تفسير سورة الشعراء - 5
عدد الزيارات 1965

عناصر المادة :
تفسير الآية (64)
تفسير الآيتين (65-66)
تفسير الآيتين (67-68)
تفسير الآيات (69-71)
تفسير الآيات (72-76)
تفسير الآيات (92-98)
تفسير الآية (99)
تفسير الآيات (100-105)

لكن كونه يبقى مائعًا ولكن لا يسيل، هذا أبلغ من ذلك، فيه آيتان: أنه ما يسيل وأنه لا يسيل وهو على طبيعته، والله تعالى على كل شيء قدير.
وفيه أيضًا: دليل على أن كل شيء يمتثل لأمر الله، وأن الله تعالى قادر على قلب الأمور عن طبائعها فضلًا عن تغير صفاتها، فهذه النار التي من طبيعتها الإحراق والحرارة كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم في الحال، وهذا الماء الذي من طبيعته الإغراق والسيلان صار أمنًا وجامدًا لا يسيل.
بالنسبة لبني إسرائيل، قال أهل العلم: إنه ما من آية أعطيها أحد من الأنبياء إلا وكانت للرسول عليه الصلاة والسلام، فما هي الآية المقابلة لهذا الأمر؟
طالب: ما جرى لسعد بن أبي وقاص حين أراد الغزو، فصار النهر يبسًا.
الشيخ: يبسًا؟
الطالب: إي، يعني حينما كان معه سلمان الفارسي..
الشيخ: ما صار يبسًا.
الطالب: (...).
الشيخ: إي (...) بس هو ماء.
الطالب: لم (...).
الشيخ: لكن ما يخالف، بس ما صار يبسًا، هذا أبلغ أنه باق على طبيعته يجري كما هو، وهذه الخيول والإبل والمشاة يمشون عليه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا المثال. لكن إذا قال قائل: هذه ليست في عهد النبي عليه الصلاة والسلام.
طلبة: كرامات أوليائه (...).
الشيخ: كرامة أتباعه معجزة له (...).
صخرة في وسط الماء فاستراحت عليها، ثم (...)، فهذا أيضًا من الآيات.
فالحاصل أن يقال: إن ما جرى لبني إسرائيل جرى لهذه الأمة مثله؛ وذلك لأن كرامة أتباع النبي معجزة له؛ إذ معنى الكرامة الشهادة بأن ما عليه هذا المكرم حقٌّ، فإذا كان أتباع النبي عليه الصلاة والسلام جاء لهم شهادة بأن ما هم عليه حق، كان معنى ذلك أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حق.
طالب: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء: ٦٣]، فانفلق اثني عشر فرقًا، الاثنا عشر هذه، ضرب اثنتي عشرة مَرَّة أو ضربة واحدة؟
الشيخ: لا، ضربة واحدة.
الطالب: ضربة واحدة صاروا اثنتي عشرة.
طالب آخر: (...) اثني عشر ألف (...).
الشيخ: ما ندري إذا كانوا اثني عشر داخلين من طريق أو عشرة آلاف أو ألفًا، ما ندري.
الطالب: (...) عددهم.
الشيخ: اثني عشر ألف رجل؟
الطالب: (...).
الشيخ: على القول اللي قال: ست مئة ألف.
الطالب: (...).
الشيخ: هذا يقول: ست مئة ألفٍ عددهم.
الطالب: (...) اثني عشر.
الشيخ: ما ندري، هم على كل حال اثنتا عشرة قبيلة، الأسباط في بني إسرائيل مثل القبائل في العرب هم مئتا عشرة قبيلة، ما نعرف كم عدد القبيلة، قد تقلُّ وقد تكثر (...)، كل قبيلة (...) خمس مئة نفر يمكن أو أكثر أو أقل.
طالب: قوله: فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣] دليل على الكثرة؛ لأنه (...) الحكمة (...) اثني عشر (...)، طريق عظيم هم قليلون.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...) قبائل بني إسرائيل هم قليلون (...) الحكمة، فلا بد أنهم كثيرون كل واحد كالطود العظيم.
الشيخ: إي نعم، كل فرق..
الطالب: كل فرق كالطود العظيم.
الشيخ: الفرق ما هو معناها الطريق، في اللغة العربية الماء اللي بينه مثل الجبال ما هو بنفس الطريق، كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِيعني: من الماء؛ الماء بينهم مثل الجبال.
ذكر بعض الذين ينقلون الإسرائيليات أنه صار بهذه الأطواد صار فيها فرج ينظر بعضهم إلى بعض زيادة في الأمن، ولكن الله أعلم هذا صحيح ولَّا لا، ما يعلم فيه شيء.
طالب: (...) بني إسرائيل قبل أن تحدث المعركة (...)؟
الشيخ: ما فيه معركة.
الطالب: قبل أن يأتي الانتصار لبني إسرائيل على فرعون (...).
الشيخ: الظاهر أني كان (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، كررناها مرتين أو ثلاثة.
طالب: (...).
الشيخ: (...) في المعنى؟
الطالب: في المعنى لكنها (...)، فإذا قال: قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ [الشعراء: ٥٧] يتبادر إلى الذهن (...)، فيكون الجواب: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ٥٩].
الشيخ: هذا وجه المناسبة، يعني بالنظر إلى الترتيب يكون أَوْرَثْنَاهَابعد ذكر الإغراق، بالنظر إلى الترتيب الطبيعي يكون الإرث بعد الإغراق، لكن بالنظر إلى الترتيب التناسبي مناسبة الإرث للإخراج قدمها على ذكر الإغراق.
طالب: قولك يا شيخ: النظر إلى حال بني إسرائيل (...) ما يدل على أن إيمانهم (...) ضعيف؟
الشيخ: لا، ما هو الظاهر، لاحظ أنه أحيانًا ترى ينسب القول إلى الأمة والمراد البعض، بل إن الله أحيانًا يخاطب بني إسرائيل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل أمتهم من قبل.
طالب: (...).
الشيخ: هادول غير اللي قالوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا [الأعراف: ١٣٨].
الطالب: هم الذين قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣].
الشيخ: هم الذين قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً.
الطالب: أليس (...)؟
الشيخ: إلا بلى، هادول المختارين.
الطالب: هادول المختارين.
الشيخ: لا شك أن هذا في الحقيقة مما يدل على أنهم مهما بلغوا في الكمال ما هم مثل هذه الأمة.
طالب: هم إيمانهم ضعيف؛ لأنهم وصلوا إلى حد عبادة الصنم.
الشيخ: لا، يعني طلبوا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طلبوا إلهًا.
الطالب: طلبوا، يعني..
الشيخ: لكن منعوا من هذا.
الطالب: عبدوا العجل.
الشيخ: عبدوا العجل بعد أن غاب عنهم موسى.
الطالب: إلا إن قلنا (...) في البداية.
الشيخ: على كل حال، فهم مهما كان حتى ولو كان إيمانهم ضعيفًا في أول البداية نحن ما ندري عن إيمانهم، لكن ظاهر الآيات أن الله مَنَّ عليهم بهذا لكمال إيمانهم، أنت تعرف أن الإنسان إذا توفَّرت لديه النعمة قد تختلف حاله، فهم خرجوا بالأول وهم في قلة وفي ضعف وفي خوف وهم أقرب إلى الإيمان مما إذا نعموا هذا النعيم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا نعم أنه يحصل منه الأشر والبطر، هذه العادة.
طالب: ما يمكن أن يقال: إن هؤلاء بعدين صاروا شيعًا ذريتهم يعني أو (...)؟
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنهم يعني على حسب الأجيال المعروفة يتوالدون، وأن موسى (...) اللي صار ذريتهم على ما قيل الذين تاهوا؛ اللي صاروا في التيه وحُرِّمَت عليهم أربعين سنة.
طالب: هذا لا يعني (...)؟
الشيخ: هذا هو اللي قيل: إنه حُرِّمت عليهم أربعين سنة لأجل أن تتغير أوضاعهم وأحوالهم في إنشاء خلق آخر.
