تفسير سورة الشعراء - 6
عدد الزيارات 1888

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (106-107)
تفسير الآية (108)
تفسير الآية (109)
تفسير الآية (110)
تفسير الآية (111)
تفسير الآيتين (112-113)
تفسير الآية (114)
تفسير الآية (115)
تفسير الآيات (116-118)
تفسير الآية (119)
تفسير الآية (120)
تفسير الآيتين (121-122)
تفسير الآيتين (123-124)
تفسير الآيات (125-128)

أبدًا، يكون أشد من غيره، إذا تبين له الأمر، الآن تبين له الآن (...).
طالب: (...).
الشيخ: (...) حتى (...) منه.
طالب: إذا قلنا مثلًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد، على هذا مثلًا نخرِج كل مثلًا من قال بلسانه أو اعتقد بقلبه كإبليس وفرعون.
الشيخ: إذا لم ينقد نعم، إذا لم ينقد فإنه ليس بمؤمن، معلوم.
ولهذا قلنا: إن الإيمان هو التصديق المستلزِم للقبول والانقياد؛ قبول الخبر والانقياد للأمر (...)، هذا الإيمان، وأما مجرد الإنسان يقول: أنا مؤمن بالله وأنا أعترف بأن الله موجود وأن له رسلًا، لكنه ما يعمل، ما ينفعه هذا الإيمان.
طالب: هو أصله ما يحصل بالنفس.
الشيخ: هو إيمان لأن الإيمان الذي ينفع هو ما ذكرت، أما الإيمان فهو يطلق على مجرد التصديق. (...) هذا مؤمن بشيء لكنه كافر بأشياء، إنما الإيمان الشرعي نعم ينفع نقول: هذا ليس بمؤمن يعني إيمانًا شرعيًّا، أما لغةً فهو مؤمن.
طالب: فضيلة الشيخ، كل من كان مستكبِرًا فهو أشر.
الشيخ: (...) لأن الذي يتبين له الحق وهو يستكبر عنه يكون كفره كفر عناد، واللي ما يعرف الحق وهو الآن يعمل بعمل أهل الكفر فهذه كفره كفر جحد.
فالنصارى الآن في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته، يعتبرون ضالين، وبعد أن بُعث وتبين لهم الحق يكونون مغضوبًا عليهم؛ إذ لا فرق بينهم وبين اليهود، كل منهم بُشر بمحمد عليه الصلاة والسلام. والله تعالى يقول في وصف الرسول: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] معروف، وكفرهما على حد سواء، ولهذا ما يصح أن نقول: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: ٨٢]، هذه ما تنطبق على زماننا هذا، ولا على ما قبله بأزمنة؛ لأن الله بيَّن: ذَلِكَالعلة ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٢- ٨٣] الآن منهم الصدِّيقون والرُّهبان مستكبرون عن الحق، داعون إلى الضلال والعياذ بالله، فلا يمكن أن ينطبق عليهم هذا الوصف، وعداوتُهم الآن للمسلمين وللذين آمنوا أيضًا خاصة، للذين آمنوا، لا للمسلمين فقط، عداوتهم ظاهرة، وهم لا ينسون أبدًا غزوات المؤمنين لهم في عُقر دارهم، ولا ينسون أبدًا الحروب الصليبية، ولا ينسون الافتتاح العظيم الذي حصل بديار أهلهم، فإن بلاد الروم كلها أُخذت، والروم كلهم نصارى، أخذت على أيدي المسلمين.
يقول الله تعالى: ({إنَّ فِي ذَلِكَ } المذكور من قصة إبراهيم وقومه {لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: ١٠٣-١٠٤]) هذه سبق الكلام عليها، لكن يجب علينا أن نعرف أن الله تعالى إذا قال عن شيء: إن فيه آية يجب ألا نأخذه مأخذ الظاهر فقط، فلنتأمل ويش هالآيات هذي.
وقوله: فِي ذَلِكَ لَآيَةًهل المراد في جملة القصة، أو في كل قطعة من القصة؟ الإشارة إلى المجموع بلا شك، ففي كل قطعة منها آية، وفي اجتماع هذه القطع بعضها إلى بعض أيضًا آية، فتكون الآية موزعة على كل قطعة، وتكون الآية أيضًا اجتماع هذه الأشياء جميعًا يكون فيه آية.
إنما المهم أن الله تعالى إذا قال لك: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةًيجب عليك أن تتأمل وتتفكر وتعتبر؛ لتُظهِر هذه الآية.
وقوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَسبق أن الضمير في قوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْالراجح أنه يعود إلى من كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَهذه حجازية ولَّا تميمية؟
طالب: هذه حجازية.
طالب آخر: هذه حجازية لكن (...).
الشيخ: هذا الصواب، ولهذا بعض الطلبة يتوهم أن (ما) هي التي عملت، والصواب أن اللي عمل (كان)؛ لأنك إذا جعلتَ (ما) هي العاملة جعلت (كان) زائدةً. والأصل عدم الزيادة، (...) هو نفي للكون وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَيعني لم يكن أكثرهم من ضمننا.
ثم قال الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] المؤلف يبغي يذكر جوابًا على تأنيث الفعل مع أن الفاعل مذكر.
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَأولًا نوح عليه الصلاة والسلام هو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، أول رسول بُعِث إلى أهل الأرض هو نوح عليه الصلاة والسلام. وآدم أول نبي نُبِّئَ، فإنه كان نبيًّا بلا شك، ونوح أول رسول. وإنما كان آدم نبيًّا للضرورة؛ لأنه لا بد أن يتعبد لله، ولا عبادة لله إلا بما شرع، ولا شرع إلا بوحي، لكنه لم يرسَل؛ لعدم دعاء الحاجة إلى ذلك؛ إذ الناس كانوا متفقين، فلما اختلفوا بعث الله الرسل؛ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة: ٢١٣] وفي قراءة ابن عباس: {فاختلفوا} وهذه جملة لا داعي لها؛ لأنها مفهومة من قوله: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣].
فعلى كل حال في عهد آدم ما حاجة إلى الرسالة، إنما النبوة فقط، وهو يتعبد لله وأبناؤه، بل أولاده يتبعونه في ذلك على وجه الاتفاق بينهم، ولما كثُرت الأمة وانتشرت في الأرض اختلفت، فصارت الحاجة داعية بل الضرورة داعية إلى إرسال الرسل، فبعث الله تعالى نوحًا، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، وكما هو صحيح صريح في حديث الشفاعة أنهم يذهبون إلى نوح فيقولون له من جملة ما يتوسلون به إليه: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، لكن إذا قلنا: إنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فهل نقول: إنه أُرسِل إلى الناس كافة؟
فيحتاج حينئذ إلى أن نجمع بينه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» .
طالب: (...).
الشيخ: هم يقولون: أول رسول، الأولية ما تصدق إلا بالانفراد، ولَّا لا؟
طالب: بلا.
الشيخ: لأنه لو شاركه غيرُه ما كان هو الأول، كان هو وغيره هو الأول.
فقد يقول قائل: لعل أحدًا بُعث في زمنه، بُعث في حياته لكن في غير مكانه. وقد نقول بظاهر الأول وأنه إنما بُعث إلى الناس لأن الناس كانوا في ذلك الوقت أمة واحدة قليلين لم ينتشروا كثيرًا في الأرض، فكان هؤلاء الناس بمنزلة القوم في الرسل الذين بعدهم.
وعلى هذا الطريق نَسلَم من الإشكال الآخر، وهو أن الله تعالى أغرق جميع أهل الأرض في عهد نوح إلا من آمن معه؛ إذ يقال: كيف يغرقون ولم يُبعَث إليهم رسول؟! فلولا أن نوحًا كان رسولًا إليهم ما أُغرقوا جميعًا.
وإن كان من الجائز أن يُقال: لعله أيضًا الذين بُعث إليهم في زمنه كذبوا رسلهم، لكن ظاهر الآيات أن الذين غرقوا إنما غرقوا بسؤال نوح.
على كل حال هذا إشكال دائر بين العلماء من قديم، وقد أجابوا على ذلك بأن نوحًا عليه الصلاة والسلام كانت رسالته إلى الناس كافةً في ذلك الوقت عرَضًا لا أصلًا. وفرق بين من يأتي إلى أمم مختلفة أُرسل إلى كل أمة رسول، ثم يقال لهؤلاء الأمم كلهم: يجب أن تتبعوا هذا الرسول لتكونوا أمةً واحدةً، وبين من لم يُبعَث إلا في قومه فقط؛ في أمة واحدة فقط؛ فإن كونه مبعوثًا إليهم جميعًا على سبيل الاتفاق والعرَض، لا على سبيل القصد. وبهذا تظهر الميزة بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين نوح عليه الصلاة والسلام، ونسلَم من الإشكال، فنقول: نوح أُرسِل إلى قومه، وليس هناك أمم مختلفة يجب أن يتوحدوا على رسول كما كان في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وكونه مرسَلًا إلى جميع الناس في ذلك الوقت ليس من باب القصد، بل هو من باب الاتفاق والعرَض، يعني أنه اتفق أن الناس كلهم انحصروا في قوم نوح. فهنا ما قُصِد من رسالته أن تكون شاملة لجميع الأمم، بخلاف رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قُصد أن تكون شاملة، وأن يتوحد اليهود والنصارى والمجوس والوثنيون كلهم يتوحدون في أمة واحدة؛ لفرقٍ بين العمومين؛ العموم القصدي والعموم الاتفاقي العرَضي.
