تفسير سورة الشعراء - 3
عدد الزيارات 1557

عناصر المادة :
تفسير الآية (25)
تفسير الآية (26)
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)
تفسير الآيات (30-35)
تفسير الآيتين (36-37)
تفسير الآية (38)
تفسير الآيتين (39-40)
تفسير الآيتين (41-42)
تفسير الآيات (43-51)

خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف.
وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء: ٢٤] هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ لا. وهل يدخل في ذلك لأن الله ربه؟ نعم، لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها وهو في الأرض.
وَمَا بَيْنَهُمَاوكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خَلَقَ سماواتٍ ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق (...)؟
فينبغي الوقوف رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاثم يقال: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء: ٢٤] فالأمر بَيِّن؛ ولهذا المؤلف قدَّر الجواب قال: (إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَبأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده).
وإنما قلنا: إنها لا تَعَلُّقَ لها بما قبلها؛ لأنه لو تعلقت بما قبلها لكان المعنى أنه رب السماوات والأرض إن أيقنوا بذلك وإلَّا فليس رب السماوات والأرض، وهذا الكلام لا يستقيم، بل نقول: رب السماوات والأرض وما بينهما (...).
ثم قال: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَأي: من ذوي الإيقان فأيقنوا بذلك لأنه لا أحد أو لا مدفع لكون السماوات والأرض مخلوقة لله لا يقدر أحد على خلقها.
طالب: (إن) هنا شرطية؟
الشيخ: إي نعم، (إن) هنا شرطية وجواب الشرط محذوف؛ إما ما قدَّره المؤلف أو ما قلناه أيضًا فأيقنوا، و(فآمنوا) و(أيقنوا) معناهما واحد، فآمنوا به وحده.

تفسير الآية (25)
00:02:13

(قَالَفرعون لِمَنْ حَوْلَهُمن أشراف قومه أَلَا تَسْتَمِعُونَجوابه الذي لم يطابق السؤال)
غريبة هذه؟!
(قَالَفرعون لِمَنْ حَوْلَهُ).
طالب: (...)
الشيخ: إي نعم.
قَالَفرعون أَلَا تَسْتَمِعُونَالاستفهام هنا للتهكم بلا شك؛ يعني: ألا تستمعون إلى هذا الذي زعم أن رب العالمين رب السماوات والأرض؟! يعني: والواقع -على حسب زعمه- أن رب العالمين هو فرعون، فهو يتهكم به؛ يقول: استمعوا لهذا، يقول: إن رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما! فيكون على هذا خاطئًا في تهكمه ولَّا مصيبًا؟ خاطئًا.
وقصده في هذا الحقيقة التهويل وتحطيم موسى عليه الصلاة والسلام وبيان أن ما جاء به ليس بصواب.
أما على رأي المؤلف: (جوابه الذي لم يطابق السؤال) لو كان الأمر كذلك لكان فرعون مُحِقًّا في اعتراضه ولَّا لا؟ لأن كل أحد إذا عرف أن الإنسان أجاب بغير ما سُئِل عنه فمعنى ذلك أنه منقطع عن الحجة وعاجز عن دفعها، فهذا من أبعد ما يكون.
ونحن نقول للمؤلف ولغير المؤلف ممن مشى على طريقته: إن جواب موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَامطابق للسؤال، وإن فرعون لم يسأل عن حقيقةِ وكنه الخالق أبدًا ولا دار في فكره هذا، ولا يبالي به من أي شيء هو، ما هو مبال، الكلام على تصرفه وماذا يكون؛ فلهذا الجواب نقول: إنه مطابق للسؤال.
وأَلَا تَسْتَمِعُونَالاستفهام للتهكم؛ لأنه –أي: موسى- أتى بأمر بعيد عما يريده فرعون؛ ففرعون الذي يقول: مَا رَبُّ الْعَالَمِينَيريد من موسى أن يقول: رب العالمين فرعون، ولكنه قال: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء: ٢٤] ثم أيضًا استبلههم بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَيعني: إن كنتم من ذوي الإيقان والعلم فأيقنوا بذلك.
والاستفهام هنا في: أَلَا تَسْتَمِعُونَفي هذا المقام لا شك أنه سيصدر من مثل فرعون يتهكم بموسى الذي جاء بالحقيقة ولا يستطيع فرعون أن يدفعها.
تفسير الآية (26)
00:05:09

(قَالَموسى رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَوهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون)
.
شوف موسى عليه الصلاة والسلام أسلوبه أسلوب حكيم أتى بالأول بالربوبية العامة للسماوات والأرض وما بينهما، ثم أتى للربوبية الخاصة بفرعون الذي يَدَّعِي أنه رب وقال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَإشارة إلى أنكم أنتم أتيتم من آباء ولَّا لا؟
طالب: بلى
الشيخ: ومن أتى مِنْ أَبٍ فكيف يمكن أن يكون ربًّا هو مخلوق من نطفة؛ يعني: فكأنه يقول: ارجعوا إلى أصلكم، فالله تعالى ربكم أنتم الذين تَدَّعُون أنكم أرباب.
وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَالذين أتيتم منهم فيُذَكِّرُهم بأصلهم ليذكروا أنهم كانوا مُحْدَثِين، وأنهم لا يصلحون أن يكونوا أربابًا، وهذا من حُسْنِ الجواب، وهو في الحقيقة كل جواب يقوله موسى فهو حجة قاطعة تَدْمَغُه، ولكن -والعياذ بالله- مَنْ لم يُوَفَّق للحق فإنه لا ينتفع به ويستكبر عنه.
(قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَوهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون) يعني كلام في الحقيقة لَيِّن من المؤلف، لو قال: وهذا أيضًا إقامة حُجَّةٍ أخرى ما هو عليه على فرعون أنهم مربوبون وأنهم مخلوقون من أصلاب آبائهم الأولين، ومن كان كذلك مولودًا فلا يستحق أن يكون ربًّا وإلهًا (...).
يعني: أجاب عن الفعلة بأنه كان عن جهل.
ثم إنه يقول: فَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْفكأنه يقول: أنتم لم تألوا جهدًا في معاقبتي عليها، ولكنني فررت منكم فلم تدركوني (...) ما قلناه لكن الآن نقوله؛ يعني قال: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [الشعراء: ٢١] فكأنه يقول لهم: لم تألوا جهدًا ولكن نجوت فالعقوبة نجوت منها بالفرار، والجهل تَنَزَّهْتُ منه بالرسالة.
الجواب عن الأمر الثالث: كأنه يقول: تَرْكٌ للظلم بالنسبة إليَّ، وترك الظلم لا يُعَدُّ نعمة؛ لأن الإنسان ليس مستحقًّا له حتى نقول: إنه عفا عنه وتركه، أو يقال:هذا ما مشى عليه المؤلف.
لكن فيه احتمال آخر فالإساءة إلى قومي إساءة لي فكأنه يؤكد الآن نفي النعمة بما يشبه (...).
يقول: يعني: أين النعمة وأنت قد عَبَّدْتَ بني إسرائيل وهم قومي؟
فإذا قُدِّر أني سَلِمْت منك من التعبيد والظلم فأنا فرد من قبيلة وقوم وقد عبدتهم، فأين النعمة؟!
بعد ذلك جرت المناظرة بينه وبين موسى؛ فقال السؤال الأول من فرعون.. هذا السؤال الأول.
طالب: من فرعون إلى موسى؟
الشيخ: إي وهذا السؤال يتضمن السؤال عن الحقيقة والماهية، أو عن أمر آخر يعني؟
طالب: يريد أن يقرر..
الشيخ: أولًا اذكر لي معناها على رأي المؤلف، السؤال عن الحقيقة كأنه يقول: ما هو مادته، ما مادته؟ ما كنهه؟ ما حقيقته؟ إي، لكن هو يسأل عما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن يسأل عما قال المؤلف إلا وقد أقر به، وهو ما أقر بالله عز وجل.
فالاستفهام إنكار يقول: أي شيء يكون رب العالمين، وأنا الرب؟! بماذا أجاب موسى؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء: ٢٤].
ويش الفائدة من قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَهل هي تعود على ما سبق؛ يعني: أنه رب هذه الأشياء إن أيقنتم وإن لم توقنوا فليس ربها.
طالب: (...).
الشيخ: يعني: إن كنتم من ذوي الإيقان الذين يتصفون باليقين بما يشاهدونه فأيقنوا بذلك.
بماذا أجاب فرعون؟
طالب: يعني: كأن..
الشيخ: الاستفهام هنا: أَلَا تَسْتَمِعُونَأيش الغرض منه؟
الطالب: الغرض منه التهكم.
الشيخ: إظهار التهكم والاستهزاء. المؤلف على أي شيء حمل هذا التهكم والاستهزاء؟
طالب: المؤلف يقول: (ألا تستمعون لهذا الجواب الذي لا يطابق السؤال)؟
الشيخ: إني أسأله عن الحقيقة وأجابني بالأوصاف. والصواب؟
الطالب: والصواب على القول الصحيح أن الجواب ليس للسؤال، ولكن لأنه إنكار على ما أجابه أن ربه هو رب السماوات.
الشيخ: تمام، يعني: ألا تستمعون إلى هذا الرجل الذي أنكر ربوبيتي وزعم أن هناك ربًّا للسماوات والأرض وما بينهما؟!
طالب: لا، يقال: إنه (...).
الشيخ: بل هو؟
الطالب: فرعون لم (...).
الشيخ: مطابق للجواب، إي.
الطالب: سؤال فرعون..
الشيخ: مطابق لجواب موسى، وجواب موسى مطابق لسؤال فرعون.
بعد ذلك انتقل إلى جواب آخر؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، هذا ما دخل في رب السماوات والأرض؟
الطالب: بلى، داخل.
الشيخ: لكن؟
الطالب: لكن ذكر هذا، والتقدير ليذكرهم أنهم خُلِقوا من أصلاب آبائهم فلا يستحق أحد الربوبية (...).
الشيخ: يعني: كان هذا كإقامة الدليل على امتناع ربوبية فرعون وأن الله سبحانه وتعالى كان ربًّا له ولآبائه الأولين الذين وُجِدَ منهم، فلا يمكن أن يكون هو ربًّا وهو مربوب.
طالب: ما يقال هذا (...).
الشيخ: لا، يمكن، كل الجواب هذا كله موافق للحكمة، لكن ليس من أسلوب الحكيم المعروف عند البلاغيين.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أصل فرعون ما سأل في الثانية، تَهَكَّم فقط.
الطالب: قصدي في الأول.
الشيخ: وين؟
الطالب: قال: ما رب العالمين؟
الشيخ: لا، الأول جواب سليم، الأول جواب صحيح، والثاني جواب صحيح لكنه أخص من الأول؛ يعني: جواب مطابق للسؤال تمامًا، لكن تَنَقُّله من هذا إلى هذا هذا من الحكمة؛ فذكر في الأول رب السماوات والأرض ثم ذكر الربوبية المباشِرة لهؤلاء.
طالب: ما فيه أحقية لفرعون حين استفهم بقوله: أَلَا تَسْتَمِعُونَ؟
الشيخ: إلا فيه، فيه نعم.
الطالب: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُتحقيرًا لهم أنهم من آباء..
الشيخ: إي نعم، هو تحقير وبيان أنه ما يصح لهم ربوبية.
تفسير الآية (27)
00:14:57