طالب: نجزم أن إيمانهم..
الشيخ: المهم نجزم أن إيمانهم في ذلك اليوم كان إيمانًا جيدًا قويًّا حينما أغرق فرعون، ولهذا نصروا هذا النصر العظيم على فرعون وأُغْرِق فرعون، وسياق الآيات يدلُّ على هذا.
طالب: قد يكون هذه نعمة وابتلاء، واللي في إيمانه ضعف.
الشيخ: إي، لكن ما نقول (...).
الطالب: يُبْتَلى بنعمة.
الشيخ: يُبْتَلى بنعمة أو ببلاء.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إنما من يقول: إن إيمانهم ضعيف، مَن يقول هذا؟
الطالب: قرينة ما حصل.
الشيخ: ما حصل بعد، الإنسان يتغير.
الطالب: يعني المهاجرين لما آمنوا إيمان قوي، والأنصار لما آمنوا ما صار منهم شيئًا.
الشيخ: لا يمكن تقارن بني إسرائيل بهذه الأمة، لا تقارنهم، مسألة المقارنة غير ورادة؛ لأنه لا سواء، بنو إسرائيل ابتلوا بالحيتان فلم يصبروا وتحيلوا، وهذه الأمة ابتلوا بالصيد وهم محرمون فصبروا وغيره، لا تقارن إيمان هذه الأمة بإيمان من سبق.
الطالب: لا، أنا ما أقصد المقارنة، وإنما أقصد أن الإيمان إذا كان جيدًا وكان في البداية، يعني الغالب أنه يصرف عنهم هذه الأشياء الخطيرة بالذات إلا الصغائر يمكن أن تحدث.
الشيخ: على كل حال ما نقدر، نقول: إنهم حين ذاك لا شك أنهم مؤمنون؛ لأنهم شهدوا إيمانًا وغيره في الأرض، ولا مانع من أن تطرأ لهم أحوال فيتغيرون بها.
طالب: نقول: لو لم يكونوا مؤمنين ما صبروا على آذى فرعون حينما قطَّع أرجلهم وأيديهم من خلاف، هذا دليل على قوة إيمان عظيم.
الشيخ: لا، هادول السحرة لا شك في قوة إيمانهم، والسحرة من آل فرعون.
الطالب: يعني غير اللي راح ذهبوا مع موسى؟
الشيخ: إي غيره، هذا الكلام على بني إسرائيل، بنو إسرائيل غير السحرة، السحرة من القبط؛ من آل فرعون.
طالب: قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [الأعراف: ١٢٩] دليل على أنهم عندهم..؟
الشيخ: عندهم صبر.
الطالب: عندهم صبر (...) قبل وبعد يعني (...) قوة إيمانهم (...).
الشيخ: هو كل حال كونهم يقولون: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [الأعراف: ١٢٩] وعد موسى لهم..
الطالب: نفوسهم ضعيفة.
الشيخ: (...) إيمان ضعيف، نقول: الأصل أن إيمانهم في هذه الساعة قوي، هذا الأصل، وأن النصر إنما يستحقه المؤمنون، وإنما يرث الأرض عباد الله الصالحون، ولَّا لا؟ لكن لا مانع من أن تطرأ أحوال وتتجدد أعمال فينصرفون هم أو بعضهم عنها.
طالب: حديث ابن مسعود «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ، قلنا: إنه إذا كان الإنسان أن هذا العمل فيما يظهر للناس بينما إيمانه يكون فيه ضعف بعض الشيء، فهؤلاء لا يمكن أن نقول: في البداية لما ذهبوا مع فرعون كان إيمانهم قويًّا، ثم غيَّرهم الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: ما يخالف، هل غيروا؟ هل عبدوا؟ ما فيه إلا اللي عبد العجل (...) وأخيرًا مَنَّ الله عليهم وجاءهم موسى (...).
الطالب: (...).
الشيخ: كم بقي موسى فيهم؟
الطالب: أربعين يومًا.
الشيخ: هذا في التيه فقط.
الطالب: إي، هو لما بنقول: إنهم تغيروا يعني نفس أجسادهم (...).
الشيخ: لا، نقول: حتى أحوالهم تتغير، لا شك في هذا، المهم دعونا من هذا جدل، الحقيقة هذا جدل ما لنا بفائدة، هذا مجرد جدل ما لنا بفائدة.
إحنا نقول: الأصل أن من انتصر فهو مؤمن حقًّا، ومن نصره الله وورثه الديار فهو من عباد الله الصالحين، هذا الأصل، ثم إذا طرأت أحواله نقول: الله أعلم كيف تطورت هذه الأحوال، وليست في هذا فائدة في الحقيقة، ما فيه مسألة عملية نبغي نطبقها الآن حتى نحقق كيف نعمل، مسألة قَصَّ الله علينا فيها أحوالًا لبني إسرائيل تدل على أن هؤلاء القوم آمنوا وطرأت عليهم أحوال، وبالنظر إلى أحوالهم العامة نعرف أن إيمانهم ليس كإيمان هذه الأمة، وأن هذه الأمة أكمل إيمانًا وأكمل عملًا.
طالب: لا، إحنا (...) هل نستنتج من هذا أنه من الممكن أن يكون هناك إيمان كامل في البداية، ثم ينقص نقصًا شديدًا إلى أن يصل إلى هذا الحد؟
الشيخ: نعم، هذا ممكن.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا ما ذكرته إلا أخيرًا عند مجلس حديث ابن مسعود (...) بهم في الأول.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا.
الطالب: (...) لا شك أنهم مؤمنون، وأنهم..
الشيخ: ما فيه إشكال أن الإيمان حاصل، لكن الحين اللي أشكل عليكم أنه -مثلًا- كيف تطورت فيهم الأحوال إلى أن يقولوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، ما يمنع أن بعضهم قال هذا أو تقلَّبت فيهم الأحوال، الله أعلم.
طالب: قوله (...).
الشيخ: الفرقة الطائفة.
الطالب: الطائفة من الماء.
الشيخ: إي، الطائفة من الماء صار كل فرق وقطعة منه مثل الطود العظيم.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: هو من الممكن أن يكون أن الله يذكِّرهم بعيوبهم السابقة لعلهم يرتدعون، أو يذكرهم بهذا لبيان أن هذه من عادتهم وسجيتهم بين أمرين: إما أن يبين عيبهم لعله يصلح من أحوالهم، ويكون ما صلح من أحوالهم أحوال باقيهم كالهادم لما سبق.
وإما أن يقال: إن هذا بيان لأن هذه طبيعتهم وسجيتهم مثلًا، فيكون فيه مع التوبيخ لهؤلاء تسلية للرسول عليه السلام وأصحابه.
طالب: ما صاروا عليه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد الإسلام ما يدل.
الشيخ: ما صاروا عليه أخبث؛ لأنهم الآن صاروا كفار؛ لأنه بعد بعثة الرسول بل بعثة عيسى عليه الصلاة والسلام وكفرهم، صاروا كفارًا ما فيهم إيمان أبدًا.
طالب: (...) حتى المختارين السبعين منهم.
الشيخ: نعم، ما فيه شك أنهم هم معارضون، وأن عندهم عذرًا، ومن أراد أن يعرف عن أحوالهم شيء فهو يراجع إغاثة اللهفان لابن القيم، هذا ما فيه شك.
لكن الكلام على الذين أورثوا أرض فرعون في ذلك الوقت، ما لنا الحين الحق بأن نقول: إيمانهم كامل ولَّا إيمانهم ناقص، إنما نعرف من قول الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] أنهم في ذلك الوقت صالحون فقط وتغير الأحوال بعد ذلك.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَلَمَّا تَرَاءَى} (...)وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (...)وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ [الشعراء: ٦١ - ٨٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق من الآيات ومن الفوائد:
أولًا: بيان عقوبة الله سبحانه وتعالى للطاغين، وذلك بإزالة النعم عنهم؛ إما بإخراجهم منها، وإما بإزالتها هي، وتؤخذ من قوله: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء: ٥٧].
