تفسير سورة النمل - 3
عدد الزيارات 1907

عناصر المادة :
تفسير الآيات (14-16)

أرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف.
فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو معنى الدم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار (...) ما يمكن يوجد ضفادع (...) رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...).
الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير، هذه تسع آيات: بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ١٣٠] السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط وهو عدم (...).
وقال الله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [النمل: ١١] ليذكّره بما من به عليه من التوبة، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍبَدَّلَالمؤلف فسّرها بقوله: أتى حُسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدّل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؛ لأن (بدّل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدّل حسنًا، وأيش يقول؟
طالب: بسوء.
الشيخ: بسوء، يصير الحُسن مدفوع، والسوء مأخوذ، أو لا؟ بدّلت ثوبي بثوبك، أين المأخوذ؟
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير،كذا ولَّا لا؟ فهنا بَدَّلَ حُسْنًالو أخذنا بظاهرها معناه: أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا؛ ولهذا فسّر المؤلف قوله: بَدَّلَبـ(أتى).
والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه ما صحّ أن يُعبَّر بقوله: بَعْدَ سُوءٍ، لو كان كذلك لقال: بدّل حسنًا بسوء، ما قال: بَعْدَ، فلما قال: بَعْدَ سُوءٍعُلم أن (بدّل) هنا بمعنى (استبدل)، و(استبدل) بمعنى (أخذ)؛ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: ٦١]، و(أخذ) -مثلما قال- بمعنى (أتى).
والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حُسنًا بعد سوءٍ (...).
إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولًا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع.
مَنْ ظَلَمَظَلَمَفعل الشرط، وجملة فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌجواب الشرط.
أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟
طالب: أن الظلم وتبديل الظلم بالحسنى يناسب العفو من الله، أو يستحق الغفران والرحمة.
الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا أن نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين؛ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌفإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة: أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حُسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا: أن يرحمه.
ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤] معناه: يسقط عنه الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة: أن من بدّل حُسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه.
يشمل الرسل وغير الرسل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يشمل الرسل وغير الرسل.
ومن ثمَّ حَسُن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل.

***

طالب: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل: 12 - 16].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [النمل: ٧].
أولًا: يستفاد من هذه الآية: حُسْن خلق موسى عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لمكالمته لأهله ومراجعته إياهم فيما يَهِمّ الجميع؛ يعني: أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول، مما يدل على أنه يتراجع معهم فيما يهمهم.
وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آلُ النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيه أزواجه؛ لأنهن من الأهل.
وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان لأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟
والذين يقولون بعدم الدخول يردّون ذلك إلى العُرف، ويقولون: إن العُرف عند الناس أن الزوجات لسن من الأهل، وإنما الأهل القرابة.
وإذا كان هكذا فإنه يُقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة.
ثم إن وُجد عُرفٌ مضطرد ينافي ذلك رجعنا فيه إلى العُرف؛ لأن الصحيح أن الأقوال تُردُّ معانيها إلى أعراف الناس وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، يعني هنا أهل البيت (...).
وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتدِ إليها، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا بأي شيء؟
طالب: بالرسالة.
الشيخ: بالرسالة، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠]، فالأول مماثلة في البشرية، والثاني الاختصاص يوحى إليه بالوحي.
وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يُلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، هذه الوقاية دافعة ولَّا رافعة؟
طالب: دافعة، رافعة.
الشيخ: دافعة رافعة؛ رافعة للبرد السابق، ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يُلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يُؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها.
وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، من أين تؤخذ؟
طالب: سَآتِيكُمْ.
الشيخ: سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ، فالعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦].
والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به، وقسم لا يوثق به، وقسم محتمل.
الذي لا يُوثق به لا يُقبل، والموثوق به يُقبل، والمجهول أو المحتمل يُتبين أمره، يُتوقف حتى يتبين.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، سَآتِيكُمْهذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذه فائدة لغوية.
طالب: شيخ، خبر الثقة يذكر إذا كان أهله، يعني فلا يشغلون الناس فيكون بين أهل الثقة؟
الشيخ: الكلام على من يوثق به.
الطالب: العامة أو الخاصة؟
الشيخ: لا، عامة وخاصة؛ يعني: قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول يتوقفون في أمره، الكلام على الثقة الذي تثق به.
لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف، والناس الذين معه ما رأوه؟
طالب: ما يُقبل قوله.
الشيخ: ما يُقبل قوله، ولو هو ثقة؟
الطالب: ولو هو ثقة.
الشيخ: لأن له عدلًا، إي نعم، ما يُقبل؛ ولهذا وقعت عند بعض القضاة فيما سبق؛ تراءى الناس الهلال فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، والناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا في حدِّ دينه وفي أمانته موثوقٌ به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادنُ مني، فدنا منه فمسح حاجبه، فقال له: انظر، قال: الآن ما رأيته، فإذا هي شعرة بيضاء، وهذا من ذكاء القاضي؛ لأنه قال: كيف الناس ما رأوه وهو رأى؟ هذا ما يمكن، وهو ثقة، ما هو رجل مشكوك في خبره، لكن قد يهم.
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٨].
يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: نُودِيَ.
فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يُبَيَّن من المنادي، فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟
طالب: مذكور في آية أخرى.
الشيخ: أولًا ذكره في آية أخرى، والثاني أيضًا قوله في استفتاح الكلام: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النمل: ٩].
وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: نُودِيَ، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين مر علينا قولهما بالأمس من؟ الأشاعرة والكلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنًى قائم بنفسه، وهذا القول باطل بأوجه كثيرة.
وفيه دليل على أنه ينبغي إيناس المستوحش، الإنسان المستوحش أنك قد تقول له أو تفعل معه ما يؤنسه ليطمئن، ويكون قابلًا لما يُلقى إليه؛ لأن المستوحش ما يقبل ما يلقى عليه؛ بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟
طلبة: (...).
الشيخ: وغيره قبله نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ، فإن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها يزداد به طمأنينة بلا شك؛ ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا.
وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به؛ لقوله: وَسُبْحَانَ اللَّهِ.
وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وهل معه ربٌ آخر؟ لو صار معه ربٌ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمينظ، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى ربُّ العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إلهًا آخر عقلًا، فقال: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَاالأنبياء: ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩١]، وهذا أمر لم يحدث.
فإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلومة، حتى المشركون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بوحدانية الربوبية.
وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه وأن ذلك من كماله، فإنه أثنى على نفسه بقوله: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أثنى على نفسه بنفيٍ وإثبات أو لا؟ النفي سُبْحَانَ اللَّهِ، والإثبات رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين وهما: النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الكمال المطلق؛ ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية.
وفيه دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف، بس الآن ويش وجهه؟
الطالب: رَبِّ الْعَالَمِينَالرب مالك يتصرف في ملكه كما يشاء.
طالب آخر: (...)؟
الشيخ: إي نعم، فيها أن (...) مباركة؛ لقوله: وَمَنْ حَوْلَهَا.
وفي قوله تعالى: يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة وذكرناها بالأمس وهي: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان، طمأنته بلا شك؛ لأنه يقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء؛ ولهذا قال: يَا مُوسَى.
وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبيّن اسمه؛ لقوله: أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ما قال مثلًا: أنا مكلمك، أنا أنا، أو ما أشبه ذلك، بل بيّن سبحانه وتعالى من الذي يكلمه.
هل فيها حصر الألوهية في الله؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: كيف تعرفها؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني معناها وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده؟
الطالب: أن يكون هو المألوه.
طالب آخر: أَنَا اللَّهُ.
الشيخ: ومن تعريف المبتدأ والخبر أن هذا حصر لفظي.
وفيه أيضًا: إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من الْحَكِيمُ؛ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحُكم والحكمة.
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ [النمل: ١٠، ١١].
أولًا: في هذه الآية العظيمة الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وهي من قوله: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها، وبمجرد وصولها إلى الأرض صارت حيّة؛ ولهذا في سورة طه: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ [طه: ٢٠] (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووقوعه على وجه الفورية.
ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن، فإنه يكون.
وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر، في قوله: تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ؛ لأن هذا أشبه ما يكون بما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أتى بعصا أمامك ووضعها في الأرض، ثم رأيتها حيّة، ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر؛ فلذلك أوتي موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على فعلهم.
وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤثر هذا قصورًا ولا تقصيرًا.
طالب: (...).
الشيخ: طيب، من أين ينوّه على الأول؟
الطالب: (...).
الشيخ: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّهنا بلا شك فيه محذوف، وَأَلْقِ عَصَاكَفألقاها فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره، لو كان: وألق عصاك، لما أُمر بهذا اهتزت وهي في يده، وليس الأمر كذلك.
وفيه أيضًا دليل على أن هذا العصا لم تكن مجرد حيوانٍ يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك كَأَنَّهَا جَانٌّ، ومعلومٌ أن الجان بنفسه مروّع، فالحيّة بنفسها مروّعة، فإذا كانت من عظيم الحيّات صارت أشد وأبلغ.
وفيه دليل على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف؛ وَلَّى مُدْبِرًا، وأن ذلك لا يُعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية، وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه، فالأنبياء يجوعون، ويعطشون، ويبردون، ويمرضون، ويموتون أيضًا؛ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الكهف: ١١٠].
وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ، فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له -وقد علم أنه رب العالمين-: لَا تَخَفْ، ما يمكن أن يخاف.
وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفطرية؛ يعني مثلًا: لَا تَخَفْإذا قال قائل: أنت إذا قلت للإنسان: لا تخف، الخوف طبيعي كيف يدفعه عنه؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا قصدي: هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟ نقول: نعم، يمكن؛ لأن الإنسان وإن كان الخوف أمر طبيعي غير شعوري، كأن يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته بالمدافعة.
ولهذا جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ» ، والغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى: «لَا تَغْضَبْ» يعني: حاول أن تقلل من غضبك، وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبت فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب.
فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجّه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب باب مدافعتها قبل وجودها، أو من باب تقليل آثارها.
فلا يقول: إن الإنسان أُمر بما لا يستطيع؛ أُمر بعدم الغضب وهو لا بد أن يغضب، أُمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف مما هو مخوف.
طالب: (...)؟
الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين وأيش قال؟
الطالب: قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي [القصص: ٢٢].
الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة الله والتعبد.
وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف، إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَأي: عندي الْمُرْسَلُونَ؛ ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال: ٤٥]، ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به؛ ولهذا أمر الله به في الجهاد.
وفيه دليل على أن من ظلم ثم أتى بعملٍ صالح فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [النمل: ١١].
وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍمناسبة ذكرها في هذا المقام، ما هو؟
طالب: أن موسى عليه السلام لما قال الله سبحانه وتعالى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَذكر خطيئته بقتل القبطي فظن أنه ليس أهلًا للمغفرة فقال الله سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍحتى (...) موسى عليه السلام يرى أنه قد غفر له.
الشيخ: وفيه أيضًا: إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وفيه أيضًا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، من أين نأخذه؟ فإن قوله: فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌأي: أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال.
ذُكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: ٣٨] والله غفورٌ رحيم عند عربي، فقال الأعرابي -وهو ما يقرأ القرآن- قال: أعد الآية، أخطأت فيها، فأعادها مرة ثانية وقال: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِوالله غفورٌ رحيم، قال له: أعد الآية، فأعادها في الثالثة على الصواب قال: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، قال: الآن؛ فإنه عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا صحيح.
ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
إذن معناه: إذا علم أن الله غفور رحيم يُغفر لهم ويُتركون؛ ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يُلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ فيه خلاف.
إذن يستفاد من هذا: أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هو لا شك أن الأنبياء ما يأثمون مما لا يخل بالرسالة من الذنوب، اللي ما يخل بالرسالة والشرف والمروءة ما يأثمون منه، لكنهم يأثمون من الإصرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرناه بالتفصيل من أنه يُفرّق بينهم وبين غيرهم من وجهين في مسألة الذنوب والمعاصي:
أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه.
ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن وقوعه من المعاصي فإنهم لا يُقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة، ولو أُقِرّوا على المعاصي لكانت المعاصي من شرائعهم.
وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما في عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقرّون عليه.
طالب: (...) من الكبائر؟
الشيخ: إي، قتل النفس من الكبائر.
