تفسير سورة الشعراء - 4
عدد الزيارات 3115

عناصر المادة :
تفسير الآية (52)
تفسير الآيتين (53-54)
تفسير الآيتين (55-56)
تفسير الآيات (57-63)

طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يؤثر في التصور، وفي الإحساس، وما أشبه ذلك، أما أن يؤثر في قلب الحقائق فلا؛ لأن هذا من صفات الخالق.
لما رأى السحرة وهم أعلم الناس بالسحر وآثاره وتأثيره، لما رأوا ما تفعله هذه العصا التي وضعها من يده وهم يشاهدون؛ عرفوا أن الأمر ليس بسحر؛ لأن سحرهم أقوى ما يكون من السحر وأكثره، كل السحرة الذين في مصر، وكان السحر في ذلك الوقت أيضًا شائعًا؛ ولهذا جاء في آية موسى بشيء يشبهه بنوع منه، ولكن هم عرفوا أن هذا ليس بسحر، وأنه فوق طاقة السحرة، فماذا حصل؟ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُولم يقل: (فسجد السحرة) كأن هذا السجود أمر اضطراري؛ لقوة ما دفعهم إليه؛ يعني لا كأنه أمر اختياري لكن لقوة الدافع صار كأنهم أُلقوا إلقاءً بدون اختيارهم.
أُلْقِيَ السَّحَرَةُوالسَّحَرَةُ(أل) للعموم؛ يعني جميع السحرة مع مهارتهم ومعرفتهم أُلقوا ساجدين، ساجدين لمن؟ لله؛ بدليل قولهم: قَالُوا آمَنَّا، وليسوا ساجدين تعظيمًا لعصا موسى، لا؛ لأن تصريحهم بالإيمان دليل على أنهم ساجدون لله سبحانه وتعالى.
قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَهذا البدل من أحسن ما يكون بعد العموم. بِرَبِّ الْعَالَمِينَلأن موسى كان يقول: إنه رسول رب العالمين، فقالوا: آمنا برب العالمين، وكان فرعون أيضًا يقول: إنه رب العالمين، فأخرجوا ربوبية فرعون بقولهم: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ؛ لأن فرعون، وإن كان يدعي أنه رب العالمين لكنه ليس رب موسى وهارون؛ لأن موسى وهارون منكرانِ ربوبيته؛ فلذلك كان هذا البدل من أحسن ما يكون في بيان المراد برب العالمين.
وإتيانهم بِرَبِّ الْعَالَمِينَدون أن يأتوا مباشرة برب موسى وهارون؛ إشارة إلى أنهم آمنوا برسالة موسى؛ لأن موسى قال: أنا رسول رب العالمين، ما قال: أنا رسول ربي. قال: رب العالمين. هذا هو فائدة البدل في قوله: رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ.
والترتيب هنا بين موسى وهارون ترتيب يُطابِق الواقع، فإن مرتبة موسى أعلى من مرتبة هارون؛ لأن موسى من أُولي العزم ولكن الترتيب اختلف في سورة طه: رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] من أجل مراعاة الفواصل، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم، وكل كلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصل والنغمات لكن في الأمر المعلوم، فهنا من المعلوم أن موسى أفضل، وترتيبه في الذِّكر لا أحد يتوهم أن هارون أعلى منه مرتبة.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن التقديم له مزيته، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» .
(رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَلعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر) فلما آمنوا هذا الإيمان، وأعلنوه إعلانًا غير مبالين بما ينتج وراء ذلك؛ لأن الإيمان الصادق يقضي على كل عاطفة، فعاطفة حب النفس أمر جبلي فطري، لكن الإيمان يقضي عليها؛ ولهذا الإنسان يعرض نفسه للهلاك حينما يخرج مجاهدًا في سبيل الله، وهو يعرف أن سيوف القوم قد تبتر رقبته، لكنه لا يُبالي كذلك أيضًا الإنسان ينسى العاطفة بينه وبين أقاربه حتى إن الرجل ليقتل أباه إذا كان من الكفار.
فهنا قالوا مُعلنين هذا الإعلان غير مُبالين بما ينتج، وفي ظني أنهم سيعلمون أنه سينتج عن ذلك أمر عظيم؛ لأن فرعون جاء بهم سلاحًا له، فإذا خانوه في هذا المجتمع العظيم وهو يوم الزينة فالعقوبة أكبر إلا أنهم غير مبالين بهذا لما أشرنا إليه قبل.
قال: قَالَ آمَنْتُمْ [الشعراء: ٤٩] هذا قول فرعون: {قَالَ أَأَمَنْتُمْ} وكلمة قَالَأتت بالفصل ولَّا بالوصل؟ موصولة ولَّا مفصولة مع الأولى؟
هي مفصولة؛ لأن الوصل هو العطف بالواو وما عدا ذلك فهو فصل، فهي مفصولة لكن تدل على وقوع هذا الشيء مباشرة كأنه جواب على فعلهم؛ يعني فماذا كان الأمر؟
({قَالَ أَأَمَنْتُمْ} بتحقيق الهمزتين -{أَأَمَنْتُمْ}- وإبدال الثانية ألفًا -آمَنْتُمْ- {لَهُ}) .
({قَالَ أَأَمَنْتُمْ لَهُ} لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَأنا لَكُمْ) هذا أمر لا يكون عادة من هؤلاء ولا من غيرهم؛ أن يؤمن أحد لعدو فرعون بدون إذنه.
وفي قوله: قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْإشارة إلى أن الرجل قد سيطر عليهم سيطرة كاملة، وأنهم لا يتصرفون بشيء إلا بإذنه.
إِنَّهُوالاستفهام في قوله: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْللإنكار والتوبيخ.
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرشوف التمويه قال: غريب يعني، وهذا في الحقيقة مظهر ضعف منه، كيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد حُشِروا من المدائن؟ حتى وليسوا مع موسى في مدينته؟ فيقال: إنه علمهم، بل هم في مدائن متباعدة.
وكيف يمكن أن يقال: إنه كبيرهم الذي علمهم السحر وهم قد وضعوا حبالهم وعصيهم ليقضوا عليه؟ لأن من علمهم السحر فإنهم لا بد أن يخافوا منه.
وكيف يقال: إنه علمهم السحر وهم قد تعزوا بعزة فرعون بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء: ٤٤]، وهم يعلمون أن فرعون خصم لموسى؟ لكن هذا من باب التمويه على قومه، وقومه كما قال الله فيهم: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف: ٥٤] يعني عقولهم بالنسبة لفرعون لا شيء، خفيفو العقول والتفكير ما يعرفون شيئًا سوى فرعون أنه إلههم.
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [الشعراء: ٤٩] وقلنا: إن هذا باطل من الأوجه الثلاثة أو الأربعة التي ذكرناها، وأنه لا يمكن، لكن هذا مظهر ضعف من فرعون بلا شك؛ يعني كأنه يقول الآن: أنتم اجتمعتم عليَّ، وتحاشمتم علي، أنتم ومعلمكم، ثم لجأ إلى التهديد كعادته فقال: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَما ينالكم مني) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء: ٤٩].
قوله: فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. هذا تهديد بأمر مبهم فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَوقد ذكرنا أن الإجمال، ثم التفصيل من فوائده: تشوق المخاطب إلى تبيين هذا المجمل، وإذا كان وعيدًا فإنه يتشوق ذلك لكنه يكون خائفًا جدًّا؛ لأنه لا يدري ما هذا المبهم الذي وعد به. بيَّنه بقوله: لَأُقَطِّعَنَّواللام واقعة في جواب القسم بدليل أنه مؤكد لَأُقَطِّعَنَّ.
وقوله: أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍجمع (يد) و(رجل). ومِنْ خِلَافٍيعني متخالفة، إذا قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى، وإذا قطع اليد اليسرى قطع الرجل اليمنى، وليس معنى مِنْ خِلَافٍإني أخالف بينكم، فمنكم من أقطع يديه ومنكم من أقطع رجليه، بل هذا واقع على محل واحد، الخلاف في محل واحد يعني كل واحد منكم أقطع يده ورجله متخالفتين، وهذا في شريعتنا حد قُطَّاع الطريق؛ يعني أحد ما يحد به قطاع الطريق هو هذه أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَيعني بعد أن أفعل هذا أصلبنكم أجمعين، يعني كما قال في آية أخرى: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١]، وهو يشير إلى أن في مصر نخلًا، هو وَعَدَهُم بذلك.
