معناه ذو الحكم، والحكمة ويش تقول؟
طالب: (...) يا
شيخ، القاعدة أن..
الشيخ: المشقة.
الطالب: المشقة تجلب التيسير.
الشيخ:
إي نعم، فيها أن المشقة تجلب التيسير، نشوف كلام المؤلف؛ لأن له تعليق في هذه
الآية.
قال: (وآية الاستئذان قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تَهاوَنَ الناسُ في
ترك الاستئذان) القولان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح أن الآية محكمة وباقية
وأن ترك الاستئذان إما للتهاون وإما لزوال السبب الموجب للاستئذان، وأما أن نقول:
إن الأحكام الشرعية تُنْسَخ بترك الناس العمل بها فهذا لا وجه له.
طالب: الشيخ يقول: (في ترك)، (تهاون الناس في
ترك)؟
الشيخ: في ترك الاستئذان.
الطالب: ما قال: إنه تهاون الناس في فعله.
الشيخ: لا، في تركه، تهاون الناس في تركه، يعني: فتركوه، أنت
قصدك إن الذي ينبغي أن يقول في فعله تهاونوا به، هذا لو قال: بتركه، ويصلح أيضًا:
تهاون الناس، بماذا تهاونوا أو ما سبب تهاونهم؟ يكون تركه، ترك الاستئذان، إي
نعم.
طالب: (...).
الشيخ:
إي نعم، من المعصية أو المخالفة، إذا قَصَّر، قيدناها، ويش قيدناها؟ إذا قصَّر في
تربيته وتأديبه أما إذا لم يقصر فلا.
طالب: ولو كان
بالغًا.
الشيخ: وين؟
الطالب: ذكرنا (...).
الشيخ: لا، إذا
كان بالغًا فقد استقل بنفسه؛ لكن يبقي إذا بلغ يصير مثل غيره إذا قدر على تغيير
المنكر الذي ارتكبه وجب عليه.
إحنا أيضًا بحثنا أمس في مسألة قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور: ٥٨]، وقلنا: للآية منطوق ومفهوم؛ منطوقها لا إشكال فيه، وهو نفي الجناح؛
لأنه منتفي الجناح، لكن مفهومها أنه عليهم جناح في هذه الأوقات الثلاثة.
على
الأولياء وعلى الصغار، وهذا فيه إشكال؛ لأن الصغار ليسوا مكلفين حتى يكون عليهم
جناح في معصيتهم.
الطالب: المنطوق له أفراد متعددة،
وأنه يَصْدُق بأحد الأفراد.
الشيخ: بأحد الأفراد، إي
نعم، نقول: المفهوم ليس له عموم، فَيَصْدُق بوجود صورة من العموم، ولو صورة واحدة.
***
ثم قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ [النور: ٥٩] أيها الأحرار الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوافي جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْأي: الأحرار الكبار).
إذا بلغوا الحلم يقول المؤلف: (مِنْكُمُأيها الأحرار)؛ وذلك لأن المماليك كما سبق لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة سواء كانوا كبارًا أو صغارًا؛ ولهذا قيدها المؤلف بالأحرار لمفهوم الآية الأولى.
وقوله: بلغوا الْحُلُمَ(الحلم) هو كناية عن البلوغ بالإنزال، و(الحلم) بمعنى الاحتلام أو بمعنى العقل؛ وذلك لكمال عقولهم لكن الأول أولى؛ لأنه ما يشترط في هذا كمال العقل؛ وكمال العقل يحصل بكمال أربعين سنة.
وقوله: إذا بلغ الحُلُم فَلْيَسْتَأْذِنُوالم يذكر الله سبحانه وتعالى سوى بلوغ الحُلُم، والمعروف أن هناك شيئين آخرين يحصل بهما البلوغ هما تمام خمس عشرة سنة وإنبات شعر العانة؛ لكن هذان الأمران فيهما خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يرى أنه لا بلوغ إلا بالإنزال وأن تمام خمس عشرة سنة ليس علامة على البلوغ، بل علامة على قدرة الإنسان على الجهاد؛ لأن الذين أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر رضي الله عنه حينما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم عام أحد فلم يجزه، وعرض عليه عام الخندق فأجازه، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة .
لكن في رواية للحاكم أنه قال: فلم يجزني ولم يرني بلغت ، والثانية: فأجازني ورآني بلغت ، لكن كلمة: (بلغت) هل معناه بلغت سن التكليف أو بلغت الحالة التي يمكنني فيها أن أجاهد؟ فيه احتمال، لكن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه كتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة ورآهم قد بلغوا . وقال: إذا كان هذا السن حدًّا لصلاحهم للقتال فهو حد لبلوغهم.
ويرى بعض العلماء كأبي حنيفة أن حد البلوغ ثماني عشرة سنة لا خمس عشرة سنة، وهذا هو الذي مشى عليه نظام العمل والعمال هنا؛ لأن الذي وضعه فيما يظهر إنسان أجنبي ما يعرف إلا المذهب المعروف الشائع عند عامة المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة الذي يقيِّدُه بثماني عشرة سنة، إنما مذاهب الأئمة الثلاثة أن البلوغ يحصل بخمس عشرة سنة.
أما إنبات العانة فنفس الشيء أيضًا فيه الخلاف، والذين قالوا: إنه ليس علامة على البلوغ، قالوا: إن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يكشف عن مُؤْتَزَر بني قريظة فمن أنبت قتله ليس ذلك دليلًا على أنه مكلَّف، بل هو دليل على أنه من أهل القتال فيقتلُه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن المشهور من المذهب ما هو معروف لديكم من أن البلوغ يحصل بواحد من ثلاثة أشياء.
قال: فَلْيَسْتَأْذِنُواشوف فَلْيَسْتَأْذِنُوا، وجَّه الخطاب لهم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف وتوجيه الخطاب إليهم.
وقوله: كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْأي: من عامة الناس الذين يستأذنون في جميع الأوقات.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌكَذَلِكَأي: مثل ذلك البيان يبيِّن، وقد قلنا: إن الكاف اسم بمعنى: مثل، وهي مفعول مطلق لـ يُبَيِّنُ، وهنا الآية الكريمة مثل الآية التي قبلها إلا الفرق في قوله: آيَاتِهِبدل: الْآيَاتِ، ولعل هذا والله أعلم من باب التنويع في الخطاب أو في الأسلوب وإلا فمعناهما سواء.
ثم قال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ [النور: ٦٠] قعدن عن الحيض والولد لكبرهن اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًالذلك، فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّمن الجلباب والرداء والقناع والخمار، غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍمظهرات بزينة خفية كقلادة وسوار وخلخال، وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) إلى آخره.