الطالب: (...)؟
الشيخ: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [القصص: ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا في مسألة الشفاعة؛ لأنه يعتبر بأنه ظلم نفسًا.
الطالب: (...) يدافع عن قومه هو ليس بظالم، إذا يرى إنسانًا (...)؟
الشيخ: الأمر ما هو صحيح؛ (...) وهذا الرجل بالذات (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذه مسألة (...) ما هي معصية، ولكنها خلاف الأولى؛ ولهذا لامه الله عليها؛ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣]، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم: ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكنه غُفر له، ما أُقر عليه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، صحيح، يؤخذ منها؛ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ: الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام بشارته بالرسالة.
الطالب: (...)؟
الشيخ: وأصبح النداء ما هو يلزم منه القرب أو البُعد، النداء بالصوت المطلق، قد يكون من بُعد، وقد يرفع صوته لموسى ولو كان من قرب، فهذا قد يكون أن الله ناداه من بعيد، ثم قرّبه نجيًّا مثلما قال: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]؛ لأن الحكمة بأن ظهور هذه النار -الله أعلم، ما أدري- لكن لعله من الحكمة أن المكان هذا بالذات في الوادي المقدّس: أن الوادي هذا مبارك ومقدّس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان، وأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا في سيره.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما هي (...)؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل؛ ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا، وكلّم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥]، فالآن ما يتبين لي إلا أنه -والله أعلم- أن هذا المكان الخاص هو المقدّس المبارك، وربما بالتأمل يحصل (...).
طالب: (...)؟
الشيخ: من قوله: مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [النمل: ١٢] طوق القميص، هذا تفسير للجيب أنه طوق القميص.
وقوله: أَدْخِلْ يَدَكَاليد كلها تُطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيّدة، والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [المائدة: ٦] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ.
إذن -حسب مقتضى اللغة العربية- أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس الذي هو الذراع، بل الكف يغيبها في جيبه هكذا.
فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَتَخْرُجْمجزومة، مع أنها فعل مضارع ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟
طلبة: بجواب الطلب.
الشيخ: بجواب الطلب الذي هو أَدْخِلْ.
ومعروفٌ أنه إذا سقطت الفاء وقُصد الجزاء جُزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب نصب الفعل بها أو بـ(أن) مضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقُصد الجزاء جُزم الفعل، هذه قاعدة معروفة في النحو.
تَخْرُجْيعني: اليد (خلاف لونها من الأدمةبَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍمن أين أخذ المؤلَّف أن لونها الأدمة؟
طالب: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ.
الشيخ: من قوله: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ؛ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ، فلا بد أنها تغيّرت من اللون الأول إلى اللون الثاني.
وقوله: بَيْضَاءَحال من فاعل تَخْرُجْ؛ يعني: حال كونها بيضاء.
مِنْ غَيْرِ سُوءٍهذا تقييدٌ لقوله: بَيْضَاءَ؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عيبٌ يسوء صاحبه، لكنه قال: مِنْ غَيْرِ سُوءٍإذن بياض ليس كبياض البرص؛ ولهذا يقول المؤلَّف: (بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍبرص لها شعاع يغشى البصر آية).
أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها بيضاء، وكفى بذلك آية؛ أن تدخل اليد على لونٍ، ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا -فيما سبق- أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، يُقتصر فيها على أي شيء؟ يُقتصر فيها على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء، وكفى بها آية.
قال المؤلَّف: (آية فِي تِسْعِ آيَاتٍ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع، وليست زائدة على التسع.
(فِي تِسْعِ آيَاتٍمرسلًا بها إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) عرف موسى آيتين من هذه التسع وهي: العصا واليد، لكن بقي سبع آيات، فما هي الآيات؟
نقول: فِي تِسْعِ آيَاتٍآيتان معروفتان، بقية التسع: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف: ١٣٣] هذه خمس، مع اثنتين سبع، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ١٣٠] فكان الجميع تسع آيات، هذه الآيات التسع.
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ [الأعراف: ١٣٣] وأيش هو الطوفان؟ الفيضان؛ فيضان الماء.
الجراد معروف، القُمَّل: الدودة التي تكون في الحبوب، هذا القُمَّل، الضفادع معروفة.
والدم معروف، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلّمه القبطي إلى الإسرائيلي عاد ماءً، ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب غير هذا المذهب قال: الطوفان: الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجه، والجراد يأكل الزروع بعد خروجه؛ لأن الزروع منها شيء فهو مزروع، هذا يفسده الماء، وشيء خارج يأكله الجراد، وشيء مدّخر يفسده القُمَّل، الماء يفسده الضفادع، كذا؟
إذن الآن: المأكول والمشروب فسد، هذا المأكول والمشروب إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم، أُرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف.
فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو المعنى السليم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار الماء ممكن (...) بده يكون رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...).
الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير. هذه تسع آيات: السنين ونقص من الثمرات، السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط، وهو عدم (...)، لكل من ملك مصر كافرًا، مثل كسرى علم جنس لكل من ملك الفرس كافرًا، وكذلك قيصر لكل من ملك الروم كافرًا، إي نعم.
وقوله: القوم الأصحاب، وسُمِّي الأصحاب قومًا؛ لأن بهم قوام الإنسان، فالإنسان يعتز ويقوم بقومه.
وقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَهذا تعليل للرسالة إليه؛ يعني: إنما أرسلناك في تسع آيات إلى هؤلاء؛ لأنهم كانوا قومًا فاسقين؛ يعني: خارجين عن الطاعة، وقد مر علينا في درس التوحيد أن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسقٌ أكبر وهو الخروج عن مطلق الطاعة، وفسقٌ أصغر وهو الخروج عن الطاعة المطلقة، كذا يا جماعة؟ ونشوف يبين لنا الفرق بين التعبيرين؟
طالب: (...).
الشيخ: عن الطاعة المطلقة، وأيش الفرق بين الطاعة المطلقة ومطلق الطاعة؟
الطالب: الطاعة المطلقة (...).
الشيخ: يعني: شاملة لكل أفراد الطاعة؛ الطاعة المطلقة.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني أنه يطيع في كل أمر، إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: والواقع إذا قال: هذا الرجل قد أطاع الله؛ أي: طاعة مطلقة، فمعناه: في كل ما أُمر به؛ أي إذا فسق يصير خرج عن الطاعة المطلقة؛ لأن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق مطلق الشيء معناه: وجود أي جزء منه، والشيء المطلق: الكامل؛ ولهذا الفاسق عند أهل السنة والجماعة هل معه الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان؟
طلبة: معه مطلق الإيمان.