والصلب الربط، وهل يُشترط أن يكون المصلوب ممدود اليد أو لا؟ ليس بشرط. المهم أن يُربط ربطًا محكمًا على خشبة الصليب.
طالب: بعد الموت أو قبله؟
الشيخ: لا، قبل الموت؛ لأنه قال: أُقَطِّع وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ [الشعراء: ٤٩] فهم..
طالب: الصلب في آية قُطَّاع الطريق.
الشيخ: الصلب في آية قُطَّاع الطريق اختلف فيه العلماء: هل يكون قبل الموت أو بعده؟
فالمشهور من مذهبنا: أنه بعد الموت، ولكن الصحيح أنه قبل، أنهم يصلبون قبل؛ لأنهم إذا صُلِّبوا قبل نالوا الألمين؛ الحسي والنفسي أو القلبي، لكن إذا صُلبوا بعد الموت هم ما ينالون شيئًا أبدًا، ثم إن في تصليبهم بعد الموت مثل ما يقولون العوام: (...) لا فائدة منه؛ ولهذا لما قيل لأسماء بنت أبي بكر رضى الله عنه وعنها: إن الحجاج فعل كذا وكذا بعبد الله بن الزبير بعد موته، فقالت رضي الله عنها: وما يضر الشاة سلخ جلدها بعد موتها؟ لأن هذا الشيء ما يؤثر.
كان جوابهم: قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٥٠].
(لَا ضَيْرَلا ضرر علينا في ذلك) ما شاء الله يعني لقوة إيمانهم قالوا: هذا ما يضرنا ولا يؤثر. وفي هذا من التحدي وإظهار القوة والشجاعة ما هو ظاهر؛ لأنهم يُخاطبون أعتى أهل الأرض وهو فرعون يقول: لا ضير، افعل ما تريد، ما يهمنا، وصدقوا أنهم لا ضير عليهم في ذلك ما دام تعذبيهم هذا في ذات الله، فهم هنا إنما يُعذَّبون في ذات الله فقط، هذا لا يضرهم أبدًا، بل يزيدهم رِفْعَة؛ ولذلك كان ذكرهم إلى يوم القيامة، أشاد الله تعالى بذكرهم في القرآن، وسيبقى إلى يوم القيامة، وهذا فيه أكبر منفعة.
(إِنَّا إِلَى رَبِّنَابعد موتنا بأي وجه كان مُنْقَلِبُونَراجعون في الآخرة). يقول يعني مهما كان حتى لو بلغنا إلى الموت فإن النهاية أننا سنرجع إلى ربنا، ورجعونا إلى ربنا خير من الدنيا؛ لأنهم يرجعون إلى نعيم أبدِيٍّ، لا يماثله شيء من نعيم الدنيا. وفي سورة طه: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: ٧٢] يعني اقضِ ما تريد غاية ما يكون أن يكون تعذيبك موصلًا إلى الموت، وإذا أوصل إلى الموت فالنتيجة إنما تقضي هذه الحياة الدنيا؛ مما يدل على أنهم صادقون في الإيمان، وأن إيمانهم راسخ جدًّا، وفي هذا من آيات الله سبحانه وتعالى وبيان قدرته ما هو ظاهر.
كيف يعني في لحظة واحدة انقلب الكفر العظيم إلى إيمان عميق؟ بلحظة يعني بمجرد أن رأوا ما تفعله عصا موسى انقلبوا بعد الكفر مؤمنين؛ ولهذا قال بعض العلماء: أصبحوا كفارًا سحرة، وأمسوا شهداء بررة، وهذا صحيح أنهم كانوا بررة وأتقياء وكانوا من أقوى الناس إيمانًا وجهادًا في سبيل الله.
إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٥٠]. وفي هذا أيضًا دليل على إيمانهم بالبعث؛ لقولهم: إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَفهم يؤمنون بلقاء الله سبحانه تعالى وهو من أصول الإيمان.
(إِنَّا نَطْمَعُنرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَاأي بـأَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَفي زماننا) نَطْمَعُ [الشعراء: ٥١] يعني نرجو ونُؤمِّل، وهذا الطمع مما يُمدح عليه العبد لكن متى؟ إذا فعل أسبابه، أما إذا لم يفعل أسبابه فإنه من الأماني الباطلة، كما جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنِ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» . هم أكدوا أنهم يطمعون في مغفرة الله؛ لأنهم فعلوا السبب وهو الإيمان بعد الكفر وقد قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] فهم طمعوا هذا الطمع المعروف لسببه وهو مدح.
وقولهم رضي الله عنهم: أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا(الغَفْر) تقدم أن معناه ستر الذنب والعفو عنه.
وقولهم: خَطَايَانَاجمع (خطيئة)، وهل الخطايا والسيئات واحدة أو بينهما فرْق أو يفرق بينهما عند الاجتماع فقط؟
طلبة: عند الاجتماع فقط.
الشيخ: عند الاجتماع فقط، يُفرَّق بينهما، وأما إذا أُفرد إحداهما فإنه يشمل الآخر، في سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِإلى أن قالوا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٣]. ففرقوا بين الذنوب والسيئات، الذنوب طلبوا مغفرتها، والسيئات طلبوا تكفيرها؛ لأنها من الصغائر التي تُكفِّرها الأعمال الصالحة. والسيئات المراد بها هنا الكبائر التي لا تزول إلا بمغفرة لا بتكفير.
أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٥١] هذا ليس من باب الإدلال على الله والمن عليه بكونهم أول المؤمنين ولكن من باب التحدث بنعمة الله، الذي يرونه سببًا ووسيلة لمغفرة الذنوب؛ لأن السبق إلى الإيمان وإلى العمل الصالح منقبة، ومن أسباب الرتب العالية؛ ولهذا قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]. فالسبق إلى الإيمان والعمل الصالح له مزيته ومرتبة صاحبه، كذا؟
طالب: قوله: آمَنْتُمْ لَهُ [الشعراء: ٤٩] وفي آية الأعراف آمَنْتُمْ بِهِ [الأعراف: ١٢٣]؟
الشيخ: إي نعم، في الأصل بينهما فرق، (آمَنَ به) أقر به واعترف إيمانًا كاملًا، و(آمَنَ له) مضمنة معنى انقاد.
طالب: (...).
الشيخ: انقاد له، قد تكون أقل، وقد تكون أكثر، انقاد له مع الإيمان؛ لأنك إذا جمعت بين الآيتين هنا صارت أبلغ؛ يعني كأنهم آمنوا إيمانًا به، ثم آمنوا له فانقادوا له.
طالب: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ [طه: ٧٢ - ٧٤].
الشيخ: يعني قصدك إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ.
الطالب: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
الشيخ: لا وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىمن كلامهم هم، إي نعم، لكن إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًاقد يحتمل أنه كلامهم أو من كلام الله.
طالب: هنا السحرة هؤلاء (...) هم اللي يعني هم آمنوا هم (...) أو هؤلاء قُتلوا.
الشيخ: مَن؟
الطالب: السحرة اللي آمنوا (...).
الشيخ: هم (...) من؟
الطالب: بعدين موسى (...).
الشيخ: لا، بنو إسرائيل.
الطالب: بنو إسرائيل، هؤلاء قُتلوا على طول.
الشيخ: هذا إما أنهم قتلوا على طول وإلا أنهم ما صار منهم شيء لكن أما اللي آذوه هم قومه.
الطالب: إي، هم ما آمنوا.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: بنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين؟
الشيخ: في هذه المعالجة ما كانوا مؤمنين إطلاقًا، أو كانوا مؤمن بعضهم يعني، ما أعرف؛ لأن أصل إنزال التوراة بعد ذلك وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى [القصص: ٤٣].
طالب: في قول الله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ(...) لأنه إذا قطع اليمنى، وبقيت اليسرى، ما فيه إنسان يستطيع أن يتكئ على (...)؛ لأنه إذا قطع يده ورجله (...) واحدة ما يستطيع (...) هل هذا يعني أشد (...)؟
الشيخ: لا، هو من جهة أشد، ومن جهة أخف، من جهة أشد أنه يصير الألم مع الجانبين، ومن جهة أخف، وهذا هو الظاهر أنه أراد هنا؛ لأنه فيما يبدو -والله أعلم- أنهم قتلوا في آخر الأمر.
الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك.
الشيخ: لأن قول بعض العلماء: شهداء بررة يدل على أنهم قُتلوا، أنا ما أعرف الآن.
الطالب: (...) بعض العلماء (...).
الشيخ: يحتاج إلى تثبُّت هذا.
الطالب: الظاهر أنهم كلهم كذلك.
الشيخ: كلهم أيش؟
الطالب: ما في ولا واحد مثلًا.
الشيخ: من السحرة؟
الطالب: إي.
الشيخ: كلهم آمنوا فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُويش كلمة (أل) هذه؟
طلبة: للعموم.
الشيخ: للعموم، كلهم آمنوا، وإيمانهم كامل ما هو إيمان بعد.
طالب: من خاف الله سبحانه جنته دون خدمته.
الشيخ: من اللي يقول؟
الطالب: بعض العلماء (...).
الشيخ: أبدًا، هو فيه خدمة وجنة؟
الطالب: لأنهم لم يعملوا.
الشيخ: أولًا: كلمة (خدمته) هذه غير واردة، والحقيقة ما ينبغي أن تستعمل بجانب العبادة، الله ما مدح الناس؛ لأنهم خدموه؛ لأنهم عباده؛ ولهذا هذا التعبير اللي يكتب في كتب الوعظ الحقيقة يجب أنه يلاحظ.
ثانيًا: أن نقول: كل إنسان يعمل هو يعمل لله سبحانه وتعالى تعبُّدًا له ورجاءً لثوابه، وقد وصف الله أفضل الخلق وأعلاهم مرتبة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه، فقال: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩]. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال الأعرابي: أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما اسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» . بعض العارفين -كما يقولون- يقول: يجب أن تعبد الله لله لا لحظ نفسك، وهذا من قال لك هذا؟ قال: تعبد الله لما ترجو من ثوابه تبارك وتعالى وهو الحقيقة، وهذا الذي وصف الله به عباده، هذا اللي قلت لخدمته لا جنته، كذا؟
الطالب: لخدمته لا جنته.
الشيخ: أقول: يعني أو يعبدون الله في خدمته لا جنته، يعني يقولون: الأفضل أن تعبد الله لخدمته لا لجنته، ويرون أن من يعبد الله في جنته ناقصًا.
الطالب: عبدت الله لا لجنته ولا خوفًا من ناره ولكن حُبًّا في ذاته.
طالب آخر: يقولون: ابن الفارض في مرض الموت كان تهيأ له، يقولون: رأى الجنة فصار يصرخ ويصيح: ما لهذا عملت، ما لهذا صليت، وإنما حُبًّا لك.
الشيخ: حُبًّا لك، وهو يراه في كل (...)، أعوذ بالله.
طالب: الجمع بين.. يعمل حُبًّا لله سبحانه وتعالى وطلبًا للجنة (...).
الشيخ: هو الحقيقة؛ لأن الوصول إلى الجنة وصول إلى الله؛ لأن أهل الجنة يرون الله سبحانه وتعالى.
الطالب: لا أقصد أن الإنسان كان عمله لأجل الجنة فقط، ربما يكون شعوره شكر الله (...).
الشيخ: شعوره بأيش؟
الطالب: شعوره داخليًّا بتعظيم الله سبحانه وتعالى خلاه يعمل بهذه السجية، فإذا (...).
الشيخ: والله ما أدري، أنا في الحقيقة أنا أرى أن أفضل ما يكون ما درج عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه.
الطالب: (...).
الشيخ: شكورًا لله.
الطالب: شكورًا لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: هو ما ينافي أن يكون يحب الله ويسعى للوصول إلى جنته تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا.
طالب: والفضل لا يكون إلا بعد الرضا.
الشيخ: وأيضًا هذا الفضل والرضوان يتضمن محبة الله.
طالب: وبعدين يا شيخ كلما زادت المحبة كلما زاد الأجر عليها.
الشيخ: إي، ما فيه شك، الإنسان يُؤجر المحبة.
الطالب: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران: ٣١].
الشيخ: إي، ما أحد ينكر محبة الله، ولا أحد ينكر أنه.. حتى كونك تعمل لتصل إلى رضوان الله فهذا محبة لله، وإلا كان يقول: يرضى ولَّا ما يرضى، ما يهم، ينعم ولَّا ما ينعم، ما يهم، لكن كونه يقول: لا، اعمل لذات الله مثل هذا (...) ما هو صحيح.
طالب: قال رحمه الله تعالى في فوائد هذه الآيات: إن عبادة المؤمنين من رحمة الله سبحانه وتعالى لهم وذلك من قوله سبحانه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ [الفرقان: ٦٣].
الشيخ: هذه موجودة عندكم؟
طالب: بصيغة ثانية.
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: أن عبودية المرء لله تجذب له الرحمة من الله.
الشيخ: إي، لا، هذه غير دي.
الطالب: يدعو الذين وُفِّقوا لهذه الخصال بسبب رحمته.
الشيخ: هذه قريبة منها.
طالب: أن صفة العبودية (...).
الشيخ: هذه غير.
طالب: أن العبادة سبب للرحمة، قال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِفإضافة العبادة إلى اسم الرحمن خاصة دون غيرها.
الشيخ: يعني هذه فائدة أنهم يعبدون الله للوصول إلى رحمته.
طالب: أن من صفات عباد الرحمن عباده المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣].
الشيخ: علي عنده فائدة أيضًا وهي تقسيم العبودية إلى عامة وخاصة، كذا؟
الطالب: (...) إثبات العبودية الخاصة وهي عبودية النبي.
الشيخ: إي، وأيضًا هذه ربما نقول: يستفاد من هذه الآية: أن وصف الإنسان بالعبودية من مراتب الكمال؛ ولهذا قال: عِبَادُ الرَّحْمَنِ.
طالب: تشريفهم، حيث نسبهم إليه.
الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فائدة غير اللي أنا (...).
الطالب: نعم، غير (...).
الشيخ: نقول: وصف العبودية مُطلقًا من مراتب الكمال من إضافتهم إلى الله عِبَادُ الرَّحْمَنِهذا من باب التشريف والتكريم.
طالب: قوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ(...).
الشيخ: هذه ذكروا فيها فائدتين؛ أولًا: أن عبادتهم من رحمة الله بهم.
والثانية: أنهم يأتون بهذه العبودية الرحمة.
طالب: قلنا: إن من صفات عباد الرحمن المؤمنين المشي على الأرض بسكينة ووقار يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
خامسًا: التعريض بالمستكبرين الذين يمشون على الأرض مرحًا من قوله: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
الشيخ: التعريض بذمهم.
الطالب: بذمهم نعم.
طالب آخر: نقول هنا: من صفاتهم عدم إيذاء الغير يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
الشيخ: منين نأخذه؟ من قوله: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
الطالب: يعني من سجيتهم يعني السكينة.
طالب آخر: إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ.
الطالب: نعم، أحسنت وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
الشيخ: لكن تكون هذه وصف حتى لو ما كان في المكان أحد يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًالو ما كان حولهم أحد يخشون من إيذائه، ولو قلنا بالسكينة والوقار تشمل الصور الممكنة.
الطالب: (...).
الشيخ: أنهم ما يؤذون أحد بمشيهم.
طالب: (...) قوله: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا.
الشيخ: يعني يشمل المشي الحسي والمعنوي، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يمكن.
طالب: ترغيب، ذكرناها ترغيب في الطمأنينة والتأني في جميع أنواع السعي، ومنها السعي المعنوي (...) طلب الرزق والعلم.
الشيخ: أيش عندك أنت؟
طالب: نعم، نفس اللي يمشون على الأرض، فيه بيان صفة من صفات هؤلاء الأفاضل، وكأن الله سبحانه وتعالى رد على سؤال قد يحدث منهم مَنْ هم هؤلاء العباد؟ ولماذا استحقوا هذا الوصف الجميل حيث أضافهم إلى نفسه، (...) من صفاتهم التواضع، حب الخير، والبعد عن العلو والعزة التي لا تنبغي إلا لله وحده، وأن من أحب أن يكون من العباد الصالحين عليه أن يعرف صفة من صفاتهم وهى التواضع ولين الجانب.