هذا نوح يقول الله: إن قومه كذبوا المرسلين، ونحن نعلم أنهم ما كذبوا إلا رسولًا واحدًا، ولَّا لا؟ ليس قبله أحد حتى نقول: كذبوا هذا وهذا، يقول المؤلف في الجواب عن هذا: (بتكذيبهم له لاشتراكهم) أي المرسلين (في المجيء بالتوحيد) إذا اشتركوا كلهم في المجيء بتوحيد الله عز وجل والقيام في طاعته صاروا جنسًا واحدًا، وتكذيب واحد من الجنس تكذيب للجميع؛ إذ إنهم لم يكذبوا نوحًا لأنه اسمه نوح، لكن كذبوا نوحًا لأنه جاء وقال: إنه من رب العالمين. وعلى هذا فإذا جاء هود كذبوه ولَّا لا؟
طالب: بلا كذبوه.
الشيخ: بلا؛ إذ لا فرق. إذا جاء صالح كذبوه، إذا جاء موسى كذبوه، إذا جاء محمد كذبوه، لماذا؟ لأنهم كذبوه للجنس لا للشخص؛ لأنه أتى بما يخالف ما هم عليه، فكذبوه لذلك، فيكونون مكذبين لجميع الرسل.
ولهذا الآن نقول للنصارى الذين يدعون أنهم مؤمنون بعيسى عليه الصلاة والسلام: إنكم كافرون به مكذبون له، لماذا؟ لأنهم كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، لا سيما وأن رسولهم صلى الله عليه وسلم عيسى بشرهم به وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، وهل يبشرهم بمن ليس لهم؟ لا يبشرهم بمن ليس لهم، أرأيت لو أن مولودًا لفلان وُلد، هل أجيء إليك وأقول: أبشر بمولود فلان؛ إذا كان ما بينك وبينه ارتباط؟ لو أن إنسانًا قدِم ليوزع جوائز على آل فلان، هل أبشرك بقدومه؟ أبدًا، ولو بشرت به لَعُدَّ سَفَهًا. إذن لم يبشرهم عيسى إلا لأنه رسول إليهم، ولهذا قال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُيعني عينه بالاسم حتى لا يبقى فيه إشكال فيما بعد، ولكن -والعياذ بالله- هم كفروا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليكونوا من الكافرين بعيسى بن مريم.
واليهود كذلك كفرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام كفر بموسى وبالتوراة التي وُجد فيها رسولُ الله مكتوبًا عندهم يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] مثلما أن الإنسان يعرف ابنه؛ هم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم بوصفه، ولكنه الاستكبار والعياذ بالله.
طالب: اسْمُهُ أَحْمَدُمن قَبيل العَلَمية ولا من قبيل الوصف؟
الشيخ: لا من قبيل العلمية؛ لأن الرسول سمى نفسه أحمد في غير حديث. من قبيل العلمية.
طالب: شيخ بالنسبة لآدم نقول: إنه نبي وليس برسول، يعني لأنه نُبِّئَ بالشرع فهو يتعبد به؟
الشيخ: يتعبد به ولم يختلف عليه أحد.
الطالب: طيب أولاده كيف وصلت إليهم (...)؟
الشيخ: رأوه يفعل ففعلوا؛ لأن عادة أن الإنسان يقلد من هو أكبر منه، وليس هناك موانع وفوارق تمنعهم وتفرقهم عن تقليده.
الطالب: قد تكون فيه أشياء قولية تحتاج إلى تفسير؟
الشيخ: هو يمكن فهَّمهم، سيفههم، يفههم من فعله ومن قوله، إذا رأوه يقول ويفعل قالوا وفعلوا مثله.
الطالب: إذن صار مرسلًا.
الشيخ: لا، المرسَل: المبلَّغ المكلَّف، أما هذا فليس بمكلَّف. ولهذا نقول مثلًا: إن الجن انتفعوا برسالة موسى، ولَّا لا؟ والمعروف عند أهل العلم أنه لم يصل إليهم، وأنه ما أُرسل إلى أحد من الجن إلا محمد صلى الله عليه وسلم، (...) يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [الأحقاف: ٣٠] وهذا يدل على أنهم كانوا منتفعين بكتاب موسى.
طالب: أهل العلم أيش دليلهم على أن الرسل السابقين لم (...) ما دام الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]؟
الشيخ: يقولون: إن النبي يُبعث إلى قومه، وقومه: قبيلته ومن يتصل بهم، والجنُّ ليسوا من جنسه حتى يكونوا من قومه.
طالب: (...).
الشيخ: صحيح، هذه ما تدل على عموم الرسالة إلى الجن؛ لأن الجن ليسوا من الناس، لكن في كون الرسول عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويواعدهم، ويتلو عليهم القرآن، ويخبرهم بما فيه يدل على أنه مرسَل إليهم.
طالب: (...) يعني ما فيها نفي (...) أرسل (...).
الشيخ: لا، (...) يرسل إلى قومه، والجن ليسوا منهم.
الطالب: الجن الذين يعيشون عند القدوم؟
الشيخ: لا، أوافق (...) من الإنس والجن، حتى لو قال: من الجن لكان في النفس منها شيء؛ لأن الجن ليسوا من قومه.
الطالب: وإنما يعيشون عند القوم.
الشيخ: ولو عاشوا، لو عاشوا عند قوم ما صاروا منهم.
الطالب: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] (...) يعبدون (...) بالهوى، إلا بشرع.
الشيخ: يبقى عندنا (بشرع)، كلمة (بشرع)، هم يتعبدون لله بشرع (...) لكن هل منهم رسل أو ليس منهم رسل؟ هذه المسألة أيضًا موضع نزاع بين العلماء؛ منهم من قال: منهم رسل؛ لقوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ [الأنعام: ١٣٠] رُسُلٌ مِنْكُمْوالرسول لا بد أن يكون من جنس مَن أُرسِل إليه؛ لقوله: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام: ٩]، ولا يمكن أن يُرسَل إلى الجن بشر.
ومنهم من قال: إن قوله: مِنْكُمْيعود إلى المخاطَبين باعتبارهم مجموعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِيخاطب اثنين، والضمير في مِنْكُمْيعود إلى أحد الاثنين.
مثلما قالوا على زعمهم: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ١٩ - ٢٢] وزعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المالح، وإن كان الصواب أنه يخرج منهما جميعًا، لكن على كل حال عود الضمير على واحد من المجموع إذا فُقد الجميع سائغ لغةً.
وبعضهم يقول: إن المراد بالرسل هنا النُّذُر، فسُمُّوا رُسُلًا لمشابهتم لهم، والنذر لا شك أنهم يأتون إلى الجن كما يأتون إلى الإنس.
طالب: شيخ، (...) الراجح (...).
الشيخ: الراجح أنه ليس منهم رسول؛ لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف: ١٠٩]، والجن لا يُسَمَّونَ رجالًا.
طالب: ثبت في الحديث أن أحد ابني آدم قتل (...) فهذا يدل على (...).
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أن العدوان لا بد منه، يعني هذه (...) ولكن هذا لا يلزم منه أن يستكبر عن عبادة الله (...) ألا يصلي، ألا يصوم، ألا يتعبد، مثلما (...) العدوان من كثير من العُبَّاد.
طالب: (...).
الشيخ: لا (...)، لكن الأنبياء؛ لأن النبي غير الرسول، النبي من أُوحي إليه.
الطالب: (...) لأن لم يوح إلى (...).
الشيخ: كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ [النساء: ١٦٣] يعني معه لأن الوحي الذي يُشَبَّه بوحي محمد عليه الصلاة والسلام هو من نوح فما دونه. الوحي المشَبَّه بوحي الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو ما كان لنوح ومن بعده؛ ليش؟ لأنه وحي مقرون بالإنسان.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) هو بالأصل، الأصل هو (...).
الطالب: (...).
الشيخ: لا، لكن آدم عليه الصلاة والسلام ما هو كما أوحى الله إلى محمد عليه الصلاة والسلام. هو وحي خاص فقط غير مكلَّف بتبليغه.
طالب: (...) مخبِرًا أنه سوف (...)؟
الشيخ: إذا قال: إنه غير مقصِّر انتهينا، قال مستكبرًا.
الطالب: (...).
الشيخ: إذا صار عامةً نقول: لا، إن الله تعالى بشركم أيها النصارى على لسان عيسى نبيكم بمحمد.
الطالب: (...).
الشيخ: نقول: إذا كنت لا تعتقد إلا أنه مخبِر بأنه سوف يُبعَث رسول فإن هذا من ضلال قومه الذين أضلوه، وإلا ما فيه شك، ما عندنا شك أن عيسى بشر بمحمد عليه الصلاة والسلام، بشرهم (...) البشارة.
طالب: ابن القيم (...).
الشيخ: ما هو فيه شك، من كذب أي رسول فهو منكر لله، أو واصف الله بما لا يستحق؛ لأن الله تعالى يؤيد الرسول بالآيات، فإذا كان ثابتًا لزم أن يكون الله تعالى غير موجود أو أنه تعالى والعياذ بالله خائن أو ما أشبه ذلك.

