الحرج؛ يعني: الإثم والمشقة، وذكرنا اختلاف العلماء في هذا المنفي عن الأعمى
والأعرج والمريض، وأنهم ذكروا فيها ثلاثة آراء، وهي؟
طالب: أنها في الجهاد.
الشيخ: أنها
في الجهاد.
الطالب: أو أنها عامة في كل شيء.
الشيخ: أو عامة في كل شيء.
طالب:
أنها في الأكل.
الشيخ: أنها في مؤاكلتهم، والعموم أولى،
والمعنى: ليس عليهم حرج فيما تكون هذه الأمراض أو هذه العاهات سببًا للعجز عنه من
جهاد أو غيره، فليس عليهم حرج، ويكون في ذلك تمهيد لما ذكر بعدُ؛ يعني: فكما أن
هؤلاء لا حرج عليهم فلا حرج عليكم أيضًا أن تأكلوا من بيوتكم، إلى
آخره.
(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا [النور: ٦١] يعني: مجتمعين على الأكل، أَوْ أَشْتَاتًامتفرقين).
ثم قال الله
تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْبيوتًا لكم لا أهل بها، فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْأي: قولوا:
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، وإن كان بها أهلٌ
فسلِّموا عليهم).
قوله: إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًابُيُوتًانكرة في سياق؟
طالب: (إذا).
الشيخ: (إذا) ويش
(إذا)؟
الطالب: شرطية.
الشيخ: شرطية؛ في سياق الشرط، فتكون عامة في بيوت الإنسان وبيوت
غيره.
وقوله: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْإن كان
بها أهل وهي لغيره يسلم عليهم؛ أي: على من فيها، وسمي: سلامًا على النفس وهو على
الغير؛ لأن المؤمنين نفس واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ
وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ
تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» .
وإن
كانت بيوتًا ليس فيها أحد فإن الإنسان يسلِّم على نفسه، يقول: السلام علينا وعلى
عباد الله الصالحين؛ لأن هذا هو السلام الذي علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته؛
أن يسلموا على أنفسهم كما في الصلاة.
وقوله: تَحِيَّةًمصدر (حَيَّا)؛ يعني: تُحيون تحيةً، وقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِأضافها الله إليه؛ لأنه هو الذي شرعها،
مِنْ عِنْدِ اللَّهِيعني: هذه التحية من عند الله، أو
أنه الغاية بها؛ يعني: أنها تطلب منه؛ لأنك تقول: السلام علينا أو السلام عليكم،
فهي تطلب منه، فهو غايتها أو هو مشرِّعها، فإضافتها إلى الله؛ لأنه المشرِّع الشارع
لها، فهو الذي أمر بها مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أو لأنه
غايتها؛ أي: الذي تنتهي إليه هذه التحية؛ ليثيب عليها ويجيبها.
وقوله: مُبَارَكَةًويش معنى مُبَارَكَةً؟ أي: ذات بركة، والبركة -كما مرَّ- هي الخير
الكثير الثابت.
وقوله: طَيِّبَةًقال المؤلف:
(مثابًا عليها)، وهذا نعم من الطيب؛ أن تكون مثابًا عليها، لكن من الطيب
أيضًا أن تكون موافقة لشريعة الله؛ لأن الأعمال الصالحة والطيبة معناه هي الموافقة
للشرع؛ بأن تكون مخلَصًا فيها لله، متبعًا فيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِأي: يفصل لكم معالم دينكم، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَلكي تفهموا
ذلك).
كَذَلِكَ يُبَيِّنُمر علينا أننا نعرب
الكاف اسمًا بمعنى (مِثْل)، على أنها مفعول مطلق لـيُبَيِّنُ؛ أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن.
والْآيَاتِسبق أن المراد بها الشرعية والكونية؛ فالشرعية ما
جاءت به الرسل، والكونية مخلوقات الله التي نشاهد ونسمع.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(لعل) هذه للتعليل؛ أي: لأجل أن
تعقلوا، ومعنى العقل هنا: الفهم، على ما مشى عليه المؤلف، ولكن الأصح أنه أعم من
ذلك؛ أنه الفهم وحسن التصرف؛ لأن العقل -كما مر علينا- نوعان، ما هما؟
طالب: عقل إدراك.
الشيخ: وعقل
تصرف.