طالب آخر: العزة من صفات المؤمنين وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، يقول: والبعد بمعنى عزة!
الشيخ: الاعتزاز بالنفس قصدك؟
الطالب: لا، عزة دون عزة.
الشيخ: إي، كفر دون كفر.
الطالب: لا، يعني العزة التي تختص بالله.
الشيخ: قصدك الكبر يعني؟
الطالب: نعم، الكِبْر.
الشيخ: على كل حال، أنا لي اعتراض على هذا، ما هو من ناحية هذه المسألة، لكن من ناحية أنه جاء مرسلًا هكذا كأنه كلام (...).
وبيان الفوائد في الغالب يكون مركزًا، ما يصير كذا كلامًا مرسلًا كأننا نتكلم في خطبة، هذا كأنه شرح معنوي، وهذا من حيث الأسلوب قاصر، إلا هو تام يعني الكلام ما فيه شيء نقص في المعنى، لكنه من جهة الأسلوب (...) الفوائد خليها مركزة لأجل ما يتشتت الذهن، يلتقطها حبة حبة.
طالب: في قوله: يَمْشُونَأن الإنسان الموفَّق يستطيع أن يجعل من العادة عبادة المشي وهو عادة (...).
الشيخ: إي، إذا كانوا يلاحظون هذا، وهو الظاهر، الظاهر أنهم يلاحظون هذا؛ يعني ليس أمرًا عاديًّا أو من سجيتهم هذا، وإنما هذا تعمد.
طالب: إثبات صفة الرحمة لله، وإثبات الرحمن صفة لله تعالى.
الشيخ: هذا لا بد منه، فيه أيضًا إثبات اسم الرحمن وصفة الرحمة، صحيح.
طالب: قوله: يَمْشُونَلم يقل: وعباد الرحمن الذين يسيرون على الأرض هونًا، في هذا إشراك بأن عباد الرحمن (...).
الشيخ: أيش الفرق بينهما؟
الطالب: لو قال: يسيرون ربما يسيرون على مراكبهم، يسيرون (...).
الشيخ: حتى هذا إذا سار الإنسان على مراكبه ما هو بظاهر، حتى السير يكون على القدمين أيضًا، والمشي يكون على القدم وعلى المركوب.
طالب: (...).
الشيخ: المهم هذا لاحظوها اللي قال الأخ إثبات اسم الرحمن الرحمن وصفة الرحمة لله سبحانه وتعالى.
الطالب: الحث على الحلم من قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًاأنهم لا يقابلون السيئة بمثلها، بل يقولون (...)، وبعدها فائدة الحث على الحلم، التعريض بذم الجهل وأهل الذنوب من قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًاأن من صفات عباده المؤمنين (...) إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...).
الشيخ: طيب (...) ثلاث فوائد، ويش عندكم؟
طالب: أقول: إنه إذا ذكر الأول (...) سلامًا أي مناسبة لحال المعتدي، وقد يردون عليهم ردًّا قويًّا يناسب حالهم لا يكون حلمهم دائمًا (...) أنهم إذا جُهل عليهم يردون الرد المناسب لحال المعتدي (...).
الشيخ: الحلم يمكن؛ لأن الحِلم ليس معناه العفو مُطلقًا قد يكون الحلم بعدم الاعتداء أيضًا يُسمى حلمًا، وهذا يسلمون به من الإثم إذا لم يعتدوا. لكن عندي أيضًا فائدة أهم من هذا كله الحقيقة؟
الطالب: أن الله يحب من عباده (...)، وأنه لا ينبغي مقابلة الجاهل بجهله (...) بيان القرآن لهذا الأدب الجميل (...) ومقابلة المسيء بالإحسان مشروعية العفو عن الجاهل أن حُسْن معاملة الخلق بالإضافة للخالق.
الشيخ: إي نعم.
طالب: فيه أن (...) والاعتداء بالقول على الآخرين من الجهل.
الشيخ: لقوله: إِذَا خَاطَبَهُمُ.
طالب: (...) المؤمن بالحكمة.
الشيخ: إي، هذه، أنا أريد هذا؟
الطالب: وأن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى.
الشيخ: الحكمة هذه أهم من الحِلم، والحِلم هذا وضع طيِّب، لكن الحكمة مهمة؛ لأن قولهم: قَالُوا سَلَامًاما قال: إذا خاطبهم الجاهلون سكتوا، بل يقول: قالوا، لكن سلامًا يسلمون به مثلما قلنا في الشرح والتفسير من الإثم والأذى ومن المهانة والذل.
المهم: سلامًا من كل النواحي، فإذا كان الإغلاظ (...) السلامة أغلظوا، إذا كان بالنسبة للي أعرضوا.
المهم أنهم لا يفوتون الأمر ولكنهم لا يقولون قولًا تكون عاقبته سيئة بل يقولون: سلامًا.
طالب: بيان أن هؤلاء القوم لا ينتقمون لأنفسهم عندما يسمعون الكلام من جاهل لا يعقل، ما يقوله؛ لأنه كيف يحق لهذا الرجل العالم العاقل أن يأخذ من لا يعقل وفيه دليل على أن الجهل وضعف العقل متقاربان.
الشيخ: متقاربان؟
الطالب: من قوله.
الشيخ: إذن الجهل هنا المراد به سيئ التصرف، ما هو المراد به ليس بعالم.
الخلاصة الآن كم ترى عندنا من الفائدة على الجملة هذه؟
طلبة: أربعة أو خمسة.
الشيخ: أربعة أو خمسة، نعيدهم أولًا يلَّا اقرأهم علينا.
طالب: (...).
الشيخ: هذا ما لم يكن الحلم سكوتًا وذلًّا.
طالب: (...) حكمة والتعريض بذم الجهل وأهل السوء من قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًاوأن من صفات عباد الله المؤمنين إذا خاطبهم الجاهلون التزامهم بالقول الذي يسلمون فيه من الإثم (...) والأذى والحلم.
الشيخ: طيب، فيه فائدة (...).
طالب: أن المؤمن يجب عليه تحمل الأذى.
طالب آخر: أن معاملة الناس بالحسنى هي التي ترضي الله.
الشيخ: طيب.
طالب: ما يؤخذ من هذه الآيات.
الشيخ: من يقرؤها (...).
الطالب: يؤخذ يا شيخ..
الشيخ: يؤخذ من هذا نفسه أن نعامل الناس بالحسنى منين؟
طالب: لأنه ذكرهم في صفات عباده.
الشيخ: إي، بس قَالُوا سَلَامًاقد يكون ما هي معاملتهم بالحسنى من السلامة، قد يكون معاملتهم بما يستحقون أذى، ربما يؤخذ منها ما ذكر الله في سورة الشورى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩]، وأن الرجل لا يُذم إذا عارض الجاهل بما يستحقه؛ يعني فليس السكوت خيرًا مطلقًا وليس القول خيرًا مطلقًا، إنما اتباع الحسنى فى ذلك هو الخير ولكل مقام مقال وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩]، قد يريد الإنسان الحكمة ولكن لا يوفق لها.
طالب: ما فيها دليل على إباحة المجاملة في بعض الأحوال؟ لأنه ربما لا يسلمون إلا بالمجاملة.
الشيخ: ما يخالف، المجاملة ما دام قولًا سلامًا (...) المجاملة، مثلًا لو أرادوا أن يلينوا القول ضد إغلاظ هؤلاء، وهو مما يسلمون به لكن سلامًا حسيًّا ومعنويًّا فلا بأس.
طالب: ما لم يكن منكرًا.
الشيخ: نعم، ما لم يكن منكرًا.
الطالب: يغضب.
الشيخ: إي، لكن كلمة وَإِذَا خَاطَبَهُمُيدل على أن الخطاب موجه لهم، أما لو سبوا الله، لا. على كل حال قَالُوا سَلَامًاهذه ميزان حكمة.
طالب: (...) ذكرنا مراعاة حال المعتدي ورده بما يناسب المقام.
الشيخ: إي، هذه من الحكمة؛ لأنك إذا أثبت أن هذا يدل على حكمتهم.
الطالب: هذا مما يدل.
الشيخ: يكون الباقي صور.
طالب: معاملة الجاهل بما يليق به ليس (...).
الشيخ: ليس أيش؟
الطالب: ليس (...).