يقول: قال الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧] شوف، (إِنَّ) للتوكيد و(لمجنون) اللَّام أيضًا للتوكيد، فأَكَّد جنون موسى بأمرين بـ(إن) واللام.
وفي قوله: إِنَّ رَسُولَكُمُمن التهكم ما هو غير خفي؛ يعني: رسولكم يُتَهَكَّم به؛ لأنه هو ينكر رسالته وينكر ربوبية مَنْ أرسله، ولكن هذا من باب التهكم به، ثم إنه لم يضفه إلى نفسه تكبرًا، ما قال: إن الرسول الذي أُرْسِل إلينا أو إن رسولنا، قال: إِنَّ رَسُولَكُمُوهذا عُلُوٌّ منه وتكبر وتهكم بموسى فالعلو والتكبر والترفع حيث أضافه إليهم؛ يعني: كأنه هو في شأن أعلى من أن يُرْسَل إليه ولا على سبيل التهكم، ثم إن إضافة الرسالة إليهم وهو ينكر ذلك تهكم بموسى ظاهر.
وقوله: الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، ولم يقل: أرسله رب العالمين مع أن موسى قال: إني رسول رب العالمين؛ لأنه ما سمح لنفسه أن يصف الله تعالى بالربوبية، ولا على سبيل التهكم.
وقوله: لَمَجْنُونٌالمجنون فاقد العقل، وهذا دأب جميع الذين كذبوا الرسل كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] يقولون: ساحر أو مجنون و(أو) هذه مانعة خلو وليست مانعة جمع؛ لأنهم قد يقولون: ساحر فقط أو مجنون فقط أو ساحر ومجنون وهذا ما وقع لموسى عليه الصلاة والسلام كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
تفسير الآية (28)
00:17:36

{قَالَ}
موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء: ٢٨] يعني: هو رب المشرق والمغرب، المراد الجهة فقط أو الجهة وما يحدث فيها من شروق الشمس والقمر والنجوم وما إليها؟ لا شك أن المراد الأخير؛ الجهة وما فيها.
رب المشرق والمغرب وما بينهما وهذا كقول إبراهيم للذي حاجه قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] فكأنه موسى عليه الصلاة والسلام عدل إلى أمر ظاهر بَيِّن ما يمكن (...) أبدًا، رب المشرق والمغرب وما بينهما.
والذي بينهما ما يحدث من السحاب والرياح وغير ذلك فهذا أمر لا أحد ينكره؛ ولهذا قال لهم: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ؛ لأن هذا الأمر ظاهر للعقلاء.
ثم في قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَتعريض لهم كرَدٍّ على قولهم: إنه لَمَجْنُونٌ؛ إن رسولكم لمجنون، كأنه يقول: المجنون مَنْ ينكر هذه الأشياء؛ ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
وفي قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَمن ظهور القوة من موسى عليه الصلاة والسلام وأنه لم يكترث بهم؛ رجل وحده أمام جبار عنيد ويقول هذا الكلام هذا كلام مزعج في الواقع، يعني: يقوله الإنسان لمن كان ندًّا له، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام لمَّا قال الله له في الأول: فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء: ١٥] كان واثقًا بالله سبحانه وتعالى وموقنًا بأنه لن يضره فرعون، والأمر كذلك، الشاهد أن المشرق والمغرب وما بينهما لظهور الآيات فيهما، قال لهم: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء: ٢٨] هذا من وجه.
ثانيًا: أراد أن يقابل قول فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌفكأنه يقول: المجنون من لم يستدل بهذه الآيات على الرب سبحانه وتعالى.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَأنه كذلك فآمنوا به وحده، مثلما قال المؤلف فيما سبق: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء: ٢٤] أنه كذلك فآمنوا به وحده.
تفسير الآية (29)
00:20:46

قال فرعون لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] بعد أن قَطَع بالحجة والبرهان عدل إلى القوة؛ يعني: سلطان الحجة انقطع به، فعدل إلى سلطان القوة والتهديد؛ لأن هكذا العاجز عن رد الحجة بالحجة ويش يعمد إليه؟ إلى القوة إذا كان له سلطان، وهذا له سلطان على موسى؛ ولهذا هدَّدَه بقوله: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِيلم يقل: لئن دعوت إلى الله فقط؛ يعني: يريد منه أن يمتنع عن الدعوة إلى الله بالأولى وألا يتخذ إلهًا سواه، وفي هذا دليل على أن فرعون كان ينكر أن يكون هناك ربٌّ سواه.
وأن قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤] صفة كاشفة وليست صفة مقيدة؛ لأنه لا يعتقد أن هناك ربًّا سواه.
وقوله: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ [الشعراء: ٢٩] هذه فيها شيئان يحتاجان إلى جواب؛ الشرط والقسم، والموجود هنا جواب القسم ولَّا جواب الشرط؟
طالب: القسم.
الشيخ: ويش الدليل؟
طالب: (...).
الشيخ: الموجود الآن جواب الشرط ولَّا جواب القسم؟
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: لا، جواب القسم؛ لأن لَأَجْعَلَنَّكَما هي جواب شرط، هذه جواب قسم ولهذا أُكِّدت بالنون واللام فهو جواب القسم، وهذه هي القاعدة.
يقول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَــــــــوَابَ مَـــا أَخَّرْتَ فَـــــهْوَ مَــــلْتَزَمْ

وهنا اجتمع شرط وقسم؛ الشرط (إن) والقسم (والله) المحذوف.
يقول:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَــــــــوَابَ مَــا أَخَّــــــرْتَ...............