***

قال الله تعالى فيما سبق من الفوائد:
أولًا: انتفاء الشفاعة عن المكذبين للرسل، أنه لا يُشفَع لهم. منين تؤخذ؟
طالب: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠].
الشيخ: من قوله: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ.
وفيها أيضًا من الفوائد: سب هؤلاء بعضهم بعضًا.
طالب: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء: ٩٧ - ٩٩].
الشيخ: فإن هذا قدح فيهم؛ من جهة أنهم أضلوهم، ومن جهة أنهم مجرمون.
وفيه دليل على انتفاء التشبيه عن الله.
طالب: قولهم: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
الشيخ: إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٩٧، ٩٨].
وهذا التشبيه (...) تشبيه الخالق بالمخلوق أو المخلوق بالخالق؟
الطالب: تشبيه المخلوق بالخالق.
الشيخ: المخلوق بالخالق، إي نعم.
ويستفاد من هذا الحديث: إثبات الشفاعة للمؤمنين.
طالب: من قوله: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء: ١٠٠] نفوا أن يكونوا شافعين (...).
الشيخ: إي، كأنهم رأوا أن المؤمنين يشفعون بعضهم لبعض قالوا: نحن ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
وفيه دليل على الندم البالغ الذي يصيب هؤلاء في ذلك اليوم.
طالب: من قوله (...) لو رجع إلى الدنيا.
الشيخ: لو رجعنا إلى الدنيا فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٠٢]. هذا التمني هل هو صحيح؛ لو رجعوا لكانوا مؤمنين؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: لأن الله تعالى قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨].
الشيخ: قال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
طيب نوح عليه الصلاة والسلام من هو؟
طالب: هو أول رسل الله؟
الشيخ: أول رسول أرسله الله.
الطالب: أول رسول أرسله الله إلى الأرض.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] فكونه أوحى إلى نوح (...).
الشيخ: (...) الدلالة من الآية؟
الطالب: كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍكما أنه أوحي إليك ورسول إلى هؤلاء فإن نوحًا قد أُرسل من قبل.
الشيخ: ما يلزم من كونه قبل الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون أول الرسل.
الطالب: كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ.
الشيخ: وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِنعم هذا.
الطالب: يدل على أنه قبلهم.
الشيخ: وأيضًا في حديث الشفاعة: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض صريح. كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] مع أنه أول الرسل؟
طالب: أن رسالة الأنبياء واحدة، فمكذبو نوح عليه السلام لم يكذبوه لشخصه أو لأن اسمه نوح، ولكن كذبوه لأن ما جاء به هو التوحيد، فلو جاء كل نبي بالتوحيد لكذبوه، فهم مكذبون بالمرسلين. أو أنه لطول مكثه عليه السلام في قومه مئة سنة إلا خمسين عامًا كأنه رسل.
الشيخ: نعم، طيب.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التكذيب بالحق من شخص تكذيب به من جميع الأشخاص.
طالب: قوله: الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥].
الشيخ: الْمُرْسَلِينَمع أنه ما كذبه إلا واحد، لكن في الحقيقة هم كذبوا الحق، سواء جاء به نوح أو غيره، ولهذا صاروا مكذِّبين لجميع الرسل.
وفيه دليل على أن نوحًا أُرسل إلى جميع الناس.
طالب: لأن قوم نوح هم أول الناس.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما يكفي هذا.
طالب: لقوله تعالى: قَوْمُ نُوحٍ [الشعراء: ١٠٥]، ولم يقل: أخوهم.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
طالب: (...) أخوهم.
الشيخ: كتير قال: أخوهم، كل (...) أخوهم إلا شعيبًا.
طالب: (...).
الشيخ: فيه دليل على أن نوحًا بُعث إلى جميع الناس.
طالب: (...).
الشيخ: ما (...) وجه الدلالة من هذا، أنا أقول هكذا فما وجه الدلالة؟
طالب: قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] فهم قد كذبوا عامة المرسلين، فيدل على أنهم جمع للمرسلين (...).
الشيخ: لا.
ما دمنا قلنا: إنه أول الرسل، أول رسول ومرسل إلى قومه، يعني ما فيه أحد غيره، لو كان ثمة رسول لشاركه في الأولية.
طالب: (...).
الشيخ: قررنا أن نوحًا .. المشكلة في نوح فسرناها بأنه الرسول الذي بعثه الله تعالى أول ما بعث من الرسل.
طالب: قد يقول قائل: نعم كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] القوم الذين بُعث فيهم لوحدهم، وفيه أقوام ما أُرسل إليهم.
الشيخ: ما يمكن، ولهذا إحنا قلنا أمس، قلنا: يحتمل أن الله بعث رسلًا آخرين بعد بعثة نوح في زمنه إلى قوم آخرين، فلا يكون مرسَلًا إلى جميع الناس، لكن على كل حال ما دام أول لحظة بُعث إلى هؤلاء يكون ما فيه رسول غيره.
وقد قلنا: إن هذا لا ينافي عموم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في ذلك الوقت ما فيه إلا قومه وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧]. وهذا أمر ليس قصدًا وإنما هو باتفاق، وقع اتفاقًا.
ومعنى وقع اتفاقًا أن الله تعالى لما أرسله لم يكن في الأرض سوى قومه. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإن الأقوام كثيرون: بنو إسرائيل والعرب والأجناس الأخرى، ومع ذلك فهو مبعوث إليهم جميعًا.
تفسير الآيتين (106-107)
00:32:58