الشيخ: هذا تبعًا (...)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد الآيات السابقة: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقونَ [الشعراء: ٤٣] ألقوا حبالهم وعصيهم، واستعانوا بغير معين فقالوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ.
وفيه أيضًا: أن موسى عليه الصلاة والسلام ألقى عصاه بأمر الله حين أوحى إليه ألَّا يخاف، وأن يلقي ما في يمينه.
وفيه أيضًا من فوائدها: أن الحق إذا تبين كان أعلم الناس به من يعرف هذا الحق، فإن موسى عليه الصلاة والسلام أول من تبين له أن ما جاء به الحق وأنه ليس بسحر هم السحرة الذين عرفوا السحر وباطله، فالذي يعرف الحق هو الذي يعرف الباطل، أما من لا يعرف الباطل فإنها قد تلتبس عليه الأمور؛ ولهذا قيل: بضدها تتبين الأشياء.
وفيه أيضًا: مبادرة السحرة إلى الإيمان، حتى إن الإيمان كان كأنه أمر اضطراري فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَلقوة ما شاهدوا من الآيات التي لم يتمكنوا معها أن يتأخروا.
طالب: الفائدة التي ذكرت الأخيرة.
الشيخ: أقول: لما رأوا الآيات ما أمكنهم أن يتأخروا عن الإيمان فكأنهم أُلْقوا اضطرارًا.
وفيه أيضًا: شدة تمويه فرعون حين قال: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَمع أنه يعلم أنه ليس بين موسى وبين هؤلاء السحرة شيء من الاتصال، ولكنه لقوة تمويهه أراد أن يموه بهذا الكلام الذي ليس بمعقول.
وفيه: قوة جبروته حين هددهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم الصَّلْب.
وفيه أيضًا من الفوائد: قوة إيمان هؤلاء السحرة الذين تحدوا فرعون بجبروته، وقالوا: إنه لا ضرر علينا فيما هددتنا به؛ لأننا سننقلب إلى الله سبحانه وتعالى ويعطينا من الأجر والثواب أكثر مما فقدنا من هذه الحياة الدنيا، كما قال في سورة طه إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: ٧٢].
وفيه أيضًا: أن الإيمان إذا صدق صار أقوى من العاطفة فحب النفس أمر فطري، ولكن الإيمان يؤدي إلى أن ترخص النفس عند المرء في جانب دينه.
وفيه أيضًا: قوة رجاء هؤلاء السحرة في الله سبحانه وتعالى إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا.
وفيه: دليل على أن السبق إلى الإيمان من أسباب المغفرة والرفعة؛ لقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ، وقد دل على ذلك الكتاب في قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠].
ولما تخاصم عبد الرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي». مهلًا يا خالد «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» .
وفيه أيضًا: أن الإطلاق يقيده قرينة؛ لقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لأن المراد أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَفي وقتهم، وإلا فقد آمن أحد قبلهم، أو أول المؤمنين من آل فرعون؛ لأنه قد آمن أحد قبلهم، فقولهم: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَيعني من آل فرعون.
والمؤلف يقول: (في زماننا) ولكن هذا ليس بظاهر، بل الظاهر أنه من آل فرعون؛ لأن من بني إسرائيل من آمن قبل ذلك.
طالب: مؤمن آل فرعون آمن قبلهم؟
الشيخ: لعله لم يظهره؛ لأنه قال: رَجلٌ مؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر: ٢٨].

***

تفسير الآية (52)
00:50:15

ثم قال الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىبعد سنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات الله إلى الحق فلم يزيدوا إلا عتوًّا).
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء: ٥٢] والوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء.
وأما في الشرع: فهو إعلام الله تعالى بالشرع لأحد أنبيائه، هذا هو الوحي إعلام الله تعالى بالشرع لأحد أنبيائه.
ثم إن الوحي قد يكون بواسطة، وقد يكون بغير واسطة، وقد قسم الله ذلك بقوله: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٥١]، فقوله: إِلَّا وَحْيًاهذا الوحي الإلهامي. مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍمكالمة صريحة لكن من وراء حجاب. والثالث: يُرْسِلَ رَسولًا فَيوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ.
قال: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء: ٥٢] أَنْإعرابها؟
الطالب: تفصيلية.
الشيخ: تفصيلية؟ لا.
الطالب: أو زائدة.
الشيخ: لا، تفسيرية أَنْتفسيرية؛ لأنهم يقولون: إذا سبقها معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧] فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧]، وهنا: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيلأنها تفسر الْمُوحَى به.
وقوله: بِعِبَادِيالمراد بهم بنو إسرائيل وهي عبودية شرعية.
قال: (بني إسرائيل وفي قراءة بكسر النون، ووصل همزة أسر من سَرَى لغة في أَسْرَى؛ أي سِرْ بهم ليلًا إلى البحر) يعني يقال: أسرى وسرى، فالأمر من أسرى كيف؟
طالب: أسْرِ.
الشيخ: أَسْرِ، الرباعي أَسْرِ، والأمر من سرى؟
طالب: اسرِ.
الشيخ: اسرِ؛ يعني همزة وصل، فعلى أنه من الرباعي يكون أن أسرِ تظهر (أن)، وتبقى ساكنة، وعلى أنها من (سرى) تُكسر النون لملاقاة الساكن وتكون الهمزة همزة وصل أن اسرِ بعبادي، والمعنى سر بهم ليلًا إلى أي مكان؟ يقول المؤلف: (إلى البحر) وما هو الدليل أنه إلى البحر؟
طالب: فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [الدخان: ٢٣، ٢٤].
الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا ما سيأتي في سياق هذه الآيات.
(إِنَّكُمْ مُتَّبَعونَيتبعكم فرعون وجنوده فيلجُون وراءكم البحر فأنجيكم وأغرقهم) أمرهم الله أن يسيروا ليلًا، وإنما أُمروا أن يسيروا ليلًا لئلا يظهر أمرهم؛ لأنهم لو أرادوا أن يسيروا نهارًا وتجهزوا لشعر بهم آل فرعون، وحينئذٍ يمنعونهم أو يؤذونهم؛ فلذلك أُمِروا أن يسيروا بالليل. وفي هذا فائدة تُذكر إن شاء الله في الفوائد.
قال: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَأُكِّدت هذه الجملة بـ(إن) مع أنها جملة أسمية أيضًا، إشارة إلى أنه لا بد أن آل فرعون يتبعونهم بدون تردد، فاتباعهم لهم أمر مؤكد، ولكنهم يتبعونهم طلبًا لهم لأجل أن يقضوا عليهم بعدما سروا ليلًا.
تفسير الآيتين (53-54)
00:55:14

(أَرْسَلَ فِرْعَوْنُحين أخبر بسيرهم فِي الْمَدَائِنِقيل: ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية حَاشِرِينَجامعين الجيش)
لما علم بهم فرعون فحفز وخاف أن يخرجوا إلى مكان آخر، فيكونوا أمة فيغزونه، فأراد أن يقضي عليهم فأرسل فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء: ٥٣]، الْمَدَائِنِمدائن مصر وكونها بهذا العدد الذي قال المؤلف يحتاج إلى ثبوت، ونحن ما علينا إلا أن نقول ما قال الله، ولكننا نفهم أن هذه المدائن كثيرة، ووجهها أن (فعائل) صيغة منتهى الجموع، فهى تدل على الكثرة.
(حَاشِرِينَجامعين الجيش) وفي هذا دليل على أنهم يعني ليسوا يقولون: اخرجوا بل يجبرونهم على أن يخرجوا.
قائلًا: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌطائفة قَلِيلُونَ) هذا من باب الإغراء على الخروج أن يقلل الإنسان عدوه في مسامع القوم لأجل أن يتشجعوا، فإذا قيل: أليس من الأولى أن يكثرهم لأجل أن يستعدوا؟ أيش تقول؟
طالب: قد يخافوا لو كان يكثر عدوهم قد يخاف بعضهم.
الشيخ: إي، أيهم أولى من حيث؟
الطالب: أن يقلل الناس.
الشيخ: يعني التجهيز العسكري.
طالب: الأولى: أن يقلل (...)؛ لأنهم يرغبون في الغنيمة ويخرج الناس (...)، ولو قال لهم: إنهم كثيرون كان قالوا: نقتل أنفسنا ولا نستفيد شيئًا.