وفيها: أن العقوبة بعد التنعيم أشد، ولذلك نص عليه ما قال: فأخرجناهم من أماكنهم فقط أو من ديارهم، ولكن بَيَّن على سبيل التعين ما هم فيه من النعيم؛ لأن الأخذ بالعقوبة بعد النعيم يكون أشد.
وفيها أيضًا: تحذير للطغاة من أن تزول نعمهم بسبب طغيانهم. ففي عصرنا هذا فتح الله على الناس من أنواع النعيم ما لم يكن موهومًا من قبل وبالأولى ليس معلومًا، فيخشى أن يخرج هؤلاء من هذا النعيم إذا طغوا وعتوا عن أمر الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا فائدة: أن الإنسان قد يؤخذ من حيث يرى أنه علا وظهر، فإن فرعون بعث في المدائن حاشرين يدعوهم إلى قتال موسى وقومه، فخرجوا تابعين لهم على أنهم سيدركونهم، فصار في هذا الخروج حتفهم وهلاكهم، ونظيره في هذه الأمة ما صنعت قريش حين خرجت إلى بدر، وكان أبو جهل يقول: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فنسقي فيها الخمور وتعزف علينا القيان ونشرب الخمور حتى تسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فأُخِذُوا من حيث أتوا.
وفي هذا دليل على قوة إيمان موسى عليه الصلاة والسلام في قوله: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢].
ووجه قوة الإيمان أنه في هذا المقام المحرج الذي لا يرى الإنسان فيه إلا أنه هالك، ولهذا قال أصحابه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١].
وفيه أيضًا: تمام قدرة الله عز وجل بفلق البحر وتيبيسه في الحال.
وفيه دليل على أن لكل شيء سببًا، حتى الآيات التي يجعلها الله على يد الشخص لها سبب، فإن الله تعالى لم يفلق البحر إلا بعد أن أوحى إلى موسى أن أضرب بعصاك، فضربه فانفلق.
وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى كما يهدي إلى الطريق المعنوي يهدي أيضًا إلى الطريق الحسي؛ لقوله: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢]، ليس المراد هنا هداية العلم والتوفيق للعمل الصالح، وإنما المراد الهداية لطريق النجاة التي ينجو بها، فهداه الله سبحانه وتعالى.
وفيه: أن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الماء كالأطواد؛ كالجبال العظيمة على أيمانهم وشمائلهم؛ ليكون في ذلك، أي: في عبورهم حتى لا يأخذهم العجب والعلو؛ لأن هذه الأطواد هي في الحقيقة في منزلة نواقيس الإنذار، يخافون ويرهبون إذا كان الماء على أيمانهم وعن شمائلهم مثل الأطواد، فإنهم لا يرون في أنفسهم استغناء عن الخوف، فيكونون بين الخوف وبين الرجاء فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣].
فيه أيضًا من آيات الله -فوق تفريق الماء-: إثبات الماء جامدًا حتى لا يسيل، والله تعالى على كل شيء قدير، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
تفسير الآية (64)
00:22:35

قال الله تعالى: (وَأَزْلَفْنَاقَرَّبْنَا، ثَمَّهناك، الْآخِرِينَفرعونَ وقومَه حتى سلكوا مسالكهم).
(الإزلاف) بمعنى الإقراب، ومنه قوله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [الشعراء: ٩٠]؛ أي: قُرِّبت. وقوله: ثَمَّ؛ أي: هناك؛ أي: عند البحر.
وقوله: الْآخِرِينَيعني فرعون وقومه، قرَّبهم الله تعالى إلى البحر، فرأوا هذه الطرق مفتوحة أمامهم، فما كان منهم إلا أن دخلوها؛ لأنها طرق أمامهم رأوا موسى وقومه قد عبروا منها فاتبعوهم، فلما (...) لهؤلاء داخلين وهولاء خارجين.
تفسير الآيتين (65-66)
00:23:28

يقول الله تعالى: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَبإخراجهم من البحر على هيئته المذكورة)، وهذا إنجاء من أعظم المنن، ثم بعد ذلك: (أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَفرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه)، فانتقم الله تعالى من فرعون قومه وأغرقهم بالماء الذي كان يفخر به فرعون من قبل، فإنه كان يقول لقومه مفتخرًا: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُون [الزخرف: ٥١]، فهو افتخر على قومه بأن الأنهار تجري من تحته وهي ماء، فأُغِرَق بما كان يفتخر به، وهذا من عادة الله سبحانه وتعالى أن الله يغرق المعجبين إما بما أعجبوا به، وإما بما هو أهون شيء، عاد لمَّا قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] بماذا أهلكوا؟
طالب: بأوسط الأشياء.
الشيخ: بأوسط الأشياء وهي الرياح.
تفسير الآيتين (67-68)
00:25:27

(إِنَّ فِي ذَلِكَأي: إغراق فرعون وقومه لَآيَةً)
، وتفسير المؤلف للمشار إليه فيه قصور؛ لأنها ليست الآية بإغراق فرعون وقومه فحسب، ولكن في فلق البحر وكونه يبسًا، وإنجاء موسى وقومه وإغراق فرعون وقومه.
ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى كل ما ذكر؛ يعني: إن في ذلك المذكور من قصة موسى لَآيَةً: علامة على قدرة الله سبحانه وتعالى وعلى نصره لأوليائه، فيكون متضمنًا لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتحذير المخالفين له، (لَآيَةًعبرة لمن بعدهم). واللام؟
الطالب: للتأكيد.
الشيخ: للتأكيد، وأصلها أين محلها؟ محلها في هذا دائمًا الابتداء اللي تكون في أول الجملة (لأن في ذلك).
لكن قال النحويون في تعليلهم لهذا: إنه لا ينبغي أن يجتمع مؤكِّدان متواليان، فأخَّروا اللام إلى ما تأخر من خبر (إن) واسمها، والله أعلم هل هذا حقيقة أو أن العرب نطقوا به هكذا.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَبالله لم يؤمن منهم غير آسية امرأة فرعون، وحزقيل مؤمن آل فرعون، ومريم بنت ناموصي التي دلت على عظام يوسف عليه السلام).
يجوز أن يكون وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ؛ يعني: أكثر قوم موسى الذين أُرْسِلَ إليهم، ويجوز أن يكون وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ؛ أي: أكثر الناس المخاطبين بهذا القرآن؛ يعني هذا فيه آية لكن ما كان أكثر المخاطبين به مؤمنين به.
وأما كون ذلك كما قال المؤلف فنقول: أما امرأة فرعون فصحيح أنها آمنت، وأما مؤمن آل فرعون فصحيح أنه آمن، لكن تسميته بحزقيل يحتاج إلى دليل، والثالثة مريم بنت ناموصي، هذه (...) وما سمعنا بها إلا الآن. وقوله: (التي دلت على عظام يوسف) أيش يوسف؟
طلبة: يوسف عليه السلام.
الشيخ: يوسف بن يعقوب، فأين عظامه؟ ما ندري، ثم إذا دلت على عظامه فهل تُمْدح ولَّا تُذَم؟ هي إلى الذم أقرب؛ لأن العظام مُحترمة، المفروض أنها لا تنبش ولا يُسْأل عنها.
ثم إن عظام يوسف هذا خطأ؛ لأنه ثبت أن الله حَرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فكيف يقال: إنه ما بقي إلا عظامه؟! فالحاصل أن مثل هذه الإسرائيليات يُؤْسَف مِن المؤلف ومن غيره أن ينقلوها.
طالب: (...).
الشيخ: هو أكله؟
الطالب: لا، ما أكله.
الشيخ: طيب.
الطالب: (...) الإسرائيليات.
الشيخ: هذا (...)، فيوسف عليه الصلاة والسلام ما أكله الذئب ولا أكلته الأرض أيضًا؛ لأنه من الأنبياء، فكيف يدل على عظامه؟!