الْقَوَاعِدُجمع قاعدة، وقوله: مِنَ النِّسَاءِبيان للقواعد؛ لأن (الـ) في الْقَوَاعِدُاسم موصول؛ لأنه إذا دخلت (الـ) على اسم مشتق سواء كان اسم مفعول أو اسم فاعل فهي اسم موصول، فـالْقَوَاعِدُبمعنى اللاتي قعدن.
وقوله: مِنَ النِّسَاءِبيان لـ (قواعد)، لكن قعدن عن أي شيء؟
يقول المؤلف: (عن الحيض والولد) (...) معنى الْقَوَاعِدُمعناه اللاتي لا يلدن ولا يحضن لكبرهن.
وقيل: الْقَوَاعِدُالملازمات للبيوت لكبرهن؛ لأنهن لا يخرجن من العجز والضعف فهن قواعد.
وقيل إن: الْقَوَاعِدُاسم للعجائز مطلقًا مثلما نقول: عجوز؛ مشتقة من العجز، نقول أيضًا: قاعدة بمعنى: عاجزة عن القيام والذهاب والإياب.
وقوله: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًااللَّاتِيصفة لأيش؟ للقواعد ولا للنساء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، صفة (للقواعد)؛ لأنك لو قلت: مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًاصار فيه قواعد من النساء اللاتي يرجون نكاحًا، وليس الأمر كذلك، فقوله: اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًاصفة (للقواعد).
وقوله لَا يَرْجُونَكيف (لا يرجون) وهم مؤنث، و(يرجون) فعل مذكر؟
طالب: النون نون النسوة.
الشيخ: والواو.
الطالب: الواو (...).
الشيخ: إي نعم، الواو واو الفعل، والنون نون النسوة.
ومعنى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًاأي: لا يطمعن فيه وذلك لكبرهن؛ لأنهم ما يرجون إن أحد يتجوزهن بحيث إن العجائز ما يبغيهن أحد.
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنلا شك أن المراد بقوله: يَضَعْنَ ثِيَابَهُنليس جميع الثياب، بمعنى: يبقين عراة، هذا لا يمكن القول به.
إذن فما المراد بالثياب؟ الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلبسها مثل الجلباب.
قول المؤلف: والرداء والقناع والخمار الأشياء الظاهرة، فيجوز للمرأة العجوز أنها تلبس مِقْطَع، تُبْدِي يديها ورأسها ووجهها ورجليها وساقيها، لكن بشرط ألا تتبرج بزينة غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، فكأنها تبغي علشان تبدي الزينة؛ لأن بعض العجز لو ما هن براغبات النكاح يحب إنهن يُرَيْن بمنزلة الشوابِّ؛ تجدها مثلًا تلبس سوار وتلبس خلخال، وتقعد تبجح عند الناس، لكن هذا شرط ألا تكون بهذه الحال، إن كانت بهذه الحال فلا يجوز، لكن إذا كانت المسألة طبيعية فيجوز لها أن تضع ثيابها.
طالب: لو كانت عند أجنبي؟
الشيخ: إي نعم، ولو كانت عند أجنبي؛ لأنها ما ترجو نكاح (...) باغية، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أشياء أكثر من هذا.
طالب: بِزِينَة(...) غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَة(...).
الشيخ: إي، معناه ما في تبرج إلا بالزينة.
الطالب: (...).
الشيخ: ما في تبرج إلا بالزينة؛ أقول هذا بيان للواقع.
الطالب: بيان للواقع.
الشيخ: بيان للواقع، أيوه.
طالب: هل دائمًا يا شيخ نعلق الطلب (...)؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِهل (...)؟
الشيخ: إذا كانت عجوزًا ما يخالف، يعني: لو أن إنسانًا جاب له امرأة عجوز خادم في البيت، يجوز تكشف ما في مانع.
طالب: (...) محرم؟
الشيخ: لا، المحرم لا، الأحاديث عامة ما يجوز تسافر إلا بمحرم.
الطالب: (...) موجودة بالبيت.
الشيخ: لا ما هي بشرط؛ لأن البيت إذا صار ما فيه خلوة ما يخالف.
الطالب: (...) خمسة عشر من البلوغ، ولا خمسة عشر من أول..
الشيخ: لا، بلوغه تمامه الخامسة عشر.
طالب: يعني: دخوله في السادس عشر؟
الشيخ: نعم.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:كتاب اسم الكريم، المؤرخ اثنين وعشرين من رمضان هذا العام، (...) والحمد لله على ذلك تهنئتكم بعيد الفطر لكم منا مثلها ونسأل الله أن يتقبل من الجميع.
تذكرون أنكم تصفحتم رسالة في الوضوء والغسل والصلاة، وأنه لفت نظركم كيفية وضع اليد اليمنى بين السجدتين.
فيا محب إن الذي في الرسالة هو مقتضى ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه مسلم..
الشيخ: استمعوا يا إخواني ترى هذه فائدة فقهية ما هي مسألة..
الطالب: كما رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير.
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته، وفي رواية: إذا قعد في الصلاة .
ورُوِيَ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى علي فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ، ولم يرد التفريق بين الجلوس للتشهد والجلوس بين السجدتين فيما أعلم، ويدل على أنه لا فرق بين الجلستين ما رواه الإمام أحمد في المسند صفحة ثلاث مئة وسبعة عشر الجزء الرابع من حديث وائل بن حجر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كبَّر فرفع يديه حين كبر ، فذكر الحديث وفيه: وَسَجَدَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ ذِرَاعَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ، وَوَضَعَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى، وَقَبَضَ سَائِرَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَتْ يَدَاهُ حَذَوَ أُذُنَيْهِ.
الشيخ: ويش صار هذا؟
الطالب: صار بين السجدتين.
الشيخ: (...)؛ لأنه بين السجدتين (...).
الطالب: وفي رواية: عقد ثلاثين، وحلق واحدة، وأشار بإصبعه السبابة .
الشيخ: كم عقد؟
طالب: ثلاثين.
الطالب: وذكر الحديث في الفتح الرباني ترتيب المسند صفحة مئة وسبعة وأربعين الجزء الثالث وقال في سنده: جيد .
وقد رواه بنحوه أبو داود وقال فيه: وقبض اثنتين، وحلَّق حَلْقَة؛ يعني: حَلَّق الإبهام مع الوسطى، وبهذا تبين أن لا فرق بين جِلْسَتي التشهد والجلوس بين السجدتين، فأما تقييد الجلوس في بعض روايات حديث ابن عمر بالجلوس للتشهد فلا ينافي الإطلاق؛ لأن ذِكْرَ بعض أفراد المُطلَق بِحُكْمٍ يطابق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وإن كان قد يقتضيه إذا لم يقم دليل على الإطلاق.