الشيخ: يعني الأولى التقليل يعني؟
الطالب: التقليل نعم، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَهَ سَلَّمَ [الأنفال: ٤٣].
الشيخ: هذا هو الظاهر، وإن كان يتبادر إلى الذهن أن يقال: لماذا لم يُكثَّروا لأجل أن يستعدوا ويخرجوا؟
يقال: المفاسد التي تترتب على التكثير أكثر من المفاسد التي تترتب على التقليل، ثم إنه هو أيضًا لم يتركهم هكذا بدون استعداد، لا بد أن يتفقد وينظر النقص فيكمله.
طالب: من هم الذين سماهم هذا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌالمقصود يعني.
الشيخ: المقصود موسى.
الطالب: موسى؟
الشيخ: نعم، قائلًا: (إِنَّ هَؤُلَاءِيعني موسى وقومه لَشِرْذِمَةٌطائفة قَلِيلُونَ)، وإنما قال ذلك وكلمة (شرذمة) ليست بمعنى طائفة فقط كما قال المؤلف، بل بمعنى التحقير؛ يعني أبلغ من كلمة (طائفة) وقَلِيلُونَتدل على قلة العدد، و(شرذمة) تدل على قلة القوة، ففيها هنا التقليل الكمي والكيفي فالكمي بقوله؟
طالب: شرذمة.
الشيخ: لا، قَلِيلونَ. والكيفي بقوله: شِرْذِمَةٌ؛ لأن الشرذمة الشيء الذي لا يُعبأ به لضعفه مثلًا أو عدم استعداده أو ما أشبه ذلك.
قال المؤلف: (قيل: كانوا ست مئة ألف وسبعين ألفًا ومقدمة جيشه سبع مئة ألف) هذا القول لا أصل له ولا صحة له؛ لأنه يبعد أن يكون بنو إسرائيل بهذا المبلغ الكبير الذي يدخر؛ إذ كانوا قليلين مستضعفين في مصر، وحتى إن فرعون كان يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم؛ فليسوا إلى هذا الحد بكثرة. فنحن نقول: إن هؤلاء وإن كانوا ليسوا كما وصف فرعون بكونهم شرذمة قليلين لكن نعلم أنهم ليسوا بهذه الكثرة.
ويقول: إنما قللهم بالنسة بالنظر إلى كثرة جيشه، وليس كذلك أيضًا، وإنما قللهم في مسامع الناس من أجل ألا يتأخر أحد، من أجل أن يتشجعوا للخروج فيقول: هؤلاء شرذمة قليلون، فهم لقمة سائغة، لا يحتاجون منا كبير عناء.
تفسير الآيتين (55-56)
01:00:23

(وَإِنَّهمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء: ٥٥] فاعلون ما يغيظنا)
هذا أيضًا من باب الإغراء.
وَإِنَّهُمْ لَنَايعني لنا آل فرعون (لَغَائِظُونَفاعلون ما يغيظنا) وهذه نقطة أخرى للتشجيع على الخروج إليهم؛ لأن أحدًا من الناس لا يرضى أن يغيظه أحد فهو إغراء لبني إسرائيل.
قال: ({وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ} [الشعراء: ٥٦] متيقظون وفي قراءة حَاذِرُونَمستعدون)، الآن بدأ بنفسه، وأخبر أنه هو وقومه {حَذِرُونَ} أو حَاذِرُونَ، واجتماع القراءتين يفيد المعنيين جميعًا؛ أي: أننا متيقظون، ولتيقظنا كنا مستعدين، فهاتان القراءتان تفيدان معنيين؛ المعنى الأول: التيقظ، وهو استعداد نفسي، والمعنى الثاني: الاستعداد الحسي في قوله: حَاذِرُونَ؛ لأن الحاذِر اسم فاعل، هو الذي فعل ما يحذر به، وهو (...).
طالب: حاذرون ما تستشكل بها المعنيان (...)؟
الشيخ: لا؛ لأن الإنسان قد يستعد ويُحسن الإعداد والأجهزة لكن ما يكون متيقظًا.
الطالب: (...).
الشيخ: أقول: ما يصير متيقظًا، قد يستعد ولا يتيقظ، أليس أهل مصر في حرب الأيام الستة كانوا مستعدين ولكنهم ليسوا متيقظين؟ الطائرات قد منعت المطار، والدعايات من الإذاعات كثيرة جدًّا، ومع ذلك لعدم تيقظهم قُضي عليهم، فلا بد من استعداد وتيقظ.
طالب: كلام قول: وَإِنَهمْ لَنَا لَغَائِظُونَهذا الكلام قائله فرعون نفسه، أو الله سبحانه وتعالى يحكيه عنهم.
الشيخ: لا، فرعون اللي قاله، لكن ما يقوله أمام الناس، يقوله لرسله الذين أرسلهم إلى المدائن، يقول: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦] كل هذا مما أرسل به الرسل لأجل أن ينشط الناس على الإقبال.
طالب: يكون هذا من الكلام الخاص؛ يعني من كلام الله سبحانه وتعالى، أو من كلام الرجل الذي؟
الشيخ: من كلام من أُخْبِر عنه، لكن ليس بلفظه؛ لأن فرعون لغته قبطية، ولكن الله تعالى ترجمه إلى هذا باللغة العربية.
تفسير الآيات (57-63)
01:03:26

قال الله تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ [الشعراء: ٥٧] أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه مِنْ جَنَّاتٍبساتين كانت على جانبي النيل وَعُيُونٍأنهار جارية في الدور من النيل وَكُنُوزٍ [الشعراء: ٥٨] أموال ظاهرة من الذهب والفضة، وسُمِّيت كنوزًا؛ لأنه لم يُعطَ حق الله منها وَمَقَامٍ كَرِيمٍمجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه أتباعهم).
يقول الله عز وجل: أَخْرَجْنَاهُمْالضمير يعود على آل فرعون.
وفي قوله: فَأَخْرَجْنَاهُمْبصيغة العظمة لمناسبة المقام؛ لأن هؤلاء الذين تعاظموا في أنفسهم وتكبروا قُوبلوا بما هو أعظم وهو قوة الله سبحانه وتعالى: أَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ.
يقول المؤلف: (بساتين كانت على جانبي النيل) ولا يقال للبساتين جنات إلا إذا كانت كثيرة الأشجار والزروع بحيث تستتر أرضها بها، ويستتر من فيها بها، وأما ما فيه نخلات قليلة أو زرع قليل فلا يُسمَّى جنة.
وفي قوله: مِنْ جَنَّاتٍإشارة إلى كثرتها، ولعل الكثير منهم كان له بستان.
وقوله: (عُيُونٍأنهار جارية في الدور من النيل) وينبغي أن يقال: في الدور وغيرها، حتى الجنات التي هى البساتين إذا كان فيها أنهار مطردة فإن ذلك لا شك مما يبهج ويسر القلب فهو أعم من كونها في الدور أو في هذه الجنات.
وقوله: وَكُنوزٍيقول المؤلف: (أموال ظاهرة)، ولكن في هذا نظر كونه يفسرها بالأموال الظاهرة، ولو فسرناها بالأموال التي تُكنز، سواء كانت مكنوزة بالفعل لكثرة المال ووفرته فهم لا يحتاجون إلى إنفاقه، وإنما يكنزونه في الأرض ليقصدوه لما يُستقبل، أو نقول: إنها يعني سواء كانت مكنوزة بمعنى مدفونة أو غير مدفونة؛ لأن الذهب والفضة يُسمى كنزًا، إذا لم تُؤدَّ زكاته، وهذا كنز شرعي، وإذا دُفِن سُمِّي كنزًا لغويًّا.
المهم أنننا نقول: الكنوز هى الأموال العظيمة الكثيرة من الذهب والفضة، وسواء كانت هذه الكنوز نقودًا أو كانت حُلِيًّا يتحلَّون بها.
يقول: وَكُنوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍالمقام يقول: (المجلس)، ويمكن أن يكون المراد به محل الإقامة؛ يعني المراد بالمقام المسكن فهو أعم من أن يكون المجلس، المسكن.
والكريم: الحسن؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» يعني أحاسنها، فصار هؤلاء ممتعين من كل وجه، مقام كريم فيه أمن وطمأنينة وراحة وحسن باللون والكيفية، كذلك أيضًا من حيث الأموال الوفيرة التي توافرت لهم حتى صاروا يكنزونها لاستغنائهم عنها.