طالب: (...) يسبح.
الشيخ: يسبح؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن هذا ما هو محل العوم؛ لأنهم انطبق عليهم الماء وفي أعماق البحر ما يستطيعون. ثم إن العذاب إذا نزل ما ينفع فيه السباحة ولا غيرها.
تذكرون أن قبل ثلاث سنوات أظن نزل على محطة الكهرباء في نيويورك صواعق مع أن عندهم مانعة صواعق من الأعمدة ولكن ما نفعت.
يقول: الأَولى أن يقال: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَأنه يعود على الذين نزل عليهم القرآن، لا على بني إسرائيل أو آل فرعون.
وقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ١٢٢] هذا مما يؤيد ما ذهبنا إليه؛ أن المراد بـأَكْثَرُهُمْالذين نزل عليهم القرآن، ولهذا أضاف الربوبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ؛ لأنها تقتضي العناية الخاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي قوله: لَهُوَ الْعَزِيزُأتى باللام الدالة على التأكيد لتكون الجملة مؤكَّدة بمؤكدين.
فإذا قال قائل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحاله لا تقتضي التأكيد؛ لأنه مُقِرٌّ، ومن قواعد البلاغة أنه لا يؤكد الكلام إلا للمتردد أو للمنكر؛ فإن كان للمتردد فهو استحسان، وإن كان للمنكر فهو وجوب زيادة تأكيد، وهنا أكد بمؤكدين مع أن الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وهو مُقِرٌّ بذلك؟
فيقال: إن هذه القاعدة التي ذكروها ليست على إطلاقها، بل فيها قصور؛ فإن الشيء يؤكَّد باعتبار حال المخاطب، وحينئذٍ نقول: إذا كان مُترددًا فيحسُن تأكيده، وإذا كان مُنكِرًا فيجِب تأكيده.
كذلك يُؤَكَّد الكلام باعتبار أهميته؛ إذا كان الكلام ذا اهتمام فإنه يُؤَكَّد حتى وإن كان المخاطب مُقرًّا به؛ لبيان اعتناء المتكلم به. فهنا هذه المسألة مهمة جدًّا.
ثم يقال أيضًا: إن الآية ذُكِرَت تسليةً للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن جهة أخرى تهديد للكفار، والكفار قد يشكُّون أو يُنكرون في عزَّة الله ورحمته، فلهذا جمع بينهما مُؤكِّدان.
وقوله: (لَهُوَ الْعَزِيزُفانتقم من الكافرين بإغراقهم، الرَّحِيمُبالمؤمنين فأنجاهم من الغرق) يُقْرِنُ الله تبارك تعالى دائمًا بين العزة والحكمة، وأحيانًا في مثل هذه السورة بين العزة والرحمة، وبين الوصفين أو الاثنين تناسب ظاهر؛ أما العزة والحكمة فالتناسب بينهما هو أن العزيز هو الغالب القاهر، والغالب القاهر إن لم يكن في غلبته حكمة صار تصرفه غير محمود؛ لأنه يتصرف من مصدر القوة، وإذا كان يتصرف من مصدر القوة ولا حكمة عنده صار يبطش بطشًا في غير محله، وربما يترك ما ينبغي فيه البطش في غير محله، فجاءت الحكمة مقترنة بالعزة.
وأما هنا فلما كان سياق الآيات يتضمن ما تقتضيه الرحمة ويتضمن ما تقتضيه العزة، فإهلاك فرعون يقتضي أن يقابل بالعزة، وإنجاء موسى يقتضي أن يقابل بالرحمة؛ لأنه من مقتضاه جمع الله تعالى بينهما.
تفسير الآيات (69-71)
00:34:42

ثم قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ؛ أي: كفَّار مكة) والصواب أي: على الناس الذين أُرْسِلت إليهم.
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ؛ أي: كفَّار مكة) نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ [الشعراء: ٦٩، ٧٠].
والرسول عليه الصلاة والسلام تلا على الناس حتى إننا نقول الآن: هو تلا علينا، حتى في هذا العصر وفيما بعده قد تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس هذا النبأ.
وقوله: (نَبَأَخبر) ولكن لا يكون النبأ إلا في الأمور الهامة، والخبر يكون فيها وفي غيرها، لكن النبأ ما يكون إلا في الأمور الهامة، وهذا النبأ هام جدًّا لما يتضمنه من التوحيد والمناظرة والتوكيد وما يتعلق بذلك في الثواب والعقاب.
(نَبَأَخبر، إِبْرَاهِيمَويبدل منه) أي: مِن نبأٍ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِفتكون (إذ) هنا في محل نصب بدلًا من نَبَأَ، وإبراهيم هو خليل الله سبحانه وتعالى، وهو معروف.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَأبوه اسمه آزر، كما قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: ٧٤].
وأما قومه فالذين بعث إليهم، وفي هذا دليل على أن إبراهيم لم يُبْعَث إلى الناس عامة، وإنما بعث إلى قومه كسائر الأنبياء.
طالب: (...)؟
الشيخ: ليس بصحيح.
وقوله: مَا تَعْبُدُونَمَاللاستفهام، والمراد به الإنكار والتعجب أيضًا؛ يعني أنه يُنْكِر مُتعجِّبًا.
(قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًاصرَّحوا بالفعل ليعطفوا عليه) فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء: ٧١]، أَصْنَامًاجمع صنم، والمراد بالصنم كل ما اتخذ إلهًا مع الله، سواء كان شجرًا أو حجرًا أم غيرهما. ولكن هل يشترط أن يكون منصوبًا ولَّا ما يُشترط؟ الظاهر عدم اشتراطه، وأنه قد لا يكون منصوبًا، قد يكون مبطوحًا ومضجعًا وغير قائم.
وقول المؤلف: (صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه فَنَظَلُّ) هذه مُناسبة لفظية قد تكون مقصودة وقد لا تكون مقصودة.
قد يقول قائل: لو قالوا: (أصنامًا فنظل) لكان المعنى مستقيمًا، ولا حاجة إلى ذكر الجملة ليعطف عليها؛ لأننا نرى أنه تأتي أحيانًا جمل عطف عليها جمل وهي محذوفة؛ مثل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا [الروم: ٩] أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ [طه: ١٢٨] على أحد الوجهين.
ولكن الصحيح أنهم صرحوا بالفعل إظهارًا لفعلهم كأنهم يفتخرون به؛ يعني يحققون العبادة ويفخرون بعبادتهم؛ لأن التصريح بالعبادة للمعبود يدل على أن الإنسان فخورٌ بها نَعْبُدُ أَصْنَامًا، فهم أظهروها تأكيدًا وافتخارًا بهذا الذي لا شك فيه.
وأما لأجل العطف فهذا العطف نقول: يصح بدون ذكره، وهذا ليس بمقصود فيما يبدو، وإنما المقصود هو تأكيد هذا والافتخار به نَعْبُدُ أَصْنَامًا؛ مثل ما يقول لك القائل: أنت تفعل كذا؟ تقول: نعم أفعله، لو قلت: (نعم) لكفى، لكن (أفعله) من باب تأكيده والافتخار به، فهم كذلك يقولون: نَعْبُدُ أَصْنَامًامُؤَكِّدين لعبادتها مُفتخرِين بها.
(نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ؛ أي: نقيم نهارًا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارًا به) صحيح، فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَهذا ما سألهم: هل أنتم تدومون على عبادتها أو لا؟ لكن هم زادوا على هذا وقالوا: نَظَلُّ؛ يعني: نستمر، لَهَا عَاكِفِينَ.
وقوله: لَهَامُتعلِّقٌ بـعَاكِفِينَ، وتقديمه عليه يفيد الحصر؛ يعني أننا نعكف لها لا لغيرها.
ويقول المؤلف: (زادوه في الجواب افتخارًا به) إي نعم، كما قال المؤلف: (زادوه افتخارًا به) ، ثم إصرارًا وعنادًا؛ يعني: لسنا نعبدها وقتًا دون وقت، بل نعبدها ونستمرُّ على عبادتها.