وفي رواية: وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته اليسرى باسطها عليها ، وظاهره أنه رفعها للدعاء بها، وهو رفعٌ فوق مطلق الإشارة التي جاءت في الرواية الأولى، وفي حديث ابن الزبير ، وعلى هذا فتكون السبابة مرفوعة رفع إشارة، فإذا ذكر الجملة الدعائية رفعها زيادة إشارة إلى عُلُوِّ مَنْ دعاه، وهو الله تعالى ويؤيد ذلك حديث وائل بن حجر: ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها ، وفي حديث ابن الزبير عند الدارمي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هكذا في الصلاة، وأشار ابن عيينة بإصبعه. رواه الدارمي .
الشيخ: خلِّ معك هذا الكتاب، وراجع المسند والفتح.
طالب: قول (...) حلَّق ثلاثين.
الشيخ: الظاهر أنها خطأ في المسند (...) أبو داود: عقد اثنتين.
طالب: (...) ثلاثين (...).
الشيخ: أقول: ثلاثين، الظاهر إنها خطأ بالمسند، الظاهر إنها مثل رواية أبو داود: عقد اثنتين.
طالب: حكم صاحب الفتح الرباني (...).
الشيخ: والله الظاهر إنه لا بأس به، وحتى الرجال ما رأيت فيهم شيء.
طالب: الإشارة يا شيخ في غير التشهد واردة؟
الشيخ: إي نعم، في الدعاء في خطبة الجمعة كان الرسول يشير إذا دعا ، إلا في الاستسقاء فكان يرفع يديه ، وكذلك أيضًا ورد أن الرسول أشار عندما قال: اللهم اشهد في خطبة عرفة (...).
***
حتى أن الله سبحانه وتعالى أمر الأطفال إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم؛ يعني: في كل وقت، وأما قبل ذلك فلا يستأذنون إلا في ثلاثة أوقات فقط؛ وذلك لأنهم متردِّدون علينا، والاستئذان في كل مرة يَشُقُّ، وهذا الدين ما جعل الله تعالى فيه من حرج على هذه الأمة، ثم سبق أيضًا أن الله نفى الجناح عن القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا أن يضعن ثيابهن يعني: الظاهرة من الثياب بشرط ألا يَكُنَّ متبرجات بزينة، وبَيَّن أن استعفافَهن خير لهن، وهو ما سنبدأ به الآن إن شاء الله.قال: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) يعني: العجائز اللاتي (قعدن)؛ يقول المؤلف: (عن الحيض والولد لكبرهن)، بل وعن الأعمال أيضًا، قَعَدْن عن الأعمال والحيض والولد؛ لكبرهن ولزمن بيوتهن وَأَمْكِنَتَهُنَّ، فهي جمع قاعدة.
وقوله: لَا يَرْجُونَ نِكَاحًاأي: لا يطمعن فيه؛ وذلك لكبرهن وعدم رغبة الناس بهن يقول: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌأي: إثم.
(أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍمظهرات بزينة خفية كقلادة وسوار وخلخال) التبرج بمعنى التعلِّي والظهور، ومنه البروج التي في السماء لعلوها وارتفاعها؛ فمعنى مُتَبَرِّجَاتٍأي: متعليَّات.
وقول المؤلف رحمه الله: (مُظْهِرات) هذا من باب التفسير باللازم، وإلا فالتبرج معناه التعلِّي يلزم منه أن يُظْهِرْن الزينة.
وقوله: بِزِينَةٍأي: بزينة خَفِيَّة يُظْهِرنها إذا وضعن تلك الثياب.
ثم قال: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَبألا يَضَعْنَها خَيْرٌ لَهُنَّ })لما في ذلك من البُعد عن مواضع الفتنة، وكما قيل: لكل ساقطة لاقطة؛ قد تكون بنفسها لا ترجو النكاح لكِبَرها، ولكن ربما يتعلق بها إنسان وهي بهذه الحال؛ ولهذا قال: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ.
(وَاللَّهُ سَمِيعٌلقولكم عَلِيمٌبما في قلوبكم) ختم الآية بالسمع والعلم؛ لأن المقام قد يقتضي قولًا كما في قوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ[الأحزاب: ٣٢] وبالعلم؛ لأن قوله غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍمحلُّه القلب، ومتعلقه العلم؛ لأن ما في القلب لا يُسْمَع ولا يُرْىَ، وإنما يعلم علمًا فهو سميع سبحانه وتعالى بما يُقال لهن أو يَقُلْنَه هؤلاء القواعد، وعليم بما في قلوبهن وقلوب من نظر إليهنَّ من الميل والفتنة.
طالب: محلها القلب ولّا الجوارح؟
الشيخ: ما هي؟
الطالب: متبرجات.
الشيخ: لا، الجوارح، هذا ما يتعلق بالعلم يتعلق بالرؤية.
طالب: (...) متبرجات.
الشيخ: إي؛ لأنها قد تظهر الزينة بدون قصد التبرج فلا يكون في ذلك نية.
في هذه الآية فوائد:
أولًا: الحكم الظاهر منها؛ وهي أن العجائز اللاتي يئسن من النكاح لكبرهن يجوز لهن وضعُ الثياب الظاهرة مثل: الجلباب والرداء والخمار وما أشبه ذلك؛ يعني: هذه الألبسة الظاهرة يجوز للعجائز أن يضعنها؛ وذلك لأنهن لا يرجون نكاحًا فلا يخفن من الفتنة.
ثانيًا: أن على غير القواعد أن يَلْبَسْنَ لباسًا ظاهرًا ساترًا، ما تقول المرأة: أنا بدي أطلع بالمقَطَّع وبدون خمار، وما أشبه ذلك لا، يجب على غير القواعد أن يَبْقَيْنَ ثيابُهن الظاهرة عليهن لما في ذلك من التستُّر، ولأن عدمه يدخل في الحديث الصحيح: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِياطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسُ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَها، وَإِنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» فإن المرأة إذا كان عليها ثياب لكن تَصِفُ مقاطع جسمها ولا تزول بها الفتنة فهي كاسية عارية.
وفيه أيضًا: يقاس على القواعد من لا تُشْتَهَى لغاية في قبحها، فإن التي لا تُشْتَهى لغاية في قُبْحِها كالعجائز؛ لأنها لا ترجو النكاح، ولا يطمع أحد فيها؛ ولهذا ألحق العلماء هذا الصنف من النساء بالقواعد.
رابعًا: أن التبرج بالزينة حرام على العجائز؛ لقوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍفهذا الشرط إذا تَخَلَّف صار عليهن جناح في ذلك، وهذا يدل على التحريم فإذا كان التبرج حرامًا على العجائز فنقول:
الفائدة الخامسة: تحريم التبرج على مَنْ؟ على الشوابِّ ومن هي محل الفتنة، هذا القياس قياس أولوية أو مساواة؟
طلبة: أولوية.
الشيخ: أولوية، معلوم؛ لأنه إذا حرم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فغيرُهن ممن يرجو النكاح وتتعلق به الفتنة أبلغ.