يقول الله عز وجل: كَذَلِكَأي إخراجنا كما وصفنا وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. يعني إن كَذَلِكَتكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ يعني إخراجنا لهم كان كذلك، أو يكون التقدير: الأمر كذلك. المهم أن كَذَلِكَخبر لمبتدأ محذوف، فهي جملة مستقلة عما قبلها وعما بعدها.
ثم قال: وَأَوْرَثْنَاهَايعني هذه الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثناها (بَنِي إِسْرَائِيلَبعد إغراق فرعون وقومه) فصارت لهم.
وقوله: بَنِي إِسْرَائِيلَإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، ومعناه عبد الله، وإنما نُسبوا إليه؛ لأن بني إسرائيل تفرعوا منه.
وقوله: أَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَفيها من الإشكال أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» . وهنا أورث الله ديار فرعون وقومه وأموالهم أورثها بني إسرائيل، فهل هذا ينافي الحديث أو لا؟ أنتم فهمون المقصود؟
طالب: ما ينافي الحديث.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لأن هذا الله سبحانه وتعالى هو الذي ملكهم إياها، أما هناك فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ملكه إياه ولكن بوحي من الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الرسول يقول: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ الْمُعْطِي» . إي لكن (...).
طالب: (...)؛ لأن الغنيمة هي ما أخذ من الكفار بعد القتال في ديار الحرب، أما هؤلاء فإن الله سبحانه وتعالى أباح قتل فرعون في البحر (...) بدون حرب.
الشيخ: صحيح، الغنيمة هي ما أُخذ من مال الكفار بقتال وما أُلحق به. هذا تعريفها شرعًا، وهذا ما أُخذ بقتال، هؤلاء هلكوا بقيت ديارهم لمن؟ لبني إسرائيل حتى لو لم يسكنها بنو إسرائيل لسكنها آخرون غيرهم، فالمسألة هذه ما غنموها بأيديهم، ولكنه من الله عز وجل لهلاك هؤلاء؛ يعني كان الأمر أنهم لما هلكوا صارت إرثًا لبني إسرائيل إرثًا قدريًّا؛ لأنه لا بد أن يكون كذلك.
طالب: فيه جواب آخر أن يقال كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] فهذا شيء كتبه الله سبحانه وتعالى من بدء الخليقة أن الأرض للمؤمنين، فهذه هي القرينة التي تخرج على الغنائم، فلا تحل الغنيمة.
الشيخ: لا، هو الآن ما هي أرض فقط جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، المسألة حتى الكنوز هذه مما ينقل.
طالب: طيب هم كانوا ساكنين معهم.
الشيخ: من؟
الطالب: بنو إسرائيل.
الشيخ: ساكنين في جانب من جانب مصر، جانب المدينة لكن الآن أخذوا كنوز فرعون وآل فرعون.
المهم الجواب الصحيح هو الأول أن يقال: إن الغنيمة هي ما أُخذ بقتال وما أُلحق به، وما عدا ذلك لا يسمى غنيمة شرعًا.
طالب: بنو إسرائيل خرجوا كلهم من مصر؟
الشيخ: إي نعم، هو الظاهر أنهم خرجوا مع موسى كلهم أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [طه: ٧٧] هذا عام.
الطالب: بعد ذلك عادوا؟
الشيخ: بعد ذلك عادوا، رجعوا إلى مصر وصاروا فيها.
الطالب: (...).
الشيخ: لا بعد هذا.
الطالب: بعده؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: قد يقول قائل: إن موسى هرب من فرعون، وقطع البحر، ولم يتقاتل مع فرعون، وإنما هؤلاء أُهلكوا من الله سبحانه وتعالى، ما هناك حرب بين موسى وفرعون (...)، ما فيه غنيمة، ولا فيه، أقصد بذلك (...) أن ديار فرعون خربت وخرج فرعون من هذه الديار، وتقابل مع موسى عند البحر فما غنم في هذا المكان فهو الذي لا يحل لموسى، أما (...) فليست غنيمة.
الشيخ: بس ما صار فيهم قتال إطلاقًا.
الطالب: (...).
الشيخ: ما صار فيه قتال.
الطالب: (...).
الشيخ: لكن إحنا نقول: وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَظاهرها مشكل مع قوله: «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ» . إحنا نقول: أصلًا ما فيه غنيمة هنا، يعني كونه أنه يقول: هذه من الغنائم؛ ما هو بصحيح، ليست غنيمة لكن قد يقول قائل: يعني يتبادر إلى ذهن أحد عندما يقرأ الآية هذه لأول وهلة يقول: هذه كيف يورثها الله بني إسرائيل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْغَنَائِمَ لَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي». فجوابها أن نقول: هذه ليست من باب الغنائم.
طالب: بنو إسرائيل الذين آمنوا مع موسى هؤلاء ماذا لو قلنا: إن (...) عبد الله بن إسحاق فهل يلزم يعني موسى عليه السلام أدرك يعني إبراهيم عليه السلام؟
الشيخ: لا مدة طويلة، الذرية يعني.
الطالب: هو النبي الذي أتي بعد إبراهيم مباشرة أو بينهما يوسف.
الشيخ: إسحاق ويعقوب، وجاء بعد يوسف جاء إلى أهل مصر يوسف بن يعقوب، جاء إلى أهل مصر رسول؛ ولهذا المؤمن قال: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤].
المهم صار نقول: الجواب على هذا: أن هذا التوريث ليس من باب الغنيمة؛ لأن الغنيمة ما أخذ من كفار بقتال وما ألحق به.
وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ [الشعراء: ٥٩، ٦٠] (لحقوهم مُشْرِقِينَوقت شروق الشمس). الواو في قوله: فَأَتْبَعُوهُمْيعود إلى فرعون، والهاء إلى بني إسرائيل، وعلى هذا فقوله: وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَمن حيث المعنى جملة معترضة؛ لأن توريث بني إسرائيل كان بعد أن غرق فرعون وقومه، مفهوم؟
وفي ذكر وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَمناسبة تقديمها في الترتيب على ما بعدها؛ لأنه لما قال: أَخْرَجْنَاهُمْكأن قائلًا يقول: من الذي حل محلهم؟
فقال: وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَفلمناسبة الإخراج قدمت وإلا كان مقتضى الترتيب أن تكون بعد ذكر إهلاك فرعون وقومه.
(فَأَتْبَعُوهُمْلحقوهم) يقال: تبعه، واتبعه، وأتبعه بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف: ١٧٥]، أتبع يعني تبعه أو اتبعه، كل الثلاثة معناهم واحد فَأَتْبَعُوهُمْيعني أتبعوهم أو تبيعوهم؛ بمعنى لحقوهم.
(مُشْرِقِينَوقت شروق الشمس) وإلى جهة المشرق أيضًا مثل ما نقول: إحنا نشرِّق؛ يعني نحو المشرق فهم في الحقيقة مشرقون إما كما قال المؤلف: وقت شروق الشمس، أو متجهين نحو المشرق، وكلا المعنيين صحيح؛ فمُشْرق متجهين نحو المشرق باعتبار المكان، ومشرق وقت الشروق باعتبار الزمان، والعادة أن الخروج أول النهار أنشط للناس وأولى، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يخرج مبكرًا ولكنه يبقى حتى تفيء الأفياء، وتزول الشمس وتهب الرياح أَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ.
طالب: ربما يقول قائل: لماذا موسى ومن معه خرجوا بالليل وفرعون ما خرج بعدهم إلا بعد شروق الشمس؟
الشيخ: هذا كثير الجواب عليها، ويش تقولون؟
طلبة: ما علم بهم؟
الشيخ: لا، هو ما علم إلا بعد مدة؛ لأنه أرسل في المدائن حاشرين، وجمع الناس وخرج، لكن أنت بأيش تجيب أن هذا خرج ليلًا وهذا خرج نهارًا؟
الطالب: أقول: لأن النهار هو الذي سيبينه، أما لو خرجوا ليلًا فربما يختبئون في مكان.
الشيخ: قلنا: لماذا خرج موسى وقومه ليلًا؟
طلبة: للاختفاء.
الشيخ: للاختفاء خوفًا على أنفسهم من فرعون، خرجوا بالليل، أما هذا ما خرج خائفًا حتى ينتظر ويكون الليل خرج معلنًا بأنه ظاهر منتصر في نفسه.