فعقل الإدراك هو مناط التكليف، وهو حاصل للمسلم والكافر، والبر والفاجر،
وعقل التصرف هو إحسان التصرف؛ أن يكون الإنسان يتصرف تصرفًا مبنيًّا على عقل، هذا
يخرج منه الكافر والفاسق؛ لأنهم لم يحسنوا التصرف، فهم غير عاقلين؛ ولهذا دائمًا
ينفي الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم من أذكى الناس وأفهمهم، لكن ليس
عندهم عقل التصرف، عندهم عقل الإدراك فقط، والذي يحمد عليه الإنسان هو عقل التصرف،
أما العقل الأول فإنه لا يحمد عليه؛ لأنه ليس من كسبه.
طالب: يا شيخ، العقل ما له أصل يعني في اللغة أو العرف أو
الشرع؟
الشيخ: إلا، له أصل.
طالب: (...)؟
الشيخ: لأنه من العقال؛
إذ إنه يعقل صاحبه بإحسان التصرف، ليس تصرف المجنون كتصرف هذا.
الطالب: من أي قسم؟
الشيخ: من عقل
الإدراك، العقل الذي يتميزبه الإنسان عن المجنون هو عقل الإدراك.
المهم أن
المراد بالعقل هنا ليس مجرد الفهم؛ لأننا إذا فسرناه بمجرد الفهم حوَّلناه إلى عقل
الإدراك فقط، وعقل الإدراك ليس مناطًا للمدح، وإنما المناط للمدح عقل التصرف الذي
يحسن به الإنسان التصرف، وهذا هو المراد بهذه الآية، أي لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَتدركون ذلك وتحسنون التصرف بمقتضى
هذه الآيات التي بيَّنها الله لكم.
يستفاد من هذه الآية؛
أولًا: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى في نفي الحرج عمن لا يستحقه؛ لقوله:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ.
ثانيًا:
بيان سهولة هذه الشريعة بنفي الحرج عمن لا يستحق أن يلحقه.
ثالثًا: أن الأحكام تدور مع عللها؛ فإذا وجد في العلة الحكم
ثبت، وإذا انتفت انتفى الحكم؛ لأن نفي الحرج عن هؤلاء، ويش هو لأجله؟ لهذه العلة
التي فيهم، فإذا برئ المريض، واستقام مشي الأعرج، ورد الله البصر على الأعمى، انتفى
هذا الحكم في حقهم، وثبت في حقهم ما يثبت في حق السالمين.
وفيه: جواز الأكل من بيوت هؤلاء المذكورين أو لا؟ سواء بإذن
أو بغير إذن، إلا إذا علمنا؟
طالب: عدم رضاهم.
الشيخ: عدم رضاهم، فإذا علمنا أنهم لا يرضون، فإنه لا يجوز الأكل
من بيوتهم.
وفيه دليل على أن مال ابن الإنسان مال
له، كيف ذلك؟
طالب: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ، وقال الرسول يعني.. إن خير، بمعناه.. يعني ما
أكلتم..
الشيخ: «إِنَّ أَطْيَبَ
مَا أَكَلْتُمْ».
الطالب: معناه أطيب ما أكلتم،
وأبناؤكم..
الشيخ: «وَإِنَّ
أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» .
وهنا
ما وجه الدلالة من الآية؟
الطالب: قال هنا: مِنْ بُيُوتِكُمْولم يذكر الأولاد.
الشيخ: ما ذكر الأولاد، فدل على أن المراد بالبيوت: بيوتكم وبيوت
أولادكم.
وفيه دليل أيضًا على تحكيم العادة في
الأمور؛ لأنه إنما أبيح لنا الأكل من هذه البيوت؛ لأن العادة والعرف الرضا بذلك؛
لأنه معروف هؤلاء الأقارب والصديق ومالك المفاتيح كلهم مما جرى العرف بأنهم يسامحون
في الأكل، ولكنه سبق أن الإنسان لا يحمل شيئًا، يأكل ولا يحمل؛ ولهذا إنما أجاز
الله الأكل فقط.
في الآية دليل على جواز الأكل
مجتمعين ومتفرقين؛ لقوله: جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا،
ولكن الأفضل -كما مر- الاجتماع.
وفيه أيضًا دليل
على مشروعية السلام عند الدخول إلى البيوت؛ لقوله: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وكان هذا من هدي
النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الإنسان يبدأ بشيء قبل السلام وهو؟
طالب: السواك.
الشيخ: السواك، إذا
دخل بيته يبدأ أولًا بالتسوك، ثم يسلم على أهله.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، قبل هذا،
قبل السلام؛ لأن الغالب في وقتنا هذا أنهم ما يكونون عند الباب، لكن إن كانوا عند
الباب فالسلام عليهم قبل.
وفيه أيضًا دليل على
فضيلة السلام؛ لكون الله تعالى وصفه بأنه تحيةٌ من عنده مباركةٌ طيبةٌ، ثلاثة
أوصاف، وهذا لا شك دليل على فضله، فيدل على أنه أفضل من قول الإنسان: أهلًا وسهلًا،
وشِبْهِه.