السادس: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأن الله إنما أباح وضع الثياب لهؤلاء القواعد؛ لأن الفتنة بعيدة فيهن، فيؤخذ منه: أن المدار كله على خوف الفتنة في مثل هذه الأمور فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الفائدة السابعة: ما نَبَّه عليه كثير من أهل العلم بأنه حتى على القول بجواز كشف الوجه واليدين إذا كان ذلك ذريعة إلى الفتنة والتوسع كان هذا حرامًا، وعليه فيكون هذا القول لا محل له في عصرنا لماذا؟ لأنه لا يمكن ضبط النساء أبدًا لا يمكن ضبطهن، ولهذا تجد المجتمعات التي أخذت بهذا القول أصبحت لا تستطيع أن تتخلص مما وقعت فيه من التبرج السافر الذي لا يرمي إليه هذا القول بأي صلة فلم تقتصر المسألة على الوجه والكفين، بل تدرجت إلى الرأس والرقبة والنحر والذراع، بل والعضد أحيانًا والساق والقدم، كل هذا بأسباب أن النساء الآن بل والمجتمعات الإسلامية مع الأسف لا يمكن أن تنضبط بالحدود الشرعية؛ لأنها مدبرة عن الدين إلا من شاء الله.
وعلى هذا فنقول هذا القول الذي يطنطن به بعض الناس المحبين للسفور لا محل له في هذا العصر؛ لأن من شرطه ألا تتبرج بزينة، وألا يخاف منه الفتنة، وهذا موجود محقق، فالفتنة موجودة، والتبرج موجود؛ ولهذا القواعد التي رخص الله تعالى لهن في وضع الثياب اشترط هذا الشرط: غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ.
ونجد كثيرًا من نساء هؤلاء الناس تتبرج بالزينة ولا شك، تُحَمِّر الخدَّينِ والشفتينِ وتكحِّل العينينِ وتُزَجِّج الحواجبَ، كل هذا مما يدل على أن الموضوع أصبح الآن ليس ذا محل في هذا الوقت.
طالب: الفائدة السابعة.
الشيخ: لا، الصحيح أنه ما له حد.
الطالب: الفائدة السابعة اللي ذكرتها.
الشيخ: إلا، كيف الفائدة السابعة؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الحكم يدور مع علته، يتفرع عنها هذه المسألة: أنه متى خيف الفتنة بكشف الوجه واليدين بناء على القول به فإنه لا يجوز ذلك كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم.
الطالب: (...).
الشيخ: ما فيه شك إنه لا وجه له لكنا قلنا: على القول به في هذا الوقت، لا يمكن أن يتمشى عليه؛ لأن الفتنة قائمة، وكونه ذريعة إلى التوسع قائم أيضًا.
وفيه: دليل على أن الأفضل البعد عن الرَّيْبَة ومحل الفتنة وإن بَعُدَت؛ لقوله: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ، هو يجوز لهن يضعن الثياب لبعد الفتنة بهن، ولكن مع ذلك كلما بعد الإنسان عن أسباب الفتنة كان خيرًا له، والإنسان قد يشعر بنفسه أنه بعيد عن الفتنة ثم يقع فيها، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَنْ سَمِع بالدجال أن ينأى عنه؛ لأنه يأتيه وهو يرى أنه مؤمن فلا يزال يَقْذِفَ به بِالْحُجَجِ والشبهات حتى يَتَّبِعه .
الفائدة التاسعة: إثبات تفاضل الأعمال؛ لأن قوله: خَيْرٌ لَهُنّيعني: مِنْ عدم الاستعفاف، فدل ذلك على أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، وينبني على ذلك أو يتفرع على ذلك تفاضل الإيمان؛ لأن الأعمال منه، فإذا ثبت تفاضل الأعمال فيما بينها ثبت تفاضل الإيمان، وأنه يزيد وينقص، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.
وفيه: إثبات اسمين من أسماء الله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌوما تضمنتاه من الصفة وهي: السمع والعلم، وقد مر علينا أنه لا يراد من أسماء الله وصفاته مجرد معرفة ذلك الاسم وتلك الصفة، بل المراد والغرض التعبد لله بمقتضى ذلك؛ فإذا علمت أن الله سميع عليم عملت بكل قول يُرْضِيه، وتجنبت كل قول يسخطه، عملت بكل قول يرضيه؛ لأنك تعلم أنه يسمعك ويثيبك عليه، وتجنبت كل قول يسخطه؛ لأنك تعلم أنه يسمعك فيسخط عليك، وكذلك بالنسبة للعلم، وكذلك بالنسبة لسائر الصفات والأسماء، ليس المراد أن تعرف هذا الاسم وهذه الصفة ومدلولهما، بل المراد أن تعمل لله سبحانه وتعالى وأن تتعبد لله بمقتضى ذلك الاسم، وتلك الصفة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، والمراد بإحصائها ثلاثة أمور: ضبط لفظها، ومعناها، والتعبُّد لله بمقتضاها، الإنسان يعرف اللفظ والمعنى ويتعبد لله بما تقتضيه هذه الأسماء (...).
***
ثم قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور: ٦١] في مواكلة مقابليهم) (...).
***
الشيخ: معنى: لا يرجون النكاح منين؟ إن الناس ما يرغبون بهن.طالب: (...).
الشيخ: يعني: تقول: إن المرأة العجوز ليس فيها شهوة؟ وهذه الشابَّة القبيحة فيها شهوة، إي؛ لكن ما قال الله سبحانه وتعالى: والقواعد من النساء اللاتي ليس فيهن نكاح اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًايعني: يئسن من النكاح؛ لأنهن علمن أن الناس لا يرغبون، فلو قال: والقواعد من النساء اللاتي لا نكاح فيهن أو لا شهوة فيهن صحيح، ما يجوز تعدية الحكم إلى القبيحة الشوهاء، لكن لما قال: لَا يَرْجُونَ نِكَاحًايعني: ما يأملوا النكاح لا لمجرد أنه لا شهوة فيهن، ولكن لأن الناس لا يرغبونهن (...).
(...) اللاتي لا أزواج لهن اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًامطلقًا.
طالب: أي قائل (...).
الشيخ: ما أعرف، هل أحد قال به؟ لكن أما (...) الإيمان فهذا وارد معروف القول به، أما تفاضل الأعمال فلا أعرف ولا أعلم الآن به قائل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أصلًا المرجئة يخرجون الأعمال كلها من الإيمان.
طالب: يعني: يقولون العمل (...).
