلبة: بصورتين
الشيخ: بصورتين من ثلاث، فنقول: دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط فيها العموم، وإنما تصدق بصورة واحدة من مئة صورة أو من ألف، فكيف وقد صدقت الآن بصورتين من ثلاث، والصورة الثالثة لولا الأدلة على خروجها ما خرجت أيضًا، الأدلة على خروجها عمومات الأدلة على أن الصغير غير مُكَلَّف، وأنه لا إثم عليه.
طالب: شيخ، لكن الأصل فيها كغيرها؛ العموم ما لم يرد تخصيص.
الشيخ: نعم، لكنه ما يُشْتَرَط، يعني نقول: إن المفهوم لا عموم له، بمعنى أنه يصدق بصورة واحدة، فيكون المفهوم على حسب الأدلة.
طالب: قاعدة مضطردة؟
الشيخ: قاعدة مضطردة عندهم، نعم، المفهوم يكون على حسب الأدلة، إن كان أدلة على العموم، وإلَّا يصدق بصورة واحدة.

***

يقول: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْللخدمة، بَعْضكُمْطائف عَلَى بَعْضٍ.)
طَوَّافُونَخبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم طوَّافون، والجملة هذه تعليل لقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، لماذا ليس عليهم جناح؟ لأنهم طوافون عليهم، يعني: مترَدِّدون، الطوَّاف بمعنى المتردِّد، ومنه الطائف بالبيت؛ لأنه يتردد عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الْهِرَّة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» ، أي: من المترددين عليكم، ومنه قول الناس للمساكين؟
طالب: طوَّافون.
الشيخ: طوَّافون؛ لأنهم يترددون على الناس يسألونهم، فعلى هذا تكون الجملة طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْتعليلًا لقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، لماذا لم يكن علينا ولا عليهم جناح بعدهن؟ لأنهم طوَّافون متردِّدُون، فلو أُلْزِمُوا بأن يستأذنوا كلما دخلوا لكان في ذلك مشقة عليهم، وعلى أهل البيت أيضًا؛ لأن أهل البيت قد يكونون منشغلين، ولا يسمعون المستأْذِن، وقد يثقل عليهم الرد عليه؛ لأنهم منشغلون، فيكون في ذلك مشقة على مَن؟ على المستأذِن وصاحب البيت.
لو ألزمنا الصبي الذي له ست سنوات، أو عشر سنوات، كلما طلع من البيت ودخل: لا تدخل إلا مطارقًا ومستأذنًا، وكذلك المملوك، فيه مشقة ولَّا لا؟ فيه مشقة كبيرة عليه وعلى أهل البيت، لهذا انتفى الحرج؛ لوجود المشقة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك أيضًا في الفوائد.
وقوله بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَدَّرَه المؤلف بقوله: (طائف على بعض)، وعلى هذا فالجملة الثانية بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍتأكيد للجملة الأولى التي هي طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ، فبعضكم يطوف على بعض ويتردد على بعض، فكوننا نُلْزِم بالاستئذان كلما دخل هذا الصبي، أو كلما دخل هذا المملوك، مع أنه دائمًا في خدمة أهل البيت؛ يأتي لهم بالحوائج وغير ذلك، يكون فيه مشقة.
قال: (والجملة مؤكِّدة لما قبلها -وهو قوله: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ- كَذَلِكَ، أي: كما بُيِّنَ ما ذُكِر، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، أي: الأحكام، وَاللَّهُ عَلِيمٌبأمور خلقه، حَكِيمٌبما دَبَّرَه لهم).
كَذَلِكَ، تقع هذه الجملة أو هذا التركيب في القرآن كثيرًا، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ، كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم: ٥٥]، وما أشبهها.
وإعرابها أن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي في محل نصب على المفعولية المطلَقة، أي: مثل ذلك التبيين يُبَيِّن الله لكم، كلما جاءك هذا التعبير نقول: الكاف اسم بمعنى (مثل) منصوب أيش عليه؟
طالب: (...).
الشيخ: على المفعولية المطلَقة، وإن شئت فقل: على أنه مفعول مُطْلَق، العامل فيه ما بعده، وتقدير الكلام هنا: كَذَلِكَأي: مثل ذلك البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ.