وعلى أن الإنسان لو أجاب السلام بـ(أهلًا وسهلًا) لم يجزئ؛ لأن (أهلًا
وسهلًا) لا توصف بأنها تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ، أما السلام عليكم أو عليكم
السلام فإنه يوصف بأنه تحيةٌ من عند الله مباركةٌ طيبةٌ؛ ولهذا تجدون هذا هدي
الأنبياء في حديث المعراج؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا
سلَّم على النبي الذي يواجهه في السماء رد عليه السلام وقال: مرحبًا بالابن الصالح،
في آدم وإبراهيم، وبالأخ الصالح فيمن عداهم؛ مرحبًا بالأخ الصالح والنبي
الصالح ،
فيرحبون بعد أن يردوا السلام، وكونه يقول في الحديث: «فَرَدَّ
السَّلَامَ وَقَالَ» دليل على أن هذا ليس من رد السلام، وهذا أمر
معلوم.
لكن مع الأسف الناس الآن هجروا هذا، وصار غالب الناس إذا سلمت عليهم
قالوا لك: أهلًا ومرحبًا، ولَّا هلا، ولَّا مرحبًا، هذا لا يجزئ، ولا يجوز الاقتصار
عليه.
طالب: شيخ، ينطبق على (...)؟
الشيخ: إي نعم، السلام قصدك؟
الطالب:
إي نعم.
الشيخ: إي نعم، كلما خاطبت أحدًا تسلم عليه؛
لأن -حقيقةً- التليفون مواجهة لكنها غيبية، فتقول: السلام عليكم، ولكن أيضًا هذا
مما يؤسف له؛ أن الناس الآن كلهم صغيرهم وكبيرهم -يمكن نقول: عالمهم وجاهلهم- ما
يفعلون هذا، يقولون: آلو، و(آلو) أسمع أنها تحية إنجليزية.
طالب: (...).
الشيخ: مشكلة، حالة
الناس -الله يهدينا وإياهم- ما هم يفطنون لهذه الأمور.
أما (تليفون) أنا أرى أن
الأسماء الواردة لا بأس أنها تبقى على ما هي عليه؛ لأن الأسماء المعرَّبة في اللغة
العربية موجودة من قديم، فلا بأس أن نقول: تليفون، ولا يلزم أن نقول: هاتف، مثلًا،
وكذلك نقول: راديو، ولا يلزم نقول: مذياع، لكن المشكل الشيء المخالف للشرع؛ يعني:
نبدل كلمة شرعية واردة في مثل هذا المقام بكلمة غير شرعية، هذا هو المشكل، ولَّا
مسألة الأسماء التي ترد؛ لأن هم الذين صنعوها وسموها بهذا الاسم، ما علينا منهم،
وإن كان بعض العلماء يقول: لا، هم سموها هذا الاسم مراعاة للمعنى لا مراعاة لمجرد
الصنعة، فهم يقولون مثلًا: إن راديو أظن بمعنى هاتف عندهم.
طالب: راديو بمعنى مذياع.
الشيخ:
بمعنى مذياع، فما دام أنهم مراعون المعنى يجب أننا نأتي باللفظ الذي يدل على هذا
المعنى في لغتنا، إنما المسألة بسيطة هذه، لكن الكلام عن الذي يخالف الشرع، أما
المسائل هذه فهي أهون.
طالب: (...)؟
الشيخ: الحث على؟
طالب:
(...).
الشيخ: إي نعم، ربما يؤخذ منه، وربما يقال: إن
مطلق السلام فيه البركة، وهو أولى؛ لأن تقييدنا إياه بما إذا قال: ورحمة الله
وبركاته يكون تقييدًا لشيء موسَّع، فالنبي عليه الصلاة والسلام دائمًا يسلم
يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» ، ولكن
مع ذلك نقول: إن الأفضل: ورحمة الله وبركاته، لا شك في هذا، إنما إذا هو اقتصر على
الأول فإنه يصح أن نقول: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً؛ لأن هذا وصف للتحية لا وصف لصيغتها؛ يعني: نفس
التحية مباركة طيبة، وليس وصفًا لصيغتها؛ أن تكون فيها لفظ البركة ولفظ الطيب،
ولَّا كان يقول بعد: وطيباته.
وفي هذه الآية أيضًا
دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث كان يبين لهم الآيات؛ لأجل
أن يتصرفوا تصرف العاقل فيتبعوا شريعته، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، ومرَّ علينا أن هذا
البيان بالنسبة للآيات الشرعية ما يعرفها إلا المؤمنون الذين آمنوا بها وعقلوها،
وأما الآيات الكونية فقد يؤمن بها حتى الكافر؛ الكفار يؤمنون بأن الله خالق
السماوات والأرض، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه منزل الغيث، إلى
آخره.