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}
[الشعرا: ١٠٦] (اللهأَلَا تَتَّقُونَ، (ألا) هذه في الأصل تكون للعرْض، وهو الطلب برفق، كما في قوله تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧] ولكن المراد به هنا التحضيض، وهو الطلب بحث وإزعاج يعني أنه يحضهم على أن يتقوا الله عز وجل؛ يتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم بيَّن لهم أنه إنما قام بهذه الموعظة لأنه رسول أمين: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء: ١٠٧]: إِنِّي لَكُمْيعني: لا لغيركم، الخطاب لقومه.
وفي قوله: لَكُمْولم يقل: إني رسول حض لهم على قبوله؛ لأنه إذا كان رسولًا مطلقًا قد يقولون: إنك لم ترسل إلينا، فإذا قال: (لكم) تعيَّن. ثم إنه إذا قال: (لكم) يشعرهم بأن الله تعالى قد اعتنى بهم، حيث بعث إليهم هذا الرسول، فيكون فيه هنا حمل على أن يقبلوا رسالته.
وقوله: رَسُولٌأي: من الله، وهذا معروف من سياق الآيات التي معنا ومن غيرها من الآيات الأخرى.
وقوله: أَمِينٌالأمين هو من كان محل أمانة، والرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم محل أمانة لرسالتهم؛ كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله: (على تبليغ ما أرسلت به) واضح، يعني: من الذي ائتمنه على ذلك؟ الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا رَسُولٌ أَمِينٌإظهار لوصف خاص المناسب للمقام -وهو الرسالة- بأمانة لا خيانة فيها، لا بزيادة ولا بنقص.
وقد يقول قائل: أي فائدة لوصفه نفسه بأنه رسول أمين، وهو يخاطب قومًا قد أنكروه، فإذا كانوا قد أنكروا رسالته فبالأولى ينكرون أمانته؟
فالجواب: أنه لم يتركهم هملًا، لم يدَّعِ أنه رسول أمين فقط، ولكنه جاءهم بآيات، ما من رسول بعثه الله إلا أعطاه ما على مثله يؤمن البشر ؛ لأن الله سبحانه وتعالى عليم حكيم، لا يمكن أن يرسل أحدًا إلى أقوام فيسفه أحلامهم ويفسد أديانهم إلا ومعه من الآيات ما يؤمنون على مثله لو لم يستكبروا.
تفسير الآية (108)
00:36:27

{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}
[الشعراء: ١٠٨] هذا معنى مكرر مع ما قبله، لكنه في الأسلوب أشد من الأول؛ الأول حض بصفة العرض: أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء: ١٠٦] وهنا أمر: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وفي هذا دليل على قوة جانب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بحيث توصلوا إلى أن يأمروا أقوامهم، مع أنهم يتحدثون من مصدر القوة ولَّا من مصدر الملتمِس؟
في الواقع من مصدر الملتمِس، لكن هم بأنفسهم أعزاء، يعرفون أنهم يتكلمون من مصدر القوة، أما هم بالنسبة لأقوامهم فإن أقوامهم مستكبرون عنهم، ليسوا مبالين بهم.
({فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به) إذا اتقوا الله وأطاعوا رسوله فقد حققوا شهادة أن لا إله إلا الله وأن هذا رسول الله، وهو أمرهم بهذا، ولا يتم الإسلام في أي زمان أو مكان إلا بذلك، إلا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن هذا رسول الله. بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام نقول ونعين: وأن محمدًا رسول الله.
({فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته). وفي أمرهم بهذا إشارة إلى أنه أُرسل بذلك، أرسل بأن يأمرهم بتقوى الله؛ لأنه قال: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُواوالفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها، يعني: فهذه الرسالة التي أُرسلتُ بها تتضمن التقوى وطاعة الرسول؛ لأن طاعة الرسول طاعة للمرسِل.
تفسير الآية (109)
00:38:36

{وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ}
أي: على تبليغ الرسالة.
مِنْ أَجْرٍ(من) مؤكِّدة، و(أجر) اسم منصوب على أنه مفعول ثان لـ(أسألكم)، لكنه بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وأتت (من) هنا في سياق النفي داخلة على نكرة للتنصيص على العموم، يعني: من أجر قليل أو كثير.
والمراد بالأجر هنا أي أجر؟ أجر الدنيا، وهو المعاوضة، يعني: ما قلت لكم: أعطوني أجرًا، لو أمرتكم بهذا لقيل: هذا رجل يريد أن يستجدي بما يدعيه من الرسالة.
نعم فيه أناس الآن يتكلمون في المساجد ويعظون الناس ويوجهونهم، فإذا انتهَوا مدوا أيديَهم: أعطوني، هذه حالهم خلاف حال الرسل، ولهذا تجد الناس لو كانوا قد تأثروا بموعظتهم الأولى إذا مدوا أيديهم بعد أن وعظوا ذهب كل ما كان في نفوسهم من هذا التأثر؛ لأن الإنسان إذا طلب الدنيا بما يُراد به الآخرة فسد أمره: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود: ١٥، ١٦].
ويستفاد من هذا أن من طلب العلم الذي جاءت به الرسل لينال به أمرًا من الدنيا فليست طريقه طريق الرسل؛ لأن الرسل إنما يأمرون الناس وينهونهم لما يرجونه من ثواب الله، لا لما ينالونه من الأجر.
ففي هذا دليل على وجوب تصحيح النية لمن قام مقام الرسل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول: إِنْ أَجْرِيَ [الشعراء: ١٠٩] (إِنْما) ما وجه هذا؟ (ما) تفسير لـ(إن)، يعني يقول المؤلف: إنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
({أَجْرِيَ} أي: ثوابي {إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: ١٠٩])
(أجري) ويش محلها من الإعراب؟
طالب: ما أجري إلا على الله.
الشيخ: (...) إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَوهو الله سبحانه وتعالى، يعني ليس أجري عليكم ولا على غيركم من الخلق، وإنما هو على رب العالمين، وفي هذا إخلاص المرء لله عز وجل، وأنه لا يريد ثوابًا من أحد ولا منالًا إلا من الله.
وفيه أيضًا دليل على أن عمل الإنسان لينال الثواب ليس أمرًا ممقوتًا، بل هو طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَأي: مالكهم المدبر لهم بما يشاء. وأصل الرب: المتصرِّف في الشيء، ومنه سُمي رب البيت، ورب البهيمة، ورب كذا، ويُطلَق بمعنى صاحب، كقوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ [الصافات: ١٨٠] يعني: صاحب العزة. ولا يمكن أن تكون الرب هنا مثل الرب في قوله: رَبِّكَ؛ لأن العزة من صفات الله ولا تكون مخلوقة.
هنا رَبِّ الْعَالَمِينَأي: خالقهم ومالكهم والمدبر فيهم بما يشاء، و(العالمين) سبق أن معناها: كل ما سوى الله.
تفسير الآية (110)
00:43:15

({فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: ١١٠] كرره تأكيدًا) أو تأسيسًا؟ في الحقيقة أنه تأسيس؛ لأنه بناه على قوله: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٠٩]، يعني: فإذا انتفى ذلك فاتقوا الله وأطيعوه، فيكون هذا تأسيسًا لا يستفاد المعنى المقصود منه لو حُذف، والفرق بين التأكيد والتأسيس أن التأكيد لو حذف لاستفيد المعنى مما بقي دون التأسيس، يعني أن المؤكد لا يستفاد منه سوى التأكيد، لا يحمل معنًى جديدًا، أما هذا فيحمل معنى جديدًا، وهو أهه وعلى أنني لا أريد الأجر وإنما ألتمس الثواب من الله فيجب عليكم أن تتقوا الله وتطيعوني.
طالب: (...) تعليل (...).
الشيخ: لا؛ لأن انتهى (...) انتهى.