الشيخ: لا، لكن ما يقولون: إن الصلاة مثلًا مثل الصيام، والصيام مثل كذا يرون إن بعض الأعمال أفضل من بعض، بس إنهم يقولون: إنها غير داخلة في الإيمان، يخرجونها من الإيمان، ولا أعلم أنهم يقولون: إن الأعمال متساوية في فضلها، ما أعلم ذلك ولا أظن أحدًا يقول به؛ لكن مسألة إخراجها من الإيمان هذا هو الذي جعلهم يقولون: إن إيمان أبي بكر وإيمان أفسق الناس واحد، يعني: عندهم الإيمان هو مجرد الإقرار بالله عز وجل، أما مسألة الانقياد فهذا خارج من الإيمان.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ [النور: ٦١] الأعمى هذه هي اسم تفضيل ولَّا صفة مشبهة؟ صفة مشبهة؛ لأنه وصفه ذلك، وليس معناه إنه أعمى من فلان مثلًا، اسم التفضيل اللي معناه مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وأما الأعمى والأعرج وشبهه، فهذه صفة مشبهة يسمونها الصفات المشبهة يعني باسم الفاعل.
وأما قوله تعالى: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء: ٧٢] فإن ظاهره أن أَعْمَىالثانية اسم تفضيل؛ يعني: أشد عمًى وأضل سبيلًا؛ لكن المعروف خصوصًا عند البصريين أن هذه صفة مشبَّهة، وأنه لا يجوز أن يصاغ اسم التفضيل من ذي صفة مشبهة على وزن أفعل، أما الكوفيون فيقولون: إنه لا بأس ويرون أنه لا بأس أن تقول: فلان أعرج من فلان، وفلان أعمى من فلان، وقولهم أصح؛ لأن هذا شيء يقبله الذوق ولا مانع منه، إنما المراد هنا بالأعمى الصفة المشبَّهة الذي لا يبصر.
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌالأعرج: هو الذي لا يمشي مشيًا مستقيمًا.
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِالمريض: هو الذي خرجت صحتُه عن الاعتدال، هذا المريض، كل مَنْ خرجت صحته عن الاعتدال فهو مريض، وتختلف الأمراض لكن في أي شيء قال المؤلف: (في مواكلة مقابليهم) مقابل الأعمى: البصير، مقابل الأعرج: السليم، مقابل المريض: الصحيح؛ يعني: أنه ليس على الأعمى حرج إذا أكل مع البصير، ما عليه حرج، هذا فيه شيء؟
طالب: هذا واضح.
الشيخ: هذا شيء واضح ما يحتاج إلى نفي الحرج عنهم، لكن يقال: إنهم كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأعمى، يقولون: لأننا إذا أكلنا معه (...)، ومن جهة أخرى الأعمى يتحرَّج أيضًا من الأكل مع البصير؛ لأنه يقول: إني إذا أكلت أخاف آكل أكثر منه.
على الرأي الأول يصير: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىيعني: ليس في الأعمى أي: بمؤاكلته حرج.
كذلك المريض ليس على المريض حرج إذا أكل مع مَنْ؟ مع الصحيح، ما يقال: إنه فيه حرج؛ لأن الصحيح يأكل أكثر، وكذلك الأعرج لا بأس أن يأكل مع الصحيح ولا حرج عليه؛ لأنه قد يقول الأعرج: أنا رجلي مائلة، ولو قعدت هأكل المقرب إلي (...) فليس عليه حرج، هذا ما ذهب إليه بعضهم إن المراد: ليس عليهم حرج في الأكل مع غيرهم، وعلى هذا تكون (على) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىبمعنى: في؛ يعني: ليس في الأعمى حرج؛ أي: في مؤاكلته ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج.
وقال آخرون: المراد الجهاد، لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌيعني: في ترك الجهاد، وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌفي ترك الجهاد، وَلَا عَلَى الْمَرِيضِفي ترك الجهاد، قالوا: والدليل على ذلك أن الله ذكر بعد هذه الآية قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهإلى آخر الآيات [النور: ٦٢]، فإنها في الجهاد وتكون هذه الآيات مقدمة لذكر الجهاد، ولكنها صُدِّرَت بها آية الأكل من البيوت المذكورة إما للتمهيد والتوطئة والتنبيه؛ لأن الإنسان إذا جاء كلام في غير محله المرتقب لا بد أن ينتبه ويبحث ما هو السبب، بخلاف ما إذا جاء الكلام على نَسَقٍ واحد فإنه قد ينساق معه ولا يتفهَّم المعاني.
وقد مر علينا أن من فائدة الالتفات هو تنبيه المخاطب أو السامع.
هذا أيضًا، وضعت هذه الجملة: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِقبل أن تُذْكَر آياتُ الجهاد في هذا المحل؛ ليتنبه القارئ؛ حيث خرجت المسألة عما هو متبادر ومتوقع، هذا قول.
قول آخر: إن المراد ليس عليهم حرج في أيش؟ في ترك الجهاد، وقالوا: هذا كقوله تعالى في سورة الفتح: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [الفتح: ١٧]؛ فإنها في الجهاد بلا ريب اللي في سورة الفتح.
وقال آخرون: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِفي ترك أي عبادة تكون فيها هذه الأعذار مانعة كل عبادة تمنع منها هذه الأعذار؛ فإنه لا حرج عليهم في تركها، مفهوم -يا جماعة- تكون الآية أعم من الجهاد وغيره، بل كل عبادة سبب تركها والإخلال بها أحد هذه الأوصاف الثلاثة، فإنه لا حرج عليهم فيها؛ قالوا: وهذا مقتضى الأدلة الشرعية: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨].
فإذا ترك الإنسان عبادة أو أخلَّ بها لعذر العمى فلا حرج عليه، لعذر المرض فلا حرج عليه، لعذر العرج فلا حرج عليه؛ فتكون الآية عامة في الأكل (المواكلة) كما قال المؤلف.
وكذلك أيضًا في ترك الجهاد وكذلك فيما يُشْتَرط له المشي وهو أعرج لا يستطيع أو مريض لا يستطيع أو أعمى لا يستطيع كالذي يشترط له البصر، فكل هذا ليس عليهم فيه حرج لكن على هذين الرأيين الأخيرين يبقى -كما أشرنا إليه- ما مناسبة هذا القول أو هذه الآية لآخر الآية، صَدْر الآية مع آخرها، ويش وجه التناسب بينها؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني: المناسبة أنه كما هو معلوم أن هؤلاء لا حرج عليهم فيما يُشْتَرط فيه السلامة من هذه الأمراض فإنه كذلك لا حرج عليكم فيما يأتي، فيكون الغرض التمهيد لنفي الحرج بالآتي، يعني: كما أنه معلوم أن هذه الأشياء أعذار تمنع من الحرج بدون أي مجادلة فكذلك أيضًا ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم إلى آخره.
إذن وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوامتعلقة باللي قبلها ولَّا لا؟ لا، لأنك لو كانت متعلقة باللي قبلها لكان المعنى ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيتك، ولا على الأعرج حرج أن يأكل من بيتك، ولكننا قلنا: إن الآية عامة، يعني: ليس على هؤلاء حرج فيما تكون هذه العلل عذرًا لهم في تركه.
ثم قال: (وَلَاحرج عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْأي: بيوت أولادكم).