والمؤخر أيهن هنا؟ المؤخر الشرط فيكون الجواب الموجود للقسم وهو كذلك.
وقوله: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِيإلهًا بمعني مألوه أي: معبود.
والمراد بالمعبود هنا المعبود الذي يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَد، وذلك لربوبيته فهو يعتقد أنه الرب فيجب أن يكون هو الإله الذي يعبد.
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَشوف مِنَ الْمَسْجُونِينَ، ولم يقل: لأسجننك. كما قال الله تعالى في قصة يوسف: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ [يوسف: ٣٥]، بل قال: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَزيادة في تهديد موسى كأنه يقول: إن هناك سجناء، وأنا قادر على سجن الناس، فإذا لم تتخذْني إلهًا واتخذت إلهًا غيري جعلتك في جملة هؤلاء من المسجونين.
(كان سجنه شديدًا؛ يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحدًا) هذا ما هو شديد بالنسبة لما نعرف الآن من السجون؛ لأنها شيء أشد من هذا بكثير، وفرعون إنما قال: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، أما كيف يسجنه فالآية لم تتعرض له، وأما أيضًا إذا كان معروفًا أن سجنه بهذه الكيفية فهذا السجن ليس شديدًا، بل في السجون من التعذيب ما هو أشد؛ نسمع أنهم -والعياذ بالله- يؤتى بالشخص ويجعل في مثل البرميل وفيه مسامير وتحته نار، هذا الرجل كيف يجلس؟! ما يستطيع، إن جلس خرقته المسامير الحارة، وإن اتكأ على أحد الجدران كذلك، فهذا -والعياذ بالله- من الأساليب التي يفعلونها، ونسمع أيضًا أنه من الأساليب أنهم يجوعون السباع الضارية ثم يرسلونها على السجناء تنهشهم ولا يستطيعون الدفاع؛ لأن ما عندهم قدرة؛ مثلما فعل الحجاج بجحدر بن مالك فإنه كان من الخوارج فقبضه -وكان شجاعًا جدًّا- فلما قبضه حبسه وأتى به وقال: إنا ملقوك على الأسد، وإنا سنقيد يدك، وأنت والأسد (...)، فأتى بأسد فأجاعه ثلاثة أيام، ثم قال له: أعطني سيفًا وشد إحدى يدي بكيفك، فأعطاه السيف، وشد إحدى يديه، ثم ألقاه على الأسد، والأسد جائع ثلاثة أيام ما أكل، يقولون في ترجمته: فلما وثب عليه الأسد ضربه في نحره بالسيف بيد واحدة فخرَّ صريعًا الأسد، فأطلقه الحجاج لقوته وشجاعته .
فهذه الأساليب أيضًا مما يعمد إليه أهل الظلم -والعياذ بالله- بالسجناء.
المهم أن الآية الكريمة ليس فيها ذكر ما يفعله به، إنما فيها أنه سيكون من المسجونين؛ من جملة مَنْ يسجن.
تفسير الآيات (30-35)
00:27:37

(قال له موسى: أَوَلَوْ جِئْتُكَأي أتفعل ذلك ولو جئت به)
.
وقد مر علينا فيما إذا اقترنت همزة الاستفهام بالعاطف هل يُقَدَّر بعدها جملة يعطف عليها ما بعد الهمزة، أو أن الهمزة تُقَدَّر متأخرة بعد حرف العطف، وذكرنا في ذلك وجهين لأهل العلم.
وقلنا: إن الوجه الأخير أسهل؛ لأن الأول ربما يمر بك ما لا يمكن فيه التقدير، وأما هذا فتقول: الهمزة للاستفهام وهي مقدمة، والواو حرف عطف وهو مقدم حكمًا، مؤخَّرٌ لفظًا والجملة معطوفة.
أما على ما ذهب إليه المؤلف هنا فإنه جعل الهمزة داخلة على شيء محذوف؛ (أتفعل ذلك ولو جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) كأن موسى عليه الصلاة والسلام قال له: على رسلك، لا تَسْجُنِّي، فأنا ما جئت بباطل وسأقيم البرهان على جئت به.
أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍومن لطف الله أن فرعون قال: فَأْتِ بِهِ، وكان مقتضى جبروته وطغيانه أن يقول: ولو جئتني بشيء مبين إن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين، ولكن القلوب بيد الله عز وجل، أَلَان الله قلب هذا الرجل المتكبر الجبار لموسى حين قال: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، وهذا اللين قد يكون له سبب حسيٌّ؛ وهو لئلا ينقطع أمام الملأ الذين عنده؛ لأن موسى إذا عرض عليهم خطة الرشد ثم تعسف وقال: ولو جئتني بهذا فربما يكون حينئذ أمام مَلَئِهِ يظهر فيه أنه معاند وأنه منقطع فقال: فَأْتِ بِهِ.
ثم إنه أيضًا قد يكون مما حمله على ذلك أنه أراد أن يأتي به ليكون إبطاله أو دعوى بطلانه على يده؛ لأنه ربما يأتي به موسى في مكان آخر فيغترُّ به الناس على زعمه، فأراد أن يأتي به أمامه ليتمكن من دعوى بطلانه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هو، لا، استبعد ظاهرًا لكن من الجائز.. لأن موسى ما قال: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍإلا وهو متأكد، فمن الجائز أن يفعل ما قال كما فعل، فكون فرعون يتنازل ويقول: فَأْتِ بِهِ. هذا لا شك أنه من تفسير الله الذي قد يكون له أسباب حسية معلومة.
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما يخالف، لكن أليس فيه احتمال؟ فيه احتمال أنه يأتي به؛ لأن موسى ما قاله إلا وهو متأكد منه.
ونحن نقول: إن وجه التليين أو أن الله ألانه له: أنه ما قال لا تأت بشيء، سأسجنك ولو لم تأت؛ لأن كونه يعرض أنه يأتي بشيء أمر محتمل أن يأتيَ به، ولكن فرعون لان بعض الشيء للأسباب التي ذكرنا:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى ألانه والله على كل شيء قدير.
والثاني: الأسباب الحسية؛ لأجل ألا يقال: إن حجته انقطعت، وأن الرجل عرض عليه خطة رشد فأباها.
وثالثًا: لأجل أن يكون إبطال ما يجيء به موسى على يده حتى يبين.
والثالث أيضًا -إذا شئتم نضيف إلى ذلك- أنه أراد أن يتحداه، وإن كان هذا ما يمنع أن يقول: لا تأت به؛ لأنه قادر هو على أن يقول لا تأت به بدون أن يتحداه؛ لأن تحديه له فيه احتمال أن يأتي به وحينئذ تنقطع حجة فرعون.
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
يقول: (بِشَيْءٍ مُبِينٍأي: ببرهان بَيِّنٍ على رسالتي).
شَيْءٍفسرها المؤلف ببرهان، مُبِينٍببيِّن.
إذن فهي من (أبان) المتعدي أو اللازم؟ من (أبان) اللازم.
لأن إحنا قلنا: أبان بمعنى (أظهر) متعدٍّ، و(أبان) بمعنى (...) يعني: ظهر، فهو لازم.
قوله: (بيِّنًا على رسالتي) المؤلف قيَّدَها بقوله: على رسالتي، والأولى أن يقال: إنها أعم من ذلك؛ على كل ما قلتُ من الرسالة، ومن وصف الله تبارك وتعالى بأنه رب العالمين ورب السماوات والأرض وربكم ورب آباءكم الأولين ورب المشرق والمغرب، ولكن كلام المؤلف لا يأباه إذا قلنا: إن المراد بالرسالة كل ما جاء به موسى.
(قَالَفرعون له فَأْتِ بِهِ) أي: بهذا الشيء المبين (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفيه).
والجملة الشرطية موصولة بما قبلها ولَّا منقطعة؟ موصولة يعني: إن كنت من الصادقين فأت به.
وفي مثل هذا التركيب يقول بعض النحويين: إنه لا حاجة إلى جواب الشرط لدلالة ما قبله عليه.
وبعضهم يقول: إن جواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما قبله.
ولا أعلم أن أحدًا قال: إن جواب الشرط ما سبق، وذلك لأن جواب الشرط لا يتقدم على العامل.
ولكنَّ الصحيحَ الأولُ؛ أن التركيب في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب.
والفرق بين هذا وبين الذي بعده أن اللي بعده يقول: إنه يجب أن يُقَدَّر الجواب، ولكنه حُذِف للعلم به.
ونحن نقول: إنما عُلِم، لا يحتاج إلى جواب؛ لا يحتاج إليه إطلاقًا، فهذا هو الصحيح.
ومثل هذا يقع أيضًا في القسم؛ قد يأتي القسم، قد يأتي القسم (...).