***

تفسير الآية (111)
00:44:28

ثم قال: ({قَالُوا أَنُؤْمِنُ} نصدق {لَكَ} لقولك {وَاتَّبَعَكَ} [الشعراء: ١١١]).
أَنُؤْمِنُ لَكَمجابهة صريحة قبيحة في الواقع؛ لأن الاستفهام هنا للإنكار، وإتيان الاستفهام للإنكار والنفي أبلغ من النفي المجرد، يعني: كيف نؤمن لك؟! ولا يمكن أن نؤمن لك.
وقوله: لَكَما قال: (بك) هل يكون كما قال المؤلف: إن (نؤمن) بمعنى (نصدق)، أو نقول: إن (نؤمن) ضُمِّن معنى (ننقاد)؟ وهو كذلك؛ لأنهم يريدون الاستكبار، لا نفي (...).
على تقدير (قد) يعني: وقد اتبعك الأرذلون، يعني ما يمكن نؤمن لك واتبعك الأرذلون الأنقصون من الخلق.
وقوله: وَاتَّبَعَكَفيها قراءاتان: (وفي قراءة: {وأتباعك} جمع تابع، مبتدأ) و(الأرذلون) خبره على هذه القراءة، وهي فاعل على القراءة الأولى: وَاتَّبَعَكَ.
المعنى أنهم قالوا: لو كان أتباعك الملأ والأشراف لاتبعناك، لكن أتباعك أراذل الناس؛ الفقراء والسوقة واللي ما يقدرون الأمور ولا يعرفونها، أراذلهم من حيث المال على زعمهم، ويمكن أن نقول: ومن حيث الثقافة أيضًا، والجاه والشرف، فهم أرذل الأراذل عندهم.
لكن هل هذا مانع؟ يقال: إنه الآن يُوجَّه الخطاب إليكم أيها الأكملون، فكيف تقولون: ما نؤمن واتبعك الأرذلون؟ الخطاب الآن موجَّه لكم؛ لأنكم لو آمنتم ما احتيج إلى توجيه الخطاب والأمر لكم بتقوى الله وطاعته، ولكنكم معاندون.
هم هنا قالوا: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَعلى سبيل الإطلاق، بدون إضافة إلى أحد. وفي سورة هود قالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود: ٢٧] فكانت العبارة هناك أهون من هذه؛ أولًا: لأنهم أضافوا الأمر إليهم وهنا أطلقوا، وثانيًا: قالوا: بَادِيَ الرَّأْيِيعني: ولعله عند التأمل لا يكون الأراذل هم الأتباع، وهنا أطلقوا ما قالوا: بادي الرأي ولا آخر الرأي.
إما أن تكون هذه الآية قبل تلك أو تلك قبل هذه، أيهما الأنسب؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لكن حمله على حالين أحس من طائفتين.
الطالب: (...) على العموم (...).
الشيخ: يعني يبدو أن هذه الآية هي الأولى، وأنهم بعدما شاهدوا وبعدما رأوا وبعد إلحاح نوح لانوا قليلًا، ويحتمل العكس الحقيقة، والله أعلم، إنما هذا أقرب والله أعلم.
طالب: القرآن نزل على أنه (...).
الشيخ: إذن تكون (...) هي الأولى؛ لأن ما دام عندنا نص ما نعدل إلى التفكير العقلي، إنهم استكبروا بعد ذلك ثم نفوا نفيًا مطلقًا وأتَوا بصيغة التفضيل المطلَق: الْأَرْذَلُونَ.
تفسير الآيتين (112-113)
00:48:59

{قَالَ}
لهم عليه الصلاة والسلام: ({وَمَا عِلْمِي} أي علم لي {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء: ١١٢]) هذه قد يقال في بادئ الأمر: إنه اعتذار منه، يعني كونهم آمنوا وهم على زعمكم الأرذلون، ويش يدريني أنهم الأرذلون، يعني فأنا ما قصدتهم حتى آمنوا لعلم بهم، ولكن هكذا جرت الدعوة واتبعها هؤلاء. هذا ما يتبادر إلى الذهن في أول الأمر، ولكن الظاهر والله أعلم أن نفيه العلم هنا نفي للتبعية، يعني معناه: أي شيء يكون علي وأي شيء يلحقني في عملهم؟ هل يكونون عاملين هم الأراذل على زعمكم، أنا لا يضرني ذلك، (ما علمي) أي: ما حسابي وما تبعتي التي تلحقوني بها فيما كانوا يعملون.
لو قرأت الحاشية عندك:
طالب: مكتوب (...).
الشيخ: طيب يقول.. الآن اتضح المعنى: ما علمي أي علم لي بما كانوا يعملون. هذا على كلام المؤلف، يدعون أنهم إنما تابعوه لينالوا بذلك جاهًا ومالًا فيكونون غير مخلصين في إيمانهم، فيقول: وما علمي فيما كانوا يعملون، أي بما كانوا يعملونه من أعمال القلوب، لا من أعمال الظواهر، ولكن هذا خلاف الظاهر فيما يبدو، بل إن المعنى: إن عملهم هذا ليس عليَّ فيه تبِعة، مهما عملوا، ولو كانوا في زعمكم الأراذل فإن ذلك لا يلحقني بشيء ما دامت رسالتي قائمة وآياتي بينة، فالحجة عليكم قائمة. أما هم حتى وإن كانوا الأراذل عندكم فحسابهم على من؟ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي [الشعراء: ١١٣]. (إن) بمعنى (ما)، (ما {حِسَابُهُمْ}) كما قال المؤلف ({إِلَّا عَلَى رَبِّي} فيجازيهم)، وأما أنا فما عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليَّ أيضًا من حسابكم من شيء.
طالب: (...) المعنى الأول (...) قوة في المعنى (...).
الشيخ: وهي:
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، لكن ما هو بالظاهر؛ لأن حسابهم على ربي حتى لو عملوا هذه الأعمال؛ لأن أعمال البواطن ما يمكن أنهم يقدحون بهم لباطلهم، ولقد (...) ما (...).
فيقول: حسابهم على الله، ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تبليغ الرسالة.
وقوله: لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء: ١١٣] الشعور هنا بمعنى العلم، (ما عبتموهم) يعني ما قدحتم فيهم.
طالب: (ما عبدتموهم).
الشيخ: لا غلط (ما عبتموهم).
يعني لو أنكم تشعرون بالأمر وتعلمونه ما عبتموهم بقولهم: أراذلنا. ولكن عيبهم إياهم في الواقع لأنهم آمنوا بنوح، فهم أراذل عندهم، هم عندهم أراذل؛ لأنهم آمنوا بمن يرون أنه ليس على حق. ومعلوم أن من اتبع من ليس بحق فهو من أراذل الناس؛ معنًى ولا حسًّا؟
معنًى، اللي يتبع من لم تقم عليه البيِّنة فهو من أراذل الناس معنًى، وإن كان فيما بين الناس قد يكون له جاه، ويكون عزيزًا، فالمعنى: لو تشعرون بالأمر على حقيقته لعرفتم أنهم ليسوا بأراذل، وأن حسابهم ليس عليَّ، وأن عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
تفسير الآية (114)
00:53:45