الشيخ: معه مطلق الإيمان، مطلق الطاعة إذا قيل: هذا الرجل فاسقٌ؛ أي: خارجٌ عن مطلق الطاعة، ففسقه؟
طالب: أصغر.
الشيخ: لا، أكبر، يعني معناه: ما يصدق في حقه ولا أقل طاعة، ما أطاع أبدًا، هذا كافر.
وإذا قيل: هذا الفاسق خارجٌ عن الطاعة المطلقة، معناه أنه معه طاعة، لكن الطاعة الكاملة ما هي معه.
ولذلك عندهم أيضًا حتى في الفقه يقولون: هذا ماءٌ مطلق، وهذا مطلق ماء، قالوا: ما تغيّر بالأشياء الطاهرة ليس بطهور؛ لأنه ليس بماء مطلق، وإنما هو مطلق ماء.
فالفرق بين التعبيرين معروف عند الفقهاء وعند الأصوليين، وعند أهل الكلام أن الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق:
الشيء المطلق معناه الكمال، ومطلق الشيء معناه الأصل.
هنا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَأيّ الفسقين؟
طالب: الفسق الأكبر.
الشيخ: الفسق الأكبر؛ لأنهم خارجون عن مطلق الطاعة، ما عندهم طاعة.
قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً [النمل: ١٣] فَلَمَّا جَاءَتْهُمْالضمير يعود إلى فرعون وقومه.
وقوله: آيَاتُنَاأي: العلامات الدالة على صدق موسى صلى الله عليه وسلم برسالته وعلى أحقية ما دعا إليه؛ لأن الآيات التي بعث الله بها موسى تدل على أمرين: على صدق موسى، وهذا تأييدٌ له، وعلى صحّة ما جاء به، فالآيات هذه تشمل الأمرين.
وقوله: مُبْصِرَةًفسّرها المؤلِّف: (أي: مضيئة واضحة)، وهنا كلمة (مبصرة) اسم فاعل، والفعل منها (أبصر)، فهل الآيات هي التي بها البصر، أو مبصرة جاعلة غيرها يُبصِر بها؟
طالب: جاعلة غيرها يبصر بها، المعنيان يجوز.
الشيخ: أيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ أنها جاعلة غيرها يُبصر بها؛ يعني: أنها تُبصر غيرها.
الآيات هذه بنفسها ظاهرة وواضحة، والذي يراها يُبصر بها؛ ولهذا نقول: مُبْصِرَةًهي تعني أنها باصرة بنفسها، وموجبة للإبصار في غيرها.
لما جاءتهم هذه الآيات المبصرة كان الجواب: قَالُوا هَذَاأي: ما جاءنا، ولم يقولوا: هذه؛ أي: الآيات؛ لأجل أن يشمل كل شيء، هذا الذي جاءنا من الآيات وغير الآيات.
(سِحْرٌ مُبِينٌبينٌ ظاهر) فـمُبِينٌهنا على تفسير المؤلِّف وهو واقع من (أبان) اللازم أو المتعدي؟ اللازم.
قَالُوا هَذَا سِحْرٌالسحر معناه في اللغة العربية: كل شيء صار خفي السبب، ما خفي سببه ولَطُفَ يسمى سحرًا؛ ولهذا ذكر ابن كثير أقسام السحر في تفسيره، وذكر من جملة السحر: الساعات اللي تطورت إلى ما ترون الآن؛ لماذا؟ لأنها في الحقيقة خفية السبب، عندك الآن الساعات (...) بنفسها العقرب هذه، وأيش يكون؟!
أو أبلغ من هذا جاءت الأخيرة هذه الإلكترونية، وأيش اللي يجعل هذا المسمار إذا غمزته تحول التاريخ إلى توقيتٍ آخر، أو أظهر لك تاريخ الشهر أو اليوم؟! لو جاءت في غير هذا الوقت كان الناس تعجبوا منها.
طالب: يعني: يكون سحرًا مستحبًّا؟
الشيخ: لا، هذا يسمى سحر لغة، لكن شرعًا لا ليس بسحر؛ لأن السحر شرعًا هو عبارة عن عقد وعزائم ورقى تؤثر في بدن المسحور أو عقله، ربما تمرضه، ربما تهلكه، ربما تخبّله، فهذا هو السحر.
هنا الآن قولهم: هَذَا سِحْرٌقول فرعون وقومه، وأيش يقصدون بهذا؛ السحر الحقيقي الشرعي ولَّا السحر اللغوي؟
طالب: الحقيقي.
الشيخ: الحقيقي الشرعي؛ لأنهم قالوا له: مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٣٢]، والعياذ بالله.
فهم قالوا: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌوهذا الجواب ليس صادرًا من فرعون فقط، بل جميع المكذّبين للرسل قالوا هذا؛ قال الله تعالى في سورة الذاريات: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍكل الرسل السابقين يقول أقوامهم هكذا، أَتَوَاصَوْا بِهِ [الذاريات: ٥٣]؟ لا، ما تواصوا به، لكن الجامع المشترك الطغيان، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هذه مانعة (...)؛ يعني: ربما أن بعضهم يقول: ساحر، وممكن الجميع.
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...).
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، مجرد الضرر ما يدخل الكفر في الحقيقة؛ ولهذا لو أضررت الإنسان بدواء -كَسُمٍّ وشبهه- ما صار كفرًا، لكن الظاهر أنه يقترن به من الأحوال الشيطانية واعتقاد أن هذا مؤثر من دون الله سبحانه وتعالى، هذا هو الظاهر.
الطالب: لكن (...)؟
الشيخ: إذا قال هكذا نقول: ظاهر القرآن الكفر، وما ندري شو العلة، إذا قال هكذا وأبطل هذه العِلَّة فنقول: القرآن يدل على الكفر، إن جاز.
الطالب: أليس (...) في قوله تعالى؟
الشيخ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة: ١٠٢] ما يخالف، تكفر بتعلم السحر.
الطالب: المراد يعني إيه؟
الشيخ: لا، ما هو معناه: فلا تكفر بشيءٍ ثم تتعلم السحر؛ ولهذا قال: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْيعني: بهذا التعلم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، لكن تعلم السحر.