قال المؤلف: (مِنْ بُيُوتِكُمْ) قال: (أي بيوت أولادكم) لماذا لم يجعل الآية عامة؟ مِنْ بُيُوتِكُمْيعني: بيوت أنفسكم.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا لا حاجة (...) في الحرج فيه.
لكن قد يقول قائل: إن في آخر الآية ما يدل على أنه يراد بيوت الإنسان أيضًا وهو قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًاويكون نفي الحرج عن الأكل من البيوت من حيث كونهم جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًالا لمطلق الأكل، أنتم فاهمين يا جماعة؟
أقول: مِنْ بُيُوتِكُمْالمؤلف حمل الآية على أن المراد ببيوت الإنسان بيوت أولاده، ونحن نقول: لا مانع من أن يُراد بها بيتُه الحقيقي وبيت ولده.
فإن قال قائل: أَيُّ فائدة لنفي الحرج عن أكله من بيته؟
قلنا: لأجل ما يُذْكَر في آخر الآية وهي: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًايعني: ليس عليك جناح أن تأكل من بيتك سواء أكلت أنت وأهلك أو أكلتم متفرقين، وإن كان الأفضل الاجتماع على الأكل كما سنذكر إن شاء الله عند آخر الآية، لكن مع ذلك لا جناح يعني: ليس على الإنسان جناح أنه يأكل يتغدى لحاله وعياله لحالهم، أو لحاله وزوجته لحالها، أو ما أشبه ذلك ولا بأس أيضًا أنه يأكل هو وإياهم جميعًا لا بأس بهذا ولا بهذا.
يبقى النظر: أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْإلى آخره، ما ذكر بيوت الأولاد! نقول: هي داخلة في قوله: مِنْ بُيُوتِكُمْفإن بيت الولد بيت لأبيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» ، ولقوله: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فعليه يكون بيت الولد بيت للوالد، ونحن إنما انتقدنا على المؤلف لم ننتقد إدخاله بيوت الأولاد في بيوت الإنسان، فإن هذا صحيح، وإنما انتقدنا تخصيصه البيوت، أيش يقول؟ ببيوت الأولاد، فنحن نقول: مِنْ بُيُوتِكُمْأي: بيوت أنفسكم، وبيوت أولادكم بالنسبة لبيت الإنسان نفسه فائدتها ما ذكر في آخر الآية، وبالنسبة لبيت ولده أعمُّ من ذلك.
أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْآبَائِكُمْيشمل الأب الأدنى والأعلى؛ فإن الجدَّ أبٌّ كما قال الله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج: ٧٨] فسمَّى الله إبراهيم أبًا لنا مع أنه جَدٌّ بعيد، وكذلك أمهاتكم يشمل الأمَّ الدنيا التي ولدت الإنسان والأمَّ العليا التي هي الجَدَّات.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما يشمل الرضاع والتبني؛ لأن حقوق القرابة ما تتعلق بها حقوق الرضاع.
أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْالأشقاء أو لأب أو لأم.
أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْلكن بشرط أن لا تكون ذات زوج، فإن كانت ذات زوج والمال له ما صار بيتًا لأخته، صار بيتًا لزوجها، لكن إذا كانت الأخت لها بيت فإنه لا بأس أن يأكل الإنسان من هذا البيت.
أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْيقال في عَمَّاتِكُمْمثلما قلنا في أَخَوَاتِكُمْيعني: ما لم تكن العمة ذات زوج فلا يأكل الإنسان من بيت زوجها؛ لأنه له وليس لها.
أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْبالنسبة للأعمام والعمات والأخوال والخالات يشمل الأدنى من هؤلاء والأعلى؛ فالأدنى أخو أبيك بالنسبة للعم، والأعلى أخو جدك وإن علا، وبالنسبة للخال الأدنى أخو أمك، والأعلى أخو جدتك، وإن علا فإنه خالك.
(أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) أي: (خَزَّنْتُموه لغيركم) قوله: مَفَاتِحَهُالمفاتح بمعنى الخزائن يعني: ما ملكتم خزائنه، وقيل: إنها بمعنى المفاتيح، وهي ما يُفتح به؛ فالمِفتاح غير المِفْتَحْ، مِفْتَحْ جمعه مَفاتح، مفتاح جمعه مفاتيح، قيل: إنه يطلق المِفتح على المفتاح، والمفاتح على المفاتيح، وقيل: لا، المراد بالمفاتح الخزائن، والمفاتيح ما يفتح به، ولكن القرآن يؤيد القول الأول كما قال الله تعالى: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ [القصص: ٧٦]، وعلى هذا فنقول هنا في الآية الكريمة مَفَاتِحَهُأي: خزائنه أو مفاتيح خزائنه.
وقوله: مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُويش معنى مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ؟
أي: جُعِلَت مفاتيحه في أيديكم وهي الخزائن، فلا جناح على الإنسان أن يأكل منها لكن بالمعروف، يعني: مثلًا لو أن إنسانًا صاحب فاكهة وأعطاك مفتاح المخزن قصده أن تحافظ عليه وعلى مفاتيحه، فدخلتَ يومًا من الأيام في هذا المخزن يجوز أنك تأكل مثلًا منه لكن بشرط أن يكون ذلك بالمعروف ما تاخد (...) تتردد عليه دائمًا إلا إذا رضي بذلك.
طالب: لو كان ملكًا للدولة؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: لو كان ملكًا للدولة؟
الشيخ: إي نعم، ولو كان ملكًا للدولة؛ لأنه ما دام اؤتمنت عليه فهو عامٌّ، فهو جائز.
قال: (أَوْ صَدِيقِكُمْوهو من صَدَقَكُمْ في مَوَدَّتِه، المعنى يجوز الأكل من بيوت مَنْ ذُكِرَ وإن لم يحضُروا أي: إذا عُلِمَ رضاهم به) شوف المؤلف يقول: يجوز الأكل من بيوت هؤلاء، وإن لم يحضروا هذا صحيح.
وقوله: (أي: إذا عُلِم رضاهم به) فهذا غير صحيح؛ وذلك أنه إذا عُلِم رضا صاحب البيت بأكلك فإنه لا فرق بين أن يكون من هؤلاء أو من غيرهم، إذا علم لكن يؤكل من بيوت هؤلاء ما لم يعلم عدم رضاهم.
فالمراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: أن تعلم رضاهم رضا صاحب البيت بأكلك فهذا جائز ولّا لا؟ جائز، من هذه البيوت ومن غيرها.
المرتبة الثانية: أن تَعْلَم عدم رضاهم؛ أنه ما يرضى فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .
المرتبة الثالثة: أن لا تعلم رضاه ولا عدم رضاه، فهذه هي التي يُفَرَّق فيها بين مَنْ ذُكِرَ وغيره؛ فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم لوجود الصلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان؛ لأن حقيقة الأمر أن هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أسباب؛ إما قرابة أو ائتمان أو صداقة.