وقوله: يُبَيِّنُأي: يُوَضِّح ويُظْهِر.
وقوله: الْآيَاتِيقول المؤلف: (أي: الأحكام)، ولو فُسِّرَت بما هو أعم لكان أولى؛ لأن الله يُبَيِّن الآيات الكونية والشرعية، لكن كأن المؤلف خَصَّها بالأحكام؛ لأن السياق في الأحكام هنا، ليس في الآيات الكونية، ولكن الأخذ بالعموم أولى.
وقوله: (الأحكام)، كيف كانت الأحكام آيات لله؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، الآيات المهم إنهم ينتفعون بها، لكنها تدل على الله.
طالب: الحكمة في هذا يدل على الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: إي نعم لأن هذه الأحكام إذا تأمَّلها الإنسان وجدها في غاية الإتقان، ووجدها في غاية المناسبة للخلق، في جلب المصالح لهم، ودفع المضارِّ عنهم.
لله المثل الأعلى، لو أن رجلًا كتب له نظامًا، المادة الأولى، المادة الثانية، إلى آخره، وتدبرنا هذا النظام، وإذا هو نظام مُحْكَم مُتْقَن موفٍّ للمصالح ومناسب، ماذا نقول عن هذا الكاتب؟ نقول: إنه حكيم، ونعجب بحكمته، ويدل ذلك على ذكائه وفطنته.
فكيف بأحكام الله سبحانه وتعالى التي لا يمكن أن تتغير، ولا أن تتناقض، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، فمن تَدَبَّر أحكام الله سبحانه وتعالى في خلقه تَبَيَّن له أنها من لدن حكيم خبير، ولهذا قال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ.
وفي وصف الأحكام بالآيات إرشاد للخلق إلى تأمُّل هذه الأحكام؛ ليستدلوا بها على مُشَرِّعها، لا تظن إذا قال لك الأحكام الشرعية آيات من آيات الله المهم أنك تأتي وتقول: ما شاء الله، إنها آيات، وتؤمن بأنها آيات، لا، يجب أن تبحث وتتأمل، (...) يتبين لك كيف كانت آية من آيات الله عز وجل؛ لتستدل بها على مُشَرِّعها، على حكمته، وعلمه، ورحمته.
وهكذا أيضًا في الآيات الكونية وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ [فصلت: ٣٧]، ما يكفي أن تقول: الليل من آيات الله، والنهار من آيات الله، والشمس من آيات الله، والقمر من آيات الله، ما يكفي هذا، إنما يقال لك: إنها من آيات الله، ويش السبب؟ ترغيبًا للبحث عن وجه كونها من آيات الله؛ لتستدل بها عن اقتناع على خالقها إن كانت كونية، وعلى مُشَرِّعِها إن كانت شرعية.
وقوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌإشارة إلى أن هذه الأحكام صادرة عن علم وعن حكمة، وإذا صَدَر الحكم عن علم وحكمة صار مطابِقًا للحق؛ لأن مخالفة الحق في الأحكام مرجعها أحد أمرين؛ إما الجهل، وإما السفه، الجهل منافٍ لأيش؟
طالب: للعلم.
الشيخ: منافٍ للعلم، أو السفه المنافي للحكمة، فقد يكون الْمُشَرِّع جاهلًا فلا يشرع أحكامًا مناسبة؛ لأنه جاهل، وقد يكون سفيهًا يعلم الأحكام ويعلم مصلحتها، ولكن لا يريدها، فيكون سفيهًا، فالله جل وعلا مُتَّصِفٌ بالعلم والحكمة اللَّتَيْن بهما أيش؟ تكون الأحكام مناسِبة للمصالح، وباختلاف واحد منهما يختل من الأحكام بحسبه، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: (...) نعم، يستأذنون دائمًا، لكن هذا فيما يبدو -والله أعلم- فيمن ليس من أهل البيت، أما صاحب البيت فلا يستأذن، هذا الظاهر، وسيأتي إن شاء الله؛ لأن المؤلف معلق كلام ..
طالب: اللام.
الشيخ: إي، لام الأمر للوجوب.

***

طالب: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور: ٦١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سبحانه وتعالى بَيَّن، بل أوجب أن يستأذن الصغار والمماليك في ثلاث ساعات؛ الأولى: من قبل صلاة الفجر، والثانية: حين تضعون ثيابكم من الظهيرة، والثالثة: من بعد صلاة العشاء.
وبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى الحكمة في ذلك بأن هذه الأوقات الثلاثة..؟
طالب: عورات.
الشيخ: عورات للإنسان، فربما يدخل الشخص عليه بدون استئذان، فيجده على عورته، أي: على ما يُسْتَقْبح أن يُرَى ويُسْتَهْجَن، وأظن أننا ما تكلمنا على الفوائد.
طالب: لا.
الشيخ: وسبق أيضًا أنه ليس عليهم ولا على أوليائهم جُنَاح بعد هذه الثلاث في أن يدخلوا بدون استئذان، وبَيَّنَ الله الحكمة من ذلك أيضًا بأنهم..؟
طالب: طَوَّافُونَ.
الشيخ: طوَّافون علينا، بعضنا على بعض طواف متردد، وإيجاب الاستئذان في كل ما ترددوا فيه حرج ومشقة.
نبدأ الآن بالفوائد:
أولًا: توجيه الخطاب للمؤمنين والحكم لغيرهم يدل على أنهم..؟
طالب: مسؤولون.
الشيخ: مسؤولون عنهم.
ثانيًا: وجوب استئذان هذين الصنفين من الناس الصغار والمماليك في ثلاثة أوقات فقط وهي المذكورة، وأما مَن سواهم فيجب عليهم الاستئذان دائمًا.
طالب: الصغير يدخل على بيت غير بيته.
الشيخ: إي نعم، فظاهر الآية أنه لا يجب عليه استئذان؛ لأنه صغير ولا يهتم بالأمور.
طالب: (...) طوَّافون عليكم.
الشيخ: إي نعم، وفيه دليل على تعليل الأحكام، وأرجو أن لا أحد يسأل ما دمنا نستنبط؛ لأنه قد يكون في ذهني شيء، ثم هذا السؤال يحول بيني وبينكم؛ لأن محل السؤال والمناقشة بعد الدرس.
الفائدة الثالثة: تعليل الأحكام، بمعنى أن أحكام الله سبحانه وتعالى كلها مبنية على الحِكَم، وجه ذلك في الآية أن الله عَلَّل الحكم الأول والحكم الثاني؛ الحكم الأول: وجوب الاستئذان في ثلاثة أوقات بأنها..؟
طالب: عورات.
الشيخ: عورات، والحكم الثاني: عدم الاستئذان فيما عداها بأنهم طَوَّافون عليكم.
الفائدة الرابعة: تحريم النظر إلى العورات، ما وجهه؟
الطلبة: (...).
الشيخ: أنه إذا وجب الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة خوفًا من أن يفاجئهم على عورة، فمن تعمد النظر إلى عورة فهو أولى، إذن فيستفاد منه تحريم النظر إلى العورة، سواء كان الناظر صغيرًا أو كبيرًا، وأما تهاون بعض الناس في نظر الصغير إلى العورة فهذا خطأ، بعض الناس إذا صار الصغير تَوُّه ست سنين، سبع سنين، ما يهمه أن ينظر إلى عورته، وذلك لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يرتسم في ذهنه هذا المنظر، ثم ربما يذكره في يوم من الأيام.
الحاصل أن هذا فيه دليل على تحريم النظر إلى العورة من الصغير والكبير، ولكن ترى المراد بالصغير الذي يميز؛ لأن قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُدليل على أنه مُمَيِّز، يُؤْمَر بالاستئذان فيستأذن، أما الصغير وغير الْمُمَيِّز فهذا ليس له.. ما يدري عن شيء.
الفائدة الخامسة: رفع الحرج والمشقة على الناس، من أين نأحذه؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، من رفع الحرج في عدم الاستئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة بأنهم طوَّافون عليهم مترددون، والاستئذان فيه مشقة.
الفائدة السادسة: أن الولي آثِمٌ لما ارتكبه مَوْلِيُّه من معصية أو مخالفة، إذا كان قد فرَّط في تربيته وتأديبه؛ لقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ.
الفائدة السابعة: طهارة بدن الطفل، وإن غلب على الظن أنه نجس، من أين نأخذه؟
طالب: طَوَّافُونَ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: عدم الاحتراز.