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء: ٦١] أي رأى كل منهما الآخر) والمراد بهما جمع موسى وجمع فرعون.
(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَيدركنا جمع فرعون فلا طاقة لنا به).
إِنَّا لَمُدْرَكُونَأكدوا الإدراك بـ(إن) و(اللام)؛ يعني مدركون يقينًا، كيف ذلك؟ لأن البحر أمامهم وآل فرعون خلفهم، فلا بد أن يدركوهم، أين يذهبون؟ ليس أمامهم إلا البحر إن خاضوا البحر غرقوا وهم لن يخوضوه بحسب اعتقادهم، تلك الساعة؛ لأنهم ما يعلمون بالأمر، فهم لن يخوضوا البحر، فما بقي إلا أن يدركهم آل فرعون؛ ولهذا قالوا: إِنَّا لَمدْرَكُونَبالجملة الاسمية المؤكدة بـ(إن) و(اللام)، ولكن موسى أجابهم بقوله: (كَلَّاأي لن يدركونا) قال ذلك إيمانًا بالله تعالى وثقة بوعده، وأنه سبحانه وتعالى ما أمرهم بالخروج إلا ليحميهم من فرعون وآله.
(كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّيبنصره سَيَهْدِينِطريق النجاة قال الله تعالى إلى آخره).
أولًا: ما قال: كلا إني سأُهدى بل قدم معية الله؛ لأنها أقوى في تثبيت قومه إِنَّ مَعِيَ رَبِّيوكل إنسان يكون الله معه فلن يضره شيء.
ثم قال أيضًا مؤكدًا أثر هذه المعية سَيَهْدِينِوالسين تدل على التحقيق والقرب.
ومعنى يهدين هنا يدلني سَيَهْدِينِأي: سيدلني على طريق أنجو به.
وهل كان موسى عالِمًا بهذه الطريق حين ذاك؟
طالب: لا، لم يكن يعلم.
الشيخ: لم يعلم، لكنه واثق بالنجاة؛ ولهذا أتى بالسين الدالة على التحقيق وعلى القرب أيضًا؛ لأن المقام يقتضي ذلك، فهؤلاء أكدوا أنهم مدركون يقابلون بالتأكيد أنهم لن يدركوا، وتأكيد ذلك أولًا بذكر معية الله سبحانه وتعالى: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي، وتأكيده ثانيًا بقوله: سَيَهْدِينِ؛ لأن السين -كما هو معروف عند أهل النحو- تدل على التحقيق والقرب.
إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِوفعلًا حصل ما تيقنه موسى عليه الصلاة والسلام من أن الله تعالى سيهديه طريق النجاة فَأَوْحَيْنَاإليه.
طالب: قول المؤلف هنا بنصره يعني ما يوهم أن هذا فيه (...) تأويل للصفات يعني (...) مَعِيَّته.
الشيخ: هو المراد بالمعية هنا المعية الخاصة التي تقتضي النصر والتأييد، فإن قصد بنصره أنه تفسير للمعية للمعنى الذاتي فهذا ليس بصحيح، وإن أراد بنصره أنه أثر لذلك فهذا صحيح، فالمؤلف ما يُعترض عليه؛ لأنه فيه احتمال أن يقول: معي بنصره؛ بمعنى أن هذه المعية سيكون أثرها النصر.
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣] هذه ما يصلح (أن أضرب)؛ لأن ضرب ما تأتي رباعية؛ ولهذا يجب كسر النون أَنِ اضْرِبْ، وأَنِهذه مثلما قلنا فيما سبق: تفسيرية.
(أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَفضربه) فَانْفَلَقَتقدير المؤلف فضربه صحيح؟ نعم؛ لأن البحر لم ينفلق بمجرد الوحي بل بالضرب.
وفي قوله: أَنِ اضْرِبْفَانْفَلَقَإشارة إلى أن موسى صلى الله عليه وسلم بادر بضرب البحر، وأن البحر انفلق حالًا بدون تأخر.
ومعنى (انْفَلَقَانشق اثني عشر فرقًا فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِالجبل الضخم، بينها مسالك سلكوها لم يبتلَّ منها سرج الراكب ولا لبده).
يقول: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَأي عصا هذه؟ العصا التي كان يحمله دائما يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب، فتكون هذه العصا فيها مصالح عظيمة، وفيها من آيات الله ثلاث آيات، هذه إحداها، والثانية؟
طلبة: ثعبان.
الشيخ: أنه إذا ألقاها صارت ثعبانًا مبينًا، والثالثة: إذا ضرب بها الحجر تفجر عيونًا، هذه ثلاث آيات، أما عاد البقية الاتكاء عليها، والهش بها على الغنم، ودفع الصائل وما أشبه ذلك، فهذا ليس من الآيات من الأمور المعتادة.
وقوله: الْبَحْرَما المراد به؟ البحر الأحمر، ويسمى بحر القلزم، هذا البحر انفلق فَكَانَ كلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِكالجبل العظيم؛ يعني لكِبره وارتفاعه؛ لأن قاع البحر طويل عميق فيكون كالطود العظيم؛ للكبر والارتفاع، وظاهره أنه يعني عريض؛ لأن الطود العظيم يتناول الكِبَر والارتفاع والعِرْض، وهو كذلك، وهذا من آيات الله؛ لأن العصا إذا ضربت لا تتسع لمكان واسع، وهذه الأطواد الاثنا عشر مكانها بلا شك واسع، والطرق أيضًا ستكون واسعة، ثم إن في هذه الضربة من آيات الله غير انفلاق البحر أنه كان يبسًا يبس في الحال في لحظة يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: ٧٧]، وهذا أيضًا من آيات الله أن الله أزال عنهم الخوف وألقاه عنهم، وإلا فطبيعة البشر تقتضي إذا كان الماء على يمينه ويساره كالأطواد تقتضي أن يخاف ولَّا لا؟ أن يخاف ولكن الله سبحانه وتعالى ألقى عنهم الخوف فلم يخافوا أبدًا.
وفي قوله: كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِظاهر أن الماء لم يتغير؛ يعني لم يتجمد بالمعنى المعروف فيكون أبيض جامدًا، ولكنه بقي جامدًا على طبيعته أسود، وهذا أعظم مما لو تجمد، لو تجمد وهو على غير طبيعته، صار فيه آية واحدة، وهي سرعة التجمد في هذه اللحظة، لكن كونه لا يسيل من آيات الله ولَّا أمر معتاد؟
طلبة: من آية الله.
الشيخ: أمر معتاد.
طالب: (...).
الشيخ: أي وهو جامد (...)، وهو جامد أمر طبيعي عادي لكن كونه يبقى مائعًا، ولكن لا يسيل هذا أبلغ من ذلك، فيه آيتان أنه ما يسيل، وأنه لا يسيل وهو على طبيعته، والله تعالى عل كل شيء قدير.
وفيه أيضًا: دليل على أن كل شيء يمتثل لأمر الله، وأن الله تعالى قادر على قلب الأمور عن طبائعها فضلًا عن تغير صفاتها، فهذه النار التي من طبيعتها الإحراق والحرارة كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم في الحال، وهذا الماء الذي من طبيعته الإغراق والسيلان صار أمنًا وجامدًا لا يسيل بالنسبة لبني إسرائيل.
قال أهل العلم: إنه ما من آية أُعْطِيها أحد من الأنبياء إلا وكانت للرسول عليه الصلاة والسلام فما هي الآية المقابلة لهذا الأمر؟
طالب: ما جرى لسعد بن أبي وقاص حين أراد الغزو، فصار النهر صار يبسًا.
الشيخ: يبسًا؟
الطالب: إي يعني أراد حينما كان معه سلمان الفارسي.
الشيخ: ما صار يبسًا.
طالب: (...).
الشيخ: إي (...) بس هو ماء.
الطالب: لم (...).
الشيخ: لكن ما يخالف، ما صار يبسًا، هذا أبلغ أنه باقٍ على طبيعته، يجري كما هو، وهذه الخيول والإبل والمشاة يمشون عليه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا المثال، لكن إذا قال قائل: هذه ليست في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟
طلبة: كرامات أوليائه (...).
الشيخ: كرامة أتباعه معجزة له..