قال: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٤] هذا يشعر بأنه علِم إخلاصهم، وأنهم إنما قالوا: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] تلميحًا لطردهم، ولَّا لا؟
ولا شك أن هذا الذي قالوه كأنهم يقولون: نحن نأنف أن نكون معك؛ ومعك هؤلاء الأرذلون، نكون نحن على اليمين وهم على اليسار، أو هم على اليسار وهم على اليمين، لا بد أن تطردهم لنؤمن، فيقول: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَأكَّد هذا (ما أنا بطارد) الباء هذه للتوكيد، يعني ما يمكِن أطردهم أبدًا؛ لأنني أنا دعوتهم إلى الإيمان فآمنوا، وكان حقهم عليَّ الطرد ولَّا الإكرام؟ الإكرام.
وهذا الذي قاله قوم نوح -وهو أول الرسل- قاله قوم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو آخر الرسل، فقال الله تعالى له: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: ٥٢].
فهذا دأب المكذبين للرسل، ما عندهم شيء يعتمدون عليه سوى التمويه والتضليل وزخارف القول التي لا تنطلي إلا على العميان.
وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ:
وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقرِّب منه كل مؤمن، وأن يختار لنفسه أصلح الأصحاب، كما جاء في السنَّة بالحث عليه؛ على اختيار الجليس الصالح .
وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي موالاة المؤمنين، والقُرب منهم، وأن هذا دأب الأنبياء.
وفيه أيضًا الصبر على ما يجد من المؤمن من الجفاء ومن دناءة المهنة وغير ذلك.
وفيه أيضًا التواضع للمؤمنين وعدم إزعاجهم، ولو كانوا من كانوا فيما بين الناس؛ الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق جاهًا عند الله وأعظمهم منزلةً عاتبه الله تعالى في رجل أعمى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس: ١ - ٤].
تفسير الآية (115)
00:56:50

{إِنْ أَنَا}
({إِنْ} ما {إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}) [الشعراء: ١١٥] قوله: نَذِيرٌسبق معنى النذير هو المخبر بما يخوَّل، يعني الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار.
وقوله: مُبِينٌجعله المؤلف من (أبان) القاصر دون المتعدي، مع أنه يحتمل أنه من (أبان) المتعدي، فتكون بمعنى مُظهِر، يعني أني مظهِر لِما جئت به، فأنا نذير مبيِّن للناس.
تفسير الآيات (116-118)
00:57:37

{قَالُوا}
يعني لما رأوا تصميمه عليه الصلاة والسلام وأنه لن يطرد المؤمنين لقولهم، وأن هؤلاء الأراذل ليس عليهم من حسابهم من شيء، وإنما حسابهم على الله، وهو مؤمنون، لجؤوا إلى القوة فقالوا: ({لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ} عما تقول لنا {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: ١١٦] بالحجارة أو بالشتم).
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِفيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن فيها قسمًا وشرطًا، وكلاهما يحتاج إلى جواب، فأين جواب الشرط؟ وأين جواب القسم؟
طالب: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للمؤخر منهما ويغني جواب المؤخر عن جواب المقدم.
طالب آخر: نقول: (لتكونن) هذه جواب الشرط، وأما جواب القسم فأحيانًا المقسم يستغني عن جواب القسم.
الشيخ: لا هذا خطأ، ابن مالك يقول:
واحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَــــــوَابَ مَـا أَخَّـــــــرْتَ فَهْـــــــــوَ مُلْتَــــــزَمْ

وأيضًا (لتكونن) ما تصح تكون جواب شرط؛ لأن اللام ما يمكن تقترن بجواب الشرط، إنما تقترن بجواب القسم.
فعلى كل حال القاعدة عند أهل العلم بالنحو يقولون: إنه إذا اجتمع شرط وقسم حُذف أيهما؟ جواب المتأخر، فإذا قلت: (إن كنتَ واللهِ ضربتُكَ)، ما تقول: (لَأَضْرِبَنَّكَ)؛ لأن الشرط متقدِّم، ولكن إن قلت: (واللهِ إنْ كنتَ ضَرَبْتُكَ) ما يصح، تقول: (لأضربنك).
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَفأكدوا -والعياذ بالله- ما أرادوا من رجمه بثلاثة مؤكدات: القسم واللام ونون التوكيد. ثم أوغلوا في الوعيد والتهديد حيث قالوا: مِنَ الْمَرْجُومِينَولم يقولوا: (لنرجمنك) كأنهم يقولون: فيه من سبقك فرُجم فنحن نرجمك معهم.
وقوله: بالحجارة أو بالقول؛ أيهما أقرب؟ الحجارة أقرب؛ لأن الرجم بالقول قليل الاستعمال، ثم إن التهديد به من هؤلاء الذين يرون أنهم يتكلمون من مصدر القوة ليس بلائق في المقام، فالصواب أنه: لتكونن من المرجومين بالحجارة. والله أعلم.

***

(...) عليه الصلاة والسلام، وأن الله أخبر أن قومه كذبوا المرسلين، والمؤلف ذكر فيه احتمالين؛ إما لأنهم كذبوا بالتوحيد، وهذا التوحيد جنس لكل ما بُعِثَتْ به الرسلُ، وتكذيب الواحد من الجنس تكذيب للجنس كله، وهذا هو الأصح، أو لأنه طال مُكثه فصار كأنه رسل متعددون. وسبق أيضًا في القصة أنه لاستكبار قومه قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] يعني لسنا مؤمنين لك لأن الذين اتبعوك هم الأرذلون على رأيهم؛ كما قالوا في سورة هود: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود: ٢٧].
وفيه أيضًا أنه قال لهم: وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الشعراء: ١١٢] يعني: أيُّ علم لي بعملهم الذي يعملونه، فأنا ليس لي إلا ظاهر أمرهم وأما باطنهم فإلى الله، وظاهرُ أمرهم أنهم أخيار أبرار، وليسوا أراذل كما يزعم هؤلاء، ولكنهم بعد هذا توعدوه والعياذ بالله بالرجم على سبيل التهديد وإظهار القوة في قولهم: لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: ١١٦] وهو أبلغ من قولهم: (لنرجمنك)؛ لأن فيه تخويفًا، حيث إنه ليس أول من يُرجَم، بل هناك من رُجم قبله.
حينئذ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى فـ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ [الشعراء: ١١٧، ١١٨] هذا الدعاء كما جمع بين أسباب الإجابة الثلاثة، وهي دعاء الله تعالى باسم الربوبية: رَبِّ، وبذكر الحال الداعية المقتضية للدعاء إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ، والثالث: الطلب: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٨].
أولًا: قوله: رَبِّ إِنَّ قَوْمِيالربوبية –كما مر علينا- تنقسم إلى قسمين؛ عامة وخاصة، وهذه من الربوبية الخاصة، بل هي من أخص الربوبيات؛ لأنها ربوبية الله تعالى لرسله.
وفيه أيضًا قوله: إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ، إظهار للأضعف، يعني ما هو أضعف؛ لأنه قوله: إِنَّ قَوْمِيكان مقتضَى الحال أن يكونوا مصدِّقين له لأنهم قومه، ولكنهم -والعياذ بالله- صاروا مكذبين له، فصارت حاله تقتضي رأفة أكثر؛ حيث إن قومه هم الذين كذبوه، ثم إنه يقتضي أن تكون النكاية فيهم أعظم أيضًا؛ لأنهم قومه. فهذه الإضافة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: بيان أنهم مستحقون للرأفة أكثر؛ لأن قومه هم الذين كذبوه.
ثانيا: أن قومه مستحقون للتنكيل بهم أكثر؛ لأنهم قومه؛ وكان عليهم أن يصدقوه ويمنعوه، يعني من أن يؤذى، فكيف يكونون الذين يؤذونه!
وهذا كقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: ١، ٢] ولم يقل: ما ضل النبي أو الرسول، بل قال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْيعني الذي تعرفونه وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، فكيف تنكرون ما جاءكم به من المعراج!
قال: إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِيعني نسبوني إلى الكذب وقالوا: كذَّبه وكذَبه، والفرق بينهما:
طالب: أن كَذَبَهُ أخبره بخلاف الواقع، وكَذَّبَهُ أنه لم يصدِّق ما جاء به.
الشيخ: نسبه إلى الكذب. طيب وكَذَبَهُ: أخبره بالكذب.
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي [الشعراء: ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء.
({فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٦، ٢٧].
وفي هذه الآية إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَيعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟
فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا.
ثم قال: وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا.
وقوله: وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَلبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.
تفسير الآية (119)
01:09:42