طالب: (...)؟
الشيخ:
ما ورد في هذا المكان بعينه عن الرسول، لكن ورد تعليمها السلام علينا في الصلاة،
حيث قال: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ
الصَّالِحِينَ» ،
وأيضًا كذلك رد الملائكة ما فيه أثر؛ أن الملائكة ترد عليك ما فيه أثر عن النبي
عليه الصلاة والسلام، لكن هم يقولون: إذا لم يكن فيها أحد فقد قال الله تعالى:
سَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فإننا نأخذ من هذا
العموم أن نسلم على من فيها، وهم -لأنهم مؤمنون- كأنفسنا، وإذا لم يكن فيها أحد
نسلم على أنفسنا خاصةً، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هذا الذي ورد به
الشرع في الصلاة.
طالب: (...)؟
الشيخ: يمكن هذا، لكنه على بعد، وتكون سلمت على نفسك؛ لأنك أنت
السبب في رده، والمتسبب كالمباشر، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَلْعَنُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَلْعَنُ أَبَاهُ» لما قالوا: هل يلعن
الرجل والديه؟ ،
هذا يمكن أن نجعل وجه كونه على أنفسنا أننا إذا سلمنا رد علينا، لكنه في الحقيقة قد
يتخلف فيما إذا لم يرد، فإذا سلمت عليه فقد سلمت على نفسي، ردَّ أم لم يردَّ، حتى
لو فرض أنه ما رد عليَّ فقد امتثلت الأمر، إي نعم.
طالب: الآن قلنا: إن الأعمى والأعرج نعذرهم لما كانت هذه العاهة
عندهم فهل نقول كذلك (...) ضعيف النظر أو فيمن كان متوسطًا بين البصير البصر العادي
أو بين هذا العمى، بمعنى نقول مثلًا: ضعيف النظر(...)؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني مثلًا لو فرضنا أن الإنسان كُلِّف بالكتابة،
الكتابة واجبة إذا دعي الإنسان إليها، كما قال الله تعالى: فَلْيَكْتُبْ [البقرة: ٢٨٢] يعني: لو دعاك أحد تكتب بينهم
وثيقة وأنت قادر، فقد أمرك الله أن تكتب، إذا كان ضعيف النظر ما يستطيع ما عليه
حرج، لو ما هو بأعمى، على كل حال؛ يعني: هذه العاهات إن كانت كاملة عُذِر الإنسان
فيها عذرًا كاملًا، وإن كانت ناقصة فبحسبه، الحكم يدور مع علته.
طالب: (...) على سبيل الحصر ولَّا على سبيل (...)؟
الشيخ: لا، على سبيل الحصر، وهذا هو فائدة؛ ذكر التنصيص على كل
واحد، وألا كانت تأتي الآية: ولا على أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أقاربكم، لكن
هؤلاء منصوص عليهم؛ يعني: فمثلًا ابن الخالة ما تأكل من بيته، وابن العمة ما تأكل
من بيته؛ لأن المنصوص عليهم، هذا فائدة ذكر كل واحد بنفسه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ابن العمة
ما هو ببيت لك.
الطالب: قياسًا.
الشيخ: لا، ولا يصلح قياسًا؛ لأنك لو أردت أن تقيسها على مِنْ بُيُوتِكُمْجعلتها أعلى من العمة؛ يعني: جعلتها في
منزلة أولى أن تؤكل من العمة، إذا دخَّلتها في بُيُوتِكُمْ.
طالب:
(...)؟
الشيخ: لا، ما تدخل، غير هؤلاء المنصوص عليهم ما
تأكل من بيته إلا إذا أذن؛ يعني: هو والأجنبي سواء.
طالب: قوله: أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ(...) عامة (...) عدم العقوق؟
الشيخ: إي نعم، بس الأم أشد؛ يعني أوجب برًّا، كلما دنا فهو
أوجب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثُمَّ ادْنَاكَ،
فَادْنَاكَ» .
الطالب: أن تكون بمنزلة الأم.
الشيخ:
إي نعم؛ ولهذا يجب برها ويجب الإنفاق عليها، وكل ما يثبت للأم يثبت لها، إلا إنها
-الأم- أحق وأولى، كذلك أيضًا بالنسبة للجد مثلها، إلا أن الجد يخالف الأب في بعض
المسائل، كمسألة التملك، فإن الذين قالوا بجواز تملك الأب من مال ولده خصوه بالأب
الأدنى؛ لأن حقيقة الأمر أن المسألة ضعيفة ما تتوصل إلى أن يكون الجد ومن علا
يتملك، حتى الأب مختلف في تملكه من مال ولده.