الشيخ: إي، ما يخالف، عدم الاحتراز بالنسبة للاستئذان.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِلَ عن الهرة قال: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ» .
الشيخ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ»، وعلَّل ذلك بأنها من الطوافين، وهؤلاء من الطوافين، فربما يؤخَذ من هذا طهارة بدن الطفل، وأنه طاهر ما لم يتيقن النجاسة، فإذا تيقن النجاسة هذا شيء ثانٍ.
والفائدة الثامنة في هذه الآية: منة الله تعالى على العباد ببيان الآيات الكونية والشرعية، حتى لا يبقى للناس على الله حجة بعد هذا البيان، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ.
الفائدة التاسعة: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل تشريع الله عز وجل ونظامه، من أين تؤخذ؟
طالب: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
الشيخ: لا، غير هذا، من كونه جعل ذلك من الآيات، وآيات الله معناها أنها لا تصلح لغيره؛ إذ لو صلحت لغيره لم تكن آية له، فهذا يدل على أن شرع الله لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، وإلا ما صح أن يكون آية، لكان غير آية.
وفيه أيضًا: دليل على ثبوت ملك اليمين للآدميين، وأن الإسلام جاء بالرق؛ لقوله؟ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
ولكن كما هو معروف أن الإسلام حمى حقوق هؤلاء المماليك، ورَغَّبَ في تحريرهم وعتقهم، وجعل للعتق أسبابًا متعدِّدة.
الفائدة الحادية عشرة: جواز وضع الثوب عند النوم، ويلتحف الإنسان بلحاف؛ لقوله: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، قَيَّدَ الظهيرة بقوله: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ، وفي الأول ما قيدها، قال: مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وكذلك فيما بعد: وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، ولم يقل: حين تضعون ثيابكم من الفجر أو من العشاء.
طالب: لأنه ليس كل الناس يفعلون هذا، بخلاف النوم يعني من بعد العشاء، أو تضع الثياب من الحر.
طالب آخر: يعني السهر، أولًا: فيه ناس أعمالهم تضطرهم، فلا يفعلون هذا الشيء، ينامون في أماكن أعمالهم.
الشيخ: ما يضعون ثيابهم، يعني ينامون بدون وضع ثياب.
طالب: لا، ما ينامون أصلًا.
الشيخ: إي، هذه واحدة، والشيء الثاني؟
طالب: يعني الوقت (...).
الشيخ: وفي الليل، ما له ثياب إلا النوم؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...) لكن ما هم يضعون ثيابهم الناس عند النوم؟
الطالب: في الأغلب.
الشيخ: لا، هو الظاهر إنه ما كل الناس يكون ما عند الظهر عورة لهم، إنما يكون عورة لمن يضع ثوبه لينام عند الظهيرة.
وبعضهم قال: لأن نومة الظهر ليست طويلة، فبعض الناس ما يخلع ثيابه، ولهذا قيَّدها بقوله: حِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، بخلاف نوم الليل؛ فإن الناس يخلعون ثيابهم؛ لأن مدته تطول.
طالب: ما نحتاج لوضع الثوب بالنهار بعد الظهر فمن باب أولى.
الشيخ: لا، ما نحن الآن نسأل عن شواذ وضع الثوب، نسأل: ما الحكمة في تقييد الظهر بقوله: وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ، ولم يقيِّده بالليل ولا ما بالليل، هذا ما هو بسؤالنا هل يجوز ولَّا ما يجوز، لا، الجواب: جائز.
الفائدة الثانية عشرة: فيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق، وأنهم وإن رَضُوا بما يُسْتَقْبَح فلن يرضى الله به.
فقد يقول قائل: أنا ما يهمني إذا دخل عليَّ طفلي في هذه الأوقات الثلاثة.
فنقول له: ولكن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بك، ومنع من الدخول عليك في هذه الأوقات الثلاثة.
الثالثة عشرة: وهي جواز الدخول بدون استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، ذكرناها؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيه بحث هل هذه الآية مُحْكَمَة أو منسوخة، أو تُرِكَ العمل بها لزوال الحاجة إليها، إيش قلنا أمس؟
طالب: قلنا: قال بعض العلماء: إن هذه الآيات منسوخة، بدليل أنه تُرِكَ العمل بها، وثبت عن ابن عباس أنه قال: هي مُحْكَمَة، ولكن في حال دون حال .