***

فقال له: أْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَذكرنا أن هذا الخضوع من فرعون يتضمن ثلاثة أمور هي؟
طالب: أول (...) أن الله سخره، وكذلك أنه أراد أن يقطع الحجة أمام قومه، وكذلك أراد أن لا يظهر بمظهر الضعف أمام قومه.
الشيخ: إي نعم لأنه تحداه بقوله؟
الطالب: لأنه تحداه قال..
الشيخ: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَمع أنه في الحقيقة هذا التحدي لولا أن الله ألانه لكان ما يتحداه به؛ إذ من الجائز أيش؟ أن يقول له: لا تأت به. ومن الجائز بعد أن تحداه أن يأتي به موسى فيكون في ذلك حجة على فرعون، فأتى بالآيتين العظيمتين وهي آية العصا وآية اليد.
وماذا قابلهما فرعون به؟ قابلهما بمثل ما قابل به بالأول؛ وهو التمويه وادعاء السحر وأنه ساحر عليم، جيد في سحره.
ثم قال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء: ٣٥].
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْما قال: أن يخرجني مثلًا أو أن يخرجنا ترفعًا وتعظمًا أن يبدو أمام موسى بمظهر الضعف الذي يهدد ولكنه خاطب به قومه.
ثم قال: مِنْ أَرْضِكُمْتهييجًا لهم؛ لأن الإنسان لا شك أنه لا يمكن أحدًا يخرجه من أرضه؛ ولهذا قال: يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْولم يقل: من أرض مصر ولا من الأرض؛ تهييجًا لهم على مقابلة موسى بما يقابلونه به، ولأجل أن يكرهوا موسى عليه الصلاة والسلام ويروا أنه عدو مستعمر.
وقوله: بِسِحْرِهِالباء للسببية أي: بسبب سحره.
وفرعون هنا قال: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْوالملأ ما قالوا: بسحره، أما هو فقال: بِسِحْرِهِلأجل أن يشدهم على طلب السحرة الذين يقابلون (...) فرعون في سورة الأعراف قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف: ١٠٩، ١١٠] ولم يقولوا: بسحره، والفرق هو أن فرعون أراد أن يشدهم وأن يغريهم بما يقابلون به موسى عليه الصلاة والسلام.
وقوله: فَمَاذَا تَأْمُرُونَليس المراد بالأمر هنا هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء؛ لأن فرعون لن يخضع لقومه حتى يطلب منهم أمرًا، ولكن المراد بالأمر المشورة؛ يعني: فبماذا تشيرون عليَّ؟ وسمِّي المشير آمرًا لأنه مُوَجِّه فإن من استشاره لا شك أنه يطلب توجيه فيكون مشورته بالأمر أمرًا به.
طالب: لو خضع (...) جبروته.
الشيخ: الاستشارة هنا لمصلحته؛ لأنه يريد أن يختبرهم ماذا يكون عندهم، ويريد أيضًا: أن يُبَيِّنَ أن لهم وَزْنًا لأجل أن يتشجعوا على هذا الأمر (...).
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص: ٣٢] لكن هذه ما هو بـ (اضمم) إليك جناحك من الرهب، هذه: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [النمل: ١٢] لأنه والله أعلم أن الجيب في مقدم الجسم ولا يمكن لو أنه ألقاها خلف ظهره ثم أخرجها، فقد يقول قائل: إنه عمل فيها عملًا لم نشاهده لكن هذا أمامهم وظهر.
وكنت أتصور بالأول أنه لما كانت العادة أن اليد إذا أدخلت وتغيبت عن الشمس والهواء ابيَضَّتْ، الجلد كله الآن المستور من الإنسان أبيض والبارز للشمس والهواء أسمر فلعله -كنت أتصور ذلك- لعله لما كان إدخالها يتغير بهذه السرعة وهذا خلاف العادة، فالعادة ما تتغير إلا بعد مدة طويلة وأنها بهذه السرعة يدل على أنه ليس أمرًا عاديًّا، بل هو أمر خلاف العادة وهذا من آيات الله.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، اجمع بينهما.
طالب: أولُ مَنْ قال فرعونُ وتبعه أناس.
الشيخ: وافقوه على ذلك.
الطالب: (...) من قولهم..
الشيخ: (...) من قولهم موافقة، ولَّا أول من قاله فرعون، لكن تعرفون الكبير -كبير القوم- إذا قال شيئًا، قالوا: صحيح هذا ساحر، الآن كبير القوم إذا قال: (...)، لَجّ اللي عنده (...)، فهذا مثله هذا لما قال قالوا مثله فوافقوه.
طالب: تعقيب الآيات -يا شيخ- يدل على أنه من قولهم.
الشيخ: لولا هذا يعني لو جاءت آية واحدة لقلنا: من قولهم، لكن ما دام جاءت آيتين ولا يمكن أيضًا لهم يتكلموا بين يديه؛ لأنه قد أرعبهم، فهو قال، ثم قال، واضح؟
طالب: (...) لكن أسند القول إليه من باب (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: لأنه قال: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُصريح واضح.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، موافقة في الحقيقة؛ لأنك تقول: قال الإمام أحمد: كذا وكذا، وقال شيخ الإسلام بمثله، وقال ابن القيم بمثله، هذا في القول، فالموافقة للإنسان قول، هذا أقرب طريق للجمع بين الآيات، ويش نقول؟ هم يقينًا أنهم ما هم متكلمين قبل أن يتكلم فإذا تكلم هو قال الملأ من قوم فرعون.
وهذا ما يدلنا على أن القرآن نقل الترجمة بالمعنى؛ يعني: نَقَل الله تعالى كلام هؤلاء بالمعنى، ما هو باللفظ؛ لأنه لو كان بنفسه ما تَغَيَّر في قضية واحدة.
تفسير الآيتين (36-37)
00:43:23