***
ثم قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور: ٦٢] إِنَّمَاأداة حصر، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِوالحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هذا فالإيمان ثابت لمن وصفوا بهذه الصفات، ومنتفٍ عمن تخلَّف عنهم منها شيء.أولًا: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِوالإيمان بالله ورسوله -كما أسلفنا- لا يكون إيمانًا حتى يتضمن القبول، ويش بعد؟
طالب: والإذعان.
الشيخ: والإذعان، حتى يتضمن القبول والإذعان، أما مجرد التصديق فليس بإيمان، فلو صدَّق الإنسان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن ما قَبِل ما جاء به ولا أذعن له فليس بمؤمن؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ليس بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِيعني: إيمانًا صحيحًا يتضمن القبول والإذعان.
وقوله: وَإِذَا كَانُوا مَعَهُمع من؟ يقول: (مَعَهُأي: الرسول صلى الله عليه وسلم، عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍكخطبة الجمعة، لَمْ يَذْهَبُوالعروض عذر لهم، حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).
إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍيعني: على أمر عامٍّ للمسلمين؛ من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمسلمين ليس أمرًا خاصًّا بهم، إذا اجتمعوا ما يذهبون حتى يستأذنوه؛ لأن ذهابهم بدون استئذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النظام.
فلو فرض أنه نودي: الصلاة جامعة، واجتمع الناس للتشاور في أمر، ثم قام واحد بعد أن حضر الناس، قام وانصرف بدون استئذان، نقول: هذا حرام ولا يجوز؛ لأن هذا يؤدي إلى تفكك هذا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النظام.
فإذا اجتمع المسلمون على أمر جامع؛ يعني: عام للمسلمين من خطبة جمعة وغيرها، فإنه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلا بعذر وبعد الاستئذان؛ لما في ذلك من الضعف؛ إضعاف الباقين؛ لأنه إذا شافوا الواحد يقوم قام الثاني، وقام الثالث، وقام الرابع، وهكذا، ولا شك أنه -كما نشاهد نحن الآن- إذا قام واحد من المجتمع فإنه يتبعه أناس، ويكون هذا بمنزلة الحائط -أي: الجدار- الذي انهدم منه ثُلْمة، لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثال يقولون: إذا طاح من طي الركية طية إلا طاح؛ الركية يعني: البير، إذا طاح منها حصاة ويش الباقي؟ يتداعى، لا تعده إلا طاح.
فالحاصل: أن المؤمنين حقيقةً هم الذين إذا كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على أمر جامع، ويش معنى جامع؟ أي: شامل وعام؛ كالتجمع للجهاد، والتجمع للمشاورة، والتجمع إلى أمر هام يتعلق بالمسلمين عمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حتى يستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إنه يقول المؤلف أيضًا قيده بقيد لا بد منه قال: (لعروض عذر لهم)، أيضًا ما يذهبون إلا لعذر، فلا بد من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولا بد من الاستئذان؛ ليتبين لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يكون في ذلك خللٌ عليهم.
طالب: شيخ، هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: لا، هذه عامة لكل اجتماع.
الطالب: كل الاجتماعات؟
الشيخ: كل الاجتماعات العامة التي لمصلحة الإسلام والمسلمين، ما يجوز لأحد أن ينصرف إلا لعذر وبعد الاستئذان.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذه ما هي من مصالح المسلمين.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما هي من مصالح المسلمين، الكلام على اللي فيها مصالح للمسلمين، أَمْرٍ جَامِعٍيعني: يجمع المسلمين لمصالحهم، وإما أنه يروحوا (...) كيف؟ اللي يدخل، يدخل، وإن كان أنه ما ينبغي للإنسان أن يشرد عن ربعه، لكن كونه أنه يقول: هذا حرام، ما نقول: حرام؛ لأن هذا ما يخل بالإسلام ولا شيء، غاية ما هنالك أنه يخل بهذا الجمع (...) يتمتعون (...) كيف؟ ما فيه شيء.
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِلا شك أن تركيب الجملة على هذا يدل على الشرف ورفعة المكانة؛ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَفإن (أُولَاء) اسم إشارة تدل على تعظيم المشار إليه؛ ولهذا جاءت بصيغة البعيد أُولَئِكَإشارة إلى علو مرتبتهم، ثم جاءت مؤكدة بـ(إن)، ثم جاءت بالجملة الاسمية إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فحصر الإيمان بالله ورسوله في هولاء الذين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كانوا معه على أمر جامع يستأذنونه قبل أن ينصرفوا.
(فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْأمرهم، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْبالانصراف، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْفاشترط الله سبحانه وتعالى أن يكون الاستئذان لشيء من الشؤون؛ يعني: لأمر من أمورهم التي يُعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قال للرسول: أْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ، فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه، فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ، وهذا التخيير هل هو تخيير تشهٍّ وإرادة مطلقة أو تخيير مصلحة؟
طالب: تخيير مصلحة.
الشيخ: تخيير مصلحة.
ما هو الضابط لتخيير المصلحة وتخيير التشهي والإرادة المطلقة؟ إذا كان التخيير من أجل الرفق بالمكلف فهو تخييرُ تشهٍّ، مثلما يوجد في بعض الكفارات، ككفارة اليمين فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: ٨٩]، وكما في قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كان الغرض من التخيير مراعاة التسهيل على المكلف فهو من باب التشهي؛ يعني: اللي تشتهيه افعله، وإذا كان التخيير من أجل مصلحة عامة أو خاصة فإنه تخيير مصلحة، وذلك فيما إذا كان يتعلق بالغير، فتخيير -مثلًا- ولي اليتيم في بيع ماله أو حبسه، أو إقراضه أو عدم إقراضه، هذا من باب تخيير المصلحة؛ لأنه يتصرف لغيره.
وكذلك أيضًا تخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ، هذا تخيير مصلحة، إذا كان إذنُ الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء لا يضر بالجمع، وفيه أيضًا مصلحة بيِّنة لهم أكثر من مصلحة بقائهم، فهنا يتعين؟
طلبة: الإذن.
الشيخ: يتعين الإذن، وإذا كان يخشى إذا أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هذا الجمع، أو أن بقاءهم في هذا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم، فهنا يتعين ألَّا يأذن لهم، فتخيير النبي عليه الصلاة والسلام هنا يرجع إلى المصلحة؛ إذا اقتضت المصلحة الإذن أذن، وإلا فلا.
وقوله تعالى: لِبَعْضِ شَأْنِهِمْعبَّر بالبعض إشارة إلى أنهم إذا استأذنوا لشيء مهم -وإن لم يكن الشؤون المتعددة- فإنه يكون عذرًا في جواز الاستئذان والإذن لهم.
ثم مع ذلك قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَوهذا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم، إذا انصرفوا عن هذا الجمع وفاتهم أجره، فاستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قلوبهم تطيب في الانصراف، ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق، هذه من جهة، ومن جهة أخرى اسْتَغْفِرْ لَهُمُ؛ لأنه قد يكون في استئذانهم هذا أمر لا يعذرون فيه، هم ظنوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو ليس بعذر عند الله، ويكون استغفارك لهم ماحيًا لما عسى أن يكون من التقصير والتفريط في ذلك.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌهذا تقدم الكلام عليه مرارًا، وقلنا: إن المغفرة في جانب الذنوب، والرحمة في جانب حصول المطلوب؛ ففي المغفرة النجاة من المكروه، وفي الرحمة حصول المطلوب.
ثم قال تعالى مؤدبًا عباده: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣].
طالب: (...)؟
الشيخ: أن يقول: غفر الله لكم، انصرفوا غفر الله لكم، إي نعم، أو اللهم اغفر لهم.
قال: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًابأن تقولوا: يا محمد، بل قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت) إلى آخره.
قوله: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًادُعَاءَعلى كلام المؤلف بمعنى: نداء، ومنه قولكم: دعوت فلانًا؛ أي: ناديته، وعلى هذا فـدُعَاءَمضاف إلى مفعوله؛ لأن (دعاء) مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، هذا الأصل، فحذف الفاعل وأضيف المصدر إلى مفعوله؛ أي: دعاءكم الرسول، هذا أصله.
وقوله: كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًاهذا مضاف إلى فاعله، ومفعوله بَعْضًا؛ يعني: كما إذا دعا بعضكم بعضًا، فإننا عندما يدعو بعضنا بعضًا نقول: يا فلان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام له من الحق والإكرام ما لا يليق بنا أن ندعوه باسمه، بل نقول: يا نبي الله، يا رسول الله، وقد التزم الصحابة رضي الله عنهم هذا الأدب، فصاروا ينادون النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه بالنبوة أو بالرسالة، وما ورد على خلاف ذلك من أقوال الصحابة أو دعائهم؛ فإما أن يكون قبل النهي، وإما أن يكون من جاهل، كالذي يحصل من بعض الأعراب، هذا ما ذهب إليه المؤلف وبعض المفسرين.