قال الله تعالى: فَأَنْجَيْنَاهُ [الشعراء: ١١٩] الفاء للسببية، أي: فبسبب دعائهم أنجيناه، وهي مع إفادتها السببية تفيد أيضًا التعقيب.
قال: فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء: ١١٩] هنا قال: وَمَنْ مَعَهُمع أن دعاءه وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَوكلمة (من معه) أعم، فما هي الحكمة في ذلك؟
طالب: أنه اصطحب معه بعض الحيوانات، وأنه أخذ من كلٍّ زوجين، فهذه لا توصف بالإيمان.
الشيخ: ولعله ما قصدها أيضًا، نوح عليه الصلاة والسلام في دعائه ما كان فيما يظهر يدور في ذهنه أن الله ينجي هذه المخلوقات الأخرى، بل قال: وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
ويشكل على هذا قوله: وَمَنْ مَعَهُمن؟ ولم يقل: (وما معه)؟
طالب: التغليب.
الشيخ: من باب التغليب، ولأنه هو أيضًا إنما دعا لمن معه فكأن الله سبحانه وتعالى غلَّب جانب العقلاء لأنه هو إنما دعا بإنجائهم، فصار هذا أنسب لمطابقة الإجابة للطلب.
وقوله: وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِالفلك الذي بناه أو صنعه نوح في علم الله عز وجل، وقال قال الله تعالى: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣]، وهنا قال: فِي الْفُلْكِ، وهناك قال: ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، وأيها أخصر؟ الفلك أخصر ما فيها شك، أقصر من ذات ألواح ودثر، لكن السورة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] كما هو معروف في فواصل آياتها ومقاطعها وجمل الآيات المناسب لها: (ذات ألواح ودثر)، كما أن فيه فائدة معنوية، وهي بيان مواد هذه السفينة، أنها من الألواح والمسامير؛ ليكون في ذلك دليل على أنها محكَمة ولأجل أن يتعلم صناعة السفن من لم يعرف. والصناعة في ذلك الوقت ما تطورت إلى هذا التطور، فالحاصل أن هذا السبب في أنها هناك ذكرت مبسوطة وهنا ذُكرت (...).
وقوله: ({الْمَشْحُونِ} المملوء من الناس والحيوان والطير) الطير ما هو من الحيوان؟ بلى، لكن عطفه عليه من باب عطف الخاص على العام.
طالب: الطير من الحيوان؟
الشيخ: إي، حتى الإنسان من الحيوان، لكن الإنسان حيوان ناطق كما يقول المناطقة.
كأنه يريد الحيوان ما يمشي على رجلين، والطير ما يطير بجناحين، وإلا لو قال: (والحيوان) لكفى.
وقوله: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِمر علينا كثيرًا أن الفلك اسم جنس يشمل بلفظه الوحد والجمع، يعني هذا اللفظ صالح للجمع والمفرد حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس: ٢٢] وَجَرَيْنَهنا أراد بالفلك الجمع ولَّا المفرد؟
طالب: الجمع.
الشيخ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ [لقمان: ٣١] هذا؟
طالب: جمع.
الشيخ: لا، أراد المفرد. لو كان للجمع لقال: تجرين.
طالب: أراد جنس الفلك.
الشيخ: لا، هو أراد المفرد هنا، اللفظ مفرد الآن، لكن يُراد به الجنس، ما ينفع تقول: الإنسان هو المفرد لكن الجنس، وإلا معنى الكلام على أن الفلك تُطلَق على الجمع والمفرد إطلاقًا واحدًا، ما يتميز أن المراد بها الجمع والمفرد أو (...) المفرد من الجمع إلا بالسياق.
تفسير الآية (120)
01:14:51

قال تعالى: ({ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ} أي بعد إنجائهم {الْبَاقِينَ} [الشعراء: ١٢٠] من قومه) والذين نجَوا كما قال الله تعالى في سورة هود قليل: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠] شوف وابنه -أحد أبنائه- ما نجا؛ لأنه كان كافرًا، وهو قد قال: وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٨] كذا؟ وفي الآية الأخرى أن الله قال له: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [هود: ٤٠] لكن الله استثنى إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ [المؤمنون: ٢٧] ولكنه عليه الصلاة والسلام دعا الله تعالى مشفقًا وراجيًا رحمته فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود: ٤٥]، فقال الله تعالى له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود: ٤٦].
والجواب هنا فيه إشكال، إنما قال: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؛ لأنه كان مقتضى ما سبق أن يقول: إنه ليس من أهلك لأنا استثنينا مثلًا إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُلكن لو قيل كذلك لأنه سبق عليه القول لقال: ولماذا سبق عليه القول؟ فذكر النتيجة الأخيرة، وهو أنه عمِل غيرَ صالحٍ، أو عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود: ٤٦] إلى آخره.
طالب: ويش (...) عمل غير صالح؟
الشيخ: نعم.
الطالب: توجيه قراءة (...).
الشيخ: لها توجيهان: إِنَّهُأي: سؤالَك عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؛ لأنك سألت ما لا يجوز.
أو إِنَّهُأي: الولد عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍمن باب المبالغة. يعني: عامل غير صالح، فأطلق عليه المصدر؛ كما يقال: فلان عدل، وفلان رضا، بمعنى هو عدل ورضا، فالمعنى أنه ذو عمل غير صالح.
ويؤيد هذا الاحتمال القراءة لكنها ليست سبعية {إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.
هؤلاء الذين نجوا هل هم الذين بقوا من أهل الأرض؟ لا، ليسوا هم، بل ذرية نوح هم الذين بقوا، وأما من كان معه من المؤمنين فإنه فني ما بقي له نسل؛ لقوله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧]، ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للإنسان، الأب الأول آدم، وهذا هو الأب الثاني؛ لأن جميع بني الإنسان ماتوا، وما بقي إلا ذريته وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُوهذه (هم) ضمير فصل يفيد الحصر والاختصاص، فهم الذين بقوا، ويقولون، يعني يقول المؤرخون: إنهم ثلاثة: سام وحام ويافث. والله أعلم هل هذه أسماؤهم أم لا، وهل هم ثلاثة أو أكثر أو أقل، إنما هذا كلام المؤرخين، المهم إنما الذي نتيقن أنه ما بقي أحد في الأرض إلا ذرية نوح عليه الصلاة والسلام فيكون هو الأب الثاني.
تفسير الآيتين (121-122)
01:18:57