وقول المؤلف: (نهارًا) منين أخذ نهارًا؟ لأنهم يقولون: إن (ظَلَّ) فعل يدلُّ على وقوع الشيء نهارًا، هذا هو المعروف عند النحويين، والذي يظهر أنها تدل على وقوع الفعل باستمرار وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [النحل: ٥٨]، في النهار ولَّا في النهار والليل؟
طالب: في أي وقت.
الشيخ: نعم، أي وقت يُبَشَّر به يستمر وجهه مسودًّا ليلًا ونهارًا، فالصواب أن هذا الفعل يشعر بالاستمرار ولا يختص بالنهار، كما قاله المؤلف وغيره.
طالب: (...)؟
الشيخ: يعود على ما ذكروه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، على ما ذكروه الأخير.
الطالب: العبادة (...)؟
الشيخ: لا، وكونهم مستمرين عليه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، على الاستمرار.
تفسير الآيات (72-76)
00:41:57

{قَالَ}
عليه الصلاة والسلام هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ(حين) تَدْعُونَ؛ إِذْهذه ظرف من فعل (يسمعون)، وهَلْللاستفهام المراد به الإنكار مع التحدي؛ يعني يتحداهم يقول: هذه الأصنام التي تعبدونها تسألونها الحوائج، هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَالجواب؟
طالب: لا.
الشيخ: لا.
(أَوْ يَنْفَعُونَكُمْإنْ عبدتموهم، أَوْ يَضُرُّونَلكم إن لم تعبدوهم). الجواب؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، هم أقرُّوا قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا؛ يعني لا تسمع ولا تنفع ولا تضر وإنما فعلنا ذلك تقليدًا، فقط تلقيدًا محضًا لآبائنا.
وقوله: أَوْ يَضُرُّونَقدَّر المؤلف المفعول بقوله: (يضرونكم)، وحينئذٍ نسأل: ما هي الحكمة في حذف المفعول؟ الحكمة هي بالنسبة لآخر الآية لفظية وهي مراعاة الفواصل، وبالنسبة للعموم معنوية؛ لأن الإنسان الذي يعبد الشيء لا يريد أن يضره بل يريد أن ينفعه، ولهذا قال: أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ، أما أنه يريد أن يضره فلا، نعم يريد أن يضر غيره من أعدائه صحيح؛ قد يعبد هذا الشيء ليدعوه أن يضر عدوه، فالحذف هنا للعموم يصير: إما أن يضرونكم إن لم تعبدوهم، أو أن يضرون عدوكم إذا عبدوتموهم.
جواب هؤلاء قالوا: قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٧٤]، بَلْللإضراب الإبطالي؛ يعني معناه أنهم أنكروا أن يسمعوهم هذه الأصنام أو تنفعهم أو تضرهم، ولكنهم وجدوا آباءهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ؛ يعني يفعلون كذلك يعبدون هذه الأصنام.
و(الكاف) اسم بمعنى مِثْل، و(ذا) اسم إشارة تعود إلى الفعل؛ يعني: مثل ذلك الفعل يفعلون، ومحل الكاف في قوله: كَذَلِكَمحلها النصب على أنها مفعول مطلق؛ أي: يفعلون مثل فعلنا.
وليت أن المؤلف جعل (أي مثل فعلنا قد لا يفعلون)؛ لأن تأخيره عن الفعل يُوهِم أنه يريد أن يكون مفعول الفعل محذوف؛ أي: مثل فعلنا، والصواب أنه موجود، وهو قوله: كَذَلِكَ، فيحسُن به أن يقدم مثل فعلنا على قوله: يَفْعَلُونَ، كَذَلِكَأي: مثل فعلنا يَفْعَلُونَ.
صار ما لهم حجة إلا التقليد الأعمى فقط؛ أنهم وجدوا آباءهم على هذه الملة فسلكوها، فقال لهم إبراهيم: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ [الشعراء: ٧٥، ٧٦] (...).
تفسير الآيات (92-98)
00:46:08

وقوله: تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ [الشعراء: 92، 93] يقول المؤلف: (أي غيره)؛ لأن (دون) تأتي بمعنى غير وسوى، وتأتي بمعنى (أقل)؛ كما تقول: هذا دون هذا؛ يعني أقل منه، حسب السياق.
(هَلْ يَنْصُرُونَكُمْبدفع العذاب عنكم) أيش الجواب؟ لا، مع أنهم (...) ولكنها في الواقع لا تنفعهم بل تضرهم.
(أَوْ يَنْتَصِرُونَبدفعه عن أنفسهم، لا) إذا كانوا لا ينفعون ولا ينتفعون، فلا فائدة فيهم ولا في عبادتهم.
وفي قوله: أَوْ يَنْتَصِرُونَدليل على أن هذه الأصنام تُعَذَّب وتُلْقَى في جهنم، كما جاء في الآيات الأخرى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨]، لكن إذا كان الذي يعبد من دون الله مما (...)؛ فإن رضي بعبادتهم فهو معهم، وإن لم يرضَ فقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ما يدخلون النار.
فإذا قيل: ما هي فائدة إدخال الأصنام النار وتعذبيها مع أنها لا تحس؟ قلنا..
طالب: للإهانة.
الشيخ: إي نعم، إهانة لعابديها؛ لأن هذا فيه من الإهانة وبيان أنها لا تنفع ما هو ظاهر.
(فَكُبْكِبُوا فِيهَا [الشعراء: ٩٤] أُلْقوا) فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ، هُمْالضمير يعود على أي شيء؟ على ما يعبدون ما دون الله.
وقوله: كُبْكِبُوابمعنى أُلْقوا، لكن تكرار هذا يدل على معنًى أدق من الألقاء فقط؛ يعني كأنهم يُكبون فيها على وجوههم وبدون أيضًا ترتيب بدون نظام، كأنما يحشون حشًّا -والعياذ بالله- ويلقون.
(هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ [الشعراء: ٩٤، ٩٥] أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس أَجْمَعُونَ [الشعراء: ٩٥]) أعوذ بالله!
جُنُودُ إِبْلِيسَهم الذين يتبعونه ويغوون الناس، فكل من سعى في إغواء الناس والإفساد بينهم فإنه من جنود إبليس، ومعلوم أن جنود إبليس على عكس جنود الرحمن، جنود الرحمن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك يدعون إلى الشر ويأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وفي هذا دليل على أن كل من نصر أحدًا فهو من جنوده، ولو بالاتباع فإنه يكون من جنده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» ، ومن أحب شخصًا أطاعه واتبعه.
وقوله: هُمْ وَالْغَاوُونَ، المراد بـالْغَاوُونَهنا غير الْغَاوُونَالأولون ولَّا هم؟ المراد من؟ المراد من سبق، ولكن كُرِّر ذلك الوصف ما قال: فكبكوا فيها هم وأولئك، كرَّره لإظهار ذم الغواية.
ولكن قوله: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَهذا هل هو من باب عطف متغايرين وأن الغاوي ليس من جنود إبليس أو أنه من باب عطف المترادفين؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش الأصل؟
الطالب: الأصل العدد.
الشيخ: الأصل في العطف التغاير، لكن ما وجه التغاير هنا؟
الطالب: أن الغاوون (...).
الشيخ: وغير؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا هو الظاهر؛ أن الغاوي هو الفاسد في نفسه، وأما جنود إبليس (...) ويدعون لما يدعو إليه، فيكون أشد.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما هو بظاهر، يقول المؤلف: (أتباعه ومن أطاعه) يقيد بما أطاعه في إغواء الناس ودعوتهم إلى الضلالة، يصير هنا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن كل من دعا الناس إلى الباطل فهو غاوٍ ولا عكس.
(وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا [الشعراء: ٩٥، ٩٦]؛ أي: الغاوون، وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَمع معبوديهم) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. لكن هذا الإقرار ينفع متى؟
طالب: في الدنيا.