فالقرابة من ذُكِروا، وأما الائتمان ففي قوله: مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ، وأما الصداقة ففي قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ، ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها، وأما اشتراط المؤلف علم الرضا في هذه البيوت فلا وجه له؛ لأنه لو اشترطنا ذلك لم يكن بينها وبين البيوت الأخرى فرق.
لو فُرِضَ، صديق لك أدخلك بيته ووجدت في القهوة أكل وأكلت بدون أن تستأذن بيجوز ولَّا لا؟ إي، يجوز نقول: يجوز، هذا هو معنى الآية.
المؤلف يرى أنه ما يجوز إلا إذا علمت أنه يرضى بذلك، ولكن الصحيح أنه لا يشترط العلم بالرضا لكن لو علمنا أن هذا الرجل شحيح لا يرضى بأن تأكل شيئا أبدًا من ماله إلا ما قدَّمه لك ففي هذا الحال لا يجوز الأكل للحديث الذي أشرنا إليه (...).
لا، بس هذا خطير؛ لأن (...) مجرد ما أكرمك وأدخلك بيعظمك مثلًا بدعوة، هذا ما يجوز إنك تقعد على هذا إلا بإذنه، لكن الصديق سواء دعاك أو ما دعاك، وسواء أراد يقدم لك كرامة أو ما أراد، إذا ما دخلت بيت صديقك فلك الأكل ما لم تعلم أنه لا يرضى بذلك.
وفي قوله: صَدِيقِكُمْدليل على أن للصداقة حقًّا، وهو كذلك، والسبب الصلة التي بينك وبينه.
ما رأيكم في الصِّهر وفي صلة الرضاع، هل تدخل في صلة النسب أو في الصداقة أو ما تدخل؟
طالب: (...).
الشيخ: تدخل في الصداقة إن كان صديقًا؛ لأنه قد لا يكون صديقًا كثير من الناس يكون أخوك من الرضاعة وبينك وبينه عداوة، وكثير من الناس يكون هذا الرجل صهرًا لك وبينك وبينه عداوة، فالمهم إذا لم يكن صداقة بين الصِّهر وصِهره أو بين الرضيع ومرضعه فإنه لا يجوز الأكل من بيته.
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًامجتمعين أَوْ أَشْتَاتًامتفرقين جمع شَتٍّ) شَتّ وأشتات مثل سبب وأسباب إلا أن سبب غير مدغمة، وشت مدغمة.
قال: (نزلت فيمن تَحَرَّج أن يأكل وحده، وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل) هذه يقال: إنها كانت عادة لبعض العرب إذا ما وجد أحدًا يأكل معه ما يأكل، لازم ما يأكل إلا ومعه أحد، فإن لم يجد أحدًا يأكل معه ما أكل شيئًا أبدًا، يموت من الجوع وهو ما أكل إلى أن يَلْقى أحدًا يأكل معه، وهذا لا شك إنه دليل على الكرم، لكنه كرم فيه إفراط.
القصد أنك تأكل مع غيرك وتأكل وحدك؛ كما قال الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًاوهذا في الجواز، وأما الأفضل فهو الأكل جميعًا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة؛ شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ» قال: نعم، قال:«اجْتَمِعُوا عَلَى أَكْلِكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ؛ فاجتماع الناس على الأكل هذا من أسباب البركة، كما أنه أيضًا من أسباب الإلفة والمودة؛ لأن الناس أهل البيت مثلًا متفرقون في أعمالهم فإذا لم يكن شيء يجمعهم وهو الأكل فمتى يجتمعون، لكن مع المؤسف أن هذه السُّنَّة أصبحت الآن مفقودة عند كثير من الناس، تجد الأب يأكل وحده، والولد الأكبر يأكل وحده، والمتوسط يأكل وحده، اللي يمكن يجتعمن النساء الحريم، هذا اللي يمكن يجتمعن، أما الرجال فإن اجتماعهم فيما يظهر لي قليل، ولكن هذا خلاف السنة.
السنة أن يجتمع الناس على الأكل، والحمد لله ينتظر بعضهم بعضًا، ما يضر إذا تأخر ربع ساعة في انتظار صاحبه؟! ما الذي يضر؟! لأن كونهم يجتمعون ويتحدثون جميعًا هذا يجلب المودة والإلفة، لكن كون الولد ما يشوف أبوه أبدًا؛ بالليل يسهر الولد وأبوه ينام بَكر، وبالنهار أبوه يطلب المعيشة والولد يدرس، وبالأكل أبوه يصلي مع الجماعة ودا قاعد يتغدى مثلًا أو ما أشبه ذلك، إذن متي يكون الاجتماع؟ ومتى يكون الإلفة بين الناس؟
هل الأفضل الآن أن يأكل الرجل وأهل بيته من رجال ونساء؟ نعم، هذا هو الأفضل أنهم يأكلون جميعًا حتى الرجال مع النساء، وقد شاهدنا من السلف السابقين مَنْ يأكلون جميعًا هو وأبوه، كنا عند أخوال لنا إذا أصبحنا عندهم أبدًا، نجدهم كلهم يجتمعون (...).
***
يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا (...)؛ يعني: الأعمى والأعرج والمريض وأنهم ذكروا فيها ثلاثة أراء وهي؟طالب: أنها في الجهاد.
الشيخ: أنها في الجهاد.
الطالب: أو أنها عامة في كل شيء.
الشيخ: أو عامة في كل شيء.
الطالب: أنها في الأكل.
الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى، والمعنى ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعد، يعني: فكما أن هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْإلى آخره.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًايعني: مجتمعين على الأكل أَوْ أَشْتَاتًامتفرقين.
ثم قال الله تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُم (بُيُوتًالكم لا أهل بها فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمأي: قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة تَرُدُّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم).
قوله: إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًابُيُوتًانكرة في سياق إِذَا، ويش هي إِذَا؟ شرطية، في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت غيره.
وقوله: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمإن كان بها أهل وهي لغيره، يسلموا عليهم أي: على مَنْ فيها، وسُمِّي سلامًا على النفس وهو على الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَرِ» ، وإن كانت بيوتًا ليس فيها أحد، الإنسان يُسَلِّم على نفسه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي عَلَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة.
وقوله: تَحِيَّةًمصدر (حيَّا)؛ يعني: تُحَيَّون تحية.
وقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِأضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها، مِنْ عِنْدِ اللَّهِيعني: هذه التحية من عند الله، أو أنها منه لأنه هو الذي شرعها، أو أنه الغاية بها يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم فهي تُطْلَب منه، فهو غايتها أو هو مُشرِّعُها فإضافتها إلى الله لأنه المُشَرِّع الشارع لها فهو الذي أمر بها مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أو لأنه غايتها أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية ليثيب عليها ويجيبها.