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}
[الشعراء: ١٢٠، ١٢١] وإغراقهم آية عظيمة، يعني الله تبارك وتعالى فتَّح أبواب السماء بماء منهمر فَفَتَحْنَا [القمر: ١١] و{فَتَّحْنَا} قراءتان سبعيتان، و{فَتَّحْنَا} أبلغ من (فتَحنا).
فتَّح الله أبواب السماء بماء منهمر، يعني نازلًا بقوة وشدة وكثرة.
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢] المعربون يقولون: إن الأصل: (فجرنا عيون الأرض) (...) محولة عن مفعول، وفي الحقيقة أن (فجرنا الأرض عيونًا) أبلغ وأعظم، يعني كأن الأرض كلها صارت عيونًا، فهو أبلغ من (فجرنا عيون الأرض)، عيون الأرض (...) عشر عيون، ما تزيد لو كانت (فجرنا عيون الأرض)، لكن: فجرنا الأرض عيونًا كلها، حتى إن التنور بدأ يفور من الماء. والتنور كما تعرفون أبعد ما يكون عن الماء؛ لأنه محل تفجير النار، ومحل تفجير النار يكون يابسًا يبوسًا بالغًا، ولكن مع ذلك صار بإذن الله يفور.
التقى الماء على أمر قد قُدر حتى بلغ قمم الجبال، وغرق الناس كلهم إلا من في هذه السفينة، وحينئذ صدق قول نوح لقومه: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود: ٣٨، ٣٩] (...) السفينة الآن السفينة الحقيقية من هؤلاء الذين على السفينة وكأني بهم يطلعون إليهم من نوافذها وهم يعومون في هذا الماء ويغرقون، وهؤلاء في منجاة منه.
يقول الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَأكثر من؟ على رأي المؤلف: أكثر قوم نوح مؤمنون، لكن الأصح أكثرهم أي الذين بُعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
قوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَهذه هي (ما) الحجازية و(كان) زائدة، ولَّا معناها (...) أصلية والعمل لـ(كان)؟
طالب: العمل لـ(كان) كما ذكرنا.
الشيخ: العمل لـ(كان) كما ذكرنا؛ لأن الأصل عدم الزيادة، إذا جعلت العمل لـ(ما) لزم أن تجعل (كان) زائدة، وإذا جعلت العمل لـ(كان) بقيت (ما) نافية على ما هي عليه.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُالجامع بين العزة الغالبة القاهرة، الرحيم الرحمة البالغة، لكنه سبحانه وتعالى لجمعه بين العز والرحمة صارت الرحمة تكون في مواضعها والعز يكون في مواضعه.
وكم أقسام العزة التي يتصف الله بها؟
طالب: عزة قدر، عزة قهر، عزة امتناع
الشيخ: عزة القدر والقهر والامتناع.
ويش معنى عزة القدر؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى له القدر العالي الذي لا يشبهه أحد من مخلوقاته.
الشيخ: ذكر عزيز القدر يعني أن قدره لا نظير له، مثلما تقول: هذا عزيز، يعني ما يوجد.
عزة القهر؟
طالب: أي أن الله سبحانه وتعالى قاهر من سواه من مخلوقاته أو (...).
الشيخ: قاهر غالب لهم.
طيب وعزة الامتناع؟
طالب: أي أنه لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يتوصل إليه..
الشيخ: بسوء.
الطالب: بسوء، أو أي..
الشيخ: يعني يمتنع عليه كل سوء أو نقص.
وقالوا في المعنى الأخير: من هذا قولهم: أرض عزاز، نحن نسميها عزا، يعني صلبة قوية ممتنعة، ليست رخوة لينة.
وأما الرحيم فمعناه ذو الرحمة الواصلة إلى خلقه، يعني الرحيم غير الرحمن.
أهل السنة جميعًا يثبتون الرحمة لله حقيقة، وغيرهم يؤولها بأن المراد بها الإحسان أو إرادة الإحسان، يعني أنهم يصرفونها إلى لازمها، كيف؟ لأن الرحمة هي الرقة، والله سبحانه وتعالى منزه عن الرحمة، فيقال: من قال لكم: إن الله منزه عن رقة الرحمة؟ الله سبحانه وتعالى يرحم عبده بمعنى أنه يعطف عليه، وأي مانع يمنع؟ هل القاسي هو المحمود أو اللين هو المحمود؟ لا شك أن هذا هو المحمود.
ثم إننا نقول: إن لين الإنسان غير لين الله سبحانه وتعالى؛ لأن لين الإنسان سببه الضعف أحيانًا وعدم القدرة، ولهذا يرحم الإنسان أحيانًا من لا يستحق الرحمة؛ لأنه ما عنده إلا مجرد عاطفة اللين التي سببها الضعف، أما الله عز وجل فإن رحمته رحمة قوةٍ ورحمة حكمة، ولهذا يعذب أهل النار ذلك العذاب العظيم وهو أرحم الراحمين؛ مما يدل على أن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق.
تفسير الآيتين (123-124)
01:25:27

قال: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٢٣]، وعاد هم قوم هود، ولهذا قال: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء: ١٢٤]، ومحل هؤلاء القوم؟
طالب: في الربع الخالي.
الشيخ: في الربع الخالي، طيب في الأحقاف، وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ [الأحقاف: ٢١] هؤلاء القوم معروفون بالقوة والشدة إلى حد أنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] كأنهم مسيطرون. وأما المبالغة التي يذكرها المفسرون وهم يؤرخون في كبر أجسادهم وقوتهم فالله أعلم بها، إنما هم بلا شك أنهم قوم أقوياء وأنهم عتاة، يعني جفاة القلوب أقوياء الأبدان، فهم معروفون بالقوة، ولكن الله تعالى أراد أن يوبخهم ويقيم الحجة عليهم بقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ [فصلت: ١٥] يعني يخفضون رءوسهم، الَّذِي خَلَقَهُمْفهم مخلوقون وهو خالق، فلا بد ضرورة أن يكون الخالق أعلى من المخلوق، وأن يكون المخلوق في قبضته، وهذا هو الحكمة في قوله: أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْولم يقل: أن الله الذي خلق السماوات والأرض، نعم خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، لكن لأجل أن يخفض رءوسهم أكثر خَلَقَهُمْ، هم بأنفسهم مخلوقون (...).

***

كذبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام وهودًا عليه الصلاة والسلام، مع أنه نصحهم هذه النصيحة إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ [الشعراء: ١٢٤] وسبق أن الاستفهام هنا؛ أن هذا إما للتحضيض على (...)، للتحضيض، أو أنه استفهام بمعنى التوبيخ، يعني يوبخهم على عدم التقوى: (أَ لا تتقون) يعني يجعل الهمزة وحدها و(لا) وحدها، هذا إذا جعلناه استفهامًا بمعنى التوبيخ. أما إن جعلناه تحضيضًا فإنا نقول: (ألا) جميعًا، نعربها جميعًا.
أَلَا تَتَّقُونَمن؟
طالب: الله.
الشيخ: ألا تتقون الله؛ لأن هذه الجملة مختصرة، والمعروف أنه كان يأمرهم مثلًا: اتقوا الله (...).
طالب: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٢٣] ألا يؤيد (...) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥] أنهم ليس مقصوده أنه (...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا مما (...).

***

تفسير الآيات (125-128)
01:28:17

{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}
[الشعراء: ١٢٥] إني لكم رسول أي: مرسل من قِبل الله سبحانه وتعالى لكم، (لكم) تقديمها يدل على الاختصاص، يعني: مرسل لكم خاصة، يعني كل رسول يُبعث إلى قومه فقط.
وقوله: أَمِينٌأي ذو أمانة، ائتمنني الله سبحانه وتعالى على رسالته.
فإذا قال قائل: هذا الوصف، بل هذان الوصفان: رَسُولٌ أَمِينٌمجرد دعوى، وهم ينكرون أن يكون رسولًا أمينًا، بل يقولون: إنه كاذب..