الشيخ: لو كان في الدنيا هم يتخاصمون؛ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ [البقرة: ١٦٦] وكذلك أيضًا: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ: ٣٢]، وإِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: ٦٤]، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨]، وهكذا، الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧]، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا على ضلالٍ وعلى باطل يوم القيامة، كما قال إبراهيم: يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥].
وليت أننا نتَّعظ بمثل هذه الآيات ونعظ الناس بها، ونقول: لكل قوم اجتمعوا على فساد فإنهم يوم القيامة تزول هذه المحبة وهذه الرابطة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، ونذكرهم بهذا الأمر الذي في الحقيقة ليس ببعيد، ما بينهم وبينه إلا أن تخرج أرواحهم من أجسامهم ثم يجدونه، وخروج الروح من الجسد ليس ببعيد؛ فقد يكون قريبًا جدًّا، وكما قال أبو بكر:
كُــلُّ امْرِئٍ مُـــصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

وقد يكون غير قريب جدًّا ولكنه مؤخر لأجل معلوم، إذا كان الله تعالى يقول في يوم القيامة: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود: ١٠٤]، فكيف عاد يؤجل الإنسان لنفسه؟! يكون مِن باب أولى.
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ [الشعراء: ٩٦، ٩٧]، هذا قسمٌ بحرف التاء، وحروف القسم ثلاثة هي؟
طالب: التاء، والواو، والباء.
الشيخ: والباء طيب. أيهم الأفضل؟
طالب: الواو.
الشيخ: (...) كل الثلاثة يقسم بها لكن بعضها أفضل، وبعضها غير أفضل، مثل (كان) وأخواتها مثلًا.
الطالب: الأفضل الباء.
الشيخ: الأفضل الباء. أيش الدليل أنها الأفضل؟
الطالب: لأنها ظاهرة في القسم.
الشيخ: ووالله؟
الطالب: (...) يقسم بالله، يقول: أقسم بالله (...).
الشيخ: يعني الدليل أن الباء تأني مع القسم وبدونه، كذا؟ تأتي مع لفظ القسم ودونه، وتكون في الضمير والظاهر؛ أقسم بالله، وأقسم به، وأقسم بك يارب، فلهذا نقول: هي الأفضل.
التاء ما تأتي إلا مع الظاهر وبدون فعل القسم، أو لا؟ وأيضًا ليست مع كل ظاهر إنما تكون (تالله) فقط، وقد يقسم بالرحمن فيقال: تالرحمن، وقد يقسم: ترب الكعبة لكن على قلَّةٍ، فأضعفهما التاء.
الواو تدخل على كل ظاهر، يقسم بها بكل اسم ظاهر، سواء الله أو الرحمن أو العزيز أو ما أشبه ذلك، ولكنها لا يقسم بها في المضمر، ولا يأتي معها غير القسم، وبهذا تبين أن الأم من هذه الثلاثة الباء، ثم الواو، ثم التاء.
قال: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ، إِنْيقول المؤلف: (مخففة من ، لثقيلة واسمها محذوف؛ أي: إنه) أي التاء (كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍبين)، كُنَّاهذه فعل ماضٍ طلب منها الدلالة على الزمن (...)؟ لأن المراد: كنا في الدنيا.
(كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍبين إِذْحيث نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٨] في العبادة) وهذا صحيح، إن هذا غاية ما يكون الضلال؛ أن يسوي الإنسان المخلوق بالخالق في العبادة. وليست العبادة هي الركوع والسجود فقط، بل حتى من أطاع أحدًا في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فإنه عابد له، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة: ٣١]، وقال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم؛ يعني ما نعبد أحبارنا ورهباننا؛ يعني علماءنا وعُبَّادنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ؟» قال: بلى يقولها عدي، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» ، وهؤلاء الذين يُطبِّقون أنظمة حكوماتهم مع مخالفتها للشرع سيكون مآلهم يوم القيامة كهؤلاء؛ يعني يتبرَّؤون منهم ويخاصمونهم ويقولون محتجين على أنفسهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
فمثلًا الإنسان يقول له الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: هذا حلال، فيقول له الحاكم: هذا حرام ممنوع، فيمنعه ويرى أنه محرم مع تحليل الله له، لا شك أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله مشرعًا.
كذلك يقول له -مثلًا- ربه: هذا حرام، فيأتي هذا الحاكم ويقول: النظام أو الدستور يقتضي الحل فيحله، لا شك أيضًا أنه اتخذ هذا الحاكم إلهًا مع الله، وسيكون مآله مآل هؤلاء القوم، فيخاصمه يوم القيامة ويقول له: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» ؛ يعني طاعة ولي الأمر في المعروف الذي عرفه الشخص، كما أن الصحيح أن ولي الأمر إذا شرَّع تنظيمات تخالف شريعة الله فإنه يكفر؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤]، فإذا بُيِّنَ له الحق وقيل له: هذا حكم الله، وهذا النظام الذي سنَنْتَ يخالف الحكم، ولكنه أصرَّ مع تبيُّنِ الحق له صار كافرًا، وجاز حينئذٍِ أن يُخْرَجَ عليه ليُنَحَّى عن الحكم؛ لأنه في الحقيقة إذا كفر كفرًا بواحًا فيه من الله برهان فإنه يجوز منازلته والخروج عليه؛ لأنه لا يمكن أي واحد من الناس أن يحكم المسلمين بخلاف شريعتهم، بل يجب أن ينبذ ويُقام عليه حتى يُزاح عن الحكم.
الحاصل أن الله تعالى يقول لهؤلاء الذين اتخذوا معبودين سواه، سواء كانت عبادة تذلُّلٍ أمْ عبادة حُكمٍ يقول لهم: إنهم يُكَبْكِبون في نار جهنم ويختصمون فيها، ويقول التابعون للمتبوعين: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
(وَمَا أَضَلَّنَا [الشعراء: ٩٩] عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) إلى آخره.
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان يحتمل التأويل (...)؛ يعني سواء كانت التأويل من الفاعل أو من (...)، لكن تأويل الفاعل إذا بُيِّنَ له الحق يجوز إذا كان واضحًا.
طالب: (...)؟
الشيخ: مثلًا لو أحل للحاكم، وبعض الدول الإسلامية الآن الزنا حلال مجعولٌ له سوقٌ معيَّنٌ، مَن أراده فليذهب إليه. وسمعنا أنه في بعض الدول الإسلامية إذا نزل الراكب المسافر تُعرَضُ عليه الصور من الشابات والشبان -والعياذ بالله- فيقال: تحب هذا أو هذا؟ يعني إحلال لِلِّواط وإحلال للزنا، هذا كفر صريح، ما يحتاج إلى تأويل.
طالب: (...).
الشيخ: يعني كيف كفر (...) لأنه إما أن (...)، إذا قال كفرًا ولو كان بواحًا (...) الخروج عليه، أو نرى كفرًا بواحًا، كُفرًا وصريحًا؛ (صريح) بمعنى أنه ارتكبه عن علمٍ، وعندنا فيه من الله سبحانه برهان؛ معناه أن دلالة النصوص على هذا أنه كفر صريح.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) فرق بين اللي يحكم في قضية معينة، هذا يمكن أن يقول: أنا أعرف حكم الله، لكن خالفت هذا لهواي أو لعدواني على المحكوم عليه، وفرق بين اللي يُشرِّع؛ لأن اللي يشرع يكتب قوانين، هذا معناه انتزع الحكم الشرعي ووضع الحكم الوضعي، فيجب أن نفرق بين الوضع وبين الفعل. الإنسان اللي يحكم بغير ما أنزل الله في قضية معينة قد يكون الحامل له على ذلك هوى نفسه، وقد يكون الحامل على ذلك -مثلًا- الانتصار لصاحبه أو مراغمة عدوه إذا كان المحكوم عليه عدوًّا له، وقد يكون الحكم سببه كراهةُ حكم الله، فهذه الأحوال الثلاثة تتنزَّل عليها الآيات الثلاث.