وقال آخرون: المراد من دُعَاءَ الرَّسُولِأي: دعاء الرسول إياكم، فيكون المصدر مضافًا إلى فاعله؛ أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم، وإن شئتم تركتم، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام إجابته فرض.
وعليه، فإذا أمرنا بأمر أو دعانا لأمر فإن إجابته فرض علينا، ليست كغيره؛ إن شئنا أجبنا، وإن شئنا تركنا، وعلى هذا فيكون في الآية نهيًا عن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرًا بطاعته، لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، ويؤيد هذا قوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فإن سياق الآية يؤيد هذا القول.
لو قيل بأن الآية شاملة للمعنيين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز أن نجعلها شاملة للمعنيين؛ لأننا أسلفنا قاعدة في هذا، وهو: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين بدون تناقض فإنها تحمل عليهما جميعًا، أما إذا كانت تحتمل معنيين لكن معنى كل واحد يخالف الآخر، فإنه حينئذٍ يجب طلب الترجيح الذي يرجح أحد المعنيين فيؤخذ به، وأما إذا كانت صالحة لهما ولا منافاة بينهما، فإن الواجب حملها على المعنيين جميعًا.
فعليه، نقول: إن هذا من باب الأدب في مخاطبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأدب في إجابته؛ ففي مخاطبته ما نجعل مخاطبته ودعانا إياه كدعاء غيره، وفي إجابته لا نجعل دعاءه وطلبه لأمر من الأمور كطلب غيره.
ومن ثَمَّ قال أهل العلم: لو دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي هل تجب عليه الإجابة ولَّا لا؟ تجب عليه الإجابة، ولو دعاه والده وهو يصلي؛ فإن كان في فريضة لم يجبه، وإن كان في نافلة أجابه، إلا أن يعلم رضا والده بذلك، بحيث يشعره أنه يصلي، فلا يهمه إذا كان يصلي ألَّا يجيب، فهذا لا يجيبه، وأما إذا كان والده من الناس الذين لا يعذرون -وكذلك والدته- فإنه يجيبه في النفل ويقطع صلاته.
طالب: (...)؟
الشيخ: يخفف الفريضة إذا علم أن والده له شغل، لكن لا على وجه يُخِل بها.
قال: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا [النور: ٦٣] أي: يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، وقَدْللتحقيق).
قوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَالتسلل معناه: الخروج بخفية، هذا معنى التسلل، وقوله: لِوَاذًاأي: لائذين بشيء، فهو مصدر في موضع الحال؛ يعني: يتسلل ويلوذ بشيء، كالسارية مثلًا أو كالشخص الآخر يصير واقف ثم يروح من وراه وينسل، وما أشبه ذلك.
وقول المؤلف: (في الجمعة) هذا بناءً على أن المراد بالأمر الجامع خطبة الجمعة، وإذا قلنا: أن المراد به ما هو أعم، مثل يتسللون ويش عنه؟ عن موضع الجمع، سواء في الجمعة أو في غيرها، فالله تعالى عالم بهولاء الذين يتسللون لائذين بشيء؛ لأنهم خرجوا عما كان عليه المسلمون، وعما يجب عليهم أن يكونوا عليه.
وقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُقال المؤلف: (قَدْللتحقيق)، وإنما نص على ذلك؛ لأن المعروف في علم النحو: أن (قد) إن دخلت على ماضٍ فهي للتحقيق، وإن دخلت على مضارع فهي للتقليل؛ قد يجود البخيل، وقد يفهم البليد، وقد يسبق العاجز، وما أشبه ذلك، هذه للتقليل، لكنها أحيانًا تأتي للتحقيق، مثل هذه الآية: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا، ومثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ [الأحزاب: ١٨]، وإنما أتي بالمضارع هنا؛ لأجل أن يتبين أن هذا العلم ليس لما مضى فقط، بل ولما يستقبل، فعلم الله في هؤلاء المتسللين ليس علمًا بمن سبق تسلله، بل بمن سبق تسلله وبمن (...).
***
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور: ٦١] وأن ذلك من الآيات التي بينها الله تعالى للعباد وأوضحها لهم؛ لما في ذلك من جلب المودة والمحبة والخير، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسلام وقال: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» .ثم تقدم أيضًا: أن الله حصر الإيمان في الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُيعني: مع الرسول صلى الله عليه وسلم، عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍعام شامل، لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، وبين أن المستأذنين هم الذين يؤمنون بالله ورسوله، وأن الذين يتسللون لواذًا بدون استئذان هم الذين لا يؤمنون بالله ولا برسوله، وتوعدهم على ذلك بأنه يعلم هذا العمل منهم، وإخباره بأنه عالم به دليل على أنه سيجازيهم عليه؛ إذ لا فائدة من الإخبار بالعلم إلا وقوع المجازاة على ذلك.