طالب:
بسم الله الرحمن الرحيم (...).
الشيخ: (أَخِّرْ أمرَهما وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٣٦]) إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه؛ لو سلط فرعون على موسى وأخيه لقضى عليهما، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيء سببًا.
أشار الملأ على فرعون أن يُؤَخِّرَ أمرهما؛ أمر موسى وهارون وأن يبعث في المدائن جمع: مدينة، حَاشِرِينَجامعين.
يعني: يرسل إلى المدائن -مدائن مصر- من يجمع السحرة؛ ولهذا جاء الجواب: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ.
وكان من المتوقع أن يقول: (يأتونك) فما هو الفرق بين (يأتوك) وبين (يأتونك)؟ (...) الفرق بينهما بالنسبة لـ (يأتوك) محذوف النون، لكن ويش الفرق بينهم من حيث المعنى؟
طالب: (يأتوك) و(يأتونك)؛ يعني: نفس اللفظ بدون جزم يعني.
الشيخ: لو قال: (يأتونك) أو قال: (يأتوك)..
الطالب: جواب الطلب.
الشيخ: أيهم؟ إذا كانت بحذف النون؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولو جاءت النون.
الطالب: ولو جاءت النون لأصبحت (...).
الشيخ: لا، قال: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لو قال: (يأتونك) لكانت صفة لكل ساحر عليم؛ حاشرين يأتونك، صفة لحاشرين، حاشرين يأتونك، فهمتم؟ تكون صفة لـ (حاشرين)؛ أنهم يأتونك بكل سَحَّار عليم.
ولكن المراد خلاف ذلك؛ لأن (يأتوك) أبلغ من (يأتونك)؛ حيث كانت جوابًا للأمر اللي هو للمشورة.
(ابعث) أيضًا ليست أمرًا حقيقيًّا، بل هي أمر للمشورة، (ابعث) (يأتوك)؛ يعني: بمجرد بعثك يأتونك به، أفهمتم؟
لكن لو كانت صفة لحاشرين (حاشرين يأتونك) لكان من الجائز ألا يأتوا، صفة الحاشر أنه يجمع ويأتي بالسحرة، لكن قد يتهيأ له ذلك وقد لا يتهيأ.
أما إذا قال: (ابعث) (يأتوك) صار هذا مثل الشرط والجزاء؛ يعني أنه إذا حصل بعثك لزم منه نتيجة، وهو أن يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ.
سَحَّارٍهل هي من باب صفة المبالغة؛ من باب المبالغة أو هي من باب النسبة؟
كما يقال: بَنَّاء ونجَّار وصنَّاع؛ يعني: لأن صنعتهم السحر ولا ينسب الإنسان إلى هذه الصفة إلا إذا كان مُجِيدًا فيها، ما يقال لمن بنى مرة واحدة إنه بناء، ولا لمن نجر مرة واحدة إنه نجار وإنما يقال ذلك فيمن أتقن المهنة والصنعة، فهل تقولون: إن السحار صيغة مبالغة أو إنها نسبة صيغة نسبة؟
طالب: الفرق بينهما (...)؟
الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ لأن (سحَّار) كثير السحر، ولكن (سحَّار) بمعنى النسبة أنه متقن لهذه الصنعة؛ لأنه نُسِبَ إليها، الظاهر أن النسبة أولى؛ يعني بذي سحر قد أتقن هذه المهنة فتكون للنسبة.
ويغني عن هذا -عن المبالغة- قولهم: عَلِيمٍ؛ يعني: فائق في السحر.
وقد يقال: إن هذا يغني عن النسبة وأن (سحَّار) صيغة مبالغة لكثرة سحرهم وإتقانهم.
طالب: ما يكون مثلما قلنا الثاني؛ قلنا: صيغة نسبة مقابل قول فرعون: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ.
الشيخ: إي، لكن فرعون ما جاء به بصيغة مبالغة ولا بالنسبة، قال: سَاحِرٌفقط، لكن عَلِيمٍهذه صفة ثانية مستفادة مستقلة عن ساحر.
هنا قالوا: سَحَّارٍوعَلِيمٍ؛ ولهذا قد يترجح أنها للمبالغة، وتكون النسبة مفهومة من قوله: عَلِيمٍ.
(يَفْضُل موسى في علم السحر) يعني: يزيد عليه؛ فعلى هذا طلبوا أن يأتوا بسحرة يفوقون موسى في الكم وفي الكيف ولَّا لا؟
وفعلًا حصل هذا أتوا بمهرة السحرة وبعدد كبير، ولكن ليس الأمر الذي من آيات الله سبحانه وتعالى مثل السحر الذي هو خيال لا حقيقة له.
تفسير الآية (38)
00:49:19

{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}
[الشعراء: ٣٨] جُمِعَوالسَّحَرَةُ(أل) للعموم، والجامع إما فرعون وإما الحاشرون الذين ذهبوا إلى المدائن يحشرون الناس.
وقوله: لِمِيقَاتِاللام للتوقيت كقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي: لوقت عدتهن.
جُمِعُوا لهذا اليوم لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍلدى الناس، والذي فَرَض هذا اليوم -سبحان الله- مَنْ؟ الذي فرضه موسى، الذي اقترحه موسى، شوف كيف التقدير! يعني: موسى هو الذي يحدد الزمان والمكان؛ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه: ٥٩]؛ لأنه واثق بنصر الله؛ ولهذا وَعَدَهم يومًا يسمونه يوم الزينة بمنزلة العيد للمسلمين.
وأمرهم أيضًا أن يكون في واضحة النهار ضُحًىليتمكن الناس من الرؤية والمشاهدة على وجه التَّأَنِّي والطمأنينة.
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍوهو وقت الضحى من يوم الزينة.
تفسير الآيتين (39-40)
00:50:47

{وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ}
[الشعراء: ٣٩] والقائل مبهم؛ لأن القائلين كثيرون؛ بُعِثَ الناس في الأسواق وفي الأماكن يقولون: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ؟ والاستفهام هنا للأمر؛ يعني: اجتمعوا، أو هو للتشويق كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم [الصف: ١٠] لكنه للأمر أوضح، يعني: أُمِروا أن يجتمعوا وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٣٩، ٤٠] عندي يقول: (الاستفهام للحثِّ على الاستماع، والترجي على تقدير غَلَبَتِهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى).
ما ذكره المؤلف من الاستفهام محتمل؛ وهو التشويق الذي قد أشرنا إليه، ويحتمل أنه للأمر يعني: يأمرون الناس أن يجتمعوا.
وقال: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَلَعَلَّنَايعني معشر الأقباط جميعًا، نَتَّبِعُ السَّحَرَةَدون موسى لكن شرط إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَوهذا الشرط في ظنهم أنه متحقق وأن السحرة سوف يغلبون.
وفي قولهم: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَمن إظهار التعصب ما لا يخفى؛ لأن الواجب عليهم أن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب، ما يقولوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ، قد يكون الحق مع موسى وقد يكون الحق مع السحرة؛ فلو وُفِّقُوا لقالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق، ولكنهم قالوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ، ثم استدركوا فقالوا: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ، وهذا ما يسمى بالتحفظ في لغة العصر؛ يعني: كأنهم حكموا بأن الغلبة للسحرة لكن مع تحفظ لقولهم؛ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.
وفي قوله: الْغَالِبِينَإشكال من الناحية الإعرابية؛ لأن (هم) ضمير والخبر يكون مرفوعًا ولَّا منصوبًا؟ مرفوعًا، فلماذا نُصِبَ هنا؟
طالب: نقول: (هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
الشيخ: إي، طيب والْغَالِبِينَ.
الطالب: الْغَالِبِينَخبر (كان).
الشيخ: خبر (كان) أحسنت، إي نعم، فـ (هم) هنا ضمير فصل ليس لها محل من الإعراب، والْغَالِبِينَخبر (كان) ومعلوم أن خبر (كان) يكون منصوبًا.
فائدة ضمير الفصل، له فوائد وهي؟
طالب: تمييز الصفة عن الخبر، فنقول: زيدٌ الفاضلُ أو زيد هو الفاضل.
الشيخ: فإذا قلت: زيد الفاضل قد تكون نعتًا، والخبر لم يأت، وإذا قلت: هو الفاضل.
الطالب: حددنا أنه..
الشيخ: خبر.
الطالب: خبر، وكذلك من فوائده الحصر..
الشيخ: المبتدأ في الخبر.
زيد هو الفاضل؛ يعني: لا غيره.
الطالب: والفائدة الثالثة التأكيد.
الشيخ: التأكيد؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، كأنك تؤكد ذلك، تؤكد أنه الفاضل لا غيره.
قال: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَالاستفهام للحث على الاجتماع.
قوله: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَيعني: اجتمعوا بترغيب وحثٍّ.
(والترجي على تقدير غَلَبَتِهم) وين الترجي؟ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَعلى تقدير غلبتهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى.
هل هؤلاء الذين ذهبوا يجمعون الناس هل فيهم نوع من الإنصاف ولَّا لا؟
طالب: لا؛ لأنهم أول مانع فيه تعصب في الدعوى؛ لأنهم قالوا: نَتَّبِعُ السَّحَرَةَفأظهروا الاتباع فهذا يدل على تعصبهم و..
الشيخ: إي نعم، لكن أنا أسأل: هل فيهم نوع من الإنصاف، ما هو إنصاف كامل؟
الطالب: (لعلهم) قول: (لعلهم) قد يكون فيه شيء من..
الشيخ: لا، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُهينة ما فيها شيء، ما فيها إنصاف.
الطالب: ما فيها إنصاف؟!
طالب آخر: نعم، فيها نوع من الإنصاف؛ لقولهم: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.
الشيخ: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَفيها نوع من الإنصاف؛ لأن إن إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَاتبعناهم وإلَّا فلا، لكن تقديم اتباع السحرة وترجي اتباعهم هذا هو اللي فيه نوع من التعصب، وكان عليهم ألا (...) في السحرة إطلاقًا، وأن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب.
تفسير الآيتين (41-42)
00:56:54