وأما الإنسان المشرع اللي يضع قوانين، ويش معنى ذلك؟ أنه ما رضي حكم الله؛ لأنه استبدل أحكام الله بهذه القوانين، هذا كافر ما فيه شك، ولا يدخل في الآية.
طالب: من شرع (...)؟
الشيخ: لا، ما يدخل في الثلاث، يدخل في واحدة منها؛ وهي الحكم بغير ما أنزل الله أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ [الشورى: ٢١].
طالب: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥] إن كان (...)؟
الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأن نفي الإيمان قد يكون قسمان، قد يكون الإنسان خرج بما قضى؛ إما كراهة لحكم الله سبحانه وتعالى، وإما كراهة لأنه خالف هواه، ما هو كراهة للحكم، مثل المصائب الآن تصيب الإنسان، فيكرهها لكن لا يكره قضاء الله به.
طالب: (...) الحكم الشرعي؟
الشيخ: حتى الحكم الشرعي ربما إذا خالف ما هو عليه بعض الناس، الآن بعض العوام إذا جاء الحكم الشرعي يطبقه لكن ما (...).
الطالب: (...).
الشيخ: (...) لكنه ناقص الإيمان؛ لأن في قلبه الآن وفي نفسه حرج، والواجب أن الإنسان يشرح صدره لأحكام الإسلام أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢].
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا من العذاب؛ لأن المهم يتخاصمون يكلمون الخزنة لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧]، يلعن بعضهم بعضًا كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨]، كل هذا من العذاب.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، هم يتخاصمون وهم يُعَذَّبون، إي نعم.
طالب: لا يتصور هذا.
الشيخ: إي، بس أحوال الآخرة ما تُقاس بأحوال الدنيا، أليست الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة مقدار ميل، الآن لو تخرج مقدار أنملة عن مكانها أحرقت الدنيا إحراق (...) تكون يوم القيامة مقدار ميل (...).
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما يمكن أن تقاس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا أبدًا.
طالب: بعض (...) تصور (...).
الشيخ: لا، ما يتصور، كما أن أحوال البرزخ إذا مات الإنسان وأقعد وسُئِلَ وعُذِّبَ (...).

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٩٦ - ١٢٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٩]، فالمال والبنون لا ينفعون إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وفي هذا الاستثناء دليل على أن المدار على القلب وهو أن يكون سليمًا.
وسلامته يقول المؤلف: (من الشرك والنفاق)، وهو أعم من ذلك أيضًا، سلامته من كل عمل أو قول، وللقلب قول عمل؛ أما قوله فإقراره، وأما عمله فهو تحركه من رجاء وخوف ومحبة وغيرِ ذلك.
وفي الآية إثبات البعث؛ لقوله: وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.
وفيها أيضًا: أن كل إنسان مفتقر إلى الدعاء حتى الأنبياء؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بذلك.
وفيه دليل على أنه في يوم القيامة لا تنفع الأموال ولا البنون؛ لقوله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ [الشعراء: ٨٨]، خلاف ما كان الناس عليه في الدنيا، فإن الأموال والبنين تنفع لكن في الآخرة لا ينفعون.
وفيه دليل على فضيلة القلب السليم؛ لأنه سبب لاستفادة الإنسان من ماله وبنيه، بناء على أن الاستثناء متصل، وهو كذلك.
وفيه أيضًا دليل على إثبات الجنة؛ لقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ، وأن أهلها هم المتقون، وهم الذين فعلوا ما يقيهم من عذاب الله من فعل الأوامر واجتناب النواهي.
وفيه دليل على إثبات النار؛ لقوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ.
وفيه دليل حين فرَّق بين التعبيرين في إزلاف الجنة وإظهار النار، دليل على أن الرحمة سبقت الغضب؛ لأن الجنة تُدْنَى من المؤمنين، أما أولئك فتظهر لهم فيرونها من بعيد إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢]؛ لأجل أن يكونوا في خوف وذعر من قبل أن يَصِلُوا إليها.
وفيه أيضًا دليل على أن أصحاب الجحيم كل غاوٍ. والغاوي من هو؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، (...) هو الذي.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الغواية ضد، ما هي الهداية، الهداية ضد الضلال، الغواية ضد الرشد، والمعنى أن المراد بالغاوين هم الذين جانبوا الصراط المستقيم، جانبوه لا ضلوا عنه؛ يعني علِموه ولكن جانبوه، والعياذ بالله.
وفيه دليل على التعذيب القلبي والبدني لأصحاب النار. تؤخذ من أين؟
طالب: الآية وما بعدها.
الشيخ: ويش؟
الطالب: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ.
الشيخ: ما هي، عيِّن لنا الجملة المعينة لهذه الآية.
الطالب: التعيُّن البدني وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ.
الشيخ: طيب والقلبي؟
الطالب: القلبي وَقِيلَ لَهُمْ.
الشيخ: وَقِيلَ لَهُمْ، أحسنت.
وفيه دليل على (...) هؤلاء العابدين للأصنام لإهانة أصنامهم فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ. ويستثى من ذلك من؟ من عُبِدَ وهو صالح، فإنه لا يُكَبْكَبُ؛ لقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء: ١٠١-١٠٢].
وفي هذا دليل على أن من اتبع الشيطان لم يكن من أتباعه فحسب، بل من جنوده المرافقين له؛ لقوله: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ؛ وذلك لأن المتبع للشخص مُقَوٍّ له وناصر له وناشر لما يريد، فيكون كالجندي المسخر له.
وفي هذا دليل على ندم أهل النار ندمًا عظيمًا حين قالوا وهم يختصمون يخاصم بعضهم بعضًا: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وهنا أقسموا وأكدوا تَاللَّهِقسم، إِنْ كُنَّا(إنْ) مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍكذلك، وإن كان بعض النحويين يُسمي اللام هنا لام (...)، ولكنها مع كونها فارقة هي أيضًا مؤكدة، ومعنى (فارقة) أنها تفرق بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة؛ لأن (إنْ) الصورة واحدة، ولا يتبين أن المراد هذه أو هذه إلا بوجود اللام، فإن عدمت اللام امتنع الكلام إلا إذا دلت القرينة على خلاف ذلك.
أقول: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وفي قولهم: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْاعتراف ضمنيٌّ بأن الله تبارك وتعالى لا شبيه له؛ لأنهم أنكروا وبيَّنوا أنهم في ضلال مبين حين سووا هذه الأصنام بالرب تبارك وتعالى الذي لا يماثله أحد في هذا الوصف رَبِّ الْعَالَمِينَ. هذه الأصنام الذين يعبدونها يعتقدون أن ألوهيتها أنها محصورة بعابديها، أما رب العالمين فهو رَبٌّ لكل أحد.
وفي قوله من الفوائد إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: إشارة إلى بيان الضلال بِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛ إذ لا يمكن التسوية بين من هذا وصفه بمن لم يستحق من هذا الوصف شيئًا رَبِّ الْعَالَمِينَ، وهذه الأصنام لا تستحق وصفًا من الربوبية إطلاقًا، فضلًا عن الربوبية العامة لجميع العالمين.
ثم فيه أيضًا، في هذه الآية: اعترافهم البالغ بضلالهم إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛ يعني بيِّنٍ ظاهرٍ، حيث نُسَوِّيكُمْ، ولكن هذا الاعتراف وهذا الإقرار بالرب وهذا التنزيه له عن المساواة في ذلك المكان لا ينفع؛ لأنه فات الآوان، وقت العمل في الدنيا، أما الآن فهو وقت الجزاء.