الطالب: لأنه ما يتعلم إلا إذا كفر.
الشيخ: لا، معناه: أن تعلم السحر نفسه كفر.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لأن هذا خلاف ظاهر اللفظ؛ معناه أنه يكون يكفر بشيء لم يذكر في القرآن، والآية ظاهرها أن الكفر يكون بالتعلم نفسه.
الطالب: صلاة الأوابين، (...)؟
الشيخ: إي صحيح، هو الذي نتكلم به الآن مسألة قلنا: نبحث عن حديثي عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعًا ويزيد ما شاء الله . وما رأيته صَلَّى سبحة الضحى .

***

طالب: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل: ١٣ - ١٩].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فوائد الدرس الماضي:
أولًا: في قوله تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ.
فيه: آية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ وذلك أن يده دخلت على طبيعتها، ثم خرجت بيضاء من غير سوء بلحظة؛ لأن قوله: أَدْخِلْتَخْرُجْ، فهذه تَخْرُجْجواب لـأَدْخِلْ، فالمعنى أن في مجرد الإدخال تخرج هكذا، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، تخرج إلى آخره، إذا أخرجها هو، ما هي معنى بمجرد ما هي دخلت تخرج اليد بنفسها، لكن تخرج إذا أخرجها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: نعم، لا تخرج منه، إذا أخرجها وإذا هي بيضاء.
وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تبارك وتعالى في آيات الأنبياء؛ حيث تكون مناسبةً للعصر الذي بُعثوا فيه، ويؤخذ هذا من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: وهذه الآية تشبه السحر أو لا؟ لكنها حقيقة، والسحر خيال، السحر ما يمكن يقلب اليد إلى بيضاء، أو المتحرك إلى ساكن، أو الساكن إلى متحرك، ما يمكن يقلبه حقيقة، لكن هذه الآية حقيقة.
وفيه أيضًا دليل على مبدأ الاحتراز في الكلام؛ أنه ينبغي الاحتراز في الكلام عندما يوهم الشيء بأمرٍ يُحترز منه؛ لقوله؟
طالب: (...).
الشيخ: لقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فإن البيضاء قد تكون من سوء، ولكنه احترز بقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، هذه ثلاث فوائد.
وفي الآية دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى تسع آيات، منها آيتان سابقتان، والباقي لاحق، فما هذه التسع؟
طالب: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وهذه الاثنان باقي الآيات.
الشيخ: نعم.
الطالب: السنين ونقصٍ من الثمرات.
الشيخ: السنين ونقصٍ من الثمرات.
ومن فوائد الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل نبيًّا إلا بآية؛ لتقوم الحجة، من أين؟
طالب: (...).
الشيخ: من أين؟ أعطنا الكلمة أو الجملة اللي في الآية تدل عليها.
الطالب: فِي تِسْعِ آيَاتٍ.
الشيخ: نعم، تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ، ما هي الحكمة بأن الله لم يرسل رسولًا إلا بآية؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم؛ لأن ما تقوم الحجة إلا بهذا؛ إذ لو جاء رجل وقال: أنا رسول من عند الله بدون آيات، ما صدق، وإذا لم يُصدق فلا حجة على الخلق به.
الطالب: يقول: (...) يحتمل في قوله: فِي تِسْعِ آيَاتٍبمعنى مع تسع آيات (...)؟
الشيخ: ما هو صحيح هذا، الصواب أن (في) للظرفية، وأن ما ذكره وغيره ناهيك من الآيات العظيمة، الآيات العظيمة هي هذه.
وفيه دليل على طغيان فرعون وقومه، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأنه ما بعد.
الطالب: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
الشيخ: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(...).
وفيه دليل على أنه من الفصاحة والبلاغة قرن الحكم بتعليله.
الطالب: قوله لما ذكر لموسى يذهب إلى فرعون وقومه: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَأنهم لم يستجيبوا.
الشيخ: لم يستجيبوا ما بعد جاء.
الطالب: (...) سيتبين بالآيات التي بعدها.
الشيخ: لا.
الطالب: كل آية خاصة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: تعليل الإرسال بأنهم فاسقين.
الشيخ: إي نعم، تعليل الإرسال إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، لماذا؟ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
وقد ذكرنا أن من فوائد قرن الحكم بتعليله له فوائد، هذا خارج عن نطاق الدرس؟
الطالب: (...).
الشيخ: يمكن تامة (...).
الطالب: (...) أيضًا العموم.
الشيخ: التعميم بعموم العِلَّة، كذا؟ إذا ذُكرت العِلَّة فلها ثلاث فوائد:
أولًا: بيان حكمة الله سبحانه وتعالى في تشريعه وقضائه.
الثاني: التعميم بعموم العِلَّة.
والثالث: أن المخاطب يطمئن إذا علم حكمة الحكم، يزداد طمأنينة. واضح؟
الطالب: الفائدة؟
الشيخ: الفائدة أنه من البلاغة: قرن الحكم بتعليله.
وفيه دليل على أن الفسق يُطلق على الكفر، من أين؟
الطالب: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.
الشيخ: من قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، وقد ذكرنا أن الفسق نوعان: فسقٌ مطلقٌ، ومطلقُ فسقٍ.
فالفسق المطلق هو الكفر، ومطلق الفسق هو العصيان من المؤمنين؛ يعني معهم مطلق فسق؛ إذ إن أصل الفسق هو الخروج عن الطاعة، فإن كان خروجًا كاملًا شاملًا فهو فسقٌ مطلق، وإن كان بعض خروج فهو مطلق فسق.
ثم قال: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
يستفاد من هذه الآية: أن الحجة قامت على فرعون وقومه؛ حيث جاءتهم الآية مبصرة.
وفيه؛ من الفوائد في هذه الآية: أن آيات الله سبحانه وتعالى فيها الإبصار، فهل هي مبصرة بنفسها -يعني: باصرة- أو مبصرة لغيرها؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: كلاهما، هي مبصرة بمعنى أنها هي باصرة، وكذلك تُبصر غيرها وتدل عليه.
في هذا دليل على أن آيات الله سبحانه وتعالى بيّنة واضحة توضح الحق، ولولا ذلك ما كانت آيات.