ثم قال: (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُيعني: لفرعون قَالُواله أَئِنَّبتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين) التحقيق والتسهيل؛ أَئِنَّهذا تحقيق. تسهيل الثانية {أَاِنَّ} سهلة (...) الهمزة والياء، إدخال ألف بينهما على الوجهين {آئِنَّ}، {آاِنَّ} على تسهيلها، فتكون القراءة على هذا أربعًا.
لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَاللام هذه للتوكيد لَأَجْرًا، والمراد بالأجر هنا المثوبة الدنيوية والقربى والزلفى منه أو نقول: المثوبة الدنيوية فقط؟ لكن هو زادهم القربى والزلفى منه نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ.
وهنا يقول: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًاإذا قيل: كيف دخلت لام التوكيد على الاستفهام، والاستفهام إلى الآن ما بعد وقع، فكيف يؤكد؟ ولهذا نظائر في القرآن مثل قوله تعالى: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ [يوسف: ٩٠] فكيف يصح التوكيد مع الاستفهام والمستفهم يسأل؟ ما بعد إلى الآن ما تبين له الأمر أنه واقع، فكيف يؤكد؟
فيقال: إن التأكيد هنا يراد به تأكيد الجواب، كأنهم يقولون: أتؤكد لنا الأجر، أتؤكد لنا أنك أنت يوسف؟ أما بالنسبة للسائل فلا يمكن التوكيد؛ لأنه سائل مستفهم ولا جمع بين الاستفهام الذي هو جهل وبين التوكيد الذي هو علم محقق.
فعليه نقول: الاستفهام هنا على تقدير أي شيء؟ الجواب: يعني: أتؤكد لنا أن لنا لأجرًا؟
إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَالجواب: قَالَ نَعَمْهؤلاء يريدون الراتب قبل المرتبة، يبغون الأجر مثلما يقول بعض الناس إذا طُلِبَ منه أن يكون إمامًا في المسجد قال: هل هناك شيء أو مؤذن أو ما أشبه ذلك؟ ها دولا أيضًا؛ لأن المقام الآن مقام صار حقًّا على زعمهم، ومع ذلك قالوا: إن انتصرنا على الباطل كما يزعمون بالحق أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا؟ فقال لهم: نَعَمْيعني: لكم أجر.
ونَعَمْحرف جواب، ويقال: إن الجواب سؤال معاد فالحرف نائب عن السؤال؛ يعني: نعم لكم أجر، ولهذا بهذه القاعدة وهو أن حرف الجواب إعادة للسؤال؛ لو قيل للرجل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، ما قال: هي طالق. قال: نعم، تطلق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تطلق لو ما قال: أنت طالق؛ لأن حرف الجواب إعادة للسؤال، كذلك أيضًا لو قيل له: أقبلتَ النكاح؟ قال: نعم؛ انعقد النكاح. لو قيل له: أعتقتَ عبدك؟ قال: نعم؛ عتق. أوقفت بيتك؟ قال: نعم.
لو أراد الكذب في مثل هذه الأحوال؛ لو قيل له: أوقفتَ بيتك؟ قال: نعم. وهو يكذب. أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. وهو يكذب، فهل يقع الطلاق والوقف والعتق وما أشبه ذلك أو لا يقع؟
طالب: أما الطلاق فيه تفصيل؛ حق الغير يقع؛ لأنه يؤخذ بالظاهر.
الشيخ: إي نعم، يقال: هذا يدين حكمًا لا يقبل، وأما فيما بينه وبين الله إذا لم يحاكم فإنه يُقْبَل؛ يعني: لو أن زوجته وثقت به وقالت: إن الرجل لما قيل له: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم. أراد أنه يكذب على صاحبه، فإنها تبقى معه؛ لأن ما ادعاه محتمل ولَّا غير محتمل؟
طالب: محتمل.
الشيخ: محتمل، ما ادعاه محتمل، وإذا كان محتملًا ولم ينازع فيه مَنْ له الحق وصدقه فإنه يُقْبَل منه؟ قالوا: نعم.
طالب: نعم، فيه معنى آخر للاستفهام؟
الشيخ: لا.
الطالب: يستفهم؛ يعني: هو يستفهم (...) يقال: طلقت امرأتك؟ يتعجب؛ نعم، كأنه يتعجب هنا.
الشيخ: (نعم) حرف جواب.
الطالب: لغة.
الشيخ: لا لغة ولا عُرفًا، لكن نعم تلقى أحيانًا يعقبها يقول: ويش تقول؟ نعم، ويش تقول؟
الطالب: أو استفهامية.
الشيخ: لا على كل حال إنها حرف جواب ولا تأتي في اللغة ولا في العرف استفهامية إلا إذا قُرِنَت بشيء؛ مثل: نعم ويش تقول؟ لأنه كأن يقول: نعم، هات ما عندك، (نعم) يستزيده.
الطالب: العلماء قالوا: إنهم يسمون العالم عندهم ساحر استدلالًا بقوله: وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [الزخرف: ٤٩] صحيح؟
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
الطالب: أو أنه اتهام لموسى بأنه ساحر؟ كانوا معتقدين..
الشيخ: لا، هم معتقدين هذا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُبناء على عقيدة به، وقوله: ادْعُ لَنَا رَبَّكَهذا من باب التهكم.
قال: قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا(إِذًاأي: حينئذ) ولكن هذا ليس بصحيح تفسيره، إِذًابـ (حينئذ) غير صحيح؛ لأن (حينئذ) للماضي، لكن يجب إذن؛ أي إذا غلبتموه إذا كنتم الغالبين.
لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَيعني: لدَيَّ، فكأنه زادهم على ما طلبوا ويش هو؟ زادهم القربى منه وإنما وعدهم بذلك تشجيعًا لهم على هذا الأمر، فأجابهم على ما سألوا وزيادة تشجيعًا لهم.
طالب: التنوين يا شيخ؟
الشيخ: التنوين عوض عن جملة يعني إذا غلبتموهم.
وقوله: وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَاللام ويش معناها؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد.
وقال: لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَإشارة إلى أنه سيجعلهم في حاشيته؛ لأنه ما قال: لأقربنكم. قال: لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ؛ يعني: أنكم تكونون في جملة الحاشية الذين هم أقرب الناس إليَّ.
تفسير الآيات (43-51)
01:05:28