وقال بعض العلماء: أنه في السابق كانت البيوت يعني ليس بها أستار ولا حجب، ثم وُجِدَت الأستار والحجب فبطل.
ولكن الصحيح أنه قال: إنه لما كانت البيوت فيها أستار وحجب، يقال: هذا (...) حجرة خاصة بالنوم. فيقال: هذا الحكم ما فيه (...) خاصة.
الشيخ: إذن الآية مُحْكَمَة، ويجب أن نعرف أنه ما يجوز أن نقول عن آية أو حديث: إنه منسوخ، إلا بعد أيش؟
طالب: بعد تعذر.
الشيخ: أن يتعذر الجمع بينه وبين ما ادُّعِيَ أنه ناسخه، وأن يُعْلَم..
الطالب: تأخر الناسخ.
الشيخ: التاريخ بتأخر الناسخ، وإلا إذا كان إنك ما تستطيع أن تجمع فَكِلِ العلمَ إلى الله، أما أن تدعي النسخ! لأن معنى النسخ إبطال هذ النص، وإبطال النص صعب، ولذلك يجب على الإنسان أن يتورَّع عن إطلاق النسخ فيما لم يثبت نسخُه، ثم إن ترك العمل بها لا يدل على أنها منسوخة في الحقيقة؛ لأن كم من أشياء مُحْكَمَة وترك الناس العمل بها، فترْك الناس للعمل بها إما تهاونًا، وإما لزوال السبب الموجِب للاستئذان.
الفائدة الخامسة عشرة: وفي الآية أيضًا إثبات العلم والحكمة لله من هذين الاسمين وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، والحكمة سبق لنا أنها وضع الأشياء في مواضعها، بل سبق لنا أن الحكيم ليس معناها ذو الحكمة، فقط، بل معناه ذو الحُكم والحكمة.
طالب: (...) يا شيخ القاعدة أن المشقة تجلب التيسير.
الشيخ: إي نعم، فيها أن المشقة تجلب التيسير، نشوف كلام المؤلف؛ لأن له تعليقًا في هذه الآية.

***

قال: (وآية الاستئذان قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاوَنَ الناس في ترك الاستئذان).
هذان القولان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح: أن الآية مُحْكَمَة وباقية، وأن ترْك الاستئذان إما للتهاون، وإما لزوال السبب الموجِب للاستئذان، وأما أن نقول: إن الأحكام الشرعية تُنْسَخ بترك الناس العملَ بها، فهذا لا وجه له.
طالب: شيخ، يقول بعض الناس: في ترك ..
الشيخ: في ترك الاستئذان.
طالب: ما قال: تهاون في الاستئذان.
الشيخ: لا، في تركه، (تهاون الناس في تركه)، يعني: فتركوه، أنت قصدك أن الذي ينبغي أن يقول في فعله: تهاونوا به، هذا لا يقال: بفعله، بتركه، ويصلح أيضًا تهاون الناس، بماذا تهاونوا، أو ما سبب تهاونهم؟ يكون: ترك الاستئذان.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، من المعصية، هذه مخالفة، إذا قصَّر، قَيَّدْنَاها، إذا قَصَّر في تربيته وتأديبه، أما إذا لم يُقَصِّر فلا.
الطالب: إذا كان بالغًا؟
الشيخ: لا، إذا كان بالغًا فقد استقلَّ بنفسه، لكن يبقى إذا بلغ يصير مثل غيره، إذا قدر على تغيير المنكر الذي ارتكبه وجب عليه.
كنا أيضًا بحثنا أمس في مسألة قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ، وقلنا: للآية منطوق ومفهوم؛ منطوقها لا إشكال فيه، وهو نفي الْجُناح؛ لأنه (...) الجناح.
لكن مفهومها أنه عليهم جُناح في هذه الأوقات الثلاثة؛ على الأولياء وعلى الصغار، وهذا فيه إشكال؛ لأن الصغار ليسوا مُكَلَّفِين حتى يكون عليهم جُناح بالمعصية.
طالب: قلنا: إن المفهوم (...)، وأن المنطوق يصدق بأحد الأفراد.