وفي الآية دليل على أن الإيمان ينقسم إلى ناقص وكامل؛ لأن عدم الاستئذان في الأمر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معصية تنافي كمال الإيمان، فالإيمان قد يراد به مطلق الإيمان، وقد يراد به الإيمان المطلق، والفرق: أن مطلق الإيمان يصدق ولو بإيمان ناقص، والإيمان المطلق هو الإيمان؟
طالب: الكامل.
الشيخ: الكامل، ففرق بين مطلق الإيمان؛ أن تضيف (مطلق) إلى (إيمان)، وبين أن تصف الإيمان بالمطلق، فالإيمان المطلق؛ أي: الكامل، ومطلق الإيمان؛ أي: أن يكون مع الإنسان أصل الإيمان وإن لم يكن كاملًا، ففي قوله تعالى في كفارة القتل: فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢]، المراد بالإيمان هنا: المطلق أو مطلق الإيمان؟
طالب: مطلق الإيمان.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يكون المعتَق كامل الإيمان، بل يكفي أن يكون مؤمنًا، ولو أن معه أصل الإيمان فقط.
وفي قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِكهذه الآية، وفي قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال: ٢] المراد بالإيمان؟
طالب: المطلق.
الشيخ: الإيمان المطلق؛ يعني: الإيمان الكامل هو الذي يكون على هذه الأوصاف.
وفي الآية دليل على أن ولي الأمر يجب عليه التيسير على من تحت يده؛ لقوله: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ.
وفيه أيضًا دليل على أن الاستئذان بدون عذر لا يقبل؛ لقوله: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْ نِهِمْ، أما إذا استأذنوا لمجرد أنهم يريدون أن يتركوا العمل فإنه لا يؤذن لهم.
وفيه أيضًا دليل على تفويض الأمر إلى من له ولاية؛ لقوله: لِمَنْ شِئْتَ، ولكن هذا التفويض -كما أشرنا إليه في الدرس- تفويض للمصلحة لا لمجرد التشهي والإرادة، بل لا بد إذا رأى أن في الإذن لهم مصلحة أذِن لهم، فإذا رأى أن المصلحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن.
وفيه أيضًا: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم؛ ليطمئنوا على هذا الانصراف.
وفيه أيضًا: أن الأولى عدم الاستئذان حتى وإن كان للإنسان شأن؛ لأن الأمر بالاستغفار دليل على أن هناك شيئًا منين؟ من التفريط الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يستغفر لهم عليه، وهذا صحيح لا شك؛ أن الأولى البقاء مع الجماعة، وأن الإذن أو الاستئذان للانصراف أمر قد يكون فيه ذنب؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ.
وفي الآية دليل أيضًا على انتفاع الإنسان بدعاء غيره؛ لقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، والشواهد على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة، ولكن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره سوى الدعاء أو لا ينتفع؟
طالب: (...).
الشيخ: الجواب: إن كان له أثر في ذلك العمل فإنه ينتفع به بلا شك؛ مثل أن يكون هو الذي سَنَّ هذه السنة؛ يعني: ابتدأ العمل بها للناس ودل عليها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وكذلك إذا كان له أثر في العامل؛ مثل أن يكون والدًا له، «فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» ، فالوالد ينتفع بعمل ابنه إذا تبرع به له؛ ولهذا جاء رجل للنبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إن أمي افْتُلِتَت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» .
وكذلك المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم على أمها صوم شهر، فهل يجزئ أن تصوم عنها؟ فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام .
وكذلك الحج؛ حيث سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أباها أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخًا لا يستطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ»، وذلك في حجة الوداع .
فإذا كان للمهدَى إليه أو للإنسان أثر في العمل أو في العامل انتفع به، لكن إذا لم يكن له أثر فيهما؛ مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذلك أو لا يجزئ؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ منهم من يرى: أنه يجزئ، وأن الإنسان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المسلمين فإنه ينتفع به، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ على أن أيَّ قُربة وطاعة يتقرب بها العبد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت فإنه ينتفع بذلك.
ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟
والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم.
أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك.
فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟
نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به.
هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة.
وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة.
طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟
الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا.
الطالب: (...) الصدقات؟
الشيخ: (...) الأعمال الصالحة.
الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان.
الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» .
ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم.
لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته.
فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع.
لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء.
وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا.
فيستفاد منه: وجوب احترام النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير.
وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله.
وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ.