تفسير الآية (99)
01:19:18

يقول: (وَمَا أَضَلَّنَاعن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَأي الشياطين)؛ يعني شياطين الإنس والجن، يجب هكذا، والمجرم فاعل الإجرام، ويُطْلَقُ كثيرًا في القرآن على الكافر، فالمعنى: ما أضلَّنا إلا أهل الكفر والإجرام الذين اعتدوا علينا بهذا الإضلال، ولكن الحقيقة هم ما اعتدوا عليهم؛ لأنهم هم الذين انقادوا لهذا الكفر وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا [غافر: ٤٧، ٤٨]، وفي سورة سبأ الآيات في هذا المعنى وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣٣]، فالكفار الذين تبعوا المستكبرين لا عذر لهم عند الله عز وجل، حتى وإن سبوهم وقالوا: إنهم مجرمون، فإن ذلك ليس بعذر.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، فإنهم قد أعطاهم الله تعالى العقول والإدراك، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، فما بقي لهم حجة في أن يحتجوا بأن هؤلاء أضلوهم.
قال الله تعالى: (إِلَّا الْمُجْرِمُونَأي: الشياطين أو أولونا الذين اقتدينا بهم)، هذا إذا كان المراد بالمجرم الضال، سواء اعتدى أم لم يَعتدِ؛ لأنه إذا كانوا آباؤهم الذين اقتدوا بهم فإنهم لم يضلوهم ولم يجرموا عليهم، هؤلاء هم الذين أجرموا على أنفسهم، ولا يبعد أن يراد بالآية المعنيين جميعًا؛ فإنهم ضلُّوا بأمرين:
أولًا: بمن يدعونهم وهو أحياءٌ إلى الضلال.
والثاني: بمن يقلدهم هؤلاء من الأموات، لكن في المسألة الأولى يكون الجرم عليهم وعلى من أضلَّهم، وفي الثانية عليهم وحدهم؛ لأن أولئك الأموات حقيقة ما جنوا عليهم؛ لأن الرسل جاءتهم وبينت لهم.
تفسير الآيات (100-105)
01:22:27

(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَكما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين)
، فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَكلمة (ما) استفهامية ولَّا نافية؟
طالب: نافية.
الشيخ: نافية، والدليل إتيان (مِن) المؤكدة فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وأصله: فما لنا شافعون، لكن أوتي بـ(مِن) للتوكيد.
والشافع هو المتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة؛ كشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يُقْضَى بينهم من باب الشفاعة لدفع المضرة والمشقة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة من باب جلب المنافع.
فالشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، وإن شئت فقل: بدفع الضير أو جلب الخير.
هم ليس لهم شافعون؛ لأن من شرط الشفاعة؟
طالب: من شرط الشفاعة (...).
الشيخ: وغيره؟
الطالب: وغيره أن يكون المشفوع له مؤمنًا.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: الدليل وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨].
الشيخ: نعم، هؤلاء لا يرتضيهم الله، فهم يقولون: مَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ؛ يعني: ما لنا أحد يشفع إطلاقًا، لا من الأنبياء ولا من غيرهم؛ لأن من شرط الشفاعة أن يرضى الله تبارك وتعالى عن المشفوع له وعن الشافع. يرضى عن الشافع؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، نعم، إذا كان لا بد من رضا الله عن المشفوع له فعنِ الشافع من باب أولى.
وإما الإذن فهو شرط أيضًا، حتى مع رضا الله عن هذا وهذا لا بد أيضًا من الإذن، والله تبارك وتعالى لا يأذن بالشفاعة إلا لمن يرضاه، فصار لا بد من الشرطين، لا يقال مثلًا: إنه إذا ارتضى شخصًا لا بد أن يأذن له، قد يأذن، وقد لا يأذن، ولكن نعلم أنه لم يأذن إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ. وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍهذه معطوفة على شَافِعِينَباعتبار اللفظ، لو عطف عليها باعتبار المحل لكانت (ولا صديقٌ)؛ لأن شَافِعِينَفي محل مبتدأ.
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍالصديق من صدَقَك الود؛ يعني: الصاحب الصادق في وُدِّه يسمونه صديقًا، وهو أخص من الصاحب، فكل صديق صاحب، وليس كل صاحب صديقًا.
وأما الحميم فإنه القريب، أو أنه يبالغ في الصداقة بحيث يحنو عليك، ثم يحنو القريب. والمؤلف يقول: (أي: يهمه أمرنا)؛ لأن الصديق الحميم الحاني العاطف أو القريب يهمه أمر صاحبه كصديقه.
فهل هذه الصفة (حميم) صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ كاشفة، إذا قلنا: ما من صديقٍ إلا وهو حميم، فهي صفة كاشفة، وإذا قلنا: قد يكون صديقًا لكنه ليس بحميم، فهذه الصفة مقيدة بشرط أن نجعل الحميم هنا بمعنى القريب؛ لأنه قد يكون صديقًا وليس قريبًا، فإذا جعلنا الحميم بمعنى الحاني الذي يكون كالقريب لحنوه وعطفه، فهي صفة كاشفة. لكن إذا قلنا: (حميم) قريب صارت مقيدة؛ لأن ما كل صديقٍ يكون قريبًا.
طالب: (...).
الشيخ: لا، كيف؟ يعني إذا قلنا: (ولا صديق حميم) صار هذان وصفين؛ الصداقة والقرابة، ولَّا لا؟ إذن صفة القرابة ما معناها صفة الصداقة، يكون صديق وغير قريب ما فيه مانع.
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: (...) يوم القيامة لكن ما تنفعه القرابة ولا الصداقة.
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً(رجعة إلى الدنيافَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(لو) للتمني؛ يعني: ليس لنا كرَّة؛ يعني رجعة إلى الدنيا، فَنَكُونَالفاء للسببية، (نكون) منصوبة بـ(أن) مضمرة بعد فاء السببية لتقدم التمني، ولهذا يقول: (لو هنا للتمني، و(نكون) جوابه).
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً؛ يعني: ليت أن لنا كرَّةً، فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَولم يقولوا: (ليت) لأن المقام مقام تذلل وخضوع، و(لو) في التمني أقل من (ليت)؛ لأن (ليت) صريحة في الطلب، و(لو) فيها نوع من اللين والعرض؛ مثلما تقول للإنسان الذي تمنى أن يزورك: لو أنك تزورني، فإن (لو) هذه للتمني بلا شك، لكنها تَمَنٍّ فيه لين وعرض ولطف، والمقام هنا يقتضيه؛ لأنهم في مقام ذلٍّ -والعياذ بالله- وخضوع، فلم يقولوا: ليتنا نرجع، ولكنهم يقولون: لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، على أنهم في سورة الأنعام يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧].
فيقال: الجمع بينهما أن لهم حالات أحيانًا يقولون بهذا، وأحيانًا يقولون بهذا. لكن أيهم الأول (ليت) أو (لو)؟ الظاهر (ليت) هي الأولى؛ يعني كأنهم يكونون بالأول بعزم على التمني، ثم إذا لم يحصل لهم رجعوا إلى الخضوع والعرض.
لو أنهم رُدُّوا هل يرجعون؟ يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨]، هذا الخبر الصادق؛ يعني ليس قولهم: إننا إذا رجعنا نكون من المؤمنين، هذا خبر كاذب الخبر الصادق وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَفي قولهم: إننا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
طالب: في نفس المقام (...) فعل الله لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا؟
الشيخ: لا، الظاهر أنها فعل الله يمكن (...) تلك الساعة يقولونها صدقًا، ولكن الله أخبر بأنهم إذا رجعوا سيعودون إلى الكفر.
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أي: من المصدقين (...) الملتزمين بالعمل؛ لأن الإيمان وحده لا ينفع إذا لم يستلزم العمل فليس بإيمان، ولهذا نقول: الكفار الذين (...) مؤمنون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤]، لكن لكونهم لا ينقادون لم ينتفعوا بإيمانهم. إبليس مؤمن ولَّا لا؟
طلبة: مؤمن.
الشيخ: بمعنى التصديق مؤمن، لكنه مستكبر، فلم ينفعه إيمانه. وأذكر أنه حينما صعد أول رجل إلى الفضاء من روسيا وشاهد الكون أعلن بأن هذا الكون له مدبر، فجاء أصحابه..