وفيها دليلٌ على عظم طغيان فرعون وقومه؛ لقولهم: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
وفيه أيضًا: مبالغة صاحب الباطل بدعواه؛ حيث قالوا: سِحْرٌ مُبِينٌيعني: بيّن ظاهر ما فيه إشكال، وهكذا المدّعي يأتي بالكلمات التي تشبّه على الخلق حتى يصل إلى ما يريد من الباطل.
وهنا لماذا قال: هَذَا سِحْرٌولم يقل: هذه، مع أنه قال: آيَاتُنَا مُبْصِرَةً؟
الطالب: لأجل أن يشمل كل ما جاء.
الشيخ: لأجل أن يشمل كل ما جاء حتى يشمل نوح بنفسه يكون ساحرًا، عندك سؤال؟
الطالب: قوله (...) أنه أرسل بتسع آيات، ألا نقول: إن القرائن تقوي الشيء؛ يعني تزيد من قوة الشيء، فهذه..
الشيخ: الدلائل يعني قصدك؟
الطالب: نعم، أو الدلائل في هذه الآيات.
الشيخ: لا، هو هذه قلنا: في الحقيقة أن الأشياء ما تثبت إلا بدلائلها، وأنه لا بد من بيّنات على الأمر.
الطالب: قوله: فِي تِسْعِ آيَاتٍ.
الشيخ: نعم، قلنا قبل قليل: إن الآيات هذه منها شيءٌ حاضر وهما الثنتان، وشيءٌ لاحق.
الطالب: يعني: (...).
الشيخ: وهو ما جاءت يعني: ستجيء.
تفسير الآيات (14-16)
01:04:04

ثم قال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْجَحَدُواالضمير يعود على فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، والجحد: الإنكار، و(جحد) يتعدى بنفسه، ولكنه قد يُضمَّن معنى التكذيب فيتعدى بالباء، وَجَحَدُوامكذّبين بها.
وهنا الجحد ضُمِّن معنى التكذيب؛ ولهذا تعدى بالباء؛ ذلك لأن الجحد قد يكون تكذيبًا، وقد يكون مراعاة لمصلحة من المصالح، وأسبابه متعددة؛ لأنه قد يقول لك قائل: ماذا فعلت؟ فتجحد لمصلحة تريدها، لا تكذيبًا.
ولكنه هنا تكذيب، جحدهم هذا تكذيب، وأيش الدليل؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الدليل أنه عُدِّي بالباء، والذي يُعدى بالباء هو التكذيب.
وَجَحَدُوا بِهَاأي: كذّبوا بها جحدًا، هم كذّبوا ومع ذلك ما أظهروه؛ ولهذا يقول المؤلِّف: (أي: لم يقروا بها)، معناه هو التكذيب، والمؤلِّف أتى بـ(لم يقروا) لأمرين: الأمر الأول: لأجل أن يسلم التعليق بالباء؛ لأن (أقر) تتعدى شو هو؟ بالباء.
والثاني: لأجل -على رأيه- ألَّا يتضمن ذلك إخفاءها لمن طلبها؛ يعني فكأن المؤلِّف جعل الجحد نفي الإقرار، ولكننا لا نوافقه على هذا التفصيل؛ أولًا: أنه فسَّر المثبت بالمنفي ولَّا لا؟ جحد مُثبت، لم يقر منفي.
الثاني: أنه بتفسيره هذا يفوّت معنى دلّت عليه الآية وهو كتمانهم لهذه الآيات لو سُئلوا عنها؛ لأن كون الإنسان ما يُقر ما هو مثلما إذا جحد وكتم عن غيره، فإبقاء الآية على ما هي عليه، ويقال: إنه عُدّي الجحد بالباء، لماذا؟ لتضمينه معنى التكذيب، ويكون دالًّا على أمرين: على إخفائها عند طلبها، وعلى التكذيب بها عند عرضها، فالآية بلا شك..
ولا حاجة أن نقول: إن الآية أبلغ مما ذكر المؤلِّف، لكننا نقول: إن تفسير المؤلِّف لها فيه نظر من وجهين:
الوجه الأول: تفسير الإثبات بالنفي، وهذا قصور.
والثاني: أنه فوّت معنًى وهو: الجحود عند السؤال، فهو تكذيبٌ عند العرض، وجحودٌ عند الطلب.
طالب: قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ(...)؟
الشيخ: إي، معلوم يكذّبون ويخفون ولكنهم متيقنون.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي، هم ما اعترفوا ظاهرًا، إنما الكلام بس تفسيره بهذا خطأ.
قال: (وَقد اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْأي: تيقنوا).
خدوا بالكم يا جماعة، المؤِّلف قال: (وَقد اسْتَيْقَنَتْهَا)، فما الذي أوجب له أن يقدّر (قد)؟
نقول: لأن الجملة حالية، والجملة الحالية إذا كانت فعلًا ماضيًا يقدّر فيها (قد) للتحقيق.
والثاني قال: اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْقال: (أي: تيقنوا أنها من عند الله)، ففسّر (استيقن) بـ(تيقن)، إشارة إلى أن السين والتاء زائدتان، ولكن الأولى أن تبقى السين والتاء على بابها، ولا يُحكم بزيادتها؛ لأن الاستيقان أبلغ من التيقن، ومن المعروف عندهم أنهم يقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاستيقان أبلغ، فهم قد استيقنوها استيقانًا كاملًا ليس عندهم فيها شك، ومع ذلك جحدوا بها، يكون هذا الجحد مع الاستيقان أبلغ؛ ولهذا قال: ظُلْمًا وَعُلُوًّاإلى آخره.
وقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْولم يقل: واستيقنوها، فإضافة الاستيقان إلى النفس أبلغ؛ أي: أنه يقينٌ بلغ نفوسهم حتى تمكن منها، ومع ذلك -والعياذ بالله- جحدوا بها وأنكروها.
وقوله: ظُلْمًا وَعُلُوًّايقول المؤلِّف: (تكبرًا عن الإيمان بما جاء به موسى)، ففسّر الكلمتين بكلمة واحدة وهي: التكبر، ولكنه أيضًا لو نظرنا إلى الآية الكريمة وجدنا أنها أبلغ مما فسّرها به.
قوله: ظُلْمًاالظلم في الأصل: النقص، ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أيش معنى: لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُأي: لم تنقص.