{قَالَ لَهُمْ مُوسَى}
بعدما قالوا له: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف: ١١٥] قال لهم: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَفالأمر فيه للإذن بتقديم إلقائهم توصلًا به إلى إظهار الحق.
قوله: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَمثلما قال المؤلف بعد أن قالوا: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا [الأعراف: ١١٥، ١١٦] هذا الأمر يقول المؤلف: إنه للإذن ويحتمل أن يكون للتحدي؛ ولهذا قال: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ(ما) بصيغة العموم؛ يعني: ألقوا ما تريدون مما تلقونه فأنا لا أكترث به ولا أهتم به.
ويدل على ذلك أنه طلب أن يكونوا هم الملقين لأجل أن يكون هو الغالب بعدهم؛ لأنه لو ألقى عصاه ماذا تصنع وليس أمامها شيء؟ صارت ثعبانًا مبينًا، ولكن ليس أمامها شيء، فأمرهم أن يلقوا هم أولًا لأنه عليه الصلاة والسلام واثق بوعد الله فهو ينطق من منطق القوة يقول: أنا لا أكترث بكم، ألقوا ما تريدون أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَفالإبهام هنا للمبالغة يعني: ألقوا الذي تريدون مما تلقونه.
وفي قوله: مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَبالجملة الاسمية دليل على أنه مهما كانوا متصفين به من الإلقاء فإنه لا يهتم به.
يقول: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ-أعوذ بالله- إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء: ٤٤].
حِبَالَهُمْيعني التي يسحرون الناس بها. وَعِصِيَّهُمْالتي يسحرون الناس بها وهم يلقون هذه الحبال وهذه العصي فتكون في أعين الناس ثعابين وحيات.
وأيضًا تظهر بمظهر الكثرة تملأ الوادي حقيقة هي ثعابين وحيات ولَّا لا؟ لا، إذن السحر هو خيال ولَّا حقيقة؟
طلبة: خيال.
الشيخ: لا.
طالب: حقيقة.
الشيخ: السحر حقيقة لكن باعتبار ما سُحر به خيال؛ حقيقة لأنه أَثَّر في الرؤية أثر بدل أن يرى الإنسان هذه الحبال حبالًا وعصيًا صار يراها ثعابين وحيات.
طالب: كيف يخلونه (...)؟
الشيخ: إذن هذه حقيقة، لكن بالنسبة لما يراه ليس متغيرًا عن حقيقته؛ فالحبال حبال والعصي عصي، لو رآها من لم يصل إليه السحر لرآها حقيقة حبالًا وعصيًّا.
ويذكر أنه فيه واحد ساحر جلس إلى قوم وهم يبشرون النخل، تعرفون البشارة عندنا؟ البشارة أنه يؤخذ رطب بعد ما يذبل قليلًا ويوضع.
المهم: جاء أحد السحرة إلى هؤلاء القوم وهم مجتمعون حول القِدْر وفيها الرطب، فقال لهم: أنا بأمشي على هذا الرطب ولا يتأثر، بأمشي في وسط القدر ولا يتأثر قالوا: ما يمكن. قال: يمكن، فألقى السحر فجعل يمشي في وسط القدر في رؤيتهم وهو يمشي خارجه يدور عليه، فتعجبوا، فقال الذي في النخلة: تراه يكذب عليكم، تراه ساحركم، فألقى السحر إليه قال: لا، صحيح الآن، طب بوسطه.
هذه صحيح يعني: إن كانت منسوجة فهي منسوجة لكنها قريبة من الواقع.
فالسحر يؤثر بالنسبة للحواس وإدراك الإنسان، أما بالنسبة لواقع الأمر فإنه لا يؤثر أبدًا
طالب: على رغبة الساحر مثلًا يعني تأثيره؟
الشيخ: هو الظاهر، إي حسب السحر اللي معه، مثل العين تمامًا العين أيضًا على رغبة العائن يسوي بالمعيون كما يريد؛ ولهذا ذهب رجل من الناس -وهي قصة محققة- إلى شخص عائن وكان هذا الذاهب أشد تعيينًا منه، والعائن هذا قد جنى على صاحب له -والقصة إذا أحببتموها وإن كانت طويلة بعض الشيء- فيه رجل عائن تزاود ويا إنسان ببعير فغلبه هذا الإنسان، واشترى البعير وكانت (...) اللي اشتراها، وله إبل في البر يعني: رعية، فأخرج البعير اللي هو شرى إلى الرعية، قدَّر الله سبحانه وتعالى أنه في آخر النهار هبت ريح شديدة وضاعت الإبل وضاعت البعير اللي هو أرسل، وابنه أيضًا ذهب في طلب الإبل ولا عنه خبر، ابن هذا الذي اشترى البعير وهو من ليلته أوجعته عيونه فصار لا ينام بالليل ولا بالنهار -والعياذ بالله- بقي مدة طوية حوالي خمسة عشر يوم فجاءه صاحبه العائن وقال له: يا فلان أنت ما (...)؟ قال: الله يهديك، أنت ما فيك خير (...)؟ ليش تيجي؟ ويش اللي حاصل؟ قال: اللي حاصل: فلان تزوادت أنا وياه بالبعير واشتريته، ومين اشتريته وهو حاصل هذا وليدي وبعيريَّ ضاعوا، وبعيري اللي اشتريته ضاعت وعيوني، (...) أنام بالليل ولا بالنهار، قال: (...) خرج منه وراح للرجل الذي عانه ودقَّ عليه الباب، سلم عليه كيف حالك؟ فلان وتلببله، قاله: ويش (...) بفلان حابسه في بيته خمسة عشر يومًا، الآن ما ينام بالليل ولا بالنهار، وبعيره ضاعت، وليده ضاع، ولكن اختر ثلاث حالات: إما نصلي عليك العصر، وإلَّا أحبسك في بيتك ما تطلع منه (...)، وإلا تقسم لي قسمًا أنه من الحد الفلاني من الأسواق ما عمرك تنالهم بسوء. قال: هذه أهون. فأقسم له أنه ما ينالهم بسوء، قال: عطيني الطاقية، وعطاه طاقيته وراح للرجل وبلها بالماء وشرب منه ورش على وجهه، وعيونه -سبحان الله العظيم- كأنما نشط من عقال، ويجي الخبر بعد الظهر إن الولد والبعيرين جاءا، والبعير اللي ضاعت جائته هذا شيء محقق.
لكن الشاهد أن العائن الآن يحاكمه؛ قال له: اختر ثلاثًا وجابن هذا اللي سحره مثله أيضًا يسحرون كما يشاؤون.
طالب: يقتل العائن يا شيخ؟
الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يقتل إلا إذا تَعَمَّد القتل.
الطالب: (...).
الشيخ: إذا قال: أنا أقتل فلانًا، اقتله.
الطالب: ولو أفسد بغير قتل.
الشيخ: لا، إذا أفسد يحبس، هو يقول: يجب حبسه على كل حال، العائن يجب حبسه بكل حال كما قال أهل العلم، ولكن الغريب إن المعيان هذا مشهور في الزمن السابق بين الناس، والولاة أقوياء يعني، الأمراء أقوى مركزًا من اليوم، حتى أمراء البلدان، والقضاة موجودون، وكلام الفقهاء -أيضًا- الحنابلة ما فيه بعد شيء نقول: هذا قول مرجوح في المذهب؛ أنه يجب أن هؤلاء يحبسون، ولكن مع ذلك (...) ولَّا لو حبسوا لقلَّ الشر.
طالب: (...).
الشيخ: ويش لونه؟ إي نعم؛ لأنه ما قتله.
الطالب: (...).
الشيخ: إي إذا قتله؛ إذا تعمد أيضًا، قال: بأقتله؛ بأقتل فلانًا، وأما إذا كان ما قصد القتل ولكن مات فهذا خطأ يضمنه بالدية.
على أن بعض العلماء يقول: ما يقتل حتى وإن كان تعمَّد قتله؛ لأن هذا السلاح سلاح خفي باطن، وبعضهم قال: يُقتل بمثله يجاب واحد (...).
طالب: هذه أولى، لا يفل الحديد إلا الحديد.
الشيخ: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦] لكن يخاف يشجع اللي ينحتون.
طالب: علاج العين؛ الإنسان يصاب بعين؟
الشيخ: تعالج -بارك الله فيك- بالقراءة وتعالج بالحس معالجة حسية؛ إنه يجاب العائن ويتوضأ ويغسل مغابنه ويؤخذ ما يتناثر منه ويُسْقَى على هذا ويرش به رأسه من فوق على ظهره، وبإذن الله يبرأ.
عند الناس الآن شيء ما هو بمعروف في السنة، لكنه مجرب؛ أنه يأخذ من ثيابه اللي (...) سواء طاقية ولَّا غطرة ولَّا فانلة ولَّا سروالًا، ويُغْسَل ويأخذ أغساله ويشربه المصاب وينتفع به بإذن الله.
طالب: (...) يمكن (...).
الشيخ: إي.
الطالب: يخيلهم (...).
الشيخ: لا ما يقدر، الغريب أنه إذا تُحِدِّي ما يقدر (...).
الطالب: (...).
الشيخ: إذا تحداه سواء بعداوة ولا ما هو بعداوة؛ لأن العين ما تأتي إلا على غفلة، وأكثر ما تأتي أيضًا من يخاف منها، أما إذا ما تحداه ما يقدر، يقولون: الناس..
طالب: (...) للحرب.
طالب آخر: أو يقول: (...).
الشيخ: هي تُؤثِّر، ما فيه شك، حتى (...) السيارات مشهورة عندنا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذه حصل لها نظير عندنا؛ ناس في الوادي القصر اللي بين عنيزة وبريدة وكانوا يشتغلون، ولما طلعوا وقت الظهر بطلوا وبدأوا يتهجرون، هذا من مدة ثلاثين سنة، فيه سيارة جاية من بريدة تروح لعنيزة، فقال بعضهم لبعض: والله غادينا نروح (...) يلَّا امشوا قال: لا (...)، تهجروا، ما هي (...)، ودهم يقومون يتحفزون، ويقول لهم: اقعدوا ما تروحوا أبدًا (...)، و(...) في القصر، وهم يتهجرون (...) على طمأنينة، ولكن (...) البودي، ياما شاف (...)، عيت (...) مرة، لما انتهوا وجوا وصلوا، وقال: والله يا جماعة (...) قال له: طيب تبغي (...) قال: بس نزل (...) قال لهم: اللي يسمون هذا اللي معنا عائن، قال (...).
طالب: شيخ، ويش هو العلاج من السنة؟
الشيخ: هو اللي ذكرنا؛ أولًا: أنه يتوضأ ويغسل مغابنه، ويرش على هذا..
طالب: مغابنه اللي هي زي الآباط.
الشيخ: إي نعم، زي الآباط.
الطالب: يعني: زيادة على الوضوء الأعضاء.
الشيخ: إي نعم، لكن عاد اللي مجرب عند الناس مشهور عندهم الشيء اللي مباشر لبدنه، يزعمون أن الإنسان إذا صلي عليه صلاة الجنازة –العائن- أنه يبطل، ولكن ليس بصحيح.
طالب: يقولون: قصص واقعية.
الشيخ: يقولون: وفي بعض الروايات أنه يغسل مغابنه.
طالب: ما بحث الموضوع؟
الشيخ: إلا في زاد المعاد.
الطالب: في ذيل زاد المعاد.
الشيخ: ما أدري.
طالب: القراءة (...) ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام (...).
الطالب: (...).
الشيخ: ربما يوجد في كلام الشيخ.
طالب: (...) أرواح شريرة (...) تخرج من العين.
الشيخ: صحيح، منشأها الحسد؛ ولهذا قيل في قوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق: ٥] إنه العائن إذا عان، وإلَّا ما فيه شك أنها تطلع من شح وشفقة على الشيء وحسد لغيره.
طالب: بس ما هو بأي حاسد؟ العائن؟
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: البارحة (...) شيخنا كان يدرس لنا بالليل بين العشاءين، ومرت طيور هذه التي (...) أظنها يسمونها البط، ورفعت رأسي وقال: هون صيد العلم أفضل أو خيرٌ من صيد الطيور، وهو صحيح ما فيه شك أنا أجزم جزمًا أن الإنسان اللي يلتفت يقينًا بيروح فكره وهو ما يلتفت إلا مُؤتمرًا بأمر مَن؟ بأمر قلبه ما يمكن يلتفت إلا بهذا.