الشيخ: إي نعم، نقول: المفهوم ليس له عموم، فيصدق بوجود صورة من العموم، ولو صورة واحدة.

***

ثم قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُأيها الأحرار الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوافي جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْأي: الأحرار الكبار).
إذا بلغوا الحلم يقول المؤلف: (مِنْكُمُأيها الأحرار)، وذلك لأن المماليك -كما سبق- لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة، سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، ولهذا قَيَّدَها المؤلف بالأحرار لمفهوم الآية الأولى.
وقوله: (بلغوا الحلُم) هو كناية عن البلوغ بالإنزال، والحلُم بمعنى: الاحتلام، أو بمعنى: العقل؛ وذلك لكمال عقولهم، لكن الأول أولى؛ لأنه ما يشترط في هذا كمال العقل، وكمال العقل يحصل بكمال أربعين سنة.
وقوله إذا بلغوا الحلم: فَلْيَسْتَأْذِنُوا، لم يذكر الله سبحانه وتعالى سوى بلوغ الحلم.
والمعروف أن هناك شيئين آخَرين يحصل بهما البلوغ، هما: تمام خمس عشرة سنة، وإنبات شعر العانة. لكن هذان أمران فيهما خلاف بين العلماء.
فمنهم من يرى أنه لا بلوغ إلا بالإنزال، وأن تمام خمس عشرة سنة ليس علامة على البلوغ، بل علامة على قُدرة الإنسان على الجهاد؛ لأن الذين أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر -رضي الله عنه- حينما عُرِضَ على النبي صلى الله عليه وسلم عام أُحُد فلم يُجِزْه، وعُرِضَ عليه عام الخندق فأجازه ، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة، لكن في رواية للحاكم أنه قال: فلم يُجِزْنِي، ولم يَرَنِي بَلَغْت ، والثانية: فأجازني ورآني بَلَغْت .
لكن كلمة: بَلَغْت، هل معناها: بَلَغْت سن التكليف، أو بَلَغْت الحالة التي يمكنني فيها أن أُجَاهِد؟
فيه احتمال، لكن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله كتب إلى عُمَّالِه أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة، ورآهم قد بلغوا، وقال: إذا كان هذا السن حَدًّا لصلاحهم للقتال فهو حَدٌّ لبلوغهم .
ويرى بعض العلماء -كأبي حنيفة- أن حد البلوغ ثماني عشرة سنة، لا خمس عشرة سنة، وهذا هو الذي مشى عليه نظام العمل والعُمَّال هنا؛ لأن الذي واضعه فيما يظهر إنسان أجنبي، ما يعرف إلا المذهب المعروف في الشارع عند عامة المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة الذي يُقَيِّدُه بثماني عشرة سنة، إنما مذاهب الأئمة الثلاثة أن البلوغ يحصل بخمس عشرة سنة.
أما إنبات العانة فنفس الشيء أيضًا؛ فيه الخلاف، والذين قالوا: إنه ليس علامة على البلوغ، قالوا: إن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يكشف عن مؤتزَر بني قريظة؛ فمن أَنْبَت قَتَلَه، ليس ذلك دليلًا على أنه مُكَلَّف، بل هو دليل على أنه من أهل القتال، فيقتله النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن المشهور من المذهب ما هو معروف لديكم من أن البلوغ يحصل بواحد من ثلاثة أشياء.
قال: فَلْيَسْتَأْذِنُوا، وَجَّهَ الخطاب لهم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف، وتوجيه الخطاب إليهم.
وقوله: كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي: من عامة الناس الذين يستأذنون بجميع الأوقات.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، كَذَلِكَ، أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن، وقد قلنا: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مفعول مطلَق لـ(يُبَيِّن).
وهنا الآية الكريمة مثل الآية التي قبلها إلا الفرق بقوله: آيَاتِهِبدل الْآيَاتِ، ولعل هذا -والله أعلم- من باب التنويع في الخطاب أو في الأسلوب، وإلا فمعناهما سواء.

ثم قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ: قعدن عن الحيض والولد لِكِبَرِهِنّ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًالذلك، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّمن الجلباب والرداء والقناع والخمار، غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ: مظهرات بِزِينَةٍخفية؛ كالقلادة والسوار والخلخال، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) إلى آخره.
الْقَوَاعِدُجمع (قاعدة).
وقوله: مِنَ النِّسَاءِبيان للقواعد.
لأن (أل) في القواعد اسم موصول؛ لأنه إذا دخلت (أل) على اسم مُشْتَق، سواء كان اسم مفعول أو اسم فاعل فهي اسم موصول، فالقواعد بمعنى: اللاتي قَعَدْن.
وقوله: مِنَ النِّسَاءِبيان لقواعد، لكن قَعَدْنَ عن أي شيء؟
يقول المؤلف: (عن الحيض والولد)، فيصير معنى القواعد، معناه: اللاتي لا يلدن ولا يَحِضْنَ؛ لكبرهن.
وقيل: القواعد الملازمات للبيوت لكبرهن؛ لأنهن لا يخرجن من العجز والضعف، فهن قواعد.
وقيل: إن القواعد اسم للعجائز مطلَقًا، مثلما نقول: عجوز، مشتقة من العجز، نقول أيضًا: قاعدة، بمعنى: عاجزة عن القيام والذهاب والإياب.
وقوله: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، اللَّاتِيصفة لأيش؟
طالب: للقواعد.
الشيخ: للقواعد ولَّا للنساء؟
طالب: للقواعد.
الشيخ: صفة للقواعد؛ لأنك إذا قلت: من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، صار فيه قواعد من النساء اللاتي يرجون نكاحًا، وليس الأمر كذلك، فقوله: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًاصفة للقواعد.
وقوله لَا يَرْجُونَ، كيف لَا يَرْجُونَوهن مؤنث، ويَرْجُونَفعل مذكر؟
طالب: النون نون النسوة.
الشيخ: والواو؟
الطالب: الواو اسم فعل.
الشيخ: إي نعم، الواو واو الفعل، والنون نون النسوة.
ومعنى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا، أي: لا يَطْمَعْنَ فيه، وذلك لكبرهن؛ لأنه ما يبغيهن أحد يتزوجهن من العجائز.
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ، لا شك أن المراد بقوله: يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّليس جميع الثياب، بمعنى يَبْقَيْنَ عُرَاة، هذا لا يمكن القول به، إذن فما المراد بالثياب؟ الثياب الظاهرة التي جَرَت العادة بلبسها، مثل: (الجلباب -يقول المؤلف– والرداء، والقناع، والخمار)، هذه الأشياء الظاهرة.
فيجوز للمرأة العجوز أن تلبس مقطعًا، وتُبْدِي يديها ورأسها ووجهها ورجليها وساقيها، لكن بشرط أن لا تتبرج بزينة؛ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، فإن كانت تبغي علشان تبقى الزينة من بعد العجز لا هن براجيات النكاح، يحب أنهن يُرَيْنَ بمنزلة الشواب، تجدها مثلًا تلبس سوارًا، وتلبس خلخالًا، وتقعد تبجَّح عند الناس.
لكن هذا بشرط أن لا تكون بهذا الحال، إن كانت بهذا الحال فلا يجوز، لكن إذا كانت المسألة طبيعية فيجوز لها أن تضع ثيابها.
طالب: ولو كانت عند أجنبي؟
الشيخ: إي نعم. ولو كانت عند أجنبي؛ لأنها ما ترجو نكاحًا، عادت باغية، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أشياء أكثر من هذا.
طالب: بزينة، غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ.
الشيخ: إي، يعني بمعنى تبرج إلا بالزينة، ما فيه تبرج إلا بالزينة، أقول: هذا بيان للواقع.
طالب: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ، هل يجوز أن تُصْطَحَب للخدمة أو شيء من هذا القبيل؟
الشيخ: إي، إذا كانت عجوزًا ما يخاف، يعني لو أن إنسانًا جاب امرأة عجوزًا خادمًا في البيت يجوز تكشف، ما فيه مانع.
طالب: والْمَحْرَم؟
الشيخ: لا، المحرَم الأحاديث عامة، ما يجوز تسافر إلا بمحرَم.
طالب: ما هي موجودة في البيت؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط؛ لأن البيت إذا صار ما فيه خلوة ما يخالف.
طالب: (...).
الشيخ: لا، بلوغها تمامًا، تمام الخامسة عشرة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.