وقوله: مُبَارَكَةًويش معنى مباركة؟ أي: ذات بركة، والبركة كما مر هي الخير الكثير الثابت.
وقوله: طَيِّبَةًقال المؤلف: (مُثابًا عليها)، وهذا من الطِّيب أن تكون مُثابًا عليها؛ لكن من الطَّيِّب أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة للشرع بأن تكون مخلصًا فيها لله مُتَّبِعًا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِأي: يُفَصِّل لكم معالم دينكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَلكي تفهموا ذلك).
كَذَلِكَ يُبَيِّنُمر علينا أننا نعرب (الكاف) اسمًا بمعنى مثل على أنها مفعول مطلق لـ (يُبَيِّن) أي: مثل ذلك البيان (يبين)، والْآيَاتِسبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن تعقلوا، ومعنى العقل هنا الفهم على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعمُّ من ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرُّف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟
طالب: إدراك.
الشيخ: وعقل تصرُّف، فعقل الإدراك هو مَناطُ التكليف وهو حاصل للمسلم والكافر والبر والفاجر، وعقل التصرُّف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرَّف تصرُّفًا مبنيًّا على عقل، هذا يَخْرُج منه الكافرُ والفاسق؛ لأنهم لم يُحسِنوا التصرُّف فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يُحمَد عليه الإنسان هو عقلُ التصرُّف، أما العقل الأول فإنه لا يُحمد عليه؛ لأنه ليس من كَسْبِه.
طالب: العقل بمعنى (...).
الشيخ: معنى أيش.
الطالب: (...).
الشيخ: إلا، له عقل؛ لأنه من العِقال؛ إذ إنه يَعْقِل صاحبَه لإحسان التصرُّف، ليس تصرُّف المجنون كتصرف هذا.
طالب: (...).
الشيخ: عقل الإدراك، العقل الذي يتميز به الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك، المهم إن المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسَّرْناه بمجرد الفهم حولناه إلى عقل الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي يُحْسِن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية؛ أي: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَتدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى هذه الآيات التي بَيَّنها الله لكم.
يستفاد من هذه الآية.
أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
ثانيًا: بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه.
ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها، فإذا وُجِدَت العلةُ الحكمُ ثَبَتَ، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء ويش هو لأجله؟ لهذه العلة التي فيهم، فإذا برأ المريض، واستقام مشيُ الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى انتفى هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين.
وفيه: جواز الأكل من بُيوت هؤلاء المذكورين سواء بإذن أو بغير إذن إلا إذا علمنا عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون فإنه لا يجوز الأكل من بُيوتهم.
وفيه دليل على: أن مال ابن الإنسان مال له كيف ذلك؟
طالب: (...) إن خير، بمعنى: ما أكلتم.
الشيخ:«إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ».
الطالب: إن أطيب ما أكلتم وأبناءكم.
الشيخ:«وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُم» ، وهنا وجه الدلالة من الآية؟
الطالب: (...) هنا مِنْ بُيُوتِكُمْ، ولم يذكر يعني..
الشيخ: الأولاد، ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت بيوتكم وبيوت أولادكم.
وفيه دليل أيضًا على: تحكيم العادة في الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك، معروف هادول الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون في الأكل، ولكنه سبق إن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز الله الأكل فقط.
وفيه أيضًا -في الآية- دليل على: جواز الأكل مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا، ولكن الأفضل كما مر الاجتماع.
وفيه أيضًا دليل على: مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وكان هذا من هَدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو السواك، إذا دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوُّك ثم يسلم على أهله .
طالب: (...).
الشيخ: لا، قبل هذا، قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا إنه ما يكونوا عند الباب، لكن إن كانوا عند الباب فالسلام عليهم قبل.
وفيه أيضًا دليل على: فضيلة السلام لكون الله تعالى وصفه بأنه: تحية من عنده مباركة طيبة؛ ثلاثة أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا، وشبهه، وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بأهلًا وسهلًا لن يجزئ؛ لأن أهلًا وسهلًا لا توصف بأنها تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً.
أما السلام عليكم أو عليكم السلام، فإنه يوصف بأنه تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً؛ ولهذا تجدون هذا هدي الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: «مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ» في آدم وإبراهيم، و«بِالْأَخِ الصَّالِحِ» فيمن عداهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» فيرحِّبُون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَ السَّلَامَ وَقَالَ» دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر معلوم، لكن مع الأسف أن الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلَّمْتَ عليهم قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هَلَا ولَّا مَرْحَبًا، هذا لا يجزي ولا يجوز الاقتصار عليه.
طالب: (...) التليفون.
الشيخ: إي نعم، سلام التليفون، كل ما خابرت أحدًا سلِّم عليه؛ لأن حقيقة التليفون مواجهة، لكنها غَيْبِيَّة، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا مما يُؤْسَف له إن الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم ما يفعلون هذا، يقولون: ألو وألو أسمع (...).
***
ثم قال تعالى مُؤَدِّبًا عباده: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]طالب: (...).
الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، أو اللهم اغفر لهم.
قال: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًابأن تَقُولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوت) إلى آخره.
قوله: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًادُعَاءعلى كلام المؤلف بمعنى نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا أي: ناديته، وعلى هذا فـ (دعاء) مضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ هذا الأصل، فصرف الفاعل وأُضِيف المصدر إلى مفعوله أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله.
وقوله: كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًاهذا مضاف إلى فاعله ومفعوله بَعْضًايعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا يُنادُون النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم فإما أن يكون قَبْلَ النهي وإما أن يكون من جاهلٍ كالذي يَحْصَلُ من بعض الأعراب.
هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعضُ المفسرين، وقال آخرون: المراد من دُعَاء الرَّسُولأي: دعاء الرسول إياكم فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض، وعليه فإذا أمرنا بأمرٍ أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا ليست كغيره، إن شئنا أجبنا وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرًا بطاعته لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضكُمْ بَعْضًا.
ويؤيد هذا قولُه: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٣] فإن سياق الآية يؤيد هذا القول، لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين يجوز ولَّا لا؟ يجوز، يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أثبتنا قاعدة في هذا، وهو أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تُحْمَل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يُخالِف الآخر فإنه حينئذ يجب طلبُ الترجيح، الذي يُرَجِّح أحدَ المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما فإن الواجب حَمْلُها على المعنيين جميعًا.
فعليه نقول: إن هذا من باب الأدب في مُخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام والأدب في إجابته، ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعاءنا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره؛ ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي فإن كان في فريضة لم يُجِبْه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يَعْلَم رضا والده بذلك بحيث يُشْعِره أنه يصلي فلا يهمه إذا كان يصلي ألا يجيب، فهذا لا يجيبه، وإما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون وكذلك والدته فإنه يُجيبُه في النفل ويقطع صلاته.