فالأصل فيه أنه بمعنى النقص، وكل من نقص حق غيره فهو ظالمٌ، إذا نقص الإنسان حق نفسه فهو ظالمٌ لها، إذا نقص حق غيره فهو ظالمٌ له.
هنا هؤلاء نقصوا حق موسى عليه الصلاة والسلام، فهم ظالمون، ونقصوا حق أنفسهم؛ حيث لم يقودوها إلى ما فيه صلاحها فهم أيضًا ظالمون.
ثم هذا الظلم والنقص ما الحامل عليه؟ قال: عُلُوًّا، وهذا معنًى غير الظلم؛ يعني: ترفّعًا عما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام، يرون أن موسى: من موسى الذي يأتي إلى فرعون، الذي يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ثم يقول: أنا رسولٌ إليك، لا بد أن تتبعني! بطبيعة البشر الفاسق أن يترفع يقول: أبدًا؛ فلهذا جحدوا ظُلْمًالمن؟ لموسى وأنفسهم، عُلُوًّا: ترفّعًا عن موسى وعما جاء به أيضًا، فهم -والعياذ بالله- اتصفوا بالوصفين.
وقوله: ظُلْمًا وَعُلُوًّايقول المؤلِّف: (راجع إلى الجحد).
صحيح لا للاستيقان؛ لأن الاستيقان هو ظلم، إذا استيقنوا أن موسى صادق، ما هو ظلم، هذا حق، استيقانهم عدلٌ وتواضع، لكن ما استيقنوا هم؛ يعني: ما انقادوا لهذا الاستيقان.
إذن فهو راجعٌ إلى الجحد؛ يعني: جحدوا بها ظلمًا وعلوًّا.
لكن فائدة الإتيان بالجملة الحالية: وَاسْتَيْقَنَتْهَافائدة الإتيان بها بين المتعلَّق والمتعلِّقين: المبادرة بالتشنيع عليهم؛ لأن كونهم يجحدون مع الاستيقان أشد وأعظم، الجاحد مع الشك قد يُعذر، لكن مع الاستيقان لا وجه له.
ففائدة الاعتراض بالجملة الحالية: وَاسْتَيْقَنَتْهَابين المتعلِّق ومتعلَّقه ويش فائدتها؟ المبادرة بالتشنيع عليهم، وبيان أنهم بلغوا في هذا الوصف غايته اللي هو الظلم والعلو.
ما إعراب ظُلْمًا وَعُلُوًّاهل هي مفعول لأجله؛ يعني: من أجل الظلم والعلو، أو هي مصدرٌ بمعنى الحال؛ أي: ظالمين عالين؟
طلبة: الأخير أولى.
الشيخ: الأخير أولى؛ لأن الظلم والعلو إذا جعلناه مفعولًا من أجله فهو سابق على الجحد؛ إذ إنهم ظلموا وعلوا ثم جحدوا.
فعلى هذا نقول: إن ظلمًا وعلوًّا إنها مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل؛ أي: جحدوا بها حال كونهم؟
طالب: ظالمين وعالين.
الشيخ: ظالمين عالين.
قال الله تبارك وتعالى: (فَانظُرْيا محمد) إلى آخره، فَانظُرْنظر اعتبار أو نظر إبصار؟
الطلبة: نظر اعتبار.
الشيخ: نظر اعتبار؛ لأن نظر الإبصار هنا متعذِّر، لأيش؟ لسبق زمنه لكنه نظر اعتبار.
والخطاب على كلام المؤلِّف يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَانظُرْيا محمد).
وقد مرّ علينا عدة مرات: أن الخطاب بالمفرد في القرآن لا يختص بالرسول عليه الصلاة والسلام إلا ما دل عليه الدليل، ما دل عليه الدليل يكون على ما دل عليه، وإلا فهو عامٌ، ويصير التقدير: فانظر أيها المخاطَب، ما هو: بيا محمد، فانظر أيها المخاطَب؛ لأن القرآن بين أيدي كل أحد.
أما ما دل عليه الدليل على أنه خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاصٌ به، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، ومثل قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١].
ويدلنا على أن الخطاب المفرد عام؛ أولًا ما ذكرناه من التعليل: أن القرآن بين أيدي الناس جميعًا.
ثانيًا: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١] خاطب بالإفراد والجمع؛ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ، فدل هذا على أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام موجهٌ للأمة ما لم يدل الدليل على اختصاصه به، مثل ما مثّلنا بمثالين، وكذلك منه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١]، فإن هذا خاصٌ بالرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي حرّم، لكن مع ذلك الحكم عام.
إذن فَانظُرْوأيش نقول؟ نقول: أيها المخاطَب.
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَفي هذه الآية الجملة هذه أولًا: (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر ولَّا لا؟ هذا المعروف عندكم أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا [النساء: ٩٦].
ثانيًا: أنه إذا كان الفاعل مؤنثًا كان الفعل مؤنثًا، فهنا ما نرى خبرًا لكان كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.
طالب: (...).
الشيخ: هيا زين، والثاني؟
الطالب: الثاني: أن (عاقبة) مؤنث مجازي (...).
الشيخ: زين، الجواب الثاني صحيح؛ يعني: (عاقبة) مؤنث مجازي لا حقيقي، والفرق بين المؤنث المجازي والحقيقي: ما كان له فرج فهو مؤنث حقيقي، وما لم يكن له فرج وإنما تأنيثه لفظي فهو مؤنثٌ مجازي.
أما الأول وهو قوله: إنها ناقصة أو إنها تامة فليس بتام.
الطالب: كان تامة، والخبر مقدم وهو (كيف).
الشيخ: نعم، هذا الصحيح: الخبر مقدم وهو (كيف)، مقدّم وجوبًا ولَّا جوازًا؟
الطالب: وجوبًا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصدارة، ما يمكن يأتي استفهام في وسط الكلام، لا بد أن يكون متقدمًا. فهمنا الإعراب.
إذن عَاقِبَةُأيش معنى العاقبة؟ العاقبة في الأصل: التأخر، ومنه: العقب في القدم، عقب القدم ما هو؟ العرقوب المؤخَّر، أيش معنى العاقبة؟ الأمر المتأخر؛ يعني: انظر ماذا كان من أمرهم في النهاية.
وقوله: الْمُفْسِدِينَالذين صار شأنهم الإفساد، والمراد بالإفساد هنا ليس إفساد العمران، فقد يكون العمران في زمن فرعون قد بلغ غايته، لكن المراد بالإفساد الإفساد المعنوي؛ إفساد الأخلاق والعقائد.
وربما يتبعه إفساد العمران كما قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل: ١١٢]، وبهذا التقدير وهو أن الأصل في الإفساد الموجود في القرآن ما هو؟ إفساد الأخلاق والعقائد، ويتبعه فساد الأعمال، بهذا نعرف أن ما يطنطن به الناس الآن في الرفاهية والطمأنينة والأمن وما أشبه ذلك، وإذا أتوا إلى ذكر الدين يقول: العقيدة السمحة، ولا يذكر العمل، ثم كلمة (السمحة) أيضًا تدل على ضعفٍ في هذه العقيدة، (سمحة) كل شيء تسمح به، صحيح أنها هي الحنفية السمحة لا شك، لكنها لها أعمال ولها حزم؛ ولهذا التركيز على الترفيه البدني والنعيم البدني مع ذكر العقيدة وحدها في نظري أنه خطير؛ لأنه يبدأ كل واحد ينشد وأيش ينشد؟ هذين الأمرين؛ يقول: أنا عندي عقيدة سليمة، عقيدة سمحة، ليّنة، هيّنة، كل شيء تقبله، ويقول: أنا أنشد أيضًا رفاهية البدن والأمن وما أشبه ذلك، لكن استقامة الدين والسعي في إقامته بين الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، هذا أمرٌ لا يكاد يُذكر.
وفي الحقيقة: أن الرفاهية إذا كانت بالبدن وحده فهي فساد، ما يدوم هذا أبدًا، على أن الرفاهية المطلقة للبدن لا بد أن تكون مصحوبة بقلقٍ في القلب؛ لأن الله تعالى إنما ضمن الحياة الطيبة لمن؟ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النحل: ٩٧] شوف عقيدة وعمل، وبدأ بالعمل أيضًا، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَحياة طيبة في الدنيا، وأجرٌ حسنٌ في الآخرة.
هذا الذي يجب أن يُركّز عليه، أما الرفاهية المطلقة فإنها ضرر عظيم على الإنسان، توجب الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، وانشغال الإنسان بطلب الرفاهية الجسدية الزائلة.
يقول بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (...)، اللي أنتم فيه من النعيم والسرور وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك.

***

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧] وقبل أن نتكلم..
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لا، خذناه (...)، وقلنا لكم: تأكيد إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ، ما هو مؤكد بكلام.
يستفاد من هذه الآية: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: ١٤].
يستفاد منها فوائد؛ أولًا: أنه على قوة الآيات التي جاء بها موسى لم يستفد منها هؤلاء، يؤخذ من قوله: وَجَحَدُوا بِهَا، والآيات إذا قويت ما يبقى مجال للجحد، ولكن -والعياذ بالله- أعمى الله بصائرهم فجحدوا بها.
ويستفاد من ذلك: أن جحد هؤلاء المرسل إليهم كان عن عناد لا عن شبهة؛ لقوله: وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ، وهل هذا وقع لكفار قريش مع النبي عليه الصلاة والسلام؟
طلبة: وقع (...).
الشيخ: نعم، وقع؛ لقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣]، ولا شك أن هذا واقع من الرؤساء والزعماء، لكن عامة الناس قد لا يكون لديهم هذا الأمر، وإنما هم إما مقلدون أما الزعماء والكبراء، فلا شك في هذا، وفي هذا دليل على سوء أحوال آل فرعون؛ لقوله: ظُلْمًا وَعُلُوًّاظُلْمًالمن؟ لأنفسهم ولموسى، وَعُلُوًّاترفعًا عن الحق.
وفيها دليل على أن الاتصاف بهذين الوصفين يجعل الإنسان من الأمة الفرعونية، وهما الظلم والعلو، وما من صفة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس سيركبون سنن من كان قبلهم .
والجحد بالحق للفاعل إمام مثل فرعون وقارون، الحسد للإنسان فيه إمام مثل اليهود، الرياء للإنسان فيه إمام كالمنافقين، وهكذا، بل إنه من المنافقين أيضًا، فما من خصلة يخرج بها العبد عن سواء السبيل إلا وله فيها إمام من أهل الكفر.
وفي هذا دليل على ذم الترفع عن الحق؛ لقوله: وَعُلُوًّا، ولا فرق بين أن يكون ذلك عن حسن نية أو لا؟ فالطريقة هذه مذمومة ولو عن حسن نية، وقولنا: عن حسن نية؛ ليدخل في ذلك بعض المقلدين الذين إذا عُرض عليهم الدليل من الكتاب والسنة قالوا: نحن نتبع فلانًا؛ لأنه أعلم منا، هذا عن حسن نية فيما يبدو، وأيش وجه حسن النية؟ لأنهم يرون أن هذا الإمام الذي اتبعوه أعلم منك، ويقول: نحن جهال ولا نعرف وليس لنا إلا أن نقلد، والرجل هذا أعلم منا، وأيش تقول؟
طالب: (...) هذا قول الله ورسوله قال: ولكن هذا القول قول فلان هو الذي (...) عن حسن نية لا عن تعصب للرأي، فهذا الكلام فيه ذم؛ لأنه اتبعه عندما عرض عليه قول الرسول لم يقبل.
الشيخ: نعم.
ويُستفاد من هذه الآية: أنه إذا كان هذا الوصف مذمومًا وفرعونيًّا، فإن عكسه محمود، ما هو العكس؟
طلبة: التواضع.
الشيخ: التواضع للحق وقبوله، هذا لا شك أنه ممدوح؛ لأن الله تعالى إذا أثنى بالسوء على وصف، فإن ضده يثني عليه بالحسن.
وفي الآية أيضًا دليل على أنه ينبغي للإنسان أو يجب أن يتفكر ويتأمل في عواقب من سبق؛ لقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ، وهل الإنسان ينظر في عواقب المفسدين أو في عواقب المفسدين والمصلحين؟
طالب: الاثنين.
الشيخ: طيب، إذن ما فائدة (...) فَانْظُرْ كَيْفَ؛ لأن المقام مقام تهديد، وإذا كان المقام مقام ترغيب فإننا نقول للإنسان: انظر كيف كان عاقبة المصلحين.