***

أقول: لما جُمِعَ الناس بميعاد من موسى عليه الصلاة والسلام: قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الشعراء: ٤٣] بعد أن قالوا: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف: ١١٥].
وذكرنا أن في الإبهام؛ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ: في هذا الإبهام من التحدي ما هو ظاهر، يعني: أي شيء تلقونه فإني لا أهتم به.
فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [الشعراء: ٤٤].
طالب: شيخ، قولهم: إن كانوا غالبين، ما يُفهَم منه أنهم شاكُّون في انتصار السحرة على موسى؟
الشيخ: يمكن هذا أنهم شاكُّون هذا من باب التحرز، إنما ما قالوا: لعلنا نتبع الغالب أو الحق؛ السَّحَرَةَ، ثم إنه يحتمل أن قولهم: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَأن هذا من باب الشرط المبين للواقع؛ يعني: سيغلبون على كل حال..
طالب: السحرة ينفي أن نجزم بهذا لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَذكرهم للسحرة يعني: لَعَلَّنَاما نجزم بكونهم شاكِّين؟
الشيخ: إي نعم، لما قالوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَكان المفروض أن يقولوا؟
الطالب: الغالب.
الشيخ: إي، الغالب، فلما قالوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَخافوا أيضًا من أن يكون الأمر على خلاف ما يتوقعون، وقالوا: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.
ثم قال تعالى: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْالحبال جمع حبل، والعصي جمع عصى.
وتلك الحبال والعصي يلقونها ليوهموا الناس بسحرهم أنها حيات وثعابين حتى موسى عليه الصلاة والسلام خاف وأوجس من هذا خيفة لما رأى هذه الحيات والثعابين تُقبِل إليه خاف، ولكن الله قال له في تلك الساعة: قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ [طه: ٦٨، ٦٩].
وقالوا لما ألقوها: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء: ٤٤] الباء للسببية.
وعِزَّةِ فِرْعَوْنَ: غلبته وقهره، وفي تقديمهم هنا للعزة دليل على أنهم لا يعتزون بغيره، وأنهم لا يرون أن ينتصروا بسوى عزته.
وقولهم: إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَأكدوها بـ (إن) واللام؛ لأنهم يعتقدون تلك الساعة أنه لا أحد أقوى من فرعون، وأنهم بعزته سيغلبون لا محالة؛ ولهذا أكدوها بقول: إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ.
ثم أتوا بالجملة الاسمية: إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَإشارة إلى أن هذه الغلبة ستدوم وتستمر؛ لأن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستقرار والدوام.
وفي قوله: إِنَّا لَنَحْنُإذا أعربنا (نحن) ضمير فصل، فيه ما يستفاد من ضمير الفصل؛ وهو التأكيد والحصر والفصل؛ يعني: إنا لنحن الغالبون دون غيرنا بهذه العزة العظيمة التي كانوا يعتقدونها حين ذاك، ويش تقول؟
طالب: سؤالي يا شيخ: (لعل) (...) للتعليل، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ.
الشيخ: يمكن، لكن للترجي أبين.
الطالب: أبين من التعليل.
الشيخ: قال الله تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُبوحي خاص من الله كما في سورة طه: قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه: ٦٨، ٦٩] ألقى موسى عصاه.
{فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ} بحذف إحدى التاءين من الأصل: تبتلع مَا يَأْفِكُونَ.
{تَلَقَّفُ} ولم يُشِر المؤلف إلى القراءة الثانية وهي تَلْقَفُ.
أما قراءة: تَلْقَفُفليس فيها حذف إحدى التاءين، وأما {تَلَقَّفُ} ففيها حذف إحدى التاءين وأصله فتتلقف ومعناهما واحد يعني: تبتلع، لكن {تَلَقَّفُ} تفيد معنًى زائدًا على تَلْقَفُوهي تفيد التتبع؛ يعني: كأنها جعلت تتبع حتى أفنتها كلها؛ لأنها إذا كانت كثيرة أمامها ما تتبعها، والسبب أنها ما تتبعها؛ لأنها كثيرة، أي جهة تأخذ تلقف؟ لكن لما فنيت وقلَّت صارت حبلًا هنا وحبلًا هنا وحبلًا هنا، فهي تَتَلقَّفه؛ تتبعه.
وقوله: مَا يَأْفِكُونَيقلبونه بتمويههم، فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى.
مَا يَأْفِكُونَالإفك: الكذب، وهذا كذب بالفعل ولَّا بالقول؟
طلبة: بالفعل.
الشيخ: كذب فعلي؛ لأن الكذب القولي يكون باللسان وهو إخبار الإنسان بما لا يوافق الواقع، والكذب الفعلي يكون بالفعل وهو إظهار الإنسان الفعل بخلاف الحقيقة. فهؤلاء أظهروا أن هذه الحبال والعصي حيات، لكنها ليست كذلك ليست حيات.
يقول: هذا كذب بالفعل؛ لأنهم أظهروها حيات وليست كذلك، وإنما هي حبال وعصي.
وقد زعم بعض العلماء: أن السحر لا حقيقة له، واستدلوا بقوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه: ٦٦].
والصواب أن له حقيقة؛ حقيقته: هذا